الفصل 53 – فانغ يوان، تُعيَّن عريفًا للصف
سار كل شيء على النحو الذي قدره فانغ يوان ورسمه في ذهنه.
عقب ذلك، أصدر شيخ الأكاديمية أوامره إلى سيد غو متخصص في العلاج لإسعاف الحارسين.
نجا الحارسان من الموت، غير أنهما أصيبا بجراح بالغة أقعدتهما وجعلتهما قاب قوسين من العجز التام، وانتهى بهما المطاف إلى العزل والطرد من خدمة الأكاديمية بقرار من الشيخ.
أما فانغ يوان، فلم ينله أدنى عقاب، بل على النقيض تمامًا، نال فيضًا من عبارات الثناء والمديح علانية.
بثت هذه النتيجة رعبًا عميقًا ورهبة في نفوس بقية الفتيان.
غير أن تداعيات هذه الحادثة لم تقف عند هذا الحد؛ ومع توالي الأيام، سرت حمى النبأ وانتشر صداها في سائر أرجاء العشيرة.
فقد غدا تصدر فانغ يوان، بموهبته المتواضعة من الدرجة (ج)، وارتقاؤه أولًا إلى المرحلة المتوسطة حديث المجالس والسمر في القرية بأسرها.
على موائد الطعام وفي مجالس الشاي، راح الجميع يتداولون هذا الخبر العجيب.
بعد الدهشة الأولى، شرع الناس في التكهن بالسر الكامن وراء هذا الاختراق السريع والمباغت.
"في واقع الأمر، ليس غريبًا كل الغرابة أن يتفوق صاحب الموهبة (ج) على أصحاب المواهب (أ) و(ب) ليخترق المرحلة المتوسطة أولًا."
"هذا صحيح؛ فهناك وسائل شتى في هذا العالم تتيح بلوغ مثل هذه الغاية."
"خذ مثلًا غو الأثر؛ فمتى استُخدم هذا الغو، تعززت جدران الفتحة البدائية وارتقت الزراعة عالمًا صغيرًا دفعة واحدة، وهو أيسر السبل للاختراق."
تشعبت نقاشات الحشود وتعددت افتراضاتهم واحتمالاتهم.
بطبيعة الحال، برزت فرضيات حول دودة الخمر والاستعانة بمصادر خارجية للجوهر البدائي على ألسنة كثيرين.
فلو كشف فانغ يوان عن امتلاكه لدودة الخمر منذ البداية، لما أحدث الأمر كل هذا اللغط. لكن تكتمه عليها وتواريه وراء الصمت هو ما أذكى فضول الجميع وأشعل خيالهم.
رغم السكينة الظاهرة التي تلف قرية غو يوي، ماجت في الأعماق تيارات خفية تموج بالترقب.
شخصت عيون كثيرة نحو شيخ الأكاديمية، تنتظر منه تفسيرًا شافيًا لما جرى.
فبصفته القائم على أمر الأكاديمية، إن جهل حقيقة ارتقاء تلميذ يشرف على تدريسه بنفسه، عُدّ ذلك تقصيرًا فاضحًا في أداء مهامه.
لذا بات لزامًا على الشيخ تقديم توضيح مقنع.
توالت الأيام تباعًا.
ظهر التلميذ الثاني الذي تمكن من اختراق المرحلة الابتدائية وبلوغ المرحلة المتوسطة.
تمثل ذلك التلميذ في غو يوي مو بي.
بعده بفارق ثلاث ساعات فقط، نجح غو يوي فانغ تشنغ في تحقيق الاختراق هو الآخر.
فقد أثقله في نهاية المطاف نقص الأحجار البدائية؛ ناهيك عن الصدمة النفسية والإحباط اللذين كبله بهما شقيقه الأكبر فانغ يوان.
أما الثالث، فكان غو يوي تشي تشن.
