توقّع تشارلز غرايسون -الذي كان يناديه الجميع باسم عائلته لوجود أخ أكبر في الأخويّة يحمل اسم تشارلز أيضاً- عن الضحك فجأة حين تردد صدى صرخات لي في الأجواء. نظر هو وإخوته بعضهم إلى بعض. ما قصة اليد تلك؟ كان يسلّط ضوء هاتفه مباشرة على الفتاة النحيلة وليّ في مؤخرة المتجر -وفعل طاهر ومايلز المثل- لكنّه عجز عن تبين ما يدور. كان دماغه الضبابيّ يصارع لترتيب أفكاره. مع ذلك، أدرك أن القذارة التي تحدث لم تكن مبشّرة بأي خير.
صدر صوت ارتطام في مكان ما خلفهم إلى اليسار. كانت الفتاة النحيلة رافعة يدها وقد غطاها نوع من السائل الداكن. لقد رمت شيئاً ما. وأنبأهم أنين بائس من خلفهم بأن الأحمق الضعيف إيفز قد اكتشف ماهية ذلك الشيء. ارتطام آخر. هذه المرة، هوى لي على ركبتيه. ضاعفت صرخاته من صداع غرايسون. ثم التفت لي إليهم ممسكاً بذراعه. لقد انتهت بجذع دامٍ. وعالج دماغه أخيرًا حقيقة أن الفتاة النحيلة تحمل دماً حقيقياً على يديها.
كاد لي يسقط على الأرض متكوراً بالفعل في وضعية الجنين من شدة الألم، لكن الفتاة النحيلة قبضت على شعره بيدها الملطخة بالدماء وأبقته منتصباً. صارع بضعف للتحرر دون أن يبدو مدركاً تماماً لما يحلّ به، إذ كان جلّ تركيزه منصباً على يده المبتورة.
تمتم غرايسون: "ما اللعنة التي تجري...؟"
أبقى ضوءه مسلطاً عليهما -وانعكس وميض خفيف على نظارات الفتاة النحيلة- بينما كانت يداه ترتجفان بلا كبح مع نزول الدم من أطرافه. بدا الأمر كأن رأسه وُضع في ملزمة تُغلق ببطء، وتصاعد الضغط ليقرع أذنيه. فكّر أيها النذل! ومن خلال بقايا الفطرة السليمة الضئيلة التي حفظها في عقله، رفع طرف قميصه بيده الطليقة ومدّ يده نحو المسدس المدسوس في حزام بنطاله. وجاء دور بريدجر ومايلز ليصرخا كفتاتين صغيرتين وهما يستوعبان ما أصاب لي.
نادى طاهر اسم صديقه واندفع متجاوزاً غرايسون لنجدته. لكن غرايسون مدّ يده ليمنع طالب السنة الأولى الأحمق، مسقطاً هاتفه على الأرض عن طريق الخطأ وهو يجذب قميص طاهر إلى الوراء.
صرخ طاهر: "لي! غرايسون، اتركني! أُحتاج للمساعدة—"
صاح وهو يبدأ في التراجع بين رفوف المتجر جاقراً طاهر معه: "لن تساعد أحداً إن كنت ميتاً أي اللعين!"
تعثر طالب السنة الأولى من شدة الشد.
"انهض! تلك أدمبرا. انهض وارجض!"
"أدمبرا؟ لكن لي—"
"أخرس تباً تعال معـ—ها؟"
غمر ضوء ذهبي المكان فجأة. انبعث من نوع من الهراء الطافي فوق يد الفتاة النحيلة. وما زالت تقبض بإحكام على شعر لي بيدها الأخرى رافعة إياه عن الأرض. وبدا أن أسيرها قد استعاد بصيصاً من الوعي وهو يصارع للإفلات محاولاً إبعاد رأسه. توسل لي لحياته، فلكمها وركلها. لكن الأمر أشبه بالضرب على عمود خرسانيّ. لم تتحرك الفتاة النحيلة قيد أنملة. تسلل إلى خاطر غرايسون: إنها تريد العبث معنا.
