الفصل 446 – غو خالد لمسار الروح غوي وانغ
تلألأ البدر في كبد السماء باثًا ضياءه الفضي الوضاء.
اندفعت كتلة هائلة من السحب الداكنة تبدو بطيئة للناظرين غير أنها تطوي المسافات طيًا؛ فعبرت فوق هامات فانغ يوان وصحبه، ومضت قاطعة خمسة آلاف فرسخ صوب الجنوب، لتستقر فوق تلة مغمورة لا اسم لها.
حجبت السحب الكثيفة بهاء القمر، وألقت بظلال حالكة ابتلعت التلة في ظلام دامس.
سكنت السحب الداكنة فجأة، وانبثق من جوفها وميض سيف خاطف؛ وإذا به غو رسالة السيف الطائر.
اخترق السيف التلة وغاص في فضاء غامض، متلاشيًا عن الأنظار.
عقب برهة وجيزة، اهتزت أرجاء التلة، والتمع نور أحمر قاني.
جاء ذلك الضياء الأحمر باهرًا كأنه شفق المغيب، ثم تكثف وتجمع في كتلة متقدة كشمس حمراء صغيرة.
في لمحة، غمرت الدائرة المحيطة على مد مئات الفراسخ بحمرة ساطعة.
من قلب تلك الشمس المصغرة، امتد جسر من اليشم البديع.
خطا فوق الجسر سيد غو خالد من الرتبة السادسة، بدت عليه سمات الشباب بوجه أبيض مستدير؛ وارتدى رداءً فاخرًا من فراء ثعلب الثلج، وتوردت وجنتاه بضياء أحمر وهو يرفع بصره نحو السحب الداكنة مرحبًا بضحكة رنانة: "غوي وانغ، طال عهدي بلقائك!"
كع كع كع…
مع قهقهة نكراء تقشعر لها الأبدان، انسل شخص من بين ثنايا السحب الداكنة.
انبعثت منه هالة طاغية تنضح بجبروت غو خالد من الرتبة السادسة؛ إنه غوي وانغ.
هوى غوي وانغ هابطًا بسرعة، وقبل أن تلامس قدماه الأديم، انفرج من ظهره زوج من أجنحة الخفافيش الضخمة بلون أسود مخضر.
خفق بجناحيه ليثبت في كبد الهواء، شاخصًا ببصره نحو الخالد الواقف فوق الجسر.
تحدث غوي وانغ بصوت أجش منكر يثير القشعريرة في النفوس: "أيها المتوحد هونغ يو، هذه خفافيش الحمم التي قطعتُ لك العهد بها؛ ثلاثة ملايين وخمسمئة ألف خفاش بالتمام والكمال، فتفقدها بنفسك."
اتسمت هيئة غوي وانغ بقبح منفر؛ شعر أشعث منكوش، وجبهة بارزة ناتئة، ومحجران غائران انطبقت فوقهما عينان مغلقتان بإحكام، وأذنان ضخمتان يناهز حجم الواحدة منهما نصف رأسه.
رفع المتوحد هونغ يو رأسه ميممًا وجهه شطر السحب الداكنة في الأعالي.
توهجت عيناه العسليتان باحمرار متقد، حتى استحال لونهما كلون الحديد المصهور في الكير.
اكتست نظراته حرارة حارقة اخترقت حجب السحاب، ليرى ملايين الخفافيش تموج في جوفها.
اتشحت تلك الخفافيش بحمرة داكنة تنفث لهيبًا حارقًا، وتطلق صرخات حادة متداخلة وهي تحوم أفواجًا.
جال هونغ يو بنظراته الفاحصة وأومأ برأسه راضيًا: "ثلاثة ملايين ونصف مليون من خفافيش الحمم دون نقص؛ وبحيازتها، لن تحتاج أرض هونغ يو المباركة إلى تصريف الحمم في باطن الأرض كل شهر، وسأجني من ورائها نفعًا عظيمًا. قبلتُ هذه الصفقة."
"كع كع كع كع…" ضحك غوي وانغ في خبث؛ وانشقت السحب الداكنة لتنطلق الخفافيش متحررة من قيودها.
