انحنى كلاود هوك والتقط قطع الكريستال الباهتة من الأوساخ .
وقفت أزورا بجانبه وعلقها مليء بالأسئلة ، لكنها لم تسأل أي منهم .
هؤلاء الأشخاص وعلاقتهم معقدة للغاية بحيث يتعذر على عقلها الصغير استيعابها . من الواضح أن كلاود هوك و أدير يحترمان بعضهما البعض ، لذلك لماذا كان عليهم القتال؟ من الواضح أن كلاود هوك اهتم كثيرًا بـ لوتشياشا ، فلماذا تعاملوا مع بعضهم البعض مثل الغرباء؟
لقد واجهت الكثير في رحلتها و لم تفهم الكثير منهم . رأت الكثير من الشخصيات الحية القوية والشجاعة والمثابرة والرائعة .. ، لكن الكثير منهم لغز لها . أزورا لا يمكن إلا أن تحفظهم في عقلها ، وتدع السنوات القادمة تمنحها الإجابات .
نظرت إلى كلاود هوك الذي تعرف أنه يكافح لتهدئة قلبه مما حدث . صدمت كلمات أدير شيئًا ما في قلب معلمها ، كما فعلت آشا وهي تغادر دون أن تقول شيئًا .
ومع ذلك تمكن من الابتسام ابتسامة لطيفة ا " بماذا تفكرين أيتها الشريرة الصغيرة "
" كيف يمكنك أن تبتسم؟ "
" هل تعتقدين أنني يجب أن أبكي؟ "
فكرت أزورا للحظة " لا، أعتقد أن الابتسام أفضل "
" كلام أدير مجرد أماني خيالية " لمس كلاود هوك شعر الفتاة الصغيرة المتسخ " أنا لست من النوع الذي يصاب بالجنون من هذا القبيل . رغم ذلك إنه لأمر مؤسف . كان لديه القدرة على التألق أكثر من ذلك بكثير ".
" ماذا سنفعل الان؟ " سألت أزورا .
وضع كلاود هوك قناع الشبح على وجهه وابتسم، و عندما أجاب ، بدا صوته خشنًا " ابقِ هنا !"
***
أخذت رايڨنانت لوسياشا وبقية رجال أدير نحو الشمال لعدة أيام .
الغريب أنه في كل مرة تنفد فيها المياه ، اكتشفوا أن شخصًا ما قد ترك قوارير مياه على الطريق مليئة بالمياه العذبة النظيفة .
وعندما يصطدمون بمجموعة من الوحوش ، يكتشفون ذبحهم قبل أن يضطر أي شخص إلى سحب سلاح . حتى الأحمق يمكن أن يدرك أنه يتم مراقبتهم .
ولكن من؟ لم يستغرق الأمر الكثير لتخمينه .
أرادت رايڨنانت عدة مرات البحث عنه ، لكن لم يكن لديها المهارات اللازمة للقيام بذلك . حاولت أيضًا تسريع تحركاتهم لتتركه وراءها لكنها لم تستطع أبدًا . في كل مرة ترفع رأسها نحو السماء رأت نقطة صفراء صغيرة ترفرف فوقها .
بعد فترة استسلمت .
‘ ماذا يفعل كلاود هوك؟ هل هذه طريقته في تخفيف ذنبه؟‘
‘ هل يسهل الطريق على آشا سرًا؟ ‘ لا يهم ، لم تكن قوية بما يكفي لمواجهة كلاود هوك وجهاً لوجه على أي حال . بعد كل شيء مات أدير على يده .
‘ دعه يتبعنا ، إذن‘ شعرت بالفضول إلى متى سيبقى .
عرفت لوسياشا أيضًا ، لأن رحلتهم لن تكون بهذه السهولة بدون مساعدة شخص قوي مثل كلاود هوك . لم تكن تعرف كيفية قبول كل ما حدث .
هل تكره كلاود هوك؟ نعم، ولا . لم يكن لدى لوسياشا إجابة .
بأي حق تكرهه؟ لقد أنقذها كلاود هوك من الموت في الأراضي القاحلة . بدونه كان جسدها سيتعفن في البقايا المحترقة لـ لايتهاوس بوينت مع كوبرتوث و الآخرين .