رغم استعانته بالجوهر البدائي المنقول من جده غو يوي تشي ليان، إلا أن جدوى هذه الطريقة ظلت محدودة ومحفوفة بمخاطر جسيمة ولا تتكرر إلا كل ثلاثة أيام. ومع ذلك، فإن إحراز المركز الثالث بموهبته من الدرجة (ج) يُعد نجاحًا باهرًا بحد ذاته.
في اليوم الخامس، وقف شيخ الأكاديمية في صدر القاعة لتوزيع المعونات والمخصصات كعادته.
"غو يوي فانغ يوان." نادى الشيخ، مستفتحًا باسم فانغ يوان أولًا.
نهض فانغ يوان وتقدم نحوه بخطى متزنة وملامح هادئة خالية من التكلف.
انعطفت نحوه أنظار الفتيان جميعًا، كاشفة عن مزيج متلاطم من الغيرة والحسد والتفحص والضغينة، دون أن تتشابه نظرة مع أخرى.
"اليوم لا يوزع الشيخ الموارد فحسب، بل سيعلن أسماء عريف الصف ونائبيه!"
"كما هو متوقع، نودي على فانغ يوان في المقدمة."
"هو أول من ارتقى، ومنصب عريف الصف حقه الطبيعي."
"يصعب تصديق هذه النتيجة حقًا؛ فقد كنت موقنًا قبل هذا أن فانغ تشنغ هو من سيظفر بالصدارة."
"ارتقاؤه أولًا لغز محير؛ لا بد أن وراءه سرًا عظيمًا، لكنه يأبى البوح به!"
"ههه، لو كنت مكانه لما نبست ببنت شفة؛ فالغنيمة في الكتمان."
وسط لغط الطلاب وهمساتهم، وصل فانغ يوان إلى حيث يقف شيخ الأكاديمية.
خاطبه الشيخ قائلًا: "غو يوي فانغ يوان، أنت أول سيد غو يبلغ المرحلة المتوسطة من الرتبة الأولى في هذا الصف، وهذه مكافأتك المستحقة." قال ذلك ومد إليه كيس نقود بلونين أزرق وأبيض.
تناول فانغ يوان الكيس وفتحه على مرأى من الجميع، مستطلعًا ما بداخله.
ابتسم الشيخ وقال: "اطمئن، بداخله ثلاثون حجرًا بدائيًا بالتمام والكمال، والأكاديمية لن تبخسك حقك أبدًا."
الحق يُقال، لم يخطر ببال الشيخ قط أن يكون فانغ يوان هو أول من يبلغ هذا الإنجاز.
غير أن فانغ يوان لم يكترث لتطمين الشيخ؛ فهو نادر الثقة بالآخرين، ولا يعول إلا على ما تعاينه عيناه. تفحص الكيس بعناية وتأكد من اكتمال الأحجار الثلاثين دون نقصان، ثم دس الكيس في جيب صدره بحركة هادئة.
رأى شيخ الأكاديمية صنيعه هذا، وظن أن ضائقته المالية تشتد عليه، فاتسعت ابتسامته إشراقًا.
فكر الشيخ في نفسه: ’كما توقعت؛ فموهبته المتواضعة تفرض عليه استهلاكًا هائلًا للأحجار البدائية لبلوغ المرحلة المتوسطة سريعًا. ولأنه لا يلقى دعمًا من أي فصيل، فلا بد أن موارده شحيحة. وما دام في حاجة ماسة للمال، فلن نخشى خروجه عن طوع العشيرة وقبضتها. ومتى انخرط في منظومة العشيرة، استحال عليه كتمان سره طويلًا؛ فإن عجزنا عن كشفه بالتحري، فسيأتي اليوم الذي يفصح عنه بنفسه.’ وملك الشيخ يقينًا راسخًا تجاه هذا الأمر.
الواقع أن الشيخ أطلق أعينه في الخفاء لتقصي أحوال فانغ يوان منذ تلك الحادثة، وكان التقرير يأتيه كل يوم بجديد.
لكن من الواضح أن عيونه لم تفطن إلى أن فانغ يوان يحوز مئات الأحجار البدائية في مبيته، وأنه في حقيقة الأمر أثرى من كثير من أقرانه.
