الفصل 50 – المرحلة المتوسطة!
أقبل الليل، وتهادى البدر كقرص فضي يتوارى تارة ويبرز تارة أخرى بين ثنايا السحب، بينما رصعت النجوم المتناثرة أرجاء الفضاء.
وقف غو يوي مو بي في فناء داره رافعًا رأسه نحو كبد السماء، وعيناه تلتمعان بانعكاس ضوء القمر.
تناهى صوت شقيقته غو يوي مو يان من خلفه: "أخي الصغير، سمعتُ أنك أُصبت اليوم."
استدار مو بي ولوى شفتيه متبسمًا: "أخشيتِ عليّ يا أختي أن أقع في صدمة نفسية دائمة بعدما بصقتُ الدماء اليوم؟"
انزاح عبء القلق عن قلب مو يان حين رأته يبتسم؛ ورغم مخاوفها الحقيقية، ردت تلطفًا: "كلا بالطبع؛ فأختك الكبرى أعلم الناس بمعدنك. أنت فتى مقدام، ووريث فرع مو المستقبلي؛ فكيف لوعكة عابرة كهذه أن تفتّ في عضدك؟!"
حك مو بي قفاه وضحك بخجل: "ههه، أعلم أن أختي أحن الناس عليّ."
برقت عينا الفتى ذي الخمسة عشر ربيعًا بعزم متقد تحت وهج القمر: "أتعلمين يا أختي؟ رغم خسارتي اليوم، إلا أنني سمعتُ لهاث فانغ يوان المكتوم أثناء النزال! في السابق أسقطني بضربتين أو ثلاث في منتهى الهدوء؛ غير أن لهاثه اليوم فضح ضعفه. إنه ليس منيعًا كما يتوهمه البقية، وسيأتي يوم أهزمه فيه نزالًا شريفًا!"
ربتت مو يان على رأسه مبتهجة: "أحسنت! هذا ما أعهده من رجال سلالة مو!" ثم استدركت بقلق حانٍ: "غير أنك مثخن بنزيف داخلي، فإياك وممارسة التدريب القتالي خلال هذه الأيام."
هز مو بي رأسه مظهرًا استياءه بنبرة ضجرة: "لا تعبثي بشعري يا أختي، فما عدتُ طفلًا؛ وأعي ما تقولين تمامًا، ولديّ خطتي. سأستغل هذه الأيام لتغذية جدران فتحتي، واختراق المرحلة المتوسطة من الرتبة الأولى لانتزاع منصب رئيس الفصل وكبح شوكة فانغ يوان! وسأعلمه أن الفيصل الحاسم في مسار أسياد الغو يظل الموهبة الفطرية وحدها!"
ابتسمت مو يان برضا: "يسرني أنك تفكر على هذا النحو؛ ففي السابق لم أظفر سوى بمنصب نائب الرئيس، وبلوغك الرئاسة سيعوض حسرتي القديمة."
رد مو بي بثقة: "اطمئني يا أختي؛ منصب رئيس الفصل سيكون من نصيبي حتمًا!"
في الوقت ذاته، داخل مجمع عائلة تشي.
داخل الغرفة السرية، لم يشتعل سوى مشعل وحيد مثبت في تجويف بالجدار الكلسي.
تراقص لهيب المشعل ملقيًا بضيائه على أرجاء الحجرة الصغيرة.
جلس غو يوي تشي ليان، أحد الشيخين النافذين في العشيرة، في مواجهة حفيده غو يوي تشي تشنغ. جلس الاثنان على بساط صلاة، وظلالهما ترتسم على الأرضية وتتمايل مع ارتعاش اللهب.
مد غو يوي تشي ليان يده، واضعًا كفه على موضع بطن تشي تشنغ.
امتلأ وجه غو يوي تشي تشنغ بالقلق، وحوّل تركيزه بالكامل نحو فتحته، كابحًا بكل ما أوتي من جهد تموجات بحره البدائي.
في هذا العالم، لا توجد ورقتان متطابقتان على شجرة واحدة؛ وكذلك الحال مع أسياد الغو، إذ يستحيل أن يتطابق جوهران بدائيان لشخصين مختلفين.
بمجرد أن يتسلل جوهر بدائي من مصدر خارجي إلى الفتحة، يُثير تلقائيًا مقاومة طبيعية من الجوهر الأصلي القابع فيها.
