▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
تَـــٰــرْجَــٰــمَــٰــة:
Arisu-san
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
الفصل 104: المقامرة (2)
….
بعيدًا، جلس آرشيدوق الرمال السوداء، تشابمان لامبارد، بكامل عُدّته فوق صهوة جواده.
محاطًا بعدد لا يُحصى من جنود المشاة والفرسان، كان يُحدّق في البعيد بنظرة باردة لا مبالاة فيها.
وسط صيحات المعركة الصاخبة، كانت رايتان تابعتان للكوكبة ترفرفان على مسافة، تحت حصارٍ من أكثر من ألفي جندي مشاة إكستيدت خفيفي العُدة، مقسّمين إلى ستّ سرايا ضخمة.
مدّ لامبارد يده ولمس سيفه المُعلّق على خاصرته.
ذلك السيف نفسه الذي قتل به شقيقه الأكبر في المبارزة. لم يفترق عنه منذ أكثر من عشر سنوات.
قال بصوتٍ خافت خلفه الكونت ليفان:
"لقد بدأت المعركة. سيكسرون الحصار قريبًا وينسحبون نحو الحصن. علينا فقط أن ننتظر حتى تُرسل ساسيري قوات الدعم."
أومأ مستشاره الأقرب، الفيكونت كينتفيدا، موافقًا.
"سلاح الفرسان الخفيف والمشاة على جانبي ساحة المعركة مستعدّون بالفعل. سنتمكن من الالتفاف بسرعة على أيّ قواتٍ تأتي لمساعدتهم من الحصن."
"الفرسان وثلاثمائة من سلاح الفرسان الثقيل قد خففوا نصف حمولتهم بالفعل. سيكون بإمكانهم الاندفاع بسرعةٍ أكبر… حتى لو خرج جميع الثلاثة آلاف في الحصن متشابكي الأيدي، فسنتمكن على الأقل من سحق طليعتهم فورًا. هذا إن لم يتراجعوا خلال خمس دقائق."
"خمسمائة من السيافين الثقيلين وثمانمائة من حاملي الفؤوس المدرّعين ينتظرون الأوامر. يمكنهم التقدّم بعد ذلك…"
"الرماة، ووحدة الأسلحة الصوفية، والمجندون العاديون الباقون يمكنهم كذلك شنّ الهجوم."
"عندما يبدؤون بكسر الطوق، يمكننا استغلال الفرصة للتقدّم. على المشاة الثقيلة أن تنطلق أولاً."
غير أنّ تشابمان لامبارد رفع يده في تلك اللحظة، قاطعًا تقرير كينتفيدا بملامح جادّة.
"لا. ليبقَ الجميع في مواقعهم بانتظار الأوامر. لا يُسمح لأحد بالاقتراب من ساحة المعركة دون إذن."
"دعوا المشاة الخفيفين يواصلون القتال."
"علينا أن نمنح زهرة الحصن بعض الوقت لتفكّر فيما إن كانت سترسل قوات الإنقاذ أم لا."
تصلّب وجه اللورد تولجا الواقف بجانب الآرشيدوق بعد أن سمع كلماته.
"إن كسروا الطوق متّجهين نحو الحصن، فالأفضل أن تلاحقهم قواتنا الرئيسية بمسافة مناسبة." ولأنه مُلِمٌّ بشؤون المعارك، عبس وقال: "إن كانت المسافة بعيدة جدًا، فحتى لو اعترض فرساننا قوات دعم ساسيري، فلن يتمكن المشاة الثقيلة من اللحاق بهم. وأنسَ مسألة إبادة خصومها في عملية ميدانية، فبقدراتها يمكنها بسهولة استعادة الأمير في الوقت المناسب."
"وإن حدث ذلك، سواء استغللنا الفرصة لحصار المدينة أو لاستنزاف قواتها في الميدان، فستفقد خطتنا معناها."
كان لامبارد يراقب سير المعركة من بعيد، وهزّ رأسه ببطء.
"ساسيري امرأة حذرة." قال الآرشيدوق وهو يحدّق نحو حصن التنين المحطم بنظرة متفحّصة، متحدثًا ببطء.
