الفصل 51 – لنرى كيف ستفسر هذا
"لم يحضر فانغ يوان إلى الدرس اليوم. انظروا يا رفاق، مقعده شاغر."
"يا لجرأته! درس اليوم يلقيه شيخ الأكاديمية بنفسه، ومع ذلك تجرأ على الغياب!"
"هذا سيئ، ملامح الشيخ متجهمة للغاية، ويبدو أن فانغ يوان واقع في ورطة عريضة. هيهيهي."
داخل الأكاديمية، تبادل الفتيان همسات خافتة. واختلس بعضهم النظرات نحو مقعد فانغ يوان الخالي، ثم نحو قسمات وجه شيخ الأكاديمية التي تزداد قتامة. ومنذ أن شرع فانغ يوان في ابتزازهم، ناصب الجميع العداء في الصف. ورأى الطلاب في وقوعه في مأزق مادة للتسلية والتشفي، وترقبوا ما سيحدث بشغف.
بدت ملامح شيخ الأكاديمية متصلبة وهو يشرح ركائز صقل الفتحة وتغذيتها، بينما ترامت عيناه سرًا نحو مقعد فانغ يوان.
ضحك في قرارة نفسه ساخرًا: ’فانغ يوان، يا فانغ يوان. كنت أخشى بالأمس ألا أظفر لك بذلة أو ثغرة، وها أنت تقدمها لي اليوم على طبق من ذهب. تظل في النهاية فتى في الخامسة عشرة من عمره، ويبدو أنني بالغت في تقدير دهاءك.’
كان تجهمه في معظمه تصنعًا مدروسًا؛ إذ هدف إلى استغلال هذه السانحة للإيقاع بفانغ يوان ومعاقبته، كاسرًا شوكته المتنامية ونفوذه الطاغي في الصف. فلا مراء في أن هيبة فانغ يوان اشتدت بمرور الأيام، حتى كادت تخنق بقية الطلاب وتكتم أنفاسهم.
لم يكن شيخ الأكاديمية راغبًا في رؤية سيطرة أحادية الجانب؛ بل أراد للصف بأكمله أن يتألق ويتنافس.
"أيها الحراس!" رفع شيخ الأكاديمية إصبعه ونقر نقرًا خفيفًا على سطح الطاولة.
"أمرك أيها الشيخ." دخل الحارسان اللذان كانا يقفان بالخارج عند الباب.
حنق شيخ الأكاديمية علنًا وقال: "تمادى فانغ يوان هذا كثيرًا، وتجرأ على التكاسل والغياب عن الدرس تحت ناظريّ. اذهبا إلى المبيت واجلِباه إلى هنا فورًا."
"حاضر أيها الشيخ." انطلق الحارسان في طريقهما. وما إن توارت أشباحهما خارج الباب، حتى ضجت الأكاديمية بأصوات الهمس واللغط.
انضم طلاب كثر إلى الحديث.
قال أحدهم وعيناه تبرقان سرورًا: "وقع فانغ يوان في ورطة كبرى الآن."
ضحك آخر شامتًا: "ههه، سنشهد عرضًا ممتعًا بعد قليل."
أما غو يوي فانغ تشنغ، فنظر إلى المقعد الشاغر وتنهد في دخيلته: "أخي الأكبر، لقد أفرطت في الغرور. هذا تحدٍ صريح لسلطة الشيخ. ومهما نالك من عقاب، فأنت من جلبه لنفسه."
بام، بام، بام!
ضرب شيخ الأكاديمية سطح المكتب ثلاث ضربات بملامح صارمة: "صمت! لا كلام أثناء الدرس!"
بدت هيبته في تلك اللحظة كبركان يوشك على الانفجار، مما بث الرعب في النفوس.
على الفور، خيم صمت مطبق على القاعة، وأطبق الطلاب شفاههم في ذعر، واستقاموا سريعًا في مقاعدهم. ورغم هدوء ملامحهم الظاهر، طارت عقولهم بعيدًا تترقب ما ستؤول إليه الأمور.
استمر الدرس، لكن تركيز الفتيان تبدد تمامًا.
راح بعض الطلاب القريبين من النوافذ يختلسون النظر إلى الخارج بين الفينة والأخرى.
مع مرور الوقت، تناهى إلى الأسماع صوت خطوات تقترب من الباب؛ فانتصبت آذان الطلاب فورًا، وتعلقت عشرات العيون بالمدخل في ترقب مشوب بالحماس.
