ري: زيرو – بداية الحياة في عالم آخر الفصل 12 — ري: زيرو – الفصل 12 —『لم الشمل مع الساحرة』

اقرأ ري: زيرو – بداية الحياة في عالم آخر الفصل 12 — ري: زيرو – الفصل 12 —『لم الشمل مع الساحرة』 باللغة العربية على مانجا تايم.

※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※

رابط الفصل

المترجم/المدقق: @SAQR_AR1

※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※

المصدر: 始まり

※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※

التاجر:「――أوي، يا فتى، لا تسرح هكذا. أتريد الرينغا؟」

في اللحظة التي استعاد فيها سوبارو وعيه، وجد أمام عينيه ثمرة حمراء ناضجة.

بدت شبيهة بالتفاح تمامًا، فخطر له خاطر عابر، لا طائل منه، مفاده أن هذه الثمرة تُسمّى أيضًا ثمرة الحكمة.

ثمرة محرّمة، يؤدي أكلها إلى الطرد من الجنة.

― م.م:『ثمرة الحكمة』 هي تسمية شائعة للتفاحة، في إشارة إلى قصة آدم وحواء.―

سوبارو: 『لو قضمت منها، فهل ستنقذني من هذا الوضع الذي لا أفهم منه شيئًا؟』

التاجر:「أوي، يا فتى؟」

قطّب الرجل في منتصف العمر حاجبيه، ونادى سوبارو الذي لم يُبدِ أي رد فعل.

راقبه سوبارو بطرف وعيه المشوش، ثم رفع رأسه فجأة، كأنما انتفض من مكانه، وأخذ يتلفّت حوله.

كان في شارع يعجّ بالمارة في وقت ما بعد الظهيرة، أمام أحد الباعة المتجولين.

داخل المتجر الذي يشبه دكانًا للخضراوات، كانت الفواكه والخضراوات الملوّنة مصطفّة في كل مكان. بدت جميعها مألوفة له، وإن اختلفت عنها اختلافات طفيفة.

أما الشارع، فكان يغصّ بالحشود التي تكاد تخنق الأنفاس. وكانت تمرّ فيه، بصورة طبيعية تمامًا، كائنات ذات ألوان شعر لا يمكن وجودها في عالمه الأصلي، وأجناس لا يمكن أن تكون بشرية بالمعنى الحرفي للكلمة.

ساد كل شيء ضجيج هادئ، فراح سوبارو يحكّ رأسه بعنف.

لامست يده اليسرى المتحركة بطنه، فتحسّس لحمًا سليمًا لا تشوبه شائبة. وتأكد من عدم وجود أي أثر يدل على خروج أحشائه من جسده، أو على إصابة عينيه التي شُقّ جفناه بسببها.

سوبارو:「لم أعد أفهم شيئًا…」

ما إن تمتم بذلك حتى اجتاحه الغثيان والدوار، فانهار على ركبتيه.

※ ※ ※ ※ ※ ※ 2 ※ ※ ※ ※ ※ ※

التاجر:「هذا ماء. هل تستطيع شربه؟」

تسلّم سوبارو الإناء الخزفي الذي مُدّ إليه، وراح يرتشف الماء الذي بداخله ببطء رشفة رشفة .

كان الماء شديد البرودة، فانتشر في فمه الجاف، من طرف لسانه، وكأنه يتسرّب إلى أعماقه. ومنحه ذلك شيئًا من الراحة، بعدما كانت نفسه غارقة في الكآبة.

سوبارو:「آه، ما أطيب مذاقه! شكرًا لك. ―― يا عم، أنت رجل طيب للغاية!」

التاجر:「لا تبالغ في مدحي. تخيّل لو أنك سقطت مغمى عليك أمام متجري، ثم ظنّ الناس أنك أُغمي عليك بسبب أكل بضاعتي! لن تكون تلك مزحة مضحكة أبدًا. استرح في الظل حتى تستعيد عافيتك.」

قال التاجر ذلك دون أن يبدو عليه أي حرج، ثم عاد إلى داخل متجره.