تابع شيخ الأكاديمية بنبرة جليلة: "فانغ يوان، أنت أول من وطئت قدماه المرحلة المتوسطة من الرتبة الأولى، ووفقًا للوائح الأكاديمية، لن تنال ثلاثين حجرًا بدائيًا فحسب، بل ستظفر أيضًا بأولوية اختيار دودة الغو الثانية لك عما قريب. والآن، أعلن تعيينك عريفًا لهذا الصف!"
تنهد بعض الطلاب عند سماع ذلك: "عُين فانغ يوان عريفًا في النهاية!"
صر غو يوي مو بي على أسنانه حنقًا وغيظًا: "تبًا له!"
أما غو يوي تشي تشن فعقد ذراعيه ورمق المشهد بنظرات باردة: "تشه!"
بدا الأشد تأثرًا بهذه اللحظة شقيقه غو يوي فانغ تشنغ.
شحب وجهه، واكفهرت ملامحه، وخيمت سحابة قاتمة على وجدانه: "الطلاب العاديون ملزمون بالانحناء وتقديم فروض الطاعة للعريف ونائبيه. وبناءً على ترتيبي، سأكون نائبًا للعريف حتمًا. وهذا يعني أنني كلما التقيت بأخي الأكبر، سيتعين عليّ الانحناء أمامه وتقديم التحية له!"
"مهلًا."
في تلك اللحظة الحاسمة، انطلق صوت فانغ يوان.
ابتسم بهدوء في وجه شيخ الأكاديمية، وقال بنبرة متأنية: "أيها الشيخ الفاضل، تلميذك قليل البضاعة محدود الحكمة، ولا يرى في نفسه الأهلية للنهوض بمهام عريف الصف. وهذا المنصب الأجدر به أن يُسند إلى من يملكون الكفاءة والقبول."
عقد الشيخ حاجبيه في دهشة بالغة: "ماذا؟ أترفض أن تكون عريفًا؟! عريف الصف ينال عشرة أحجار بدائية في كل مرة يوزع فيها الدعم! أمتأكد أنت من رفض هذا المنصب؟" فخلال عقود من عمله في التدريس، لم يشهد طالبًا واحدًا يتنازل عن هذا الشرف!
الحق أن الشيخ فكر طويلًا في هذه الخطوة، ووجد في تنصيب فانغ يوان عريفًا مكاسب جمة.
فمتى تقلد المنصب، دخل طوعًا داخل إطار منظومة العشيرة وقواعدها، وصار لزامًا عليه الوفاء بالتزاماته مقابل ما يناله من امتيازات.
مهما كانت مهام العريف، فإن أدنى ما يُنتظر منه هو الكف عن ابتزاز زملائه في الصف.
هذا أمر يستحيل على عريف صف أن يمارسه علانية.
شأنه في ذلك كشأن الشيخ ذاته؛ فرغم الغيظ الذي تجرعه من فانغ يوان، اضطر للثناء على تفوقه وإعلان جوائزه أمام الطلاب حفاظًا على هيبة النظام.
فالمنخرط في المنظومة تُقيد يداه، ولا يملك التصرف وفق هواه، ويجد نفسه مسلوب الإرادة في مواقف كثيرة.
لم يكن غرض الشيخ مجرد الحد من مكاسب فانغ يوان من الابتزاز.
بل كان يفكر في مصلحة عموم الطلاب؛ فتنصيب فانغ يوان وكفه عن الابتزاز سيمنح بقية الفتيان متنفسًا يحررهم من وطأة ضغطه وكابوسه.
ثم بدفعة خفية منه، ستشتعل المنافسة بين الفصائل والعائلات في الصف. وما دام ذلك يصب في صقل البذور الواعدة للعشيرة – فانغ تشنغ ومو بي وتشي تشن – فما ضير التضحية بمنصب عريف صغير؟!
لكن رغم هذا التدبير البارع، جاءت الرياح بما لا تشتهي سفن الشيخ.
لقد رفض فانغ يوان المنصب!
