▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
تَـــٰــرْجَــٰــمَــٰــة:
Arisu-san
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
الفصل 106: الرهان الفاشل
…
صرخ ليروك وتراجع بخطواتٍ سريعة إلى الخلف ليتفادى ضربة آراكا الهجومية.
وبأمرٍ منه، لم يُشكّل العشرات من مشاة إكستيدت المحيطين به أيَّ تشكيلٍ قتاليٍّ ولم يتراجعوا، بل اندفعوا مباشرة نحو حرس الغضب الذين يحيطون بآراكا. فاشتدّ عبوس الأخير.
في خضمّ صخب الزئير وارتطام الحديد بالحديد، التفَّ جنود إكستيدت بعنادٍ حول حرس الغضب، مُطبقين عليهم بإصرارٍ قاتل.
وفي لحظةٍ واحدة، وجد آراكا نفسه في المقدّمة وحيدًا، بلا من يدرأ عنه الضربات من الجانبين، وقد أحاط به سبعة أو ثمانية من مقاتلي إكستيدت بوجوهٍ شرسةٍ مفعمةٍ بالحقد.
تغيّر وجه تاليس تغيّرًا حادًّا.
(تبًّا!)
كان آراكا يعتمد اعتمادًا كبيرًا على تضحية الحرس المحيطين به وحمايتهم له ليحافظ على تفوّقه المطلق في الخطوط الأمامية، ليقاتل دون خوفٍ من الهجمات الجانبية. أمّا الآن، فلو قتل عشرة رجالٍ فحسب، فسيتباطأ إيقاعه ويُحاصر مجددًا في ذلك الطوق الحديديّ الذي لا يُكسر.
حتى المقاتل الأعلى فئةً، لو استُنزف بهذا القدر، لهلك.
وفوق ذلك، أن تواجه في آنٍ واحد أعداء لا يُحصَون، وضرباتٍ من كل صوبٍ وسلاح، أمرٌ لا يخرج منه أحدٌ سالمًا، حتى النخبة من الفئة الفائقة. وهكذا كانت حال آراكا الآن، جراحٌ تتراكم وقوةٌ تتناقص.
كان يلهث قليلًا وهو يُحدّق في الميدان أمامه.
"غطّوه!" تسلّلت آيدا بخفةٍ بين ثلاثة من مشاة إكستيدت المتناسقين في هجماتهم، لكنها لم تكن معتادةً على إيقاع ساحة القتال، حيث السيوف تتقاطع من كل اتجاه، فعجزت عن تخليص نفسها سريعًا.
"غطّوا آراكا! وإلا سيشدّوننا مجددًا إلى قلب طوقهم الحديدي!"
كان وايا محاصرًا بين عدوّين، يعجز عن الفكاك بسرعةٍ بسبب جراحه. أمّا بيوتراي، الذي لا يملك مهاراتهما، فاستطاع ببرودةٍ أن يتخلّص من خصومه ليحمي آراكا.
وبسبب تشكيل "الهجوم المخروطي" الذي استخدمه آراكا، اخترقوا الصفوف بسرعةٍ كبيرة، فاندفع جنود إكستيدت الذين تراجعوا خلفهم في مطاردةٍ جديدة.
اتّسعت عينا رالف، فاندفعت ريحٌ قوية هاجت بين نثار الثلوج لتصنع حاجزًا صدَّ الصفوف الأولى من جنود إكستيدت.
"الجنود الذين يحملون عتاد حرس الغضب قد احتُجزوا جميعًا!" صاح بيوتراي وهو يواجه هجومًا عنيفًا من أحد المشاة، "وواضحٌ أن بعثتنا الدبلوماسية، ومن ضمنهم أنت، لم يشاركوا في حربٍ من قبل—لا قدرة لنا على الاختراق!"
قال وايا وهو يتصدّى لعدوه بسيفه ببطءٍ شديد، "هل بقي غير حرس الغضب والبعثة الدبلوماسية؟ إن استطعنا فقط الخروج من هذا الطوق، سنصل إلى الأمير!"
وسط ضجيج المعركة، استدار جنديٌّ شابٌّ ومُحاربٌ مُخضرم يحمل سيفًا ودرعًا فجأةً معًا.
…
لو كان آراكا ما يزال محاطًا برجال حرس الغضب، لما احتاج أن يقلق على تهديدات الجانبين أو الخلف، وكان يكفيه أن يواجه العدو من الأمام. أمّا الآن، فعليه أن يصدّ الخطر من كلّ اتجاه.
طَنِين!
وجّه ليروك فأسه العظيم بقوّة نحو مطرقة المسامير التي انتزعها آراكا حديثًا! فأطلق الأخير زئيرًا وحشيًّا مكتومًا، حتى إن تاليس شعر بالرهبة من الضغط في الجوّ.
ثم احمرّتا عينا غضب المملكة، وارتجّت المطرقة المعلّقة بفأس ليروك بينما تفجّرت قوته دفعةً واحدة!
طَنِين!
تطايرت الشرارات واللهب، وتراجع ليروك متعثرًا، وقد عضّ على أسنانه من شدّة الصدمة.
"خلفك!" صرخ تاليس بقلقٍ بالغ.
لكن قبل أن يُكمل صرخته، كان آراكا قد استدار في لحظةٍ واحدة، وصَدَّ ضربة السيف القادمة من الخلف بزئيرٍ غاضب ليمنعها من إصابة تاليس.