"لكي نُغريها بإرسال قواتها، علينا أن نُخاطر ونمنحها بعض الأمل. إن لم تُرسل قواتها، فسيهلك أميرهم حتمًا في ساحة القتال. أمّا إن أرسلتها، فستكون هناك فرصة بنسبة خمسين بالمئة لاستعادته."
"وكلّما اقترب الأمير من الحصن أثناء اختراقه للحصار من الخلف، ازدادت فرصتهم في استعادته…"
"حين ترى أن الأمل يزداد، وأن احتمالية النجاح ترتفع، فلن تتمالك سونيا ساسيري نفسها، وستتردّد. حتى من هم أكثر حذرًا وعقلانيةً منها سيقعون في الإغراء."
تألّقت عينا لامبارد برغبةٍ لم يسبق لها مثيل في التحدّي، وتثبّتت نظرته على راية الكوكبة التي ترفرف فوق حصن التنين المحطم، راية النجمتين المتصالبتين.
"الآن، سنرى ما الذي ستختاره خصمتنا القديمة، زهرة الحصن.
سونيا ساسيري، هل سترسلين تعزيزاتٍ لإنقاذ أميرك الوحيد؟ أم ستقفين عاجزةً تشاهدين وريث الكوكبة يهلك في المعركة؟"
…
"ما الذي يجري؟!"
من على جدار الحصن العالي، كانت سونيا تراقب المعركة الفوضوية المشتعلة في السهل البعيد، فقبضت على قبضتها وضربت بها جدار الحصن بقوة.
"هل ينوي لامبارد قتل سموّه أمام الجميع؟!"
"إنهم لا يتجاوزون ألفين وثلاثمائة من المشاة الخفيفين المحاصرين للأمير. مع وجود حُرّاس الغضب هناك، قد يتمكنون من الصمود لبعض الوقت."
"لكن الفارق في العدد كبير للغاية." قالت وهي تتابع مواقع العدو في السهل، عاقدة حاجبيها. "القوات الرئيسية للامبارد بعيدة جدًا. إن استطاع البارون مورخ كسر الطوق وهو يصحب الأمير، وتراجع لمسافة كافية، فسنتمكن من إرسال التعزيزات في الوقت المناسب لتمزيق حصار المشاة الخفيفين واستعادة سموّه."
استدارت ميراندا نحو سونيا وقالت، "أستطيع شنّ هجومٍ مضاد. أحتاج إلى ألف رجل، من النخبة القادرين على اختراق تشكيل العدو، مثل لواء ضوء النجوم.
"يمكن للواء خاصتهم أن يمتطي الخيول. والخصم لا يملك سوى مشاة خفاف. إن كان الهدف هو اختراق الحصار وإنقاذ سموّه فقط—"
"مستحيل!" نظرت سونيا إلى ساحة المعركة العالقة في الجمود، وغلبها الغضب.
"مجموعة الأمير الدبلوماسية ليست هدفه الرئيسي…"
"إن أرسلنا نخبة دفاع المدينة الوحيدة لإنقاذ الأمير… فذلك ما يريده لامبارد بالضبط!"
"أستطيع أن أضمن أن فرسانه مستعدّون للانقضاض بأقصى سرعة لاعتراض تعزيزاتنا مهما كلّف الأمر. سيتحدّون سهام القلاع غير مبالين بالخسائر لمجرد اختراق بوابة الحصن. ومن هناك، سيشنّون علينا هجومًا واسع النطاق…"
"سيتمكنون على الأقل من إبادة قواتنا المُرسلة كتعزيزات…"
"إن حدث الاحتمال الأول، فالحصن سيواجه خطر السقوط في أيديهم. أمّا إن حدث الثاني، فسيستنزف لامبارد كثيرًا من قوات الحصن، ممهّدًا الطريق لنفسه لحصار المدينة بعد ذلك."
قبضت سونيا على قبضتيها بقوة.
"يجب ألّا نتحرك وفق طريقة تفكير العدو."
رفعت ميراندا حاجبيها، ولزمت الصمت للحظات.
من بعيد، استمرّ دويّ المعركة يتردّد في السهول.
"لكن، ذلك هو الأمير الثاني، وهو أيضًا الوريث الوحيد للكوكبة."
فكّرت ميراندا لبرهة ثم قالت بهدوء، "إن لم يُرسل الحصن قواته، فهناك احتمال كبير أن يهلك في المعركة. جلالته…"
عضّت سونيا على أسنانها، أغمضت عينيها، وأطلقت تنهيدة طويلة.