فإن لم يكبح غو يوي تشي تشنغ بحره البدائي وسمح له بمقاومة الدخيل، سينشب صدام عنيف بين الجوهرين؛ وتفاعل كهذا كفيل بإلحاق أضرار جسيمة بجدران الفتحة.
يُعد البحر البدائي داخل الفتحة أساس زراعة سيد الغو وجذر قوته، وأهم ما يملكه على الإطلاق.
فإذا تضررت الفتحة، ينحدر مستوى زراعة المرء في أحسن الأحوال، بل قد تتضاءل موهبته الفطرية في الحالات الشديدة؛ وإن تحطمت الفتحة كليًا، لقي سيد الغو حتفه على الفور.
بعد برهة، توقف غو يوي تشي ليان تدريجيًا عن ضخ جوهره البدائي، وسحب كفه ببطء.
تنفس غو يوي تشي تشنغ الصعداء بارتياح، واسترخى جسده المشدود: "شكرًا لك يا جدي على تغذية فتحتي ونقل الجوهر البدائي إليّ كل ثلاثة أيام. لقد أرهقناك معنا!"
تصبب العرق على جبين غو يوي تشي ليان، فتنهد الشيخ قائلًا: "هذا أمر لا مفر منه. موهبتك لا تتعدى الدرجة C؛ فإن اعتمدنا على قدرتك وحدها لبلوغ المرحلة المتوسطة، فسيستغرق الأمر وقتًا طويلًا، ضعف ما يحتاجه صاحب الدرجة B، وأربعة أضعاف صاحب الدرجة A. وعندئذ سينكشف أمر موهبتك الحقيقية. لهذا السبب، حتى وإن انطوت هذه الطريقة على مخاطرة، فلا مناص من اللجوء إليها."
أطرق تشي تشنغ برأسه: "حفيدك يدرك مقاصدك النبيلة يا جدي."
استطرد الشيخ بحسرة: "المهم أن تفهم. غير أن لهذه الطريقة أثرًا جانبيًا خبيثًا؛ فبعد تغذية فتحتك بجوهري الفضي البدائي، ورغم فعاليته العالية، يظل جوهرًا خارجيًا غريبًا عن جسدك. بناءً على ذلك، حتى عندما تتحول جدران فتحتك من جدار ضوئي إلى جدار مائي، فستبقى ملوثة بطاقتي الغريبة. وكلما تراكمت تلك الطاقة الخارجية، تدنست فتحتك وشابها الخلل، مما سيكبل موهبتك ويحد من آفاق تطورك المستقبلي."
عض غو يوي تشي تشنغ شفته: "يا جدي، من أجل مستقبل فرع عائلة تشي، أنا مستعد للتضحية بآفاقي المستقبلية!"
تهللت أسارير غو يوي تشي ليان، ومرر أصابعه في لحيته: "يسرني أن أسمع منك هذا النضج. لكن السماء تترك دومًا بصيص أمل للمرء، ووضعك لم يبلغ طريقًا مسدودًا بعد؛ فلو عثرنا على غو تطهير المياه، فبوسعه غسل جدران فتحتك واجتثاث سائر الطاقات الغريبة المترسبة في بحرك البدائي، ليمحو هذه العلة تمامًا."
تابع الشيخ موضحًا: "علاوة على ذلك، استعنتُ بمعارفي للبحث عن دودة الخمور من أجلك. تستطيع هذه الدودة مساعدة سيد الغو من الرتبة الأولى على صقل جوهره البدائي ورفعه بمقدار مرحلة فرعية كاملة؛ وبهذا يكون الجوهر البدائي المصقول نابعًا من جسدك أنت لا من مصدر خارجي. وتغذية الفتحة بتلك الطريقة تخلو من أي مضاعفات أو مخاطر، بل تعطي أثرًا أعمق بكثير!"
ابتهج غو يوي تشي تشنغ وصاح: "شكرًا لك يا جدي!"
أوضح الشيخ متمهلًا: "مع ذلك، فالعثور على دودة الخمور شديد الصعوبة؛ إذ تُعد دودة الخمور وغو الخنزير البري ودودة الكتب من بين أندر غو الرتبة الأولى، وسرعان ما تُخطف فور ظهورها في الأسواق. بطبيعة الحال، تتردد شائعات عن وجود أنواع نادرة من الغو في هذا العالم قادرة على تعديل الموهبة الفطرية لسيد الغو، لكنني طوال سني عمري هذه لم أرَ أيًا منها بأم عيني، ولم أسمع عنها إلا همسات متفرقة."