لم تتبدد الخفافيش في الفضاء، بل انحدرت كشلال أحمر وأسود هادر، والتحمت مباشرة بقرص الشمس المصغرة.
لكل أرض مباركة مدخل فريد يخصها.
تلك الشمس الوليدة هي بوابة أرض هونغ يو المباركة بعينها.
عقب استقرار جحافل الخفافيش في جوف الأرض المباركة، خاطبه غوي وانغ: "أيها المتوحد هونغ يو، قبولك لهذه الخفافيش إقرار قاطع بمشاركتي في اقتحام أرض لانغ يا المباركة."
أجاب هونغ يو بجدية: "بطبيعة الحال؛ ومتى نكث المتوحد هونغ يو بعهده؟! بعد انقضاء شهر، سنزحف صوب أرض لانغ يا. غير أن روح تلك الأرض لا تزال حية ترزق؛ واقتصار الأمر علينا نحن الاثنين قد لا يكفي لحسم الموقف."
طمأنه غوي وانغ: "لا تقلق من هذه الناحية؛ فقد استنفرتُ خالدي بحر الزهور الثلاثة لمعاونتنا."
تعجب هونغ يو مستفسرًا: "أوه؟ أوافق خالدوا بحر الزهور الثلاثة المحسوبون على مسار الصلاح؟"
سخر غوي وانغ: "أي مسار صلاح وأي مسار شياطين؟! إنما هي المصالح والمنافع التي تدير الرؤوس. وأرض لانغ يا تزخر بوصفات لا حصر لها، ولا غرو أن يسيل لعاب الثلاثة لنيل نصيبهم."
قهقه هونغ يو: "صدقتَ وسيّد الكعبة! عليّ الآن ترتيب مواطن هذه الخفافيش، ولن أطيل وداعك يا غوي وانغ."
أنف غوي وانغ بصوت مكتوم، وخفق بجناحي الخفاش ليرتد إلى جوف السحب الداكنة بسرعة البرق.
تحركت السحب شمالًا تحجب ضياء البدر في طريقها.
حين ولجت سماء مرج السموم، توقفت السحب فجأة، وعلت وجه غوي وانغ حيرة بالغة: "إيه؟! ما هذا؟! ثمة أثر لهالة غو خالد؟!"
هبط نحو الأرض بملامح يغمرها الذهول؛ وكانت البقعة التي وطأتها قدماه هي البقعة ذاتها التي شهدت أول لقاء بين فانغ يوان وغي ياو!
تمتم في دهشة: "رغم خفوت هالة الغو الخالد وتلاشيها الوشيك، إلا أنها هالة حقيقية لا مراء فيها! لكن العجب كل العجب يكمن في وجود أثر الغو الخالد مع انعدام أي هالة لسيد غو خالد في الجوار! أهو غو خالد بري؟ لا، هذا مستحيل؛ فالأثر يدل على دودة مصنوعة صقلها البشر. أيعقل أن فانيًا من عامة الخلق ظفر بغو خالد؟!"
اشتعلت في جوانح غوي وانغ نشوة جارفة.
إذ كان غوي وانغ قد ارتقى إلى مصاف الخالدين قبل خمسين عامًا، ومع ذلك لم يظفر بغو خالد قط، وظل مرغمًا على استخدام ديدان الرتبة الخامسة في معاركه ومساعيه.
فديدان الغو الخالدة نادرة إلى أقصى الحدود، وكثير من الخالدين يقضون نحبهم دون أن تكتحل عيونهم بامتلاك حبة واحدة منها.
خفق فؤاده باضطراب: "أتراها سنوات شقائي الطويلة قد أينعت أخيرًا، وحان موعد الحظ الأكبر؟!" وأمام بريق الغو الخالد الذي لا يُقاوم، اضطربت فرائص غوي وانغ طمعًا.
فرد جناحيه، وانطلق مقتفيًا أثر تلك الهالة المتلاشية في كبد الهواء.
عقب برهة يسيرة، حط رحاله؛ فإذا ببحر من دوار شمس وجه الشبح يمتد أمامه.