سرت قشعريرة في عموده الفقري بينما راحت أفكار عما يمكنها فعله بهم تتقافز في ذهنه. عاهرة أدمبرا دنيئة! لكن هذا يعني أيضاً أنها لن تقتلهم فوراً. سأستخدم البقريّة كطعم للنجاة! سقط بريدجر على مؤخرته واصلاً الصراخ. بقي ممدداً على الأرض شلّه الرعب. ثم طفق يبكي كطفل صغير بدل محاولة الفرار.
"أد-أدم-أدمبرا! النجدة!"
استدار مايلز وطلق الساقين للريح، لكنه تعثر بساقي بريدجر في الضوء الخافت واصطدم برأسه بقوة في جانب رف المتجر. هوى مجدداً على الأرض بجانب بريدجر. لم يعد بحوزتهما أي أضواء هواتف. واقتصر الإضاءة على الكتلة المبهمة العائمة بجانب الأدمبرا، والتي تحول لونها الذهبي إلى الأحمر بينما اكتسبت هيئة أكثر صلابة.
"مايلز! بريدجر!"
نجح طاهر أخيرًا في الإفلات من قبضة غرايسون والعدو نحو زملائهما في الأخويّة.
تمتم غرايسون وهو يهزّ يده المتألمة: "أحمق".
كأن على وشك الاستدارة ومغادرتهم، لكنه فوجئ بنصف قلبه يلحّ عليه للمساعدة. وجّه مسدسه نحو الأدمبرا. قد يوقفها تفجير رأسها. هذا إن تمكن من إصابة هدف، وهي مهمة عسيرة نظراً لحالته. ويدرك جيداً أن إطلاق النار على أي جزء آخر من الجسد لن يجدي نفعاً. واستمرت يده في الارتجاف. بانغ! بانغ! أنارت ومضات الضوء المتجر، كاشفة عن كمية الدم المهولة التي ينزفها لي من يده المقطوعة.
"تبّاً! تباً للملعنة!"
كلما ضغط إصبع غرايسون على الزناد، تيقن غريزيّاً بأنه سيخطئ الهدف. كان وجه الفتاة النحيلة المغطى بالأحمر هادئاً بشكل غريب رغم التعرض لإطلاق النار، وكأنها لا تكترث لأمر أي منهم. لكنها حركت جسد لي الذي يضعف ببطء أمامها، مهزّة إياه وكأنها تتحدّاه ليطلق النار مجدداً. أأفعل؟ قد يصيب لي، أو قد لا يصيب شيئاً تافهاً لعجزه عن الرؤية بوضوح. سأوفر رصاصاتي. تعالت أصوات التخبط والصراخ بينما ساعد طاهر مايلز الأعرج على الابتعاد.
رفض بريدجر مرافقتهما، محتضناً رف متجر بقوة وباكياً بصوت عالٍ على أمه.
"لن أموت هنا!"
ركض غرايسون نحو مدخل المتجر.
تردد صوت الفتاة النحيلة الهادئ بالكاد وسط جلبة هروبهم: "لقد نسيت صديقك".
صرخ: "أرغ!"
حين أصابه شيء ثقيل دافعاً به نحو عمود خشبي. كان لي وهو يئن. تململ طالب السنة الأولى واضعاً أنيناً من الألم فاقداً للوعي تقريباً. تصاعدت رائحة الدم المعدنية النفاذة إلى أنف غرايسون. وتلطخت ذراعاه بالسائل اللزج. شعر بقيء مرير يصعد في مؤخرة حلقه لكنه ابتلعه. وغمر الغضب واليأس قلبه.
بصق وهو يركل كيس البطاطا التافه المتمثل في لي ليبعده عنه: "قطعة قذرة".
"غرايسون! لي!"