"لقد وصلا…" سمع شيخ الأكاديمية وقع الخطوات وضيق عينيه ترقبًا.
رسم الشيخ في ذهنه سلفًا طريقة تأديب فانغ يوان؛ إذ سيعاقبه بالوقوف خارجًا مدة ثلاث ساعات كاملة.
رغم أن العقوبة ليست قاسية جسديًا، إلا أنها كفيلة بإذلاله وكسر كبريائه.
فطوال ساعات الدرس، سيرى كل من يدخل الأكاديمية أو يغادرها فانغ يوان واقفًا هناك كالمذنب.
هذا الإجراء كفيل بتحطيم هالة الحصانة التي نسجها حول نفسه. وحين يدرك الطلاب أن فانغ يوان لا يملك مناعة تحميه من العقاب، سيتضاءل خوفهم منه، وتدب الشجاعة في قلوبهم من جديد، وتشتعل روح المنافسة في صدورهم.
الأجمل من ذلك كله، أن عقوبة فانغ يوان ستصدر من الأكاديمية ذاتها، مما يعزز هيبتها ومكانتها في نفوس الجميع.
فالهيبة تولد الطاعة.
هكذا، رغم بساطة التدبير الظاهرة، كمنت وراءه مقاصد عميقة وبعيدة المدى.
اقتربت الخطوات أكثر فأكثر، حتى استقر الواقف وراء عتبة الباب.
طق، طق، طق.
تردد صوت طرقات خفيفة على الباب.
ابتسم الطالب القريب من الباب وقال بحماس: "ههه، سأفتحه أنا!" ثم سارع لفتحه متطوعًا.
سكنت الأكاديمية تمامًا، وتعلقت كل الأبصار بالمدخل.
صرير.
انفتح الباب بسهولة بين يدي الفتى، وظهرت فجوة ضيقة.
تسللت خيوط الشمس من تلك الفجوة، فتجمد الطالب الذي فتح الباب فجأة في مكانه، واقشعر بدنه رعبًا.
"آآآه!" شُدِه للحظة قبل أن يطلق صرخة مدوية ملؤها الفزع، وتراجع لا إراديًا خطوة واسعة إلى الوراء. فاصطدم جسده بالطاولة، وفقد توازنه في التو، فهوى مصطدمًا بالأرض مع الطاولة في جلبة شديدة!
شحب وجه الفتى، وتلبسته أمارات الهلع، وارتعدت أطرافه عاجزة عن حمله. وراح يجهد وهو ملقى على الأرض للنهوض مرعوبًا، لكنه كان يعود ويسقط مرة تلو أخرى.
"ما خطبك؟!" دهش الجميع في لحظة واحدة، وعقدوا حاجبيهم في استغراب شديد.
اتجهت نظرات الجمع صوب الباب بفضول طاغٍ.
دُفع الباب ببطء من الخارج.
توقف شيخ الأكاديمية عن إلقاء درسه بدافع الغريزة.
أول ما وقعت عليه أعين الجميع، يد تستند على حافة الباب.
يد يسرى لفتى يافع.
يد يسرى تقطر دمًا قانيًا.
يد ملطخة تمامًا بالدماء!
ما إن رأت الطالبات تلك اليد الدامية حتى وضعن أيديهن على أفواههن وأطلقن صرخات ذعر مكتومة.
انفتح الباب ببطء على مصراعيه.
خطف وهج الشمس الساطع أبصار الحاضرين، فاضطرهم لتضييق عيونهم. وعلى خلفية ذلك الضوء المتوهج، لاح أمامهم ظل قاتم لفتى نحيل.
ولا يدري شيخ الأكاديمية لماذا، لكن شعورًا طاغيًا بالقلق وعدم الارتياح تسلل فجأة إلى صدره.
صرخ أحدهم بأعلى صوته: "إنه فانغ يوان!"
حين اعتادت الأعين على الضوء، اتضحت هوية الطارق للجميع بجلاء.
رأوا فانغ يوان مضرجا بالدماء، واقفًا خارج الباب كأنه خاض للتو معركة طاحنة ضروس.
