الفصل 415 – من أجل الغد!
دويّ… دويّ…
توالت الانفجارات واحدًا تلو الآخر، وتصاعدت سحب الغبار والدخان في كبد السماء.
هذا هو موقع مشروع حفر النهر العظيم.
فرجال الصخور يقتاتون على التراب، وديدان الغو الكامنة في أجسادهم الحجرية صالحة لأعمال الحفر والتفتيت.
جثم كهل صخري أمام يان يونغ منتحبًا: "أيها القائد، لا يسعنا المضي على هذا المنوال! بالأمس وحده، قضى ثلاثة من رفاقنا نحبهم إعياءً؛ لقد ماتوا ميتة بائسة دون أن يخلفوا ذرية واحدة من بعدهم!"
فإذا مات رجل الصخر من فرط الإنهاك، تبددت روحه وتلاشت، ومات موتًا حقيقيًا دون أن تتبقى من روحه شظية لتخليق أطفال صخريين جدد.
لطم يان يونغ صدره وراح ينوح متظاهرًا بالأسى: "وهل تراني أجهل ذلك؟! وهل يخفى عليّ هذا المصاب؟! لقد ارتقى أبطال جدد وقدموا أرواحهم فداءً لقبيلتنا! ومن أجل مستقبل مشرق لقومنا، ومن أجل غدٍ جميل، بذلوا مهجهم رخيصة!"
"لكن ولهذا السبب بالذات، لا نملك ترف التباطؤ! فمنذ انطلاق أعمال الحفر، تعرضنا لغارات متتالية من جيوش الثعالب، وأعدادها في تزايد مستمر؛ ومما لا شك فيه أن ذلك الخالد المارق يوشك على استعادة جوهره الخالد! علينا مواصلة العمل الدؤوب لشق النهر وتجريده من منبع قوته!"
ذهل الكهل الصخري وقال متلعثمًا: "لكن أيها القائد…"
قاطعه يان يونغ رابتًا على كتفه: "أنت صخري وفيّ تحمل همّ القبيلة، وأنا أقدّر ذلك فيك. ولن تذهب دماء هؤلاء الأبطال هدرًا؛ انظر هناك، لقد أقمتُ لهم أضرحة وشواهد بطولية تخلد ذكراهم، وستتذكرهم أجيالنا القادمة بالعرفان والامتنان لما قدموه من تضحيات." وأشار إلى صفوف الشواهد الحجرية المنصوبة بكثرة في المكان.
تأمل الكهل تلك الأضرحة وأطلق زفرة حزينة.
فمع أول حالة وفاة بين العمال، بادر القائد الجديد يان يونغ بإصدار أمره بتشييد هذه الشواهد والأنصاب التذكارية.
فارتفعت المعنويات الخائرة في التو؛ ورغم أن أعدادًا غفيرة من رجال الصخور تسقط صريعة الإنهاك كل يوم، إلا أن روح الحماسة ظلت متقدة في صدورهم.
غير أن هذا الكهل برز من بين القلة النادرة الواعية بخطورة ما يجري؛ فتساءل في نفسه بقلق: "لقد ماتوا، فما نفع هذه الأحجار الصامتة؟"
ثم ناشده بإلحاح مرير: "أيها القائد، جنسنا بحاجة إلى التكاثر والبقاء؛ وأولئك الذين يفنون من الإعياء لا تتبقى لهم روح تخلف ذرية من بعدهم!"
ثبتت ملامح يان يونغ ولم ينبس ببنت شفة.
بينما بادر شاب صخري إلى جواره بالصياح مستنكرًا: "أيها العجوز، أتراك تهاب الموت؟!"
رد الكهل في الحال: "أيها الفتى، كيف تفوه بمثل هذا الهراء؟ صحيح أنني شيخ فانٍ، لكنني رجل صخر؛ وأنّى لرجل الصخر أن يرهب المنون؟"
"فما دمت لا تخشى الموت، فلِمَ تكثر من هذا اللغو الفارغ؟"
"صدقت! نحن نبذل التضحيات فداءً لقبيلتنا!"
"وما الخطب في ذلك؟ إنها تضحية ضئيلة في سبيل مصلحة كبرى!"
