الفصل 448 – الظفر بغو آخر من الرتبة الخامسة
حث غوي وانغ خطاه في كبد السماء، مقتفيًا أثر هالة الغو الخالد الخافتة، حتى انتهت به المسيرة إلى شجيرة من إكليل الثلج.
قطب غوي وانغ حاجبيه في اضطراب: "توقفت هالة الغو الخالد هنا، وانقطع الأثر تمامًا!" وانطلق يفتش في جنبات شجيرة إكليل الثلج بهوس محموم.
"لا شيء؟! لا أثر للغو الخالد قط! لقد قُطف غو غسل الثلوج الذي استوطن هذه الشجيرة، مما يقطع بأن أحدًا وطئ هذا المكان. ولكن لِمَ انعدم أثر الغو الخالد؟ لو واصل الغو حركته، لتحركت هالته معه؛ أما وقد تلاشت الهالة عند هذه النقطة بالذات، فهل ترى الغو الخالد قد هلك؟!" خامر هذا الظن رأس غوي وانغ.
غير أنه أبى التسليم بهذا الاحتمال، واستنفر ديدانه الاستطلاعية يمسح بها الأديم شبرًا شبرًا.
"كلا، لا وجود لشيء ها هنا!" كز غوي وانغ على نواجذه، وتأججت في صدره حسرة مميتة ونقمة عارمة.
"تمهل!" فجأة، التمعت في محجريه نظرة شرسة حين قفز احتمال باغت إلى ذهنه: "في قلب مرج السموم هذا، تتربع أرض زي دو المباركة، وتسكنها السيدة عقرب السموم، وهي سيد غو خالد من الرتبة السابعة! أتراها هي من التقط الغو الخالد؟! فبحر جوهر الفاني يعجز عن احتواء غو خالد، أما بحور جوهر الخالدين فتستوعبه بيسر؛ ومتى ولج الغو الخالد جوف الأرض المباركة، انقطع تسرب هالته إلى الخارج تمامًا! وإن صح هذا، فهو التفسير الوحيد المقبول منطقًا وعقلًا!"
"أيعقل أن السيدة عقرب السموم جلست في خدرها ليطرق الغو الخالد بابها هبة سائغة؟! يا للشقاء، وتبًا لهذا الحظ المنكود!" ضرب غوي وانغ الأرض بقدمه حنقًا؛ وفضل في قرارة نفسه تصديق استيلاء السيدة عقرب السموم عليه، على أن يقر بموت تلك الدودة الأسطورية.
هيهات أن يخطر بباله أن الغو الخالد لم يهلك قط، بل استخدم فانغ يوان غو خزانة الحديد لحجب هالته بإحكام، ثم ارتد على عقبيه ليدفن الغو في موضع سحيق في منتصف الطريق!
فغوي وانغ اقتفى درب الهالة المتبقية صعودًا، وتزامن خفوت الأثر مع تقدمه التدريجي في السير، مما أوقعه في هذا الوهم المحكم.
حين راوده خاطر السيدة عقرب السموم، أغلقت أحقاده وحسده منافذ التفكير السليم أمامه.
تحسر غوي وانغ: "السيدة عقرب السموم من الرتبة السابعة، وبأسها طاغٍ لا قِبل لي به. ويسعني حشد خالدي بحر الزهور الثلاثة والمتوحد هونغ يو لاقتحام أرض لانغ يا بفضل ما قطعته لهم من وعود بالمغانم والوصفات؛ أما أرض زي دو، فلا أملك ورقة مساومة واحدة تغريهم بمشاركتي في خوض غمارها. يا للغيظ! لو بكرتُ بالقدوم قبل عشرة أيام، لربما استقر الغو الخالد في قبضتي!"
"حسب الحسابات، أوشكت أرض زي دو على فتح بواباتها لطرد الغازات السامة المتراكمة في جوفها؛ ولستُ ندًا لتلك المرأة، فالأجدر بي الانسحاب فورًا."
ضرب غوي وانغ الأرض بحسرة، ثم حلق في الفضاء ليتوارى في جوف السحب الداكنة.