دارت هيئة غضب المملكة بسرعةٍ خاطفة ليتفادى رأس الرمح الذي اندفع نحوه في اللحظة نفسها، وفي أثناء دورانه رمى المطرقة الثقيلة التي في يده فاخترقت صدر السَيّاف الذي خلفه.
لكن من دون حمايةٍ تغطّيه، عجز آراكا عن مواصلة الهجوم، فتراجع وهو يعرج وقد تباطأت خطواته. تفادى شفرةً استهدفت مقتلَه في جانبه الأيسر، لكن سيفًا آخر شقّ خاصرته وسال الدم منها بغزارة.
"ربما علينا الانسحاب والالتحاق بالحرس!" صاح تاليس بألمٍ من جراحٍ سابقةٍ في ظهره.
لم يُعره الرجل الوحشي اهتمامًا، بل استدار بزئيرٍ خافت، وانقضّ بكتفٍ يفيض قوةً كالبركان على جنديٍّ ممسكٍ بسيفٍ ودرعٍ لم يُمهله الوقت ليحمي نفسه، فحشره الدرع بينهما.
تمزيق!
انتزع آراكا سيف خصمه بعنفٍ وشقّ عنقه بضربةٍ واحدة، فتناثر الدم على جسده.
ولم يكد يلتقط أنفاسه حتى خفَض خصره واستدار بسرعةٍ خاطفة، فجرح سيفٌ عريض كتفه فقط من الخلف.
ثم وجه بركلةٍ منخفضة نحو ركبة خصمه، فدوّى صوت كسر العظم وسقط الجندي مترنّحًا، فشقّ آراكا عنقه واصطاد سيفه الساقط بحركةٍ واحدةٍ متقنة.
وفي تلك اللحظة، عصفَت الرياح عصفًا هادرًا!
طَنينٌ صاعق!
ارتجّت أُذُنا تاليس من شدّة الصوت، ورأى آراكا يرفع السيف والشفرة فوق رأسه وقد غاصت قدماه في الأرض، بينما يُقاوم بفولاذٍ لا يلين ضربة فأس ليروك الهاوية من الأعلى.
"تحكمك الدقيق يجعلك لا تهدر ذرةَ طاقة… أليس كذلك، يا غضب المملكة صاحب الفئة الفائقة؟ رغم أننا هجمنا في الوقت نفسه، قتلتَ ثلاثةً منا!" قال ليروك.
اندفع رمحٌ طويل نحو قلب آراكا، فأمسك غضب المملكة بفأس ليروك بكلتا يديه، ومع براعةٍ لا تُصدَّق أدار صدره لتفادي رأس الرمح، وثبّته بين جذعه وتحت إبطه الأيسر.
ثم هاجمه رمحٌ آخر من حيث لا يدري، فاستثار قوته الماحقة في لحظةٍ واحدة، وتفادى الرمح ليُسقطه تحت قدمه بحركةٍ عنيفةٍ قاسية.
شعر تاليس بقشعريرةٍ تسري في جسده وهو يُشاهد آراكا يثبت الرماحين بيديه، فيما المهاجمان يشدّان قبضتيهما وأسنانهما، ووجهاهما يزرقان من شدّة الضغط في محاولةٍ يائسةٍ لقتله.
(هذا… ليس جيدًا.)
وكما كان متوقَّعًا، لم يُمهله العدوُّ لحظةً واحدة ليلتقط أنفاسه. فقد هاجمه جنديان من إكستيدت، وانطلق سيفاهما الطويلان نحو صدر آراكا ورأسه.
بذل آراكا قصارى جهده ليصدّ الضربة الموجهة إلى صدره، ثم أمسك بالسيف الآخر بإحكام ليمنعه من متابعة هجومه.
هوووش…
انبعث صوتٌ حادٌّ مع هواءٍ يصفر حين هوى الفأس العظيم مجددًا من الأعلى.
"لكن هذه ساحةُ حرب!" ضحك قائد العدو ضحكةً لئيمة وهو يلوّح بفأسه في قوسٍ واسعٍ قاتل، "المعركة لم تكن يومًا مواجهةً فردية! حتى النخبة من الفئة الفائقة… لها حدودها!"
زمجر عددٌ من مشاة إكستيدت بغضب، واندفعوا من خلف ليروك ليُطوّقوا آراكا من جديد.
رفع تاليس يده المرتجفة نحو خنجره وصاح مذهولًا، "احذر!"
وفي اللحظة التالية دوّى صوتُ فأسٍ يشقّ اللحم، مصحوبًا بصوتٍ معدنيٍّ كاسحٍ يُجمّد الدم في العروق!
رَشّة دم!
طَنين!
ارتجف جسد تاليس، وتألّمت أُذناه من شدّة الصدى. (لا…)
لهث الأمير بعنف، واتّسعت عيناه وهو يشاهد شفرة الفأس العظيم تشقّ كتف آراكا الأيسر بثبات. اخترقت الشفرة درع الصدر ومزّقت اللحم حتى توقّفت بين عظمتي الكتف والترقوة.
ولم يكن الفأس يبعد سوى إنشٍ واحد عن كتف تاليس نفسه.
كان آراكا يلهث، والدم يتدفّق من جرحه ليبلّل كتف تاليس بثقله الدافئ.
أما السيف الذي كان في يده اليمنى فقد اختفى تمامًا، وبيدٍ واحدةٍ فقط أمسك بمقبض فأس ليروك، وجسده كله يرتجف في صراع حياةٍ أو موت مع قائد العدو.
لكنّه… لم يكن وحيدًا.