"ذلك هو هدف لامبارد. إنه ينتظر اختياري، بين الحصن وسلامة الأمير، بين الشأن العسكري والسياسي. يريدني أن أختار أحدهما دون الآخر."
"إنه فخّ واضحٌ للغاية."
"كان من المستحيل في البداية أن يستولي لامبارد على الحصن، ومن كان يظنّ أنه سيجد فرصةً كهذه… جرأة لامبارد تتجاوز حدود تصوري!"
قبضت ميراندا على سيفها المعلّق في خصرها بقوة، ورفعت رأسها.
"ربما بقدرات البارون مورخ، سيتمكّن من تقريب الأمير إلينا بعد أن يكسر الطوق. بل ربما ينجح في جلبه إلى نطاق حماية القلاع؟"
"سنحاول بكل جهد أن نحسم المعركة بسرعة ونؤمّن الأمير قبل وصول قواتهم اللاحقة…"
"احذري!" فتحت سونيا عينيها فجأة، وقد امتلأ بصرها بالحذر.
"هذا بالضبط ما يريدنا لامبارد أن نفكّر به. الحصن هو أكبر نقاط قوتنا. لا تعلمين إلى أيّ مدى يتوق هو لأن نغادره، فنقع في فوضى معركته."
"كل ما يفعله إنما هو تمهيد ليتمكن من الاستيلاء على حصن التنين المحطم بأقلّ ثمن ممكن!"
تجمّدت ميراندا في مكانها.
"لكن… هل يجرؤ حقًا على حمل جريمة قتل أمير الكوكبة على عاتقه؟"
…
"وماذا لو مات أمير الكوكبة حقًا في ساحة القتال؟" قال اللورد تولجا بتردّد وهو يراقب المعركة من بعيد،
"كل شيء ممكن في الحرب."
"حينها، سنرى إن كان تجسيد الغروب سيمنحنا بركته، ومدى إخلاص سونيا ساسيري تجاه العائلة الملكية لجيدستار." تكلّم الآرشيدوق لامبارد بصوتٍ منخفض:
"إن فزنا في هذه المقامرة، سنفتح بوابة إقليم الشمال التابع للكوكبة. أما إن خسرنا… هه."
ولم يُكمل كلامه.
قال الفيكونت كينتفيدا بعد تفكّر:
"أخشى أن حياة الأمير وموته لا يعتمدان على الحظ، بل على خيارنا نحن."
"إن رفضت ساسيري إرسال القوات، وآثرت الدفاع عن الحصن بينما تُباد قوات أميرهم عن بكرة أبيها… هل سنقتل حقًا كلّ من في مجموعة الأمير الدبلوماسية؟"
"ليس بالضرورة." هزّ الكونت ليفان رأسه.
"القوات التي أرسلناها ليست سوى مشاة خفيفين. وبالنظر إلى مجريات المعركة الآن، فجنود الكوكبة قادرون على الصمود لأكثر من خمس عشرة دقيقة على الأقل… وإن وصل الأمر إلى تلك النقطة، فلن يكون الوقت قد فات لنُطلق بوق الانسحاب."
"ثم ماذا؟ أن ندعو الأمير إلينا ونُخبره بأن كل شيء، بما في ذلك موت كل أولئك الناس، كان مجرد سوء تفاهم؟" قال تولجا وهو يقطّب حاجبيه.
رفع الآرشيدوق لامبارد اللجام، وتقدّم بضع خطوات بجواده ليُشاهد الوضع بوضوح أكبر.
"إن استمرت ساسيري في التخاذل كسلحفاةٍ خائفة، ورفضت إرسال قواتها، فلن يهمّ الأمر." قال الآرشيدوق بنبرةٍ باردة وهو يحدّق في الحصن الضخم.
ثم شدّ حزام سيفه حول خصره، واستنشق نفسًا عميقًا من هواء الشتاء البارد.
"إن وصلنا إلى تلك المرحلة، فسوف نذبح كل فردٍ في المجموعة الدبلوماسية، ونُبقي فقط على ذلك الشقي ذي السبعة أعوام حيًّا."