سحب يده اليسرى ببطء، بينما كانت يده اليمنى تقبض على شعر رأس ويسحب خلفه شخصًا على الأرض. وكان الذراع الأيسر لذلك الشخص مبتروا بالكامل من أصله، وهو ممدد بلا حراك وغارق في غيبوبة عميقة، والدم يتدفق بغزارة من كتفه المبتور.
صاح أحدهم بعدما ميّز ملامحه: "إنه أحد الحارسين اللذين ذهبا لإحضار فانغ يوان!"
"ما الذي جرى بحق الجحيم؟" كاد عقل أحدهم يطيش من هول المشهد.
أشار آخر نحو فانغ يوان وهو يصرخ بهستيريا ورعب: "لقد قتل مجددًا! قتل حراس الأكاديمية هذه المرة!" وازداد صوته ارتفاعًا كأنه يحاول طرد الهلع الذي جثم على صدره.
انقلبت الأكاديمية في لحظة واحدة إلى فوضى عارمة.
نسي كثير من الطلاب القواعد ووثبوا من مقاعدهم، ناظرين نحو فانغ يوان بمشاعر متباينة بين الخوف الشديد والصدمة والارتباك.
ففي خيالهم، توهموا أن الحارسين سيقودان فانغ يوان مقيدًا أو مجرورًا بينهما.
لكن الحقيقة الصادمة كانت أمامهم: فانغ يوان غارق في الدماء، هادئ الملامح كشيطان قادم من الجحيم. والحارسان، أحدهما مفقود الأثر، والآخر ملقى بلا حراك، تسيل دماؤه مشكلة بركة واسعة تحت جسده.
فاحت في أرجاء القاعة رائحة دم خانقة ونفاذة.
ذُهل شيخ الأكاديمية؛ إذ لم يخطر مثل هذا المشهد في خياله قط!
بعد الصدمة الأولى، تفجر في صدره غضب عارم.
صحيح أن الحارسين ليسا سوى مقاتلين خارجيين، وموتهما لا يزن عنده مثقال ذرة، ولم يكن يكترث لهما حقيقةً.
لكن الأمر الجوهري يكمن في هويتهما وموقعهما؛ فهما حارسا الأكاديمية، ويمثلان هيبتها وسلطتها. ويمثلان في النهاية ماء وجه الشيخ شخصيًا!
لقد بلغ طغيان فانغ يوان مداه؛ فبعدما قتل غاو وان سابقًا، تجرأ اليوم على الفتك بحراس الأكاديمية!
كلا، هذا ليس مجرد تهور؛ بل هو تحدٍ سافر واستفزاز صريح لهيبة أكاديمية العشيرة.
استشاط شيخ الأكاديمية غيظًا، وأشار بإصبعه نحو فانغ يوان وهو يزأر: "فانغ يوان! ما معنى هذا؟ لا بد أن تقدم لي تفسيرًا مقنعًا وحجة دامغة إن أردت النجاة، وإلا فإن جريمة قتل حراس الأكاديمية كفيلة بإلقائك في غياهب السجن، لتبقى رهن حكم العشيرة العادل!"
اقشعر أبدان الطلاب جميعًا.
اهتزت مصاريع النوافذ من قوة الصوت، وتردد صدى زئير الشيخ في سائر أرجاء القاعة.
وحده فانغ يوان ظل رابط الجأش، غارت عيناه في عمق سحيق وهدوء تام كعادته، دون أن تلوح على ملامحه أدنى شائبة اضطراب.
بعد أن جال بنظره حول المكان، أفلت يده اليمنى، فهوى رأس الحارس على الأرض بقرقعة، وتناثرت قطرات من بركة الدم على ثياب فانغ يوان السفلية.
ضم قبضتيه محييًا شيخ الأكاديمية، وتردد صوته الهادئ في صمت القاعة المطبق: "أيها الشيخ الفاضل، لدي بالفعل ما أود الإبلاغ عنه وتوضيحه."
وضع شيخ الأكاديمية يديه خلف ظهره، ورفع رأسه ناظرًا إلى فانغ يوان بملامح باردة كالصقيع: "تكلم."
ضحك في صدره ساخرًا: "فانغ يوان، إنك تراكم الخطايا وتزيد الطين بلة. لنرى كيف ستفسر هذا وتفلت بجلدك!"
***
أعيدت ترجمة هذا الفصل بواسطة نظارة!
آمين.
إن لاحظتم أي خطأ لغوي أو إملائي أو في الترجمة، فاكتبوه في التعليقات.