أمام شفرة الفأس مباشرةً، كان جنديٌّ فتيٌّ من الكوكبة، أسود الشعر، بنّي العينين، قد ركع على ركبةٍ واحدة إلى جانب آراكا. عضّ على أسنانه بقوة، ورفع ذراعيه عاليًا فوق رأسه ممسكًا برمحين متوازيين، مستخدمًا كل قوّته ليُقاوم شفرة الفأس المغروسة في كتف آراكا الأيسر.
صرخ ليروك بعينين محمرّتين وهو يُفجّر طاقته الماحقة: "أيها اللعين!" ثم بدأ يضغط ببطءٍ على مقبض فأسه ليغرسه أعمق فأعمق.
وفي الوقت ذاته، بذل الرماحان اللذان كانا يتصارعان مع آراكا كل ما في وسعهما، يحاولان اغتنام اللحظة لقتله.
"لا تحلما بذلك…"
كانت يدا ويلو كين ترتجفان وهو يُمسك بالرمحين بكلّ ما أوتي من قوّة، مُقاومًا ثقل الفأس وضغط الجاذبية، مُخففًا العبء عن آراكا.
كان آراكا يلهث بألمٍ شديد، وعيناه محدِقتان بويلو بنظرةٍ معقّدة.
هبت الريح فجأة، وعبر رالف الهواء نحوهم، يتفادى أسلحة الإكستيدتيون بصعوبةٍ كبيرة، ومعه جنديان من الكوكبة يرتدون زيّ الحصن، هاجموا رجال ليروك الذين كانوا يتهيؤون للدخول إلى المعركة.
اندفع محاربٌ مخضرم من الكوكبة بقوةٍ هائلة، وبدفعٍ واحد بدرعه طرح جنود إكستيدت الذين كانوا يقاتلون آراكا أرضًا.
إنه جينارد، المحارب من "لواء ضوء النجوم". أمسك بعدوّه الهائج وكلاهما يُمسك بيد الآخر التي تحمل السيف، يتصارعان بقوّتهما وصبرهما ليغرس أحدهما نصل سيفه في مقتل خصمه قبل الآخر.
"هل بقي أحد؟!" صاح تاليس بقلقٍ وهو يجرّ خنجره بصعوبة، متردّدًا إن كان عليه قطع الحبل الذي يُقيّده خلف ظهر آراكا.
صرخ جينارد بأعلى صوته أثناء اشتباكه، "لم يبقَ إلا قلّة! حرس الغضب ورجالك جميعهم مشغولون بالقتال! عليك أن تُثبت فاعليتك يا جنديَّ الرماحين الهارب!"
احمرّ وجه ويلو، واهتزّت يداه بقوةٍ وهما تُقاومان ضغط الفأس العظيم.
"قلتُ لك من قبل…"
صرخ جنديٌّ من إكستيدت كان رمحه عالقًا بين ذراع آراكا اليسرى وجذعه، ثم ألقى رمحه أرضًا وسحب خنجرًا صغيرًا من ظهره وانقضّ على آراكا المتجمد في مكانه.
أرخى آراكا ذراعه اليسرى وأمسك بمقبض فأس ليروك بكلتا يديه، والنار تشتعل في عينيه.
شد ويلو على اسنانه وتحدث، "أنا لستُ جبانًا هاربًا!"
اندفع الجندي كالمجنون نحو آراكا وتاليس وخنجره مرفوع، وارتجف تاليس وهو يقطع الحبل بسرعة.
سحب ويلو ذراعه اليمنى التي تمسك برمحٍ واحد، بينما ظلّ يصدّ الفأس بيده اليسرى بصعوبة، وصاح بيأسٍ، "وأيضًا… أنا بارعٌ حقًّا في… القتال برمحين!"
اندفع رمحه الأيمن فجأة! فتراجع جنديّ إكستيدت بخنجره خطوةً مبتعدًا عن رمح ويلو المفرد.
شعر تاليس ببرودةٍ حادةٍ تغزو صدره. (تبًّا، لقد أخطأ الهدف!)
لكن يد ويلو ارتجفت فجأة، وامتلأ طرف رمحه ببريقٍ خاطف، فانطلق عمود الرمح من قبضته كالسهم!
تمزيق!
خفض جنديّ إكستيدت رأسه بدهشة، وسقط الخنجر من يده.
لم يعد رمح ويلو في قبضته، إذ كان رأسه قد استقرّ عميقًا في عنق الجندي.
زفر تاليس أنفاسًا طويلةً متقطّعة، وشعر بأن ذهنه بدأ يسترخي أخيرًا. (يا لها من لحظةٍ فاصلة!)
لكن ويلو، وقد استُنزفت كلّ قوّته، كان يلهث، وسقط الرمح اليساري من يده المرتجفة، وانهار على الأرض مُنهكًا.
غير أنّ فأس ليروك لم ينزل بعد.
مرةً أخرى، شعر تاليس بانفجار قوّةٍ جديدةٍ من جسد الرجل الذي يحمله.
حدّق ليروك بدهشة في فأسه العظيم، بينما كان غضب المملكة يرفعه ببطءٍ إنشًا بعد آخر بذراعيه.
نهض الرجل الوحشيّ ببطءٍ من الأرض، كبركانٍ يوشك على الانفجار.
لهث آراكا وتحدث بصوتٍ متقطّعٍ، "ألم يُخبرك قائدك من قبل؟"
ارتجف جسده كوحشٍ جريحٍ وهو يطلق قوّةً مروّعةً من ذراعيه دفعةً واحدة، فدفع الفأس نحو الأمام بقوةٍ هائلة، فتعثّر ليروك وتراجع، ولولا أن أحد جنوده أمسكه من الخلف لسقط أرضًا.