ثم…
"سيرى كل من في الحصن بأعينهم كيف نُعرّي أميرهم الوحيد، ونربطه إلى سارية الراية. وسنهاجم الحصن ووارثهم مرفوع على السارية… فلنرَ إلى أيّ مدى يمكن لجنود الكوكبة تحمّل هذا العار دون أن تنهار معنوياتهم."
"وبالطبع، سواء نجحنا أم لا، فذلك المسكين الصغير سيبقى حيًّا، وسنرسله لاحقًا إلى مدينة سحب التنين، تعبيرًا عن احترامنا وولائنا للملك نوڤين. لن ألوّث نفسي بدماء العائلة الملكية لجيدستار. فمنذ عهد الإمبراطورية، ودم تلك العائلة ملعون وموبوء بالنحس."
"في مثل هذا الموقف، طالما أنه لا يموت، فلن يرى أهل الكوكبة سوى الإهانة التي جلبها أميرهم عليهم، لا العداء بين عائلتهم وعائلة لامبارد."
عند سماع ذلك، عبس تولجا بعمق.
"إنه مجرد طفل في السابعة."
لم يتفوّه الآرشيدوق لامبارد الصارم بأيّ كلمة.
عبرت ذهنه لمحة من ذكريات طفولته حين كان يتشاجر مع أخيه للهو فقط.
لكنّ أحدًا لم يعرف ما الذي كان يدور في بملك.
وفي اللحظة التالية، رفع تشابمان لامبارد بصره وقال بصوتٍ بارد كحدّ السيف.
"إنه أمير."
"منذ لحظة ولادته، كان من المستحيل أن يمرّ بتلك المرحلة التي يُسمّونها ’الطفولة‘."
"إنها امتيازهم، وهي أيضًا ثمن يجب أن يدفعوه."
نظر تولجا إلى الآرشيدوق مذهولًا، وكأنه أراد أن يقول شيئًا، لكنه خفض رأسه في النهاية وأطلق تنهيدة طويلة.
عقد الفيكونت كينتفيدا حاجبيه وقال:
"ذلك الطفل سيبغضك. وعندما يتوّج ملكًا في المستقبل—"
قُطع كلامه فجأة بصوت الآرشيدوق:
"سيخاف مني!" قال لامبارد بصرامة قاطعة.
"حتى لو أصبح ملك الكوكبة، وتوّج بتاج النجمة التساعية، وحمل صولجان الكوكبة بيده…
سأجعله يتذكّر هذا اليوم بوضوح، اليوم الأكثر إذلالًا، والأكثر رعبًا، والأكثر فزعًا في حياته!"
…
طَنين!
رفع جينارد درعه ليصدّ ضربةً من مطرقة ثقيلة، فاضطرّ لأن يطأطئ جسده تحت قوة الهجوم الهائلة.
لكنّ المحارب المخضرم استغلّ الفرصة بذكاء، ولوّح بسيفه ليشطر ركبة خصمه، ثم أنهى حياته حين سقط أرضًا.
غير أنّ سيفًا آخر جاء من زاويةٍ صعبة، فاخترق لوح كتف جينارد الأيسر. وبينما كان يقاوم الألم، ارتجف جسده وهو يتراجع إلى الصف الثاني.
إلا أنّ الجندي الذي أخذ مكانه لم يكن يملك الخبرة الكافية، فما إن تقدّم حتى شُقّ فخذه بضربة سيف.
لم يستطع جينارد سوى أن يعضّ على أسنانه ويتقدّم مجددًا، رافعًا سيف العدو ليُمكّن رفيقه الجريح من الانسحاب.
كان المخضرم يشعر بأن وتيرة هجوم مشاة إكستيدت بدأت تتناقص.
(يبدو أنّ وقت اختراق الحصار قد حان.)
غير أنّ جينارد اطلق تنهيدةً عميقة في تلك اللحظة.
في ميدان القتال، كان المجنّدون الجدد ضعيفو المهارة هم أول من يسقطون. أمّا الناجون من المحاربين القدماء فكانوا أصلب من الحديد، أذكياء وشجعان.
(ما سيأتي بعد ذلك سيكون معركةً عسيرة حقًّا.)