ظلّ سوبارو جالسًا على الأرض، يراقب ابتعاده، ثم أسند ظهره إلى جدار المتجر عند طرف الشارع وأطلق زفيرًا عميقًا.

كان التاجر، الذي اعتاد سوبارو رؤيته في دكان الخضراوات، هو من أنقذه بعدما أصابه الدوار وكاد يسقط أرضًا.

وعلى خلاف مظهره الخشن، أدرك الرجل بسرعة أن سوبارو يعاني من ضربة شمس، فأحضر له منشفة مبللة وماءً للشرب، ثم حمله إلى هذا المكان المظلّل ليستريح.

لا ينبغي للمرء أن يحكم على الآخرين من مظهرهم. فقد يكون العجوز الأصلع، مفتول العضلات، رجلًا طيب القلب، وقد تكون المرأة الفاتنة التي تفوح منها الأنوثة قاتلةً تستمتع بقتل الآخرين.

سوبارو:「مع أن بطني وعينيّ كانتا قد أُصيبتا…」

تمتم بذلك، ثم لمس جفنيه ليتأكد مجددًا من أنه ما زال قادرًا على رؤية الضوء بوضوح.

لم يعد هناك أثر لجرح بطنه، كما أن كتفه الأيسر، الذي كان من المفترض أن يكون قد تهشّم، سليم هو الآخر.

يبدو أنه تلقّى العلاج مجددًا، ثم تُرك أمام متجر الخضراوات، وكأن لدى من عالجه إصرارًا غريبًا على إعادته إلى المكان نفسه.

سوبارو:「ومع ذلك… ما حدث… كان مروّعًا حقًا.」

أبعد يده عن جفنيه، ثم رفعها أمام عينيه.

كانت أطراف أصابعه ترتجف ارتجافًا خفيفًا، رغم أنها لم تلمس شيئًا. وانتقل ذلك الارتجاف تدريجيًا من أطراف أصابعه إلى ذراعه، حتى تحوّل في النهاية إلى قشعريرة اجتاحت جسده كله وأطبقَت عليه.

ما إن استعاد ما حدث في ذاكرته حتى اصطكت أسنانه، فحنى رأسه بين ركبتيه المثنيتين، وارتجف جسده من شدة الخوف الذي بدأ يزحف نحوه، حتى كاد يطغى على ضجيج الشارع من حوله.

لقد كان تجسيدًا لليأس؛ مروّعًا، مجهولًا، وظالمًا إلى حد لا يُحتمل.

لم يسبق لسوبارو أن تعرّض لقدر مماثل من نية القتل، ولم يختبر عنفًا مؤلمًا كهذا، كما لم تكن لديه أي ذكرى عن تعرّض جسده لمثل هذا الدمار.

لقد سُلبت حياة معارفه وحياته هو أيضًا، حتى تحطّمت نفسه تحت وطأة ذلك الرعب، ولم يعد قادرًا على فعل شيء سوى الانكماش في مكانه.

أما مواجهة ذلك الكائن الذي تجاوز حدود المعقول، فلم يعد عقله قادرًا حتى على التفكير فيها.

سوبارو:「لا تفكر، لا تفكر، يا لك من أحمق! لن يتغيّر شيء مهما فعلت، ولن أستطيع فعل شيء! سأموت، سأموت أمام شيء كهذا! ليس أمامي سوى الموت، أليس كذلك؟ يكفيني أنني نجوت بحياتي، أليس كذلك؟」

كان يستجدي موافقة شخص لا يخاطبه، ويتوسّل في قرارة نفسه أن يُعفى من كل ما حدث.

عادت إلى ذهنه صورة روم-جي بعدما قُتل بوحشية، ثم النهاية التي لقيتها فيلت بعدما تعرّض جسدها لتمزيق مروّع.

وتلت ذلك ذكريات الألم والخوف؛ ما تعرّض له من جروح وكسور، وما أصاب جسده من أذى، وكيف حُرم من رؤية النور.