ضحك غوي وانغ في برود: "يا للروعة! حقل كامل من دوار شمس وجه الشبح! كع كع كع، غدت كلها ملكًا ليميني!" ورغم انطباق جفنيه، إلا أن ذلك لم يعق بصيرته النافذة قط.
حرك إرادته؛ فانقضت السحابة الداكنة كالوحش الكاسر تلتهم الحقل الفسيح بأسره.
فورًا، هبت أسراب غو وجه الشبح في الهواء، وارتفعت صرخات غو بكاء الأشباح المروعة تصم الآذان.
زمجر غوي وانغ: "مخلب شبح الجحيم!" وبسط كفه فبرز ظل مخلب أخضر عملاق، جرف تلك الديدان واقتنصها في جوفه دفعة واحدة.
في لمحة، أسر جموع الديدان البرية.
عادت السحابة الداكنة لتحلق في الأفق مجددًا، بعد أن أزالت حقل دوار الشمس من الوجود، مخلفة حفرة عملاقة في أديم الأرض.
ابتهج غوي وانغ: "غنيمة طيبة." بيد أنها في عينه مجرد مقبلات يسيرة مقارنة بكنز الغو الخالد.
عقب مغادرته الحفرة، قطب حاجبيه: "ما الخطب؟ خفتت هالة الغو الخالد أكثر! أيعقل أنه خُتم؟"
اصل التحليق في إثر هالة غو السفر الخالد الثابت بسرعة خارقة.
بعد ربع ساعة، ارتفع حاجباه دهشة: "انتقلت هالة الغو من الأرض إلى الهواء، كيف يعقل هذا؟"
أدار بصيرته في الأرجاء، وفي غضون أنفاس فطن للأمر: "فهمتُ الآن؛ هذه مرابع فئران المسامير الأرضية، وسيد الغو الفاني اجتازها طيرانًا. حسنًا، إن ديدانه لا بأس بها إن كان يحوز غو طيران."
ابتسم غوي وانغ ساخرًا، ونشر جناحيه معتليًا السماء.
اقتفى أثر درب فانغ يوان، ليصطدم بأسراب غربان الظلال.
أنف غوي وانغ مستخفًا: "مجرد عصافير حقيرة." واهتز جسده خفيفًا، فانبثق منه مئة شبح هائم شاحب.
إنه غو الرتبة الخامسة: غو مسرى مئة شبح ليلًا!
انقضت الأطياف الهائمة تصطدم بغربان الظلال، فتهشم أرواحها شذر مذر؛ ورغم سلامة أجساد الغربان الخارجية، إلا أنها هوت صريعة لتتلقفها فئران المسامير الأرضية وتفتك بها.
أعمل غوي وانغ القتل في كل صوب، وفاحت رائحة الدماء في الأرجاء، مما استنهض مزيدًا من غربان الظلال للنهش والافتراس. وفي الوقت عينه، استنفرت جحافل فئران المسامير، واندفعت تقذف مساميرها صوب غوي وانغ.
قهقه غوي وانغ مستمتعًا، وفعل غو مسرى مئة شبح ليلًا إلى جانب مئات من غو وجه الشبح.
فورًا، ماج الفضاء بأرواح وأطياف تذرع السماء، ورقصت وجوه الأشباح المختلفة كطاحونة ساحقة تدق كل ما يعترض سبيلها.
هوت آلاف الغربان كقطع اللحم في مرجل يغلي، والتهمتها فئران المسامير، إلا أن وجوه الأشباح طالت الفئران بسحق ماحق كذلك.
انهالت المسامير الأرضية ترتطم بجسد غوي وانغ، لكن النور الأسود المحيط به ردها جميعًا خائبة، بينما عبثت مخالب الغربان الفولاذية في الفراغ.
لم يكترث غوي وانغ بالمراوغة، بل اندفع مخترقًا المعمعة بخط مستقيم.
فلو وقف سيد غو من الرتبة الخامسة في هذا الموقف وواجه هذا السيل المتدفق من الهجمات في كل ثانية، لنفد جوهره البدائي في لحظات وجيزة.