كان ذاك طاهر. جاء صوته من الجانب الآخر للمتجر.
"أين أنتما؟"
كان الباب على بعد أقدام قليلة فحسب. واصل غرايسون الحبو نحوه متعجلاً. اختفى الضوء الأحمر. وعمّ الظلام الدامس. لم يعلم ما حدث ولم يرغب في معرفة ذلك. دوى صوت ارتطام مشؤوم كأن معدناً يصطدم بمعدن. تلاه هدير أجشّ زرع الرعب في قلبه.
صرخ بريدجر: "النجدة!"
"بريدجر!"
"اتركه!"
لم يتوقف غرايسون عن الحبو. كان الآخرون في مكان ما على يمينه بمسافة بعيدة. لكن المخرج لم يكن في ذلك الاتجاه.
"أين الباب اللعين—آه!"
تخبطت يداه فوق السطح الخشبي أمامه. هتف بانتصار وقد انطبقت يداه على جسم دائري خشن -مقبض الباب، المكسو بالصدأ على الأرجح-. تبّاً، ينبغي أن أبقى صامتاً. هل تستطيع الأدمبرا الرؤية في الظلام؟ تلك العاهرة النحيلة قادرة على ذلك غالباً. فالمسخ تمتلك تلك القدرة دائماً في الأفلام. في الوقت الحالي، بدت الأدمبرا وكأنها تأكل بريدجر بناءً على صرخاته التي تخللها الهدير. أدار غرايسون مقبض الباب وجذبه.
تحرك الباب بوصة واحدة فقط. صدر صوت خشخشة ولم يستطع فتحه أكثر من ذلك. استقبله ظلام دامس من خلال الفجوة. ألم تكن أضواء شاحنته مضاءة؟ أعاد مسدسه إلى بنطاله وجذب الباب بيديه الاثنتين. عاود ذلك الصوت المعدني الصدور، شبيه بالسلاسل. أأغلقه أحد من الخارج؟ لابد أنها الفتاة الشقراء! صديقتها أدمبرا وهي تنوي إطعامهما لها. لا بد أنهما فعلتا هذا مراراً، تجوبان غالباً هذا الجزء المقفر من طريق الصحراء بحثاً عن ضحايا.
"أمي! أمي! أورغك!"
أميّت بريدجر؟ أين الآخرون؟ لم يستمع غرايسون إليهم، سوى لي الذي واصل الأنين على بعد أقدام عدة. بردت يداه وهو يدرك أنهما من تركاه. أولئك الأنذال ضعاف النفوس! ويا له من تفكير أن يحاول مقاتلة الأدمبرا من أجلهم. لقد صنع الكثير من لأجلهم وهذه هي مكافأتهم له؟ ذلك المائل الهزيل وتلكما الطلبتان الجاحدتان! كيف هربا من هذا المتجر؟ شعر غرايسون بنسيم. عليه اتباعه، تماماً كإيجاد طريق الخروج من كهف.
تذكر كلمات أخيه حين انضم إلى مجموعته لاستكشاف أنفاق كارلان: يمكن للتيارات الهوائية أن تقود إلى أعماق الكهف أيضاً.
لكن لا وجود لـ "أعماق"
في متجر لذا استأنف الحبو. هدأ بريدجر. ميت على الأرجح، ذلك المسكين. ولم يصدر أصواتاً سواه الآن. وتضرع غرايسون كي لا يصرّ أي من ألواح الأرضية القديمة تحته. أين الأدمبرا؟ خطوات! كانت في مكان ما عند الرفوف خلفه. كانت تتجه إلى حيث تواجد قبل ثوانٍ معدودة. أكانت تتبعه؟ لا، كانت تمشي نحو لي.
نادى لي بضعف، وصوته واضح في المتجر الصامت: "غرايسون..."