رفضه بكل بساطة ودون تردد!
رغم صغر شأن المنصب في ميزان الكبار، فإنه يمثل قمة المجد والشرف لهؤلاء الفتية المتحمسين.
فضلًا عن الشرف، يدر المنصب على صاحبه عشرة أحجار بدائية كاملة في كل توزيعة!
إغراء كهذا لم يقوِ فتى يافع على مقاومته قط.
مع ذلك، رماه فانغ يوان وراء ظهره بدم بارد.
نظر فانغ يوان إلى الشيخ المذهول وسأله ببرود: "هل تنص لوائح الأكاديمية على إلزام الأول بتولي منصب العريف؟ وهل منصب العريف تكليف لا يقبل الرفض؟"
أجاب شيخ الأكاديمية بملامح متجهمة: "بالطبع لا توجد لوائح جائرة كهذه."
ابتسم فانغ يوان: "أشكر للشيخ الفاضل حسن تفهمه وسعة صدره."
قال ذلك وضم قبضتيه محييًا، ثم استدار وعاد بهدوء إلى مقعده.
ما إن استوعب الطلاب ما حدث حتى مادت القاعة بالهرج والمرج.
اشتعلت الأكاديمية صخبًا ودهشة!
"فانغ يوان يرفض المنصب؟! أجن هذا الفتى؟!"
"هل مسه طائف من خبل؟"
"لا أدري أي حماقة ركبته، لكنه سيندم أشد الندم لاحقًا، ههه!"
انتشت أسارير مو بي الذي حل ثانيًا، ولم يصدق أن الفرج أتاه بهذه السرعة: "تنازل فانغ يوان عن المنصب، وهذا يعني أنني أنا عريف الصف الجديد؟!"
بدت علامات الإنكار على وجه تشي تشن، عاجزًا عن استيعاب كيف يزهد امرؤ في هذا المنصب الرفيع إلا إن بلغ الغاية في الحماقة!
أما فانغ تشنغ، فشخصت عيناه نحو أخيه في خيبة أمل مريرة متمتمًا: "أخي الأكبر…"
فبحسب نتائجه، كان فانغ تشنغ ضامنًا لمنصب نائب العريف.
لكن حين تخلى فانغ يوان عن المنصب، شعر فانغ تشنغ بأن كل بريق لهذا اللقب قد انطفأ في عينيه، ولم يعد له أي طعم.
أما شيخ الأكاديمية، فقد اسود وجهه هذه المرة قتامة وغيظًا، قتامة حقيقية لا تصنع فيها.
ففي المرة السابقة حين تغيب فانغ يوان، كان غضبه مجرد تمثيل أمام الطلاب.
لكن مزاجه اليوم هوى إلى الحضيض.
فتخلي فانغ يوان عن المنصب يعني إعلانه الصريح رفض الانخراط في قيود منظومة العشيرة. وخلال عقود قضاها الشيخ في إدارة الصرح، لم يرَ طالبًا يقف مثل هذا الموقف ويزهد في إغراء يخلب ألباب الفتيان جميعًا!
أراد استدراج الفتى إلى الفخ، فأبى الفتى أن يضع قدمه فيه، تاركًا الشيخ يتجرع مرارة الحيلة الخائبة.
انتهت مراسم توزيع المخصصات.
ظفر مو بي بلقب عريف الصف بفضل مركزه الثاني، بينما تقاسم فانغ تشنغ وتشي تشن منصبي نائبي العريف.
نال العريف عشرة أحجار بدائية إضافية، بينما نال كل نائب خمسة أحجار.
لم يملك بعض الطلاب المنحدرين من عائلات فقيرة إلا أن يبتلعوا ريقهم حسرةً وحسدًا وهم يرمقون بريق الأحجار البدائية في أيدي الثلاثة.
***
أعيدت ترجمة هذا الفصل بواسطة نظارة!
آمين.
إن لاحظتم أي خطأ لغوي أو إملائي أو في الترجمة، فاكتبوه في التعليقات.