لكن صحيح أيضًا أن اثنين من أهم الأشخاص الذين عرفتهم في الحياة ماتوا بسبب كلاود هوك . تذكرت كوبيرتوث المعلق على المنارة و لم تعرف حتى أين جسد أدير .
موت كوبيرتوث غير مباشر . ربما لم يكن كلاود هوك هو المسؤول ، لكن أدير؟ لقد كان رجلاً طيبًا ، ولديه أحلام عظيمة !
بعد ثلاث سنوات من البقاء معه أحبت لوسياشا بعمق صاحب الحانة ، والدها بالتبني . لقد عاملها مثل ابنته و ما زالت لا تستطيع تقبل أنه رحل إلى الأبد ، وأن من قتله هو الرجل الذي نظرته لها كـ أخاها .
مروا بمجموعة أخرى من الجثث الطافرة . حشد بطول عشرة أمتار على الأقل .
ضد وحوش مثل هذه ، سيفقدون عددًا قليلاً من مجموعتهم ، حتى أنهم يمكن أن يهربوا منهم ويتفادوهم . من المحتمل أن كلاود هوك كافح لإزالتهم من طريقهم .
امتدت الأرض القاحلة الشاسعة الفارغة حولهم في كل الاتجاهات، لكن لا شيء ، لا أثر لـ كلاود هوك .
أين هو؟ هل يختبئ في زاوية مظلمة يراقبها الآن؟ هل أُصيب؟ لم تستطع لوسياشا أن تمنع دموعها من التجمع في زاوية عينيها . لماذا هو بهذا الغباء ! كم من الوقت سيستمر في فعل هذا؟
حل الغسق .
وصلوا إلى واحة بينما أشعة الشمس الأخيرة تتلاشى في الأفق .
لم تكن مساحة الواحة أكثر من مائتي متر من طرف إلى آخر ، وفي الوسط ينبوع على شكل هلال ونبتت بعض أشجار الفاكهة على ضفافه ، واكتشفوا أن شخصًا ما قد بنى بالفعل سياجًا خشنًا حول المكان . واحة صغيرة ، وبعيدة عن الطريق ، لكن هذه المستوطنة الصغيرة لا تزال تحتوي على جميع ماهو مطلوب للعيش في الأراضي القاحلة .
عاش بضع مئات من الأشخاص حول الواحة ، وعلى الرغم من بُعدهم ، إلا أنهم لا يزالون يمتلكون نزلًا صغيرًا للزوار .
احتوى النزل المتهالك على موقد نحاسي في الوسط بجانبه جلس مالك أعرج جسده مليء بالأورام . سمعهم يقتربون ، ورفع رأسه ليحييهم ببريق في عينه .
أصبح مسروراً عندما اكتشف أن المرأتين خاليتين من أورام أو غيرها من ندوب القفر و بشرتهم ناعمة وبيضاء ، وأجسادهم متناسقة وجميلة . مشهد نادر في الأراضي القاحلة !
عبست رايڨنانت ولمع وميض من الضوء البارد في عينها واخترقت المنضدة بالخنجر في يدها .
شعر العجوز بارتعاش جسده .
لم يدرك أنها مقاتلة ، لذا فقام بالاعتذار قبل أن يصرخ بغضب " شيثيل ، أسحب مؤخرتك إلى هنا ! لدينا ضيوف ! "
الشخص الذي يدعى شيثيل جاء عندما استدعائها .
غُطي جسده كله بوشم أحمر داكن ، و شعره عبارة عن أشواك حمراء حادة ووجه صلب بعين واحدة، ومع ذلك مزاجه غير متماثل مع مظهره .
بدا خجولًا وجبانًا ، مثل فأر محاط بالقطط الجائعة . نظر حوله بخوف وحتى ركبتيه ارتعشا .
عبست لوسياشا بينما تنظر إلى رايڨنانت " هذا الوشم يشبه وشم قطاع الطرق . هل هو واحد منهم؟ "
هزت رايڨنانت رأسها لتكشف أنها لا تعرف .
هذا بالتأكيد أسلوب قطاع الطرق ، لكنه لم يمتلك مزاج السفاح . قطاع الطرق رجال سكوال ! لكن لا يهم ، هو ضعيف أمام رايڨنانت .