تابع آراكا بابتسامةٍ متوحّشة، "إن سنحت لك الفرصة لقتلي… فاقتُلني بضربةٍ واحدة. أمّا إن فشلت…" أطلق ضحكةً خافتةً مرعبة، ثم تبدّل وجهه فجأة.
شاهد تاليس بذهولٍ الموجات المتفجرة في جسد آراكا تتفاعل كحممٍ بركانيةٍ تغلي، تتوهّج وتشتعل من الداخل!
عقد ليروك حاجبيه وهو يحدّق في البريق الأحمر الضعيف المنبعث من عيني آراكا، فيما تقلّصت عضلات كتفه الجريح وانكمشت لتسدّ الجرح وتمنع النزيف.
(ما هذا؟) تذكّر ليروك أسطورة غضب المملكة. (لا… مستحيل. إنه بشرٌ مثلنا… أليس كذلك؟)
وسط صخب المعركة، صرخ ليروك بغضبٍ عارم، وحشد كلّ قوّته واندفع نحو آراكا ومعه أقرب رجاله الموثوقين، وانطلقت سبعة أو ثمانية أسلحةٍ في وقتٍ واحدٍ نحوه!
…
في الجهة الأخرى، كان الكونت ليفان يُحدّق في رسول الجيش بدهشةٍ عارمة، وقد تلوّنت ملامحه بعدم التصديق.
"أربع دقائق؟! ذلك الرجل تقدّم في الصفوف وحده… واستغرق أربع دقائق فقط لاختراق تشكيلنا القتالي؟!" أمسك الكونت بتلابيب الرسول بعنفٍ وصاح، "مستحيل! تلك ستّ وحداتٍ عسكرية! يقارب عددهم ألفين وخمسمئة رجل! يُطوّقونه من جميع الجهات!"
قال الرسول وهو يلهث بشدّة: "لـ… لم يُخترق كليًّا بعد." بدا عليه الغيظ ذاته، وأكمل بأسنانٍ مشدودة: "الجنود من الجهات الأخرى يحاولون سدّ الثغرة… يمكننا إنهاكه حتى الموت إن استمرّ القتال…"
لم يُكمل حديثه. فبالنسبة لجنديٍ شماليٍّ شجاعٍ مثله، كانت عبارة «إرهاقه حتى الموت» بحدّ ذاتها قريبةً من العار.
"لا تُفاجأ." تقدَّم الفيكونت كينتفيدا من جانبه، ووضع يده فوق يد الكونت وتنهد. "لقد كنَّا نتطلَّع منذ زمنٍ طويلٍ لمواجهة غضب المملكة. حتى حرّاس النصل الأبيض لم يتمكنوا من صدّ هجماته الوحشية وجهاً لوجه."
"لكن… أربع دقائق…" اتخذ الكونت ليفان ملامح جديّة. "هذا كثير…"
"آراكا مورخ وقوته كانا جزءاً من خطّتنا منذ البداية." سُمع صوتٌ رصين من الخلف، فانحنى كلٌّ من كينتفيدا وليفان احتراماً. "إن تولّى هو الهجوم بنفسه، فبوسعه أن يخترق صفوفنا أبعد من ذلك برفقة أمير الكوكبة."
على صهوة جواده، حدّق الآرشيدوق لامبارد في المعركة البعيدة وتنهد. "إن حاولوا اختراق الخط في اتجاه الحصن، فسيكون وقع الصدمة النفسيّة على الحصن أقوى… وحينها سترتفع احتمالات نجاح خطّتنا في استدراج ساسيري. عندها لن تتوقّف معنويات الحصن على ما إذا كانت ساسيري سترسل جيوشها أم لا.
يا للأسف. من صاحب الفكرة التي جعلتهم يتجهون شمالاً بدلاً من صوب الحصن، ليهاجموا في الاتجاه المعاكس… لا أحد يعلم." هزّ الآرشيدوق رأسه بأسفٍ بالغ.
استعاد الكونت ليفان رباطة جأشه وقال بجبينٍ متجعد، "هل وافق الأمير ذو الأعوام السبعة على السعي وراء الموت بهذه الطريقة؟"
"لا جدوى من التفكير الزائد." شدّد لامبارد ملامحه وهزّ رأسه بحزم. "لقد أصبح استعادة الحصن أمراً مستحيلاً."
"هناك مشكلة أخرى. طالما أنّ مورخ يحمل قوسه، فسيكون من الصعب على المشاة إنهاك قواه بعددهم فحسب." قطّب الفيكونت كينتفيدا حاجبيه مفكّراً. "كما أنّ تطويق المشاة من الشمال ليس بإحكام الجنوب، فهناك احتمالٌ كبير أن يتمكّن من شقّ طريقه إلينا مباشرة. سيكون ذلك موقفاً حرجاً. كيف سنتعامل مع مورخ وذلك الأمير؟"
"إن لم تستطع المشاة الخفيفة تطويقه ومنعه…" تلألأت عينا الكونت ليفان وقال بنبرةٍ جادّة: "لكنّه ما زال يحمل عبئاً، ولا يستطيع دخول ساحة المعركة والخروج منها كما يشاء! دعوا المشاة الخفيفة يواصلون صدّ الآخرين، وانقلوا القوّة الرئيسيّة المخصّصة للهجوم على الحصن إلى هنا. سواء كان هجوم المرتزقة المزدوجون أو اندفاع الفرسان الثقال البعيد المدى، فكلاهما قادرٌ على قتلهم جميعاً بسهولة… بما في ذلك مورخ."