شعر بالغثيان وبمشاعر سلبية متراكمة تكاد تطفح من داخله، فرفع الإناء الخزفي الذي كان يحمله وسكب الماء فوق رأسه دفعة واحدة.

لم تكن كمية الماء كبيرة، لكنها كانت كافية لتغمر رأسه كله بالماء البارد.

مسح بيده الماء المتساقط من خصلات شعره الأمامية، ثم أخذ يصفع وجهه مرارًا، محاولًا أن يستعيد رباطة جأشه.

سوبارو:「غيّر طريقة تفكيرك، نعم، هكذا، دفعة واحدة! الأمر بسيط. انسَ ذلك المكان اللعين فحسب. لديّ أشياء كثيرة أخرى ينبغي أن أفعلها وأفكر فيها، أليس كذلك يا أنا؟ مثلًا، عليّ أن أفكر في كيفية العيش في هذا العالم الآخر. وبينما أنا غارق في التفكير، ستحدث مشكلة ما، ثم سأضطر إلى…」

――أن يتلقى المساعدة، ثم يرغب في ردّ الجميل، حتى لو اضطر إلى المخاطرة بحياته من أجل ذلك.

سوبارو:「قلت لك إن الأمر ليس كذلك!」

حتى عندما حاول ألّا يفكر في الأمر، ظلّت الفتاة ذات الشعر الفضي تتلألأ في ذاكرته.

فمعظم ما حدث لسوبارو في هذا العالم بدأ بسببها. ولهذا، لم يكن بوسعه أن يتحدث عن هذا العالم من دون أن يستحضرها في ذهنه.

لكن كلما تذكّرها، انتهى به المطاف، عاجلًا أم آجلًا، إلى ذكريات الألم واليأس تلك.

ظلّ تفكيره يدور في دوامة من المشاعر السلبية.

لم يتوقف ارتجافه، ولم يجد سبيلًا للخروج من أفكاره الكئيبة التي ظلت تعود إلى نقطة البداية، من دون أن تلوح فيها بارقة أمل.

لم يكن يعرف ما الذي ينبغي له فعله كي يمضي قدمًا، أو كيف يتوقف عن البقاء في مكانه. بل لم يستطع حتى الإمساك بأول خيط يقوده إلى الحل.

التاجر:「يا فتى، كيف تشعر الآن؟ هل تحسّنت حالتك قليلًا؟」

أطلّ سكارفيس بوجهه فقط من داخل المتجر، وسأل سوبارو بنبرة تنمّ عن اهتمامه به.

فعلى الرغم من تظاهره بالخشونة، فإن ما يبديه من اهتمام عفوي يكشف عن طيبة قلبه. وإدراكًا منه أنه لا ينبغي له الاستمرار في استغلال لطف سكارفيس، قرر سوبارو أن يغادر المكان على أي حال.

― م.م: Scarface『سكارفيس』 هو اسم فيلم جريمة أمريكي صدر عام 1983، وبطله توني مونتانا، الذي يتميز بندبة واضحة في وجهه. ―

سوبارو:「نعم، أظن أنني هدأت قليلًا. أعتذر عن الإزعاج الذي سببته لك.」

نهض بصعوبة، محاولًا ألّا يبدو في غاية البؤس، ثم أعاد الإناء الخزفي الفارغ إلى التاجر.

بدا وكأن الرجل يريد قول شيء ما، لكنه لم يطرح عليه أي أسئلة أخرى.

سوبارو:「سأردّ لك جميلك يومًا ما، لا محالة.」

التاجر:「لا حاجة إلى ذلك. إذا أصبح معك بعض المال، فتعال واشترِ شيئًا من الرينغا التي أبيعها.」

ربت التاجر بخفة على كتف سوبارو الذي بدا جادًّا للغاية، ثم رفع يده مودّعًا وعاد إلى متجره.

شعر سوبارو بالارتياح تجاه هذه المعاملة المباشرة الخالية من التكلف، فأخذ نفسًا عميقًا وخطا إلى الشارع.