تموجت السحب الكثيفة وهو يرمق الأديم بنظرات تقطر نقمة، ولم يمضِ إلا وقت يسير حتى قفل راجعًا صوب مرابعه.
…
كُتب لتلك الليلة أن تشهد صخبًا لا يهدأ؛ وفي مراعي قبيلة غي، سُلطت الأبصار قاطبة نحو فانغ يوان.
فلو أقدم فانغ يوان على قتل غي ياو وسلب ديدانها، لافتضح أمره اللحظة تحت برهان غو الشواهد والقرائن.
حينها، ستتهاوى أكاذيبه السابقة دفعة واحدة؛ فإن أنكرتَ لقاءها، فمن أين ظفرتَ بديدانها؟!
في ذلك الموقف، لن تجديه أي ذريعة نفعًا!
"يا بني!" حدق زعيم قبيلة غي في ولده غي غوانغ بنظرات مشتعلة غضبًا، وصاح بحدة: "المحسن تشانغ شان يين بطل نبيل مستقيم السريرة، فكيف ترتاب في نزاهته؟! اركع فورًا واطلب الصفح من ولي نعمتنا!"
ارتبك غي غوانغ وغمغم مذهولًا: "يا أبتِ…"؛ ولم يحسب قط أن ينفجر والده في وجهه على هذا النحو الصاعق.
ألم يكن والده تواقًا للأخذ بثأر أخته؟! وحين سها والده عن هذه النقطة ونبهه إليها، أي ذنب اقترفه ليستحق هذا التعنيف؟!
على مقربة منهما، اتخذ زعيم مان ونجله موقف المتفرجين، يتربصان بما ستسفر عنه الأحداث.
خاطبه فانغ يوان بهدوء تام، وبدت عيناه صافيتين كصفحة الماء الرقراق: "أخي غي، قال ولدك إنك تحوز غو الشواهد والقرائن، أحق هذا؟ تفضل بإخراجه وتفعيله دون تردد."
تردد زعيم غي العجوز وتلعثم: "هذا…"
ابتسم فانغ يوان ابتسامة سمحة: "أخي غي، إن توفرت وسيلة تقطع الشك باليقين وتبرئ ساحتي، فلِمَ تخفيها؟! ههههه، بل إني لأرحب بها أشد الترحيب!"
تأمل زعيم غي ملامح فانغ يوان الهادئة، ثم التفت نحو مان تو ونجله؛ فإذا بالاثنين يلوذان بالصمت التام، يراقبانه بنظرات ملؤها الدهاء والمكر.
كز الزعيم العجوز على أسنانه حاسمًا أمره: "بما أن المنقذ تشانغ شان يين يصر على ذلك، فسأمتثل لأمره." ثم استخرج غو الشواهد والقرائن من جعبته.
كانت تلك الدودة تتخذ هيئة عنكبوت أسود ممتلئ، بحجم قبضة اليد؛ وتفرعت منه ثماني أرجل سوداء مكسوة بالشعر تنتهي أطرافها ببريق لماع يحاكي كستناء الماء.
ضخ زعيم غي جوهره البدائي فيه؛ فانبثق من جسد الغو ضياء أبيض خافت. وفي نطاق خمسمئة فرسخ، إن وجدت ديدان وُسمت بآثاره، لتوهج بنور أحمر يحدد اتجاهها؛ وإن أُخفيت الديدان في جوف بحر الجوهر، قصر مداه على ألف خطوة لا غير. بيد أن الغو استقر فوق راحة يد الزعيم دون أن يطرأ عليه أدنى تبدل، وبقي ساكنًا كالحجر!
لرؤية ذلك، هوى غي غوانغ على ركبتيه وارتطم جبينه بالتراب اعتذارًا: "أيها العم تشانغ شان يين، لقد أخطأتُ في حقك! دفعني الحرص على كشف الحقيقة إلى الإساءة لجنابك، فأنزل بي ما تراه من عقاب!"
ابتسم فانغ يوان ابتسامة رقيقة وتقدم منه ينهضه برفق: "انهض سريعًا يا بني؛ بل عليّ شكرك على إبراز براءتي أمام الجمع، فأي ذنب جنيت؟!"