"لكن لدينا خبرة سابقة. فبناءً على مهارات غضب المملكة في ساحة القتال، ففاعليته في قتل المشاة الخفيفة والمرتزقة المزدوجون متساوية." هزّ الفيكونت كينتفيدا رأسه. "وحتى لو نجحنا، فهناك احتمال كبير أن نقتل أمير الكوكبة معه. هذه ليست خطوةً جيّدة… أخشى أنّ علينا ابتكار خطة أخرى."
"أرجوك، دعني أذهب، سموّك." من خلف لامبارد، انحنى اللورد توليا قليلاً عن صهوة جواده وهو يحمل سيفاً ذا شكلٍ غريب. تلألأت في عينيه رغبةٌ لا حدّ لها في القتال. "سأستعيد من جثة مورخ القوس الذي يخصّ إكستيدت. إن لم نتمكن من إرسال قوّتنا الرئيسيّة… فأنا الوحيد القادر هنا على مواجهته." حدّق توليا في الآرشيدوق بنظرةٍ متّقدة. "دع سيف الشّمس الصاعدة يواجه القوس الساكن."
داعب لامبارد سيفه عند خاصرته متفكّراً، وبعد أكثر من عشر ثوانٍ هزّ رأسه ببطء ورفض. "كلا، لا أرغب بحدوث أي طارئٍ لك. فحتى دون قوسه، يبقى مورخ شديد البأس."
ارتسمت خيبة الأمل في عيني توليا.
"فهو الآن مغطّى بالجراح بعد قتالٍ دام نحو ثماني دقائق، وذلك يجعله أخطر." تابع الفيكونت كينتفيدا كلام الآرشيدوق بحذر.
"كلّنا نعرف أسطورة ذلك الرجل. سمعت أنّ برج الإبادة منح قدرته المتحوّرة اسماً خاصاً، أليس كذلك؟"
رفع لامبارد رأسه وتنهد بخفوت. "نعم، غضب السماء المظلمة—قوة الإبادة التي وُلدت من أجل ساحة القتال."
قبض توليا على قبضته بإحكامٍ حول نصله، فيما تردّد صوت الآرشيدوق بنبرةٍ واهنة: "كلّما قاتل أكثر، ازدادت جراحه. وكلّما ازدادت جراحه، ازداد قوة."
…..
حين استعاد تاليس وعيه، حدّق بدهشةٍ وهو يرى آراكا يندفع بأقصى سرعته نحو السبعة أو الثمانية الذين أمامهم.
من دون أي حمايةٍ على جانبيه، بدأ اختراقه من جديد. وعندما واجه سيوف خصومه، تحرّك جسد آراكا بحركةٍ غريبةٍ بدت كأنها تبعث تموّجاً في الهواء. أحسّ تاليس على ظهره بدوارٍ مفاجئ.
اخترق سيفٌ درع صدر آراكا وخلف جرحاً عميقاً بين أضلعه. فيما مرّت مطرقةٌ متصلةٌ بسلسلةٍ قرب ساقه اليمنى المرفوعة وانتزعت قطعة لحمٍ منها. وتناثرت شراراتٌ لا تُحصى حين صدّت قفّازته اليمنى نصل سيفٍ آخر.
أما فأس ليروك العظيمة فقد مرّت بمحاذاة رأسه حين أدار آراكا رأسه فجأة، فمرّت الريح الناتجة عن حركتها على أذنه. وانزلقت رمحٌ طويلٍ على فخذه ببضعة سنتيمترات فقط. وأخيراً، غاص خنجرٌ في عضلة ذراعه اليسرى العارية، دون أن يخرج منها دمٌ كثير.
بدت حركته بسيطة، وكأنّه انزاح قليلاً ليتفادى جميع الضربات المميتة في لحظةٍ واحدة، لكن تاليس أدرك أنّ تلك الحركة لم تكن بسيطةً البتّة.
لم يبدُ أنّ آراكا يهتمّ بعدد الجراح التي تراكمت على جسده. كلّ ما فعله أنّه اندفع للأمام بعينين محمومتين، يهاجم بجنون… حتى اقتحم صفوف أعدائه.
"اقتلوه!" صاح ليروك غاضباً وهو يسحب فأسه العظيمة.
لكن من الواضح أنّ جنود إكستيدت المرتبكين لم يعودوا قادرين على مجاراة إيقاع آراكا.
وفي اللحظة التالية، أطلق آراكا زئيراً هادراً هزّ السماء، وانفجرت حرارةٌ مدهشةٌ من قبضته اليمنى، ثم غرسها في وجه أحد السيّافين بصوتٍ واضحٍ لتحطّم العظام. فصرخ الجنديّ بجنونٍ وعذاب.
قهقه آراكا ضاحكاً حين انفجرت طاقة الإبادة من جسده بعنف. وبقوةٍ متّقدة، اصطدم بكتفه بدرع خصمه الذي يلوّح بمطرقةٍ متصلةٍ بسلسلة، فارتفع الأخير في الهواء صارخاً ألماً.
التقط غضب المملكة المطرقة والسلسلة من يد خصمه بخفةٍ مذهلة، ثم استدار وضرب بها السيف الذي استهدف مؤخرة رأسه، مطيراً إياه في الهواء. ولم تتوقّف المطرقة الملتفّة بسلسلتها، بل تابعت دورتها لتصطدم بجماجم عدوٍّ آخر.