نظر إليهم الشاب ذو العين الواحدة بخوف وتلعثم " م – م من فضلكم -… ا – اجلسوا "
أُجبروا على ذلك وجلسوا حول طاولة رديئة و بعد دقائق تم توفير طبق من السحلية المشوية ليقوموا بأكله .
" انتظر !" شمت رايڨنانت قطعة من اللحم وبمجرد التأكد من أنها آمنة ، أومأت إلى الآخرين " كلوا "
بعد المشي طوال اليوم أصيب الجميع بالجوع . بدأوا على الفور بحشو أفواههم .
رفعت لوسياشا رأسها لفترة كافية لتدرك أن صاحب الحانة قد اختفى . الشخص الذي أسماه شيثيل مختبئ أيضاً في مكان قريب .
تراجع عندما رأته لوسياشا، ولكن عينه الوحيدة توسعت وصرخ " غادروا … اهربوا !" همس شيثيل بصوت منخفض .
نظرت لوسياشا على الفور إلى رايڨنانت " شيء ما غير صحيح ."
في الثانية التي قالتها ، شعرت أن العالم بدأ يدور و بعد ثانية فقدت الوعي .
أظلم وجه رايڨنانت . لقد فحصت الطعام ، ولم يكن به أي سم . إلى جانب أنهم حذرين، و هناك دائمًا شخص لا يأكل معهم للتأكد أن كل شيء على ما يرام، ولكن حتى أولئك الذين لم يأكلوا بعد بدأوا في فقدان وعيهم .
لم يكن الطعام ! ثم ماذا؟
استغرق الأمر منها ثانية قبل أن تدرك – البخور !
هناك قطع من الفحم تحترق في النار . يجب أن يكونوا قد أضافوا شيء ما ، نوع من المخدر ليس له لون أو رائحة . بحلول الوقت الذي أدركوا فيه أن شيئًا ما خطأ ، فات الأوان .
فجأة فُتح الباب ودخل عشرات الرجال الأقوياء حاملين أسلحة وابتسموا ابتسامات فاسقة على وجوههم الملتوية . حاول شيثيل الابتعاد عنهم من خلال الانحناء في الزاوية ، لكن هذا لم يمنع العديد من الرجال من ضربه باللكمات والركلات و شتموه وبصقوا عليه .
في النهاية سئموا منه وثبتوا عيونهم الداكنة على المرأتين . لم يُبذلوا أي جهد لإخفاء النية الفاسقة في ابتساماتهم .
وقفت رايڨنانت وسحبت سلاحها ، لكنها وجدت أنها لا تستطيع أن تقف على قدميها . تقدمت لمهاجمة أحد مهاجميهم ، ولكه أوقعها على الأرض بضربة خلفية قوية .
" اختلعوا ملابس هذه أولاً "
" اللعنة ، هل رأيت نساء مثل هؤلاء من قبل؟ "
" من الأفضل أن لا أعيد كلامي وإلا سأقطع تلك الدودة الصغيرة التي تسميها قضيبك !"
حل الظلام على رايڨنانت ، وأغلقت ببطء عينيها حتى فقدت رؤيتها . آخر شيء شعرت به هو أن العديد من الأشخاص قاموا بلمس جسدها مثل مجموعة من الذئاب الجائعة .
مرت فترة زمنية غير محددة . استيقظت رايڨنانت من الصداع الشديد ، لكنها انتزعت بسرعة خنجرها الذي لا يزال ملقى بجانبها .
رحكت عيناها ، واكتشفت أن الغرفة فارغة و نظيفة تمامًا و ملابسها لا تزال عليا ولم تظهر أي علامات أخرى تعرضها للانتهاك .
" ل – لا تقتل – ني ! لا تقتل – ني ! "
لا يزال شيثيل عند الزاوية . تجاهلته في الوقت الحالي وذهبت للاطمئنان على بقية أفراد مجموعتها و عندما استيقظوا أرسلت عدة رجال للخارج للسيطرة على الوضع .
هزت لوسياشا رأسها لتبديد تأثير المخدر .
غريب ، تذكرت أن شيثيل حاول تحذيرها قبل أن يُغمى عليها .
سارت نحوه لمحاولة اكتشاف ما حدث .
" م – ماتوا، كلهم ماتوا ! ش – شبح ، قتلهم ك – ك – كلهم ! "
بدت كلمات شيثيل غير متماسكة من بين البكاء والتلعثم واعتلى الخوف وجهه وبلل سرواله .