"إذًا، مفتاح المعركة يعتمد على خيار ساسيري." في وسط صفوف القتال، كان تاليس يلهث وهو يخاطب بيوتراي الذي أومأ قليلًا، وآراكا الذي كان وجهه مشوّهًا مغطّى بالدماء.
"ومهما يكن خيارها، فلامبارد على الأرجح يملك خطته المقابلة. إما أن يهاجم ويستولي على الحصن، أو يُضعف قوّاتنا العسكرية، أو يُمسكني على نحوٍ مهين ليجعل مني ورقة ضغطٍ في هجومه."
"بغضّ النظر عمّا تختاره، سنقع في مأزق." عبس بيوتراي وقال، "جنود لامبارد الخِفاف هؤلاء كافون لوضعنا في ضيق. والجنود لن يصمدوا طويلًا."
ضحك آراكا بسخرية، ناظرًا حوله إلى جنوده القتلى والجرحى المكدّسين فوق بعضهم، والغضب يتأجّج في صدره. "إن كانت لديك فكرة، فأخرجها قبل أن يحوّلنا الإكستيدتيون إلى لحمٍ مفروم ويعلّقوك بجانبه."
لم يُعر تاليس أي اهتمام لازدراء آراكا. رفع رأسه وحدّق براية القبضة الحديدية لعائلة لامبارد التي كانت ترفرف على مقربة.
زفر ببطء وقال، "مهما كان خيار سونيا، فسيكون مأزقًا."
"ولذلك، لا يمكننا أن ندعها تختار."
تجمّد بصر تاليس، وفيما اختلفت تعابير بيوتراي وآراكا، قبض قبضته بإحكام.
"علينا أن نختار بدلًا من السيدة ساسيري."
"أن نُبدّد تردّدها وتذبذبها."
"استعدّوا لاختراق الحصار"، قال الأمير الثاني بصرامة.
رفع آراكا زاوية فمه بابتسامةٍ باهتة.
…
"يبدو أنهم على وشك البدء بمحاولة الاختراق." قالت ميرندا بتردّد وهي تراقب سير المعركة من بعيد، "ألن نُرسل تعزيزات؟"
"حتى لو نجحوا فعلًا في اختراق الطوق واقتربوا من الحصن؟"
أغمضت سونيا عينيها بألم.
(لا…
أعظم مسؤولياتي هي الحراسة.
لقد فشلت مرّة… وهذه المرة لا يمكن أن أفشل ثانية.)
"كلا." قالت بأسنانٍ مطبقة، منحنيةً وهي تسند يديها على جدار الحصن، وبصعوبة تابعت، "لن يكون إنقاذهم ممكنًا إن أرسلنا قوّةً صغيرة. وإن أرسلنا جميع نُخَبنا، فسنقع تمامًا في فخّ لامبارد.
"احموا الحصن جيدًا… لا نمنحه أدنى فرصة."
"أما جلالته، فسأتحمّل أنا تبعات الجواب له."
لم تقل ميرندا شيئًا، وساد الصمت على أسوار الحصن برهةً طويلة.
لكن الصمت سرعان ما انكسر.
إذ ارتفعت مجددًا أصوات المعركة من بعيد.
"القائدة!"
نظرت ميرندا في ذهول نحو ميدان القتال الفوضوي. "لقد بدأوا بمحاولة الاختراق!"
"لكنّ الأمر غريب جدًا…"
ارتسمت على وجهها ملامح ذهولٍ وعدم تصديق.
(همم؟)
فتحت سونيا عينيها بدهشة.
…
أسرع تولجا يمتطي حصانه من بعيد. "سيدي! وصلت أنباء من سلاح الفرسان الخفيف!
"لقد بدأوا باختراق الطوق!"
فتح الآرشيدوق لامبارد عينيه وحدّق نحو الرايتين التابعتين للكوكبة.
"جيّد جدًا،" قال ببطء، "الآن سننتظر قرار ساسيري…"
لكن عينيه ضاقتا فجأة.
(رفرفة الرايات…
شيءٌ ما غيرُ طبيعي.)
لاحظ الخلل في الحال.
(هذا لا يمكن…)
اتّسعت عيناه وفتح فمه بصدمة. "أيمكن أن…"
"نعم يا سيدي، علينا تعديل خطّتنا فورًا!" قال تولجا بصوتٍ مرتجفٍ متوتّر.