"غرايسون...أين أنت؟"
أخرس أيها الأحمق! لم يستطيع ذلك اللعين الموت بمفرده وحسب. ثم هبّت هواء خفيفة على وجه غرايسون فجعلته يطلق صرخة ارتياح هو الآخر. تعذرت الرؤية بوضوح، لكن إحدى النوافذ نزع عنها الخشب. استطاع تمييز السماء في الخارج ببضع نقاط نجوم -ولم يكن هناك الكثير غيرها-. خرج الآخرون من هنا.
صرخ لي: "أرغ! إنه يؤلم!"
جيد! سيغطي ذلك أصوات هروبه. تسلق الفتحة على عجلة. تشبث كمّه بقطعة خشب بارزة. جذبها بقوة مسبباً ضجيجاً أكثر مما قصد.
لكن المهم هو...احتفى: "أنا حر!"
وهو يتدحرج على الأرض في الخارج. تسرّبت توسلات لي المثيرة للشفقة طلباً للنجدة عبر النافذة. مما يعني أن الأدمبرا كانت لا تزال مشغولة بتعذيبه. توفر لديه القليل من الوقت. أين الشاحنة؟ سارع بالعودة إلى واجهة المتجر، مبقياً يديه ملامستين للجدار كي لا يضلّ طريقه وينطلق عشوائياً في الصحراء. عدا عن نثرات النجوم في الأعلى، كاد يعجز عن رؤية بوصتين من وجهه. ما كان لي أن أسقط هاتفي اللعين!
لامست يداه زاوية، فاستدار يساراً. وما زال الظلام دامساً كالجحيم. ألم يترك طاهر الشاحنة دائرة بأضواء مضاءة؟ لقد عبث من أغلق عليهما المتجر ببيكب الشاحنة الخاص به.
خلص وهو يشهر مسدسه مجدداً: "لست وحدي هنا".
خبت صرخات لي تدريجياً ليفترض موته. بعد لي، أدرك غرايسون أنه التالي. تخلى عنه مايلز وطاهر وإيفز. مهلاً! أأخذ أولئك الرجال الشاحنة؟ دقّ قلبه بسرعة أكبر مع فكرة تركه وحيداً. لم يكن بمقدورهم فعل ذلك! لكان سمع المحرك. وقد غادروا المتجر قبل مغادرته بدقيقة بالكاد. على الأقل، كان عليه رؤيتهم يبتعدون قيادة...أليس كذلك؟
همس من بين أسنان مصكوكة: "لا تتركني هنا تباً".
حتى في الظلام، هرع باتجاه المكان الذي ظن أن الشاحنة ستكون فيه. ركن ذلك الأحمق طاهر الشاحنة بعيداً جداً. اصطدم شيء صلب، صخرة غالباً، بطرف قدمه الأمامية. فقد توازنه وسقط على الأرض الخشنة. لسع جلده وجهه وذراعيه. تجاهل الألم متخبطاً في الظلام بحثاً عن مسدسه. وما إن انطبقت يده على السطح الخشن لقبضة المسدس، حتى أطلق أعمق تنهيدة في حياته. ناهضاً، واصل طريقه. أأمضي في الاتجاه الصحيح؟
ثم انفرجت شفتاه عن ابتسامة عريضة حين لاحت فكرة في ذهنه.
صاح بارتياح: "أنا عبقري".
رفع المسدس وأطلق طلقات في الهواء. من الوفضات الضوئية، لاحظ أنه على بعد نحو عشرين متراً إلى يسار محطة الوقود. لحسن الحظ، لم يكن يركض ضائعاً في الصحراء. كما لاحظ سيارة الشقراء الزرقاء بجانب المتجر. طلقة أخرى لتأكيد اتجاه الشاحنة وركض بأقصى سرعة ممكنة، ضاحكاً طوال الطريق. لقد كشف المسدس عن مكانه بالفعل، فما الضرر في الضحك إذن؟ وحقّ له الضحك لأنه سيخرج من هنا حيّاً بحق الجحيم!