…
نعود بالزمن إلى ذلك اليوم المشؤوم الذي أجهز فيه فانغ يوان على غي ياو في غياهب مرج السموم.
قبل أن تلفظ أنفاسها الأخيرة، انهمرت دموع الفتاة وهي تنتحب: "تشانغ شان يين! لا أدري كيف اعترضتُ طريق مجدك… ولكن حتى لو قتلتني، فلن أحمل لك ضغينة في قلبي! لعل وراءك ثأرًا ترتجيه؟ سأترك لك سائر ديداني، عسى أن تنفعك في درب نجاحك…"
سعلت الفتاة دمًا، وابتسمت ابتسامة شاحبة متوسلة: "سأموت حتمًا… ولكن لي قبل الرحيل رجاء أخير؛ أرجوك أن تحتضنني، فإني تواقة للشعور بدفء صدرك…"
بيد أن فانغ يوان تجمد في مكانه دون حراك، يرمقها بنظرات صقيعية قاسية.
ظل يراقب الفتاة وهي تتخشب رويدًا رويدًا، ونبض الحياة ينسحب من عروقها قطرة إثر قطرة.
حتى تحولت تلك الفتاة النضرة إلى جثة هامدة تكسوها برودة الموت.
خيم الصمت على فانغ يوان ردحًا طويلًا وهو يحدق في محياها الساكن.
فكر في سريرته ببرود: "تترك ديدانها لي كرمى لعيني؟! أي منطق هذا؟!"
"صحيح أنها تعلقت بهيئة تشانغ شان يين، ولكن كيف يعقل ألا تبغض من يسلبها حياتها غدرًا؟! فعشقها مجرد عاطفة غضة لم يمضِ على ولادتها بضعة أيام؛ أما حقدها، فحقد مسلوبة الروح التي أُزهقت حياتها ظلمًا. وبديهي أي العاطفتين أرسخ وأعتى!"
"هه! صبية غرة تجهل فنون التمثيل؛ وكيف تظن أنها قادرة على مواراة نيران الحقد التي استعرت في محجريها وهي تنطق تلك الكلمات؟! ومع حاجتي الماسة لديدان الغو، وجودة ديدانها، إلا أن تعمدها تركها لي ينطوي على فخ مميت… والحرص يقضي بألا أمد يدي إليها بحبة واحدة!"
ثم أطلق فانغ يوان إرادته، فانقضت ذئاب اللحى المسمومة تنهش جثتها حتى لم تُبقِ منها عظمًا ولا أثرًا.
من البداية إلى النهاية، لم يمس دودة واحدة من ديدان بحر جوهرها قط!
…
وعودة إلى الحاضر في مراعي غي.
تنفس زعيم قبيلة غي العجوز الصعداء لرؤية ركود الغو، وأفاض في مدح فانغ يوان وتبجيله: "أخي تشانغ شان يين، لقد ضربتَ أروع الأمثال في الشهامة؛ وأنت بطل المروج الحق الذي لا تشوب نقاءه شائبة! إن معدنك كبدر هذه الليلة الزاهر، وضاء رقراق كالنهر العذب؛ ومهما دنست الأوحال ثرى الأرض، فلن تنال من طهارة القمر؛ ومهما تكاثف الغمام، فلن يحجب ضياءك الساطع! وقبيلة غي مدينة لفضلك بالشيء الكثير؛ ولقد أفرط ولدي في التسرع والظن السوء؛ ولا نملك ما نعتذر به لجنابك سوى غو الشواهد والقرائن من الرتبة الخامسة؛ فاقبله منا هبة متواضعة، وإلا جفاني الكرى ونبذني النوم!"
ودودة من الرتبة الخامسة كنز عزيز يندر الظفر به؛ ومع ذلك، قدمها زعيم غي طواعية لفانغ يوان على مشهد من الجميع.
ردها فانغ يوان مرات ترفعًا، غير أن إلحاح الزعيم ألجأه لقبولها في نهاية المطاف.
وهكذا، استقر في قبضة فانغ يوان ثاني غو من الرتبة الخامسة منذ وطئت قدماه ربوع السهول الشمالية!