أما سادة الغو الخالدون، فيحوزون الجوهر الخالد؛ وقطرة واحدة من جوهر العنب الأخضر الخالد كفيلة بالتحول إلى بحر لجي من الجوهر البدائي يسع الأرض المباركة لعشرات السنين دون نفاد!
وهذا يعني امتلاك كل خالد لرصيد لا ينضب من الجوهر البدائي، مما يتيح له تفعيل ديدان الرتبة الخامسة دون انقطاع!
وعقب فناء آلاف الغربان، ولت البقية الأدبار ذعرًا.
ولم يتعقبها غوي وانغ، بل جاوز ديار الفئران وحط رحاله في البقعة ذاتها التي هبط فيها فانغ يوان سابقًا.
وهنا بالتحديد استخدم فانغ يوان غو الغبار فوق غو اللؤلؤة المضيئة.
قطب غوي وانغ جبينه في قلق: "تضاءلت الهالة مجددًا! كيف لفانٍ أن يختم غو خالدًا؟! لا، ثمة احتمال آخر، وهو أن الغو الخالد يرزح تحت جراح مميتة أوشكت أن تودي بحياته! عليّ الإسراع فورًا." واستشعر وطأة ضغط هائل، فواصل طيرانه ملاصقًا للأرض.
وسخر دودة غو أخرى من الرتبة الخامسة لمضاعفة سرعته.
وبعد عشرين دقيقة، وصل إلى ساحة المعركة الدامية التي شهدت صراع تشانغ شان يين وها تو غو حتى الموت.
وهنا استخرج فانغ يوان جثة تشانغ شان يين وسخر غو الإلقاء المظلم لكبح هالة الغو الخالد من جديد.
وحين أدرك غوي وانغ أن هالة الغو أضحت خافتة تكاد تنعدم، نفد صبره؛ وتوقف برهة مستخدمًا ديدانه الاستطلاعية لمسح الأرجاء، فلما لم يعثر على شيء، واصل طيرانه الحثيث.
أقسم غوي وانغ في قرارة فؤاده: "سأظفر بهذا الغو الخالد؛ حيًا كان أو ميتًا، فلن يفلت من قبضتي!"
…
وفي تلك الأثناء، تواصلت المأدبة في مخيم قبيلة مان لساعات طوال؛ وتمايلت الحسناوات في رقصات فاتنة، وسكبت الخمور العتيقة وأطايب الطعام، وفي هذا الجو البهيج، توطدت أواصر المؤاخاة بين فانغ يوان ومان تو.
رفع فانغ يوان قدحه قائلًا: "أخي مان تو، أشرب نخبك؛ وأرجو أن تكرم خاطري برأب الصدع وإصلاح شأن قبيلة غي."
أظهر مان تو ترددًا وحرجًا، وتجرع قدحه ثم قال: "ما كنتُ لأرد رجاء أخي تشانغ، على أن وادي هونغ يان ضيق الرقعة، وقبيلتنا توسعت وضاقت بها الديار؛ فإن أوينا قبيلة أخرى، فالأمر عسير… وفوق ذلك، نكثت قبيلة غي عهد المصاهرة، وتلك خيبة أوجعت قلوبنا!"
تحدث مان تو بلهجة غاضبة، بيد أن صدره انطوى على مكر دهاء.
فقد عزم على ابتلاع قبيلة غي، في حين أنه ترقب ذريعة تسوغ له ذلك؛ لا سيما وأن زعيم غي العجوز سيد من الرتبة الرابعة لا يسهل كسره عنوة.
ولذا، حين طرح مان دو فكرة المصاهرة، وافق عليها في الحال.
ثم لما تناهى نبأ هلاك غي ياو إلى سمعه، لم يصدق الزعيم ذلك قط؛ ورأى فيه حيلة ماكرة من قبيلة غي للتنصل من المصاهرة بعد أن استشعرت نوايا الابتلاع!
أعيدت ترجمة هذا الفصل بواسطة نظارة!
آمين.
إن لاحظتم أي خطأ لغوي أو إملائي أو في الترجمة، فاكتبوه في التعليقات.