لابد أن الأدمبرا تأكل مايلز وكل أولئك الحمقى الذين تركوه. بضع طلقات أخرى لتنير طريقه. اقترب كثيراً من شاحنته.
صاح بانتصار حين لامست يده الهيكل الخارجي البارد للباب: "نعم!"
تحسس المققبض ثم جذبه ليفتحه. قفز إلى جانب السائق، وتوقف لثانية. ألا أنسى شيئاً ما؟ المفاتيح! المفاتيح بالطبع. بحث عنها أسفل عجلة القيادة. لم تكن هناك. لا! لا! لا! تخبط باحثاً عنها، متحسساً لوحة القيادة، مقعد الراكب، والأرضية. غادر الشاحنة وبدأ يتحسس الأرض بحثاً عنها. أيطلق النار مجدداً؟ ثم تذكر الفكرة الهامة في مؤخرة عقله. أطفأ أحدهم الأضواء والمحرك. لابد أنها الشقراء. سلط الضوء عليه.
التفت إلى اليسار قائلاً: "طاهر؟"
أجابت صوت أنثوي: "لا".
الشقراء! كانت تقترب منه وفي كنفها مجرفة على كتفها. توقف غرايسون للحظة بينما تجمدت تروس عقله بسبب جمالها وقوامها. أيها الأحمق لديك المفاتيح! صدمه انفجاره الذهني ليدخل في حيز الفعل. رفع مسدسه، متردداً لثانية واحدة فقط، وأطلق النار. على هذا المدى، لن يخطئ. ولم تكن يداه ترتجفان بعد الآن. لكن الشقراء رفعت رأس المجرفة لصد الرصاصة المتجهة لوجهها. أو هكذا ظن أنه رأى. تلك لعنة مستحيلة!
"موتي، أيتها اللعينة!"
واصل إطلاق النار. بدا أن الفتاة الشقراء صدّت كل الرصاصات، محركة رأس المجرفة استباقياً نحو حيث كان يصوب.
قالت بضحكة: "يا له من أمر مذهل. مسألة صد الرصاص، لا ما سيفعل بك."
"لماذا لا تموتين بحق الجحيم؟"
واصل إطلاق النار حتى نقر مسدسه فارغاً. بقرار حاسم، تسلق شاحنته مجدداً، ظاناً أنه سيأمن داخله. وما إن أغلق الباب، حتى اخترقت يد النافذة وقبضت على وجهه.
صرخ وهو يقبض على عجلة القيادة ومسند رأس مقعد السائق ليمنع سحبه للخارج: "اتركني!"
غاصت أصابع الشقراء في جانبي رأسه، مخترقة جلده ولحمه حتى جمجمته. كانت شديدة القوة وكان يفقد وعيه لتعرض رأسه للهرس ببطء. كانت أدمبرا! أكلّ من الشقراء والفتاة النحيلة أدمبرا طوال الوقت. لابد أنهما خططتا لأكلهما منذ البداية!
هتف مراراً وتكراراً: "لا تفلت! لا تفلت!"
"آرغغه! لاااه!"
شدت أصابعه باستماتة. كانت الشقراء قد سحبت رأسه وجزءه العلوي بالفعل عبر النافذة. محافظة على قبضة مميتة على رأسه، قبضت على ذراعه اليسرى وجذبتها بعيداً عن عجلة القيادة. صدر صوت طقطقة وفرقعة. سرى ألم جنوني في ذراعه صعوداً إلى عنقه. وبسببه، أفلت مسند الرأس كذلك وقُذف خارج السيارة.
"تبّاً!"
احتضن ذراعه اليسرى المتضررة والمرتجفة. عاد الضوء من جديد. كانت الشقراء قد شغلت هاتفها وراحت تلتقط المجرفة. أيمكنني القتال—؟ لا! كانت أدمبرا. تغطى نصف قميصها بالدماء من جروح الرصاص التي أحدثها سابقاً، لكنها لم تبد مهتمة بذلك. نهض وحاول الركض. وام! أصابت قوة هائلة جانب ساقيه. انثنى كشجرة جُذت.