واستؤنفت المأدبة بروح من الألفة والبهجة حتى هزيع متأخر من الليل، ليتفرق الشمل تحت أضواء البدر الوضاء.
ودعا مان تو فانغ يوان بحفاوة بالغة وإلحاح شديد ليحل ضيفًا مكرمًا في رحاب قبيلة مان؛ بيد أن فانغ يوان اعتذر بلطف مبينًا أنه يعتزم الرحيل بعد أمد غير بعيد للمشاركة في محفل الأبطال العظيم؛ ووعده قاطعًا بأنه سيمر بديار قبيلة مان أولًا لزيارتهم قبل مغادرة المنطقة صوب الشمال.
وبينما وقف مان تو يراقب ركب فانغ يوان مع زعيم قبيلة غي وابنه وهم يمتطون ظهور ذئاب السنام ويبتعدون في عمق عتمة السهول، تلاشت ابتسامته المصطنعة سريعًا، وحل مكانها تجهم قاتم وملامح يملؤها السخط: "يبدو أن هلاك تلك الفتاة غي ياو حقيقة واقعة لا مراء فيها قط."
هون مان دو على والده الأمر في مكر وخبث: "لا تبتئس ولا تحمل همًا يا أبتِ؛ فقبيلة غي بحاجة ماسة ومصيرية إلى اللجوء لوادي هونغ يان للنجاة من العاصفة القادمة، وليس أمامهم ملاذ سوانا؛ وسيركعون عند أقدامنا صاغرين يرجون الحماية عما قريب."
ربت مان تو على منكب ولده مستريح البال: "صدقتَ يا بني؛ لقد بالغتُ في القلق دون مسوغ حقيقي. وطوال هذه السنوات، شهدت قبيلتنا توسعًا وازدهارًا بفضل تدابيرك ومساعيك الحثيثة؛ بيد أن موهبتك الفطرية لا تتعدى الدرجة الثالثة (ج)، وعليك متى ارتقى أخوك الأكبر لسدة المشيخة أن تكون له نعم العضد والسند والمعين."
أجاب مان دو بنبرة خنوع مصطنع: "سمعًا وطاعة يا أبتِ، لا تشغل بالك بذلك قط." بيد أنه في قرارة فؤاده أضمر حقدًا أسود وسخطًا أعمى: فلِمَ يُحرم من التنافس على مشيخة القبيلة لمجرد تدني موهبته الفطرية؟! وهو يعلم يقينًا أنه متى تسلم أخوه مقاليد الزعامة، فسيقضي عليه دون رحمة! وكم تمنى في سرّه لو ظفر بمصاهرة غي ياو ليتخذ قبيلة غي قوة وجناحًا يشد أزره ويرجح كفته في الصراع، إلا أن صروف القدر نسفت تدبيره وقضت على أمله الأكبر بهلاكها!
…
وفي تلك الأثناء، داخل الحجرة السرية لقبيلة غي.
صرخ زعيم غي في وجه ولده غي غوانغ بغضب عارم: "أيها العاق، اركع!"
جثا غي غوانغ مذهولًا: "يا أبتِ، لمَ كل هذا الغضب؟! افعل بي ما شئت حتى يهدأ روعك، ولكن أرجوك أخبرني؛ أي خطيئة ارتكبتُها؟!"
سخر الزعيم العجوز قائلًا: "أراك غارقًا في عمايتك! سأكشف لك الغطاء لتعلم هول الكارثة التي أوشكتَ أن تجرنا إليها هذه الليلة! أتظن حقًا أن مان دو خطب أختك كلفًا بجمالها وحسنها؟!"
بهت غي غوانغ: "أولم تكن أختي درة حسناوات القبيلة؟!"
زجر والده بحرقة: "ترهات وسخف! الجمال مجرد حلية تتوج صروح السلطة والنفوذ! وخلف مان دو تقف قبيلة مان الجبارة وزعيمها مان تو، ومأربهم الوحيد التهام قبيلتنا وابتلاعها عن بكرة أبيها!"
أعيدت ترجمة هذا الفصل بواسطة نظارة!
آمين.
إن لاحظتم أي خطأ لغوي أو إملائي أو في الترجمة، فاكتبوه في التعليقات.