ظلّ المارة يتحركون كما كانوا، حتى خلال الفترة التي قضاها سوبارو جالسًا على الأرض، منكمشًا على نفسه في وضعية تشبه احتضان الركبتين. ولم يفقد الشارع الرئيسي، الذي تصطف على جانبيه أكشاك الباعة المتجولين، شيئًا من حيويته.

سوبارو:「…إلى قبو المسروقات.」

كان يشعر، بصورة مبهمة، أن عليه الذهاب إلى هناك.

لكنه، رغم ذلك، لم يستطع أن يحرّك قدميه في ذلك الاتجاه. فالتوجه إلى هناك يعني مواجهة ذلك الرعب مجددًا.

ولو حدث، لسبب من الأسباب، أن التقى بـ[إلسا] مرة أخرى، فسيكون قد ألقى بحياته التي نجا بها في الوحل بيديه.

ستكون تلك نهاية لا يفعل فيها شيئًا يُذكر، بعد استدعائه إلى عالم آخر، سوى أن يموت وينتهي أمره.

سوبارو:「هاه، إذًا لن يتغير شيء حتى لو هربت الآن، أليس كذلك؟」

ارتسمت على وجهه ابتسامة ساخرة من نفسه، ثم دسّ يده في جيبه واستعد للمشي.

لكن اتجاهه كان معاكسًا للطريق المؤدي إلى قبو المسروقات.

كان ذلك هو القرار الذي توصل إليه سوبارو.

أن يتخلّى عن كل شيء، ويغرق في بحر الاستسلام، وينسى الجميل الذي أسداه إليه الآخرون، ويتظاهر بأنه لم يرَ شيئًا.

لقد اعتاد أن يتصرف بهذه الطريقة حتى قبل مجيئه إلى هنا. فهو في الأصل شخص يتجنب المشكلات ما استطاع، وقد عاش طوال حياته معتقدًا أن الدخول في علاقات تقوم على تبادل المعروف مع الآخرين أمر مزعج.

فلماذا، الآن بالذات…؟

سوبارو:「…ماذا؟」

رفع رأسه، وفي اللحظة التي كان على وشك اتخاذ أول خطوة هربًا من كل شيء، خرج صوت الحيرة من فمه.

في مجال رؤيته المتسع، كان الناس يتدفقون في الشارع، ويتجاوزون سوبارو الذي توقف في مكانه.

كان بينهم رجل طويل ذو جلد يشبه جلد الزواحف، ورجل من رجال الوحوش لا يتجاوز طوله مستوى خصر سوبارو، وراقصة شابة ذات شعر وردي، ومبارز تتدلى من جسده ستة سيوف.

――وكانت هناك فتاة ترتدي رداءً أبيض، ويسدل شعرها الفضي الطويل خلفها وهي تمشي.

ألقت الفتاة نظرة عابرة على سوبارو الذي وقف في مكانه، ثم مالت بجسدها قليلًا كي تمرّ بجانبه دون أن تلامسه.

تأرجح شعرها الفضي الطويل المعقود في ضفيرة واحدة، وانبعثت منه رائحة تشبه عبير الزهور الذي تحمله نسمات الهواء، فداعبت أنفه.

أما عيناها البنفسجيتان، بلون الجمشت، فكانتا توحيان بقوة الإرادة، ولم تعودا تنظران إليه. بل بدتا حادتين، وكأنهما لا تبصران سوى الطريق الذي ينبغي لها أن تسلكه.

لم يتغير شيء في وقفتها المهيبة، ولم يخفت شيء من جمالها الآسر الذي يكاد يجعل المرء يرتجف من شدته. وها هي الفتاة التي ظلّ يبحث عنها، تمرّ أمام عينيه.

سوبارو:「مـ…」

عجز عن إخراج صوته في اللحظة الأولى، فاختنق الكلام في حلقه، ثم أسرع خلفها، محاولًا اللحاق بظهرها الذي أخذ يبتعد.