هبت نسائم الليل العليلة برقة عبر النوافذ متسللة إلى داخل الغرفة.
جلس غو يوي فانغ تشنغ على فراشه مغمض العينين، ممسكًا بحجر بدائي في كلتا يديه.
هاج بحر النحاس الأخضر البدائي دون رياح، وتدافعت أمواجه متلاطمة نحو جدران الفتحة البيضاء.
يملك الفتى موهبة من الدرجة A، ويشغل جوهره البدائي ثمانين بالمئة من مساحة الفتحة؛ فسرعة تعافيه الطبيعية تناهز ضعف سرعة فانغ يوان!
بفضل هذه المزية الفطرية الموهوبة، بات قاب قوسين أو أدنى من المرحلة المتوسطة للرتبة الأولى.
زفر فانغ تشنغ نفسًا عميقًا بعد برهة، وفتح عينيه.
بدا القمر ساطعًا والنجوم متناثرة وراء النافذة، بينما اصطفت بيوت الخيزران الخضراء المزرقة في خط مستقيم.
ساد مشهد من الهدوء والسكينة أرجاء المكان.
تمتم فانغ تشنغ بصوت خافت: "الوقت يمضي كلمح البصر أثناء الزراعة؛ وها قد انتصف الليل." ثم بسط كفيه رويدًا رويدًا، فسقطت كومتان من مسحوق الحجارة على الأرض أمام سريره.
يتحول الحجر البدائي إلى كومة من التراب بمجرد امتصاص جوهره بالكامل.
نظر فانغ تشنغ إلى المسحوق، وعقد حاجبيه بضيق.
أخرج كيس نقوده، فوجده شارف على النفاد.
فتحه ليرى ما تبقى فيه؛ لم يتبق سوى ثلاثة أحجار بدائية.
يحصل فانغ تشنغ على ثلاثة أحجار كل سبعة أيام من الأكاديمية كمخصصات زراعة، لكن فانغ يوان يسلب منه حجرًا في كل مرة، فلم يعد يتبقى له سوى حجرين أسبوعيًا.
اعتاد عمه وعمته منحه نفقات معيشة، بيد أنها بلغت ثلاثة أحجار كل سبعة أيام فقط.
كيف تكفيه هذه الأحجار الشحيحة لمواصلة الاندفاع في زراعته؟
تولد لدى فانغ تشنغ عزم جارف على تجاوز شقيقه الأكبر فانغ يوان؛ لذا بادر بمفاتحة عمه وعمته مرارًا لالتماس مزيد من الأحجار البدائية.
بعد تكرار طلبه، جلست عمته معه في حديث ودي طويل، تشكو إليه فقر الأسرة وضائقتها المالية ونفاد مدخراتها. ومذ ذاك، عاف نفسه تكرار السؤال.
حدّث نفسه بأسى: ’يبذل والدي ووالدتي بالتبني كل ما في وسعهما لدعم زراعتي، ولا يسعني إحراجهما بطلب المزيد. لم يتبق معي سوى ثلاثة أحجار، ويتحتم عليّ التدبير بحكمة؛ فإذا استهلكتُ حجرًا واحدًا كل يوم، فستكفيني لثلاثة أيام.’
استطرد مفكرًا: ’يراودني شعور بأنني سأخترق المرحلة المتوسطة حتمًا في غضون ثلاثة أو أربعة أيام! لكن تُرى أين بلغ تقدم أخي الأكبر الآن؟’ ونظر لا إراديًا باتجاه مهجع الأكاديمية.
همس في قرارة نفسه بتحدٍ: ’أنا صاحب موهبة من الدرجة A، بينما يملك أخي الأكبر موهبة من الدرجة C فقط؛ وسرعته أقل مني دون ريب. لن يقوى على مجاراتي هذه المرة! يا أخي الأكبر، سأجعلك تدرك القوة الحقيقية للموهبة من الدرجة A!’
شد فانغ تشنغ قبضتيه بحزم مع تداعي هذه الأفكار.
داخل مهجع الأكاديمية.
أُغلق باب غرفة فانغ يوان بإحكام.
جلس الفتى متربعًا على فراشه وسط تلك العتمة، ولم يكن نائمًا.