تعالت أصوات شبان الصخور من حول يان يونغ في جدال محتدم.
ربت يان يونغ على كتف الكهل وقال بهدوء: "أيها الشيخ الجليل، إن نال منك التعب فخذ قسطًا من الراحة أولًا؛ فوقتي ضيق، ويتعين عليّ تفقد سير العمل في القطاعات الأخرى." ثم انصرف ليتابع جولته.
تبعه موكب من فتيان رجال الصخور، يتهامسون بازدراء وسخرية من ذلك الكهل المتردد.
شعر الكهل بغصة واختناق من استخفاف أولئك اليافعين، وكاد الغيظ يفجر رأسه.
همّ بالرد عليهم وزجرهم، بيد أن بصره وقع على شواهد النصب التذكارية المنتشرة في أرجاء الورشة، وقد نُقشت عليها شعارات شتى:
"سننجز المهمة مهما كلفنا الثمن!"
"باتحادنا الوثيق، سنكمل مجرى النهر في ثلاثة أيام!"
"كلما عظمت شجاعتنا، اتسعت آفاق إنجازاتنا!"
"لبناء غدٍ مشرق لقبائل رجال الصخور!"
"عاش القائد العظيم يان يونغ!"
"من أجل مستقبل مجيد، نبذل أرواحنا ونهدي شبابنا!"
خيمت أجواء من الحماسة الهستيرية على عقول رجال الصخور؛ حتى إن أولئك الصرعى الذين يلفظون أنفاسهم من الإنهاك، ارتسمت الابتسامة على وجوههم قبيل موتهم.
رغب الكهل في الكلام، ففتح فاه مرارًا دون أن يقوى على نطق كلمة واحدة.
ظل جاثيًا في مكانه مذهولًا لردح طويل، حتى رفع قبضته فجأة ولطم بها الأرض لطمة قوية.
بوم!
دوى صوت ارتطام حجري ثقيل.
نهض الشيخ العجوز ببطء، وجرّ جسده المنهك في صمت نحو ورشة الحفر.
…
هرع يان يونغ إلى موقع العمل التالي.
بدأت ملامح مجرى النهر تتضح للعيان، وجحافل من رجال الصخور البالغين يضربون في عمق الأرض؛ وإلى جوارهم، انخرط الشبان الأضعف بنية في دوريات حراسة؛ فمنهم من يتفقد مجرى الحفر، ومنهم من ينقش الشعارات، وآخرون ينحتون الشواهد التذكارية.
أولئك هم حراس الصخور، فصيل أنشأه يان يونغ بنفسه.
تقدم خمسة أو ستة شبان نحوه وقدموا تقرير إنجازاتهم:
"نرفع تقريرنا إلى القائد العظيم: أنجزنا حفر خمسة وعشرين كيلومترًا إضافية في هذا المقطع!"
"ونحيطكم علمًا بأن مئة وعشرين من رفاقنا ارتقوا أبطالًا شهداء في سبيل القبيلة!"
"كما ضبطنا ثلاثة متقاعسين يغطون في النوم أثناء العمل؛ وهذا عار يشين كرامة القبيلة، ويستوجب التشهير بهم وتقريعهم علنًا!"
أثنى يان يونغ بنبرة مفعمة بالود: "ممتاز، أجدتم صنيعًا! واظبوا على إقامة الأنصاب لشهدائنا الأبرار، واوثقوا أولئك المتقاعسين وشهّروا بهم في الساحات ليتعلموا الجسارة من مرارة الخزي."
"علم وسينفذ!"
"أنتم أمل القبيلة وعمادها؛ ورؤيتكم تبعث في النفس بشائر الغد المشرق؛ فواصلوا جهادكم."
امتلأت صدور الشبان بالفخر، واقشعرت أبدانهم حماسة، فهتفوا بعيون تقدح شررًا:
"كل شيء فداءً لقبيلتنا العظيمة!"
"قائدنا الحبيب، أنت مصدر فخرنا ورمز عزتنا!"
"خلفك نسير متحدين نحو فجر ساطع وضاء!"