تناثرت الدماء والأنسجة في كل اتجاه. دار آراكا مجدداً وأحكم السلسلة حول خنجرٍ معادٍ، ثم جذب خصمه نحوه، ليستخدم بطن ذلك الرجل كدرعٍ صدّ به سيفاً آخر كان يهوي نحوه فوراً.
تجمّد السيّاف الذي قتل رفيقه بالخطأ لثانيةٍ واحدة، قبل أن يقبض آراكا على سترته ويسحبه نحوه ليفتت قصبته الهوائية.
سقط الجنود الخمسة من إكستيدت أرضاً في لحظةٍ واحدةٍ عند قدمي آراكا. زمجر ليروك غاضباً وأهوى بفأسه!
تراجع آراكا بسرعةٍ مدهشة متفادياً قوس الضربة بدقة. كان تاليس قد فقد توازنه من المعركة التي تتقلّب فيها الأجساد والاتجاهات، حتى كاد يغيب عن وعيه حين تراجع آراكا.
لكن بعد ذلك، دوّى انفجارٌ هائل من جسد غضب المملكة!
انطلقت قوّته المنفجرة فجأة، ثم اندفعت نحو ليروك الذي لم يتمكن من سحب فأسه في الوقت المناسب!
تراقصت الأضواء أمام عيني تاليس وارتبكت رؤيته. رأى يدي آراكا تمسكان بمقبض الفأس الطويل.
"يعجبني فأسك."
سمع تاليس ضحكةً مجلجلةً من غضب المملكة، يعقبها عويل يائس من ليروك.
وحين رفع رأسه مجدداً، رأى آراكا يلوّح بفأس ليروك المزدوجة، ثم يهوي بها على وجه صاحبها.
تطاير الأخير بعيداً كطائرةٍ مقطوعة الخيط.
بوجهٍ ملطّخٍ بالدماء، لوّح آراكا بالفأس الضخمة وصاح في رفاقه من خلفه: "اتبعوني!"
ثمّ اندفع بالفأس ذات الحدّين كوحشٍ مفترسٍ بين الجموع، شاقّاً طريقاً دموياً بين صفوفهم.
حيثما مرّ، تطايرت الدماء والأشلاء في كلّ اتجاه. ارتبك جنود إكستيدت من هول مقتل قائدهم وهيجان غضب المملكة الجارف.
لكن في اللحظة التالية… اهتزّ جسد غضب المملكة فجأة.
غرس فأسه في الأرض وحدّق في الإكستيدتيان أمامه وهو يلهث، فيما ظلّ الإكستيدتيون واقفين في صفوفهم المنظّمة تتنازعهم الحيرة.
اندهش تاليس كثيرًا.
"أيها البارون مورخ، هل لا تزال تملك القوة لتصمد؟"
"هذه مجرّد مواجهة مع تشكيل من المشاة الخفيفة." لهث آراكا بتعبٍ وأجاب بنفاد صبر: "اضطررتُ إلى استخدام هذه اللعبة حتى لهذا الحدّ… لو أنني كنتُ أصغر بعشر سنين… لا، بخمس فقط…"
تجمّد تاليس للحظة.
وفي تلك اللحظة بالذات، أحسّ بإحساسٍ معدنيٍّ باردٍ… برودةٍ لم يسبق أن اختبر مثلها، تتسلّل إلى حواسه.
كان القوس. القوس الذي يحمله آراكا على ظهره!
وبتزامنٍ مع كلمات آراكا، بدأ القوس العظيم الفضيّ الأسود الذي لامس جلد تاليس بالاهتزاز. فارتعش الصبيّ.
وفي تلك اللحظة، شعر تاليس بحرارةٍ تندفع من أعماقه — تمامًا كالقوس العظيم الذي بدا وكأن تيارًا كهربائيًّا خفيفًا يجري عبره — كما لو أنه يرفض لمسه.
وفي اللحظة التالية، أخذ آراكا المنهك نفسًا عميقًا، وبدأ جسده كله بالارتجاف.
حدّق جنود إكستيدت بدهشةٍ في غضب المملكة وهو يقف ببطء، يلوّح بالفأس الضخم بخفةٍ، وكأن طاقته قد تجدّدت من جديد.
"دعهم يستعيدون ذكريات الأيام الخوالي." أطلق آراكا ابتسامةً مرعبة وهو يحدّق في أعدائه الذين امتلأت وجوههم بالمشاعر المتناقضة.
اختفى الشعور المزعج الذي يشبه الصدمة الكهربائية تدريجيًا من جسد تاليس. قاوم الصبيّ الإحساس غير المريح الذي سبّبه القوس العظيم وسأل: "ما هذا؟"
حرّك آراكا عنقه، وانبعثت من جسده روح القتال من جديد.
"إنه أعجب سلاحٍ في العالم كلّه." ابتسم بخبث وقال: "كل سلاحٍ يمنح مستخدمه قوّةً تناسبه."
تفاجأ تاليس، ثم أمعن النظر في ذلك القوس العظيم المعدني الفضيّ الأسود من جديد.
"المعدّات الأسطورية المضادّة للصوفيين؟" أدرك فجأة أن هذا القوس لم يكن له وتر.
"صحيح." أومأ غضب المملكة. "إنه القوس الساكن."
"إذن… ما هي قدرته؟" سأل تاليس بحيرة، رغم أنه كان يعلم الجواب في قرارة نفسه وهو يرى قوّة آراكا الجسدية تعود إليه كالعنقاء التي تبعث من رمادها.
لم يسمع سوى آراكا وهو يزفر بازدراء: "الحركة الدائمة."