لا تعوض زراعة سيد الغو حاجته إلى النوم الطبيعي؛ وفي المعتاد، يستسلم فانغ يوان للرقاد في مثل هذا الوقت.
غير أنه شعر أثناء زراعته في وقت سابق من اليوم بأنه لا يفصله عن المرحلة المتوسطة سوى خطوة واحدة.
التقت عيناه ببريق العزم الصارم: "خير لي ألا أنام الليلة، وسأقتحم المرحلة المتوسطة مباشرة!"
أغمض عينيه بُعيد ذلك، وغاص وعيه في أعماق فتحته.
شغل بحر النحاس الأخضر البدائي أربعة وأربعين بالمئة من الفتحة؛ وقبل لحظات وجيزة، صقلته دودة الخمور بالكامل ليتحول إلى جوهر بدائي أخضر شاحب ينتمي إلى المرحلة المتوسطة.
أصدر فانغ يوان أمره بومضة فكر: "انهض." فتحرك البحر الهادئ على الفور ومادت مياهه.
تعاظمت الاضطرابات شيئًا فشيئًا، حتى تصاعدت الأمواج الهادرة.
طرطشة، طرطشة، طرطشة…
تسابقت أمواج المد متدافعة صوب جدران الفتحة البيضاء من كل جانب.
ارتطمت الأمواج كأنها تصطدم بجرف صخري، فتحطم معظم الجوهر البدائي إلى تموجات زمردية ذابت عائدة إلى عمق البحر.
استُهلك قدر ضئيل من الجوهر البدائي، مستحيلًا إلى شحنة خفية من الطاقة غير المرئية، تغلغلت في أعماق الجدار الضوئي الأبيض المحيط بالفتحة.
فكر فانغ يوان بحزم: "ارتفع مجددًا." فاتسعت رقعة التموجات الزمردية؛ وبينما بدت الموجات السابقة كالأرانب والكلاب المتواثبة، استحالت الآن إلى فيالق من الجياد الجامحة تزحف نحو جدران الفتحة.
خيول كالتنانين الجارفة، وأمواج تعانق عنان السماء!
استُنفد الجوهر البدائي بوتيرة متسارعة، وهبط منسوب المياه بحدة.
طرطشة، طرطشة، طرطشة…
توالت ضربات الموج دون هوادة، حتى أسفرت أخيرًا عن تحول حاسم؛ إذ اهتز الجدار الأبيض فجأة، وتوهج بياضه الهادئ ببريق ساطع يخطف الأبصار.
غمرت فانغ يوان بهجة عارمة حين عاين هذا المشهد؛ فقد أدرك حلول اللحظة المفصلية، فسارع إلى استنفار ما تبقى من جوهره البدائي ليدك الجدران بضراوة.
اشتد وهج الضوء الأبيض، وتلوت أشعته وتشابكت في نسيج متداخل، مانحة الناظر إحساسًا بالكثافة والصلابة. وبعد بضعة أنفاس، تشكلت أشرطة ضوئية بيضاء على الجدار، واصطدمت ببعضها كشلالات تتدفق دون انقطاع. وخلال هذا الارتطام، واصلت الاندماج والالتحام لتكوّن تيارًا ضوئيًا أبيض رقراقًا.
تجمعت تلك التدفقات الضوئية أخيرًا في كتلة واحدة، وغطت الجدار الضوئي بالكامل.
خبا الوميض الأبيض شيئًا فشيئًا، وتلاشى الجدار الضوئي الأصلي للفتحة، وحلت مكانه طبقة كروية من جدار مائي أبيض ناصع. تميز الجدار الضوئي القديم بسطح أملس خالٍ من الشوائب؛ أما الجدار المائي الجديد فأكثر سماكة ورسوخًا، وتتماوج فوقه ظلال النور وتتلألأ في انسيابية ساحرة.
استعاد البحر البدائي هدوءه وسكينته، وقد بقي في قاع الفتحة عشرون بالمئة من الجوهر البدائي.
فتح فانغ يوان عينيه وأطلق ضحكة مجلجلة: "لقد بلغتُ المرحلة المتوسطة!"
تسللت أشعة الشمس الوضاءة عبر شقوق الستائر.
دون أن يدري، انصرمت سويعات الليل وحل الصباح.
***
أعيدت ترجمة هذا الفصل بواسطة نظارة!
آمين.
إن لاحظتم أي خطأ لغوي أو إملائي أو في الترجمة، فاكتبوه في التعليقات.