تحاشى يان يونغ النظر في أعينهم؛ فاندفاعهم الأعمى ملأ قلبه رعبًا وفزعًا.
رنا ببصره نحو الأفق البعيد.
هنالك حيث تتواصل أعمال الحفر في مختلف القطاعات، رأى يان يونغ مئات الأجساد الصخرية تنحني بظهورها السميكة عاكفة على نبش التراب الأصفر.
اتسع مجرى النهر لعشرات الأمتار، ممتدًا شطرًا إثر شطر كأخدود جبار يمتد على مد البصر.
مشروع مهيب يخلب الألباب!
كلما عاين يان يونغ هذا المشهد، خفق قلبه انبهارًا؛ فقوة رجال الصخور إذا اجتمعت لا تقف في وجهها قوى الأرض، وبوسعها تغيير تضاريس العالم!
لكن طيف ذلك الشيطان المرعب، فانغ يوان، سرعان ما غزا مخيلته، فنفث في روعه برودة قاسية جمدت حماسته وأحالتها إلى نهر من جليد.
فغارات الثعالب في الخارج، والشعارات الرنانة فوق الألواح، وفصائل حراس الصخور التي أنشأها، لم تكن سوى أجزاء محكمة من مكيدة ذلك الشيطان الرجيم.
حيل متقنة دبر بها قمع مقاومة رجال الصخور إلى أدنى حد ممكن دون إراقة قطرة عرق واحدة من جانبه.
يان يونغ هو من أخرج هذه المسرحية بيده؛ وكلما رأى النهر يكتمل، تضاعف ذعره من فانغ يوان وازداد رسوخًا.
فذلك الخالد لا يملك بأسًا باطشًا فحسب، بل إن دهائه وعقليته التآمرية تشبه هاوية سحيقة لا قاع لها.
أحس يان يونغ بنفسه يغرق في درك الجحيم؛
فهو قزم حقير كنملة ضئيلة، بينما ينتصب شبح فانغ يوان العملاق من خلفه ليرمقه ببرود من عليائه.
إنه جثة متحركة، ودمية خرقاء، وخيوط تحريكها ترقد بالكامل في قبضة فانغ يوان.
كل يوم يرى رفاقه يتساقطون صرعى، ينفطر فؤاده كأنما تطعنه خناجر مسمومة؛
حين يرى حماستهم الطائشة وهم يتسابقون نحو الهلاك لحفر النهر، يعتصره حزن مشوب بالشفقة واللوعة.
"لو كان بيدي، لوددتُ لو لم أعلم الحقيقة قط؛ فلعل العيش في كنف الوهم هو النعيم الأوحد!"
استرد يان يونغ بصره ولوّح بيده ليقود شبان الحراس نحو قطاع الحفر التالي.
…
"هذه آخر دودة من غو الشبق؛ انطلقي."
ضخ فانغ يوان جوهره البدائي، ثم قذف دودة الغو الشبيهة بحبة الفاصولياء الخضراء نحو الهواء.
فانفجرت الدودة مستحيلة إلى رذاذ وردي ناعم هطل كالمطر فوق قطعان الثعالب في الأسفل.
تنشقت الثعالب ذلك الرذاذ، فثارت غرائزها في التو؛
سرعان ما اعتلت الذكور ظهور الإناث متدافعة بهياج، مفرغة عصارة الحياة في أرحامها.
تختلف فترة حمل الثعالب باختلاف أجناسها؛ فالثعالب الذهبية تلد مرة كل شهرين، وتضع ثلاثة أو أربعة جراء في كل بطن؛ في حين تعجز وحوش الخواء كثعلب الذيول الثلاثة عن إتمام حملها ولو انقضت مئة عام.
في العادة، كلما تعاظمت قوة الوحش، طالت مدة حمله؛
غير أن ثعالب أرض الثعلب الخالد المباركة كائنات مألوفة قصيرة دورة الحمل.
منذ أن شرع رجال الصخور في حفر النهر حتى استقامت وتيرة العمل، واظب فانغ يوان على استخدام غو الشبق يوميًا لتوليد أجيال جديدة من الثعالب وتوسيع جيوشها.