تجمّد تاليس قليلًا، وما إن فهم معنى الكلمة حتى تبدّل وجهه فجأة.
(الحركة الدائمة؟ إن كان المعنى حرفيًّا… فهذا جنون!)
تدفّقت إلى ذهنه ذكرياتٌ من الماضي…
"الرامون يموتون دائمًا؟ مهلاً، ما معنى ذلك؟"
"أوه، أوه، أوه! السيّد تشيرين — الذي لا يفكر سوى في دراسة الكتب الأربعة والخمسة الكلاسيكية [1] — سيدخل عالم الأنمي أيضًا؟! تعال، عندي عملٌ مذهل أريد أن أُريك إياه بسبب ما قلته الآن… إنّه حكاية علاقة الحبّ والكراهية بين معلمٍ وتابعه [2]…"
"هاه؟ أنا فقط فضولي بعد قراءة هذا المنشور… هيه- أنتَ- لا تأخذ فأرتي منّي!"
هزّ تاليس رأسه بقوة، وقمع الذكريات المتلألئة والغثيان الذي تسبّب به رائحة الدم في ساحة المعركة داخل صدره.
أنهى جينارد خصمه وسحب ويلو المنهك، ووقف الاثنان على جانبي آراكا، بينما تبعه رالف بوجهٍ مفعمٍ بالتعقيد.
موت ليروك جلب الفوضى على صفوف الإكستيدتيان، كما أنّ حرّاس الغضب تمكنوا أخيرًا من التحرّر من تشابك المشاة.
"أيها الفتى ذو الرمحين المزدوجين." التفت آراكا فجأة إلى ويلو.
ارتجف ويلو بغتة. قبل ثلاثة أيام فقط، كان هذا الرجل يريد أن يرسله إلى المشنقة.
"يبدو أنّك لستَ فارًّا من الجيش حقًا." زمجر آراكا بخفة.
اغتبط وجه ويلو فرحًا.
"لكن مهارتك في استعمال الرمحين معًا رديئة."
تجمّد تعبير ويلو.
"لا تكترث لذلك." ابتسم تاليس من خلف آراكا. "تلك طريقته في قول 'شكرًا'."
أصدر آراكا أنفاسًا باردة وهو يلوّح بالفأس العظيم ويتقدّم بخطًى واسعة وسريعة.
"في المرة القادمة استخدم رمحًا طويلًا وآخر قصيرًا." جاء صوته من الأمام. "الرمحان المتساويان في الطول… حماقة كبيرة."
بُهت ويلو لحظة، لكنّ ابتسامةً سرعان ما ارتسمت على وجهه، وسارع للحاق بهم.
كانت صفوف الإكستيدتيان أمامهم قد بدأت تتباعد.
لم يعد معسكر لامبارد بعيدًا.
…..
زمجر أحد حرّاس الغضب وهو يغرس سيفه في جسد أحد جنود إكستيدت إلى جانب آراكا، وفي اللحظة نفسها سحب فأسًا من بطنه السفلي. لهث مرتين قبل أن يحدّق في آراكا بعجز، ثم سقط أرضًا.
اهتزّ جسد آراكا قليلًا، لكنه مع ذلك اخترق الصفّ الأخير من الأعداء دون أن يلتفت.
وأخيرًا، شقّ الناجون من حرّاس الغضب وأعضاء البعثة الدبلوماسية طريقهم خارج الحصار.
وكأنّ المشاة خلفهم تلقّوا أمرًا، فلم يطاردوهم بعد أن نجحوا في كسر الطوق.
أصبح بإمكانهم رؤية كتلة جيش عائلة لامبارد تلوح أمامهم. رفع تاليس رأسه وهو لم يزل مبهوتًا.
رمى آراكا فأس ليروك من يده، وقطع الحبل المثبّت حول جسد تاليس وهو يسأله بهدوء: "هل أنت متأكد أن هذه فرصتنا؟"
"علينا أن نُغامر." نزل تاليس إلى الأرض وشعر باختلال توازنه، فتقيّأ قليلًا. "نُغامر على أن لامبارد لن يجرؤ على قتلي. والرهان… هو حياتي."
لكن آراكا التقطه مجددًا ووضعه على ظهره، ثم واصل التقدّم.
كان جسد بيوتراي مغطّى بالدماء وهو يهرع إليهم من الخلف. قال بأنفاسٍ متقطّعة: "على الأقل، السيدة ساسيري لم تعد مضطرة للتردّد بينك وبين الحصن بعد الآن، يا سموّك."
قبض تاليس على كتفي آراكا وأومأ. التفت خلفه فجأة، فرأى رامون الذي ما زال بين صفوفهم.
"أهو حيّ؟" عبس تاليس.
"نعم، رغم أني رأيته في خطرٍ قاتلٍ أكثر من مرة، إلا أن حظّه كان حسنًا في كل مرة." قال بيوتراي معتذرًا.
زفر تاليس وهو يحدّق في رامون الذي بدا على وجهه أثر الرعب من أهوال المعركة.
(كنت أعلم ذلك.)
واصل بيوتراي كلامه: "لكن حرّاس الغضب تعرّضوا لخسائر جسيمة، وقد ضحّى نصف المخضرمين من البعثة تقريبًا…"
أظلم وجه تاليس، وشعر بجسد آراكا يرتجف وهو يحمله على ظهره.