" لا تخاف !" ركع لوسياشا على ركبتيه وحاول تهدئته " مرحبًا ، ما اسمك؟ "
" ش – ش – يث – شيثيل "
" لا ، هذا ليس اسمك ، ما هو اسمك الحقيقي؟ "
" ش – شيثيل . أنا شيتيل الذي بلا قيمة ! "
" يجب أن يكون لديك اسم ، فكر . هل يمكن أن تقوله لي؟ "
تغير وجه شيثيل لفترة طويلة ثم كافح ووجهه يتلوى حتى تمكن من قول كلمة واحدة " س – سبروت "
عاد الأعضاء الآخرون من مجموعتهم الصغيرة وقدموا تقريرهم .
مات كل رجل في المستوطنة ، ورُميت جثثهم خارج السياج المؤقت مثل القمامة . كل ما تبقى هو النساء والأطفال الذين تم أسرهم من قبل هذه العصابة من قطاع الطرق .
قبل المأساة التي حلت بهم ، كان هذا المكان موطنًا لفرقة صغيرة من قطاع الطرق . مجموعة ماكرة ، وحتى أمثال رايڨنانت وقعوا في حيلهم .
خرجت لتفقد الوضع بنفسها واكتشفت أنهم الآن بأمان .
نظرًا لعدم وجود أي تهديد آخر في المنطقة المجاورة لهم ، قررت أنهم سيبقون هنا لبعض الوقت .
قررت لوسياشا أنها ستتولى مسؤولية النزل الآن بعد أن احتاج إلى مالك وسمت مستوطنتهم " هلال القمر " على اسم المسطح المائي الصغير في الوسط .
جاء الأطفال الصغار تحت رعايتها و أخيرًا أصبحت تمتلك الحياة التي حلمت بها لتحمي المحتاجين . هذا أفضل ما يمكن أن تأمل في الحصول عليه و عرفت لوسياشا أيضًا أن هذا حدث فقط بمساعدة كلاود هوك . بدونه كانت ستموت عدة مرات .
في هذا اليوم جلست بالخارج ، تراقب أشعة الشمس وهي تُنير القمم والوديان . أذهلها حدس قوي أخبرها أن كلاود هوك في مكان قريب . كل ما عليها فعله هو الصراخ وسيقف كلاود هوك بجانبها .
ربما يمكنهم إصلاح علاقتهم وإعادة الأمور كما كانت عليه من قبل ، لكن .. ، لكن ربما الأمر أشبه بمحاولة إصلاح مرآة مكسورة .
لم تصرخ . بدلاً من ذلك احتفظت بالذكريات بالقرب من قلبها ، وتركت الوقت يغلفها لتظل في الداخل إلى الأبد . هم ينتمون إلى عوالم مختلفة وكل ما استطاعت فعله هو الاحتفاظ بهذه الذكريات إلى الأبد في أعماق قلبها .
بعد قليل رأت صورة ظلية تتحرك نحو الأفق . بدا الجسد الرقيق المألوف وحيداً للغاية ، وقد بدا مثل نقطة بين السماء والأرض .
عرفت لوسياشا أن هذه آخر مرة سترى كلاود هوك .
لن يعود كلاود هوك أبدًا إلى مستوطنة هلال القمر . انتهت قصتهم المشتركة .
بطريقة ما بدا الأمر واضحًا ، علاقتهما بسيطة و قصة لم تنته بدقة بجملة كاملة . كل ما أُخذ منهما لن يُهمل ، وما تم إهماله لن يُنسى بالكامل .
في السنوات القادمة ستتلاشى هذه المشاعر و سيصبح من الصعب تحديد ما هو الصحيح وما هو غير صحيح . حكايتهما حكاية شخصين في بحر الملايين من الأشخاص . خيوط صغيرة في نسيج ضخم ومعقد تم لفها معًا لفترة ثم انفصلت مرة أخرى وتمتدت الخيوط الغصيرة إلى فترات زمنية أبعد .
[ المترجم : تتذكرون بداية الكتاب الثالث لما أدير قالها هتختاري ما بيني ولا كلاود هوك لو اضطريتي؟ يبدو أن صغيرتنا آشا اختارت أدير وفي نفس الوقت اختارت كلاود هوك ].
ترجمة : Sadegyptian