لم تحز الثعلب الخالد غو خالدًا، وحين أجهز عليها ظل صاعقة السحر الأزرق إبان الكارثة الخامسة، نال الدمار مجموعتها من ديدان مسار الاستعباد؛
إلا أنها خلفت في قصر دانغ هون مخزونًا لا بأس به من ديدان الغو المساعدة كضفدع دفن الروح، أو المستهلكة كغو الشبق، إضافة إلى بعض ديدان الاحتياط كغو استعباد الثعالب.
لرفع قوته بأقصى سرعة، استنفد فانغ يوان معظم تلك الديدان؛
فتضاعفت أعداد قطعان الثعالب مرات ومرات بفضل مساعيه الدؤوبة.
ورغم أن الثعالب كائنات تقتات على كل شيء، إلا أن طاقة الأرض المباركة تعجز عن إعالة هذا الجيش الجرار؛ ولن تمضي سنتان حتى تعجز عن تأمين الغذاء، وتهلك أعداد غفيرة منها جوعًا.
بيد أن فانغ يوان لم يلقِ بالًا لذلك؛ فكل همّه منصبٌّ على اجتياز الكارثة الأرضية السادسة في الوقت الراهن.
مضت بضعة أشهر كلمح البصر.
اكتمل مجرى النهر رابطًا بين الشمال والشرق.
تدفقت مياه البحيرة الفائضة عبر المجرى الجديد، مندفعة بسرعة وأمواجها تتلاطم بهدير متصاعد.
خرير… وهدير…
انقض الطوفان الهائل على فوهة النيران، والتحمت القوتان في صراع جبار؛ فتبخرت مياه النهر مستحيلة إلى سحب كثيفة من البخار الأبيض تصاعدت في كبد السماء.
ما إن هدأت فورة المياه، حتى أُخمد ما يقارب نصف النيران السوداء المستعرة، ولم يتبقَّ سوى ثلاث بؤر مشتعلة عند الأطراف.
بهذا، كسر الماء والنار شوكة بعضهما بعضًا؛ فانحسر طوفان الشمال وبرزت اليابسة من جديد؛
سارت كميات وافرة من المياه عبر مجرى النهر لتملأ عشرات الحفر، مشكلة بحيرات غدقة.
ورغم أن الشمال لا يزال غارقًا في الوحل، والشرق أرضًا محترقة جرداء، إلا أن هذا التوازن بين الماء والنار كان بمثابة التئام جرح غائر تشكلت فوقه قشرة واقية.
مع تقادم الأيام، ستسترد المنطقتان الشرقية والشمالية عافيتهما وحيويتهما لا محالة.
بأمر من فانغ يوان، قاد يان يونغ المئة ونيف من رجال الصخور المنهكين والمصابين ليعودوا أدراجهم إلى مستقرهم في الجنوب.
نظرت الثعلب الصغير إلى السماء وتنهدت أمام كتل الغيوم المتراكمة: "سيدي، ما العمل مع هذه السحب؟"
فرغم هطول الأمطار مرارًا، إلا أن بخار الماء المتصاعد تكاثف في الأجواء مشكلًا طبقات سحابية كثيفة؛
حجبت تلك الغيوم الضوء الطبيعي، فغرق الشرق في ظلام دامس يبعث في النفس الضيق والكآبة.
تفتقر الأرض المباركة إلى نور الشمس ونسيم الرياح؛ وبقاء تلك السحب سيؤثر سلبًا على سائر الكائنات في الشرق.
رمق فانغ يوان سحب السماء بنظرة خاطفة ثم شاح ببصره قائلًا: "دعيها وشأنها."
فتكون السحب أمر متوقع وثانوي لا وزن له؛ والأولوية المصيرية الحقيقية تكمن في الكارثة الأرضية السادسة!
فإن صمدت الأرض المباركة واجتازت المحنة، تفرغ لمعالجة السحب على مهل؛ وإن سقطت، فلا طائل من التفكير في أي شيء آخر.
أعيدت ترجمة هذا الفصل بواسطة نظارة!
آمين.
إن لاحظتم أي خطأ لغوي أو إملائي أو في الترجمة، فاكتبوه في التعليقات.