"من الأفضل أن تكون محقًّا، أيها الأمير الصغير." خرج صوته مبحوحًا مرتعشًا، "لأن كل هذا… من أجلك وحدك…"
التفت بوجهٍ متألّم إلى الجنود الملطّخين بالجراح، والجثث الكثيرة التي خلفهم.
التفت تاليس بدوره وحدّق في الطريق الذي اخترقه آراكا. من هناك إلى هنا، امتدّ خطّ مستقيم تقريبًا من جثث حرّاس الغضب.
قبل ثلاثة أيام فقط، كانوا يقبضون على مقابض سيوفهم بوجوهٍ صارمة في مواجهةٍ متوترة مع سونيا وفصيلها في الحصن.
وبعد ثلاثة أيام، لن يعودوا أبدًا.
"أردتَ أن أُثبت لك أنني أشجع مقاتلي الكوكبة؟" قال آراكا بصوتٍ خفيض، فتجمّد تاليس.
قطّب آراكا حاجبيه وتسارعت أنفاسه. "هذه هي الحُجّة… لم أكن يومًا 'غضب المملكة'، بل كان هناك فقط حرّاس الغضب وتضحياتهم."
ثم واصل التقدّم حاملاً تاليس المذهول. لم يبق سوى مسافةٍ قصيرة عن راية القبضة الحديدية.
"دان، لوسا، جيليان، بيرلاند!" صرخ آراكا بأسماءٍ واحدًا تلو الآخر بأسنانٍ مشدودة. "لولاهم… لكنت ميتًا عشرة آلاف مرة!"
"هم… منذ الماضي، والحاضر، والمستقبل، جميع أفراد الحرس الذين بذلوا أرواحهم… هُم الغضب الحقيقي للمملكة."
خفض تاليس رأسه بوجهٍ معقّد. وفي تلك اللحظة بالذات—
"انتظر!" صرخ آراكا فجأة!
ارتعد تاليس ورفع رأسه على الفور.
من أحد جوانب معسكر إكستيدت، خرجت وحدة من الجنود — قليلة العدد، لكنهم مدججون بالسلاح — يسيرون بانتظامٍ أمامهم. رفع الجميع رؤوسهم ليروا ما يحدث.
عمّ الاضطراب بين الناجين من الكوكبة؛ فاجأهم المشهد جميعًا.
"اللعنة!" ضربت آيدا قبضتها على كتف بيوتراي وقالت بغضب: "ما الذي فعلته بالضبط؟!"
"أنا؟ لا شيء." حدّق بيوتراي في الوحدة بدهشة. "كل ما حدث اليوم… ليس كما ينبغي! هذا ليس ما كان يجب أن يكون عليه الأمر!"
صرخ رامون وهو يرتمي أرضًا. "كنت أعلم ذلك! اتباع هذا الأمير… ضربٌ من الجنون!"
أصاب الذعر وايا، فاندفع نحو تاليس. "سموك، ابحث عن غطاءٍ حالًا!"
ارتبك رالف وراح يهزّ رأسه بلا توقف.
وفي الحشد، وخز ويلو جينارد إلى جانبه بوجهٍ حائر، "ما هذا؟"
"ما هذا؟!" قطّب جينارد حاجبيه وأجاب بعصبية، "عبّارو نهر الجحيم!"
هزّ ويلو رأسه مذهولًا.
أما تاليس، فكان يرمقهم بوجهٍ تملؤه الحيرة. (ما الذي يجري؟ تلك الوحدة الصغيرة من الجنود…)
"درع القوس الضوئي!" صرخ آراكا وهو يضع تاليس أرضًا، "اصطفّوا فورًا! اضبطوا زاوية الانحراف!"
تحرّك كلّ جندي من الكوكبة في جنون. حرّاس الغضب وقدامى محاربي الحصن سحبوا دروعهم من ظهورهم، وخصوصًا تلك التي تشعّ بلمعانٍ معدنيّ.
اصطفّ الجنود في تشكيلٍ حربيّ ذي طبقاتٍ متفاوتة، ثم رفعوا دروعهم أمامهم.
ورغم أنّ هذا التشكيل يعود إلى تقاليد مشاة الإمبراطورية القديمة، إلا أنّ ترتيب الصفوف هذه المرّة كان مختلفًا تمامًا. كانت الصفوف مركّزةً على نحوٍ غير معتاد، لا تتجاوز صفًا واحدًا من الجاثين والواقفين المتلاصقين، يواجهون مباشرة تلك الوحدة الغريبة من جنود إكستيدت.
وأثناء مراقبته للوضع، سأل تاليس بصوتٍ مرتفع لأنه لم يفهم بعد: "ما الذي يحدث؟ من هم هؤلاء الجنود؟"
عمّ الصمت فجأة.
قطع آراكا الصمت وهو يزمّ أسنانه: "قلتَ إنك تراهن على أنّ لامبارد لن يجرؤ على قتلك؟"
نظر تاليس إليه بحيرة.
"يبدو أن هذا رهانٌ خاسر." تكلّم آراكا بوجهٍ محتقنٍ غضبًا وهو يشير إلى كتيبة الجنود في البعيد. "أترى أولئك الذين جاؤوا لاستقبالنا؟"
ضيّق تاليس عينيه، وأدرك فجأة أنّ أولئك الجنود يحملون عصيًا طويلةً ثقيلةً وغريبة الشكل. وضعوا يدًا في المقدّمة وأخرى في المؤخرة، ووجّهوا طرفها نحوهما.
(هذا الوضع…) ارتجف قلبه!
سمع زمجرة آراكا وهو يكبح غضبه بصعوبة.
"إنهم… وحدة البنادق الصوفية."
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