كانت الفتاة تشقّ طريقها بسهولة بين الحشود، بخطوات رشيقة لا تعوقها كثافة المارة.

وبينما كان يطارد الشعر الفضي المبتعد، غارقًا في الحيرة والارتباك والاضطراب، ناداها سوبارو بصوت كاد يتحول إلى بكاء.

سوبارو:「مـ… مهلاً، انتظري… أرجوكِ، انتظري…!」

في لحظة خاطفة، نظرت إليه.

لكن عينيها كانتا باردتين، كما لو أنها تنظر إلى شخص غريب لا تعرفه.

لم يمضِ على لقائهما سوى بضع ساعات، وبالنسبة إليها، لم يكن سوى شخص عابر صادفته في طريقها.

وربما كان في نظرها شخصًا يستحق الكراهية، لأنه لم يلتزم حتى بأبسط تحذيراتها، وعرّض نفسه للخطر بإرادته.

حتى لو كانت تلك هي نظرتها إليه، لم يستطع سوبارو التوقف عن مطاردة ظهرها.

لم يكن يعرف كيف تنظر إليه، ولهذا أراد منها، على الأقل، أن تخبره بما تفكر فيه.

فلو كان عليه أن يتأذى، لفضّل أن يتأذى من حقيقة مؤلمة يواجهها بنفسه، على أن يظلّ يتعذب بتخمين مشاعر لا يستطيع التأكد منها.

سوبارو:「انتظري، أرجوكِ. ― ساتيــــــلاااااا!」

ما الذي أراد قوله لها حين يناديها ويوقفها؟

في اللحظة التي تبلورت فيها الإجابة بوضوح داخل نفسه، صرخ سوبارو باسمها، وكأنه تذكّره للتو.

شقّ صوته ضجيج الشارع بوضوح، ووصل إلى ظهر الفتاة الذي كان يبتعد عنه.

توقفت الفتاة ذات الشعر الفضي في مكانها فجأة.

شقّ سوبارو طريقه بين الحشود حتى اقترب منها، ثم مدّ يده ولمس كتفها النحيل.

سوبارو:「لا تتجاهليني. أعلم أن اختفائي كان خطئي تمامًا. لكنني لم أكن أفهم ما الذي يحدث أيضًا. وبعد ذلك، ذهبت أبحث عنكِ حتى في قبو المسروقات، ومع ذلك لم أتمكن من العثور عليكِ…」

ارتسمت الدهشة على وجه ساتيلا عندما لمست يده كتفها.

وحين استدارت نحوه، لم يجد سوبارو ما يقوله سوى سلسلة من الأعذار والتبريرات. أخذ يتحدث بسرعة، مدافعًا عن نفسه كما لو كان يخشى أن يتعرض للأذى.

وربما كان السبب في ذلك نظرتها النافذة إلى أعماقه، وهي تحدّق فيه بوضوح لا يترك مجالًا للاختباء.

ومع ذلك، وعلى الرغم من تلك النظرة، شعر سوبارو بشيء من الراحة إلى جانب قلقه.

فمن النظرة الأولى، لم يبدُ أن جسد ساتيلا يحمل أي إصابات ظاهرة. فهل تلقت هي الأخرى العلاج على يد شخص ما بعد ما حدث في قبو المسروقات، كما حدث معه؟ أم أنها عالجت نفسها بنفسها؟

لم يكن ذلك مهمًا بقدر ما كان الأمر الأهم هو…

سوبارو:「آسف، لم أفكر إلا في نفسي… لكنني سعيد لأنكِ بخير.」

كان لقاؤهما مجددًا، بعد كل ما حدث، مصدر سعادة لا تضاهيها سعادة أخرى.

وبعد أن اطمأن إلى سلامتها، انشغل بملك بمن كان يرافقها، أي باك.

فقد كان على سوبارو أن يعتذر له عن أمور كثيرة للغاية.

لقد أخفق في الوفاء بوعد قطعه لرجل مثله، وكان ذلك ذنبًا يستحق اللوم عليه.

ساتيلا:「أنت…」