"يعاارغ! تبّاً!"
بلغ الألم الصاعد في فخذه حداً لا يُطاق. شعر بمثانته تفرغ ساخنة، وتبلل بنطاله بسائل حارق. تنفس بضحالة محاولاً الحفاظ على وعيه.
قالت الشقراء واقفة فوقه بمصباح هاتفها: "لا أريد لأي من هذا أن يكون شخصياً".
أراد غرايسون الرد لكنه عجز. غلبه الألم. احتضن يده المصابة وتدحرج على جنبه ليتقيأ. آلمه وجهه كالجحيم حين تقيأ. كأنه غُمِس في حوض من الأسيد. شعر بطبقات لحمه الممزق تتهدج بفعل نسيم الصحراء البارد. وتسللت الدماء إلى الأرض متجمعة في بركة تحت وجهه. عصت ساقاه الانصياع لأفكاره.
تابعت حديثها: "أنت متحرش منحرف وينبغي أن تكون في السجن. لكن هذا لا يعني أنني أملك الحق في تعذيبك أو حتى قتلك. ربما يظن آخرون غيري ذلك، لكني لا أفعل. الأمر ليس مبرراً."
أأموت هنا؟ حاول غرايسون التكلم، متجاهلاً الألم الحارق في عضلات وجهه.
"أر-أرجوك..."
"مهما ارتكبت من آثام في حياتك، وأنا متأكدة أنها كثيرة، بما في ذلك بحقي وبحق إريند...لست أنا من ينبغي له محاكمتك ومعاقبتك عليها."
"لا-لا...أرجوك...لا..."
دفقة قيء أخرى خرجت من فمه.
قالت: "وأنا أعلم أن ما أفعله هنا خطأ".
لم تكن تستمع إليه بل كانت تشبه من يحدث نفسه. وكأنها لم تستطع سماعه.
"لذا...لهذا سمحت لنفسي بأن يصيبني رصاصك. صحيح أنه لا يمثل الكثير بالنسبة لي، لكنه شكل من أشكال الكفارة مهما كانت قيمتها."
أغمض عينيه مجبراً نفسه على الاستدارة. يجب أن أفر. سحب نفسه على الأرض بيديه. عجزت ساقاه عن الحركة بالكاد. وانتشر الألم إلى بطنه. ومع ذلك، شقّ طريقه زحفاً إلى الأمام.
قالت وهي تمشي ببطء بجانبه بينما كان يتلوى عبر الصحراء كبزاقة ضائعة: "لكن عليّ إطعام أعز أصدقائي. عليّ حمايتها، مهما كلف الأمر. هذا وعدي لها. لقد خذلتها من قبل، ولا يمكنني خذلانها مجدداً. لا يمكنني الإخفاق. نقطة."
قال وهو يسحب نفسه للأمام بيده اليمنى: "أعيش..."
"أعيش..."
عجزت يده اليسرى عن الإمساك بشيء فاستعان بمرفقه.
"أنا...أعيش..."
قالت الشقراء: "أظن أنها تطارد أصدقائي فوق تلك التلال الصغيرة هناك. سأربطك في مكان تراك فيه، ثم أرحل. لا ينبغي أن أكون جوارها حين تأتي. أظن أنها لا تريدني أن أراها تأكل. سيكون ذلك محرِجاً."
استنشق الهواء عبر أسنان مصكوكة مهيئاً نفسه للألم، صارخاً بكل ما أوتي من قوة: "لا-لا تدعيني أموت...أرجوك..."
"لا أريد الموت!"
قالت الشقراء: "آسفة".
شعر بشيء يطبق على كاحليه. كان يُسحب إلى الأعلى.
"أنا آسفة حقاً، لكن إريند تأتي أولاً."