"ووفقًا لتقرير الفرسان الخفيفين، هناك أكثر من حادثٍ واحد!"
كبح لامبارد غضبه ورمى تولجا بنظرةٍ مستفهمة.
شدّ تولجا على أسنانه وهو ما يزال على صهوة جواده وقال، "هناك شخصٌ مع ذلك الأمير."
تقلّصت ملامح الآرشيدوق وهو يتابع الإصغاء، حتى تغيّرت وجوه جميع التوابع المحيطين به فجأة.
"إنه هو!
إنه ذلك الرجل الحامل للقوس!"
…
بوجهٍ صخريّ الملامح، ربط آراكا تاليس بإحكام على ظهره. كان جسد تاليس ملتصقًا بالقوس المعدنيّ الضخم ذي الخطوط الفضية والسوداء.
"هل البقاء على ظهر هذا الأحمق آمن حقًا؟" سألت آيدا بغضب، "أشعر وكأنني فقدت عملي."
ابتسم تاليس لها. "اعتبريه استراحةً… حتى الكتّاب يأخذون قسطًا من الراحة بين قصصهم أحيانًا."
"هذا مجازفة كبيرة. إنّه يعني أننا نقامر أيضًا." قال بيوتراي بقلق، "نحن نراهن على اختيار العدو."
تنفّس تاليس بعمق، وابتسم له.
"نعم، أنا ولامبارد نُقامر."
"إنها لعبة (هل تجرؤ؟)."
"أيها الأمير الصغير، أسألك للمرة الأخيرة…" قال آراكا بنبرةٍ باردةٍ كحدّ السيف، بينما كان ينظر إلى صفّ حرّاس الغضب الأول وقد قُتل أكثرهم أو أُصيبوا، "هل أنت متأكد أنك تريد فعل هذا؟"
"هذا هو الطريق الوحيد." أجابه تاليس بابتسامةٍ حزينة.
لم يعلّق آراكا.
"وهل أنت حقًا عظيم كما تقول الشائعات؟" قال تاليس وهو يضغط صدره الملتصق بالقوس، مجاهدًا ليبتسم. "أرجوك، أثبت لي ذلك."
ظلّ آراكا صامتًا.
أغمض تاليس عينيه ببطء، ثم فتحهما وقد حسم أمره، ونظره يلمع بالحزم.
"أعظم مقاتلٍ في الكوكبة…'
"آراكا مورخ."
زفر بهدوء، ثم صرخ باللقب الذي يعرفه الجميع في المملكة:
"غضب المملكة!"
وما إن صدح هذا الاسم حتى بدت على الوجوه المحاصرة لمحات إلهام، وكأن الهواء نفسه تغيّر من حولهم.
وفي اللحظة التالية، التفت آراكا إلى تاليس وضحك بسخرية باردة.
"منذ زمنٍ بعيد، في موقفٍ ميؤوسٍ منه، قال لي أحد أفراد عائلة جيدستار…"
تجمّد تاليس بدهشة.
سحب آراكا سيفه العظيم ذا اليدين من الأرض، لوّح به بضع مرات، ثم تقدّم للأمام.
تبعه بيوتراي، ووايا، ورالف، بعضهم بعزيمةٍ صلبة، وبعضهم بثقل القلق.
صعد آراكا على الركاب بخطوةٍ حازمة، واشتدّ بريق نظره.
تبعته آيدا بخفّةٍ على جوادهم.
وتابع بصوتٍ باردٍ كالجليد:
"قال لي…
(ما دام لا طريقَ للرجوع،
فلمَ لا نهجم بكل ما أوتينا من قوّة؟)"
لم يعرف تاليس بمَ يجيب.
وفي اللحظة التالية، انطلق الرجل المعروف باسم غضب المملكة، آراكا مورخ، ممتطيًا جواده بوجهٍ يفيض بالعزم، متجاوزًا صفّ حرّاسه.
"حرّاس الغضب، تشكيل الهجوم!"
ورفع غضب المملكة سيفه العظيم مشيرًا به نحو راية القبضة الحديدية المرفرفة في البعيد، وصاح بصوتٍ هدّ الجبال:
"الهدف هو… الشمال!
نحن ذاهبون إلى لامبارد!"
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
(سأستعمل غضب المملكة بدلًا عن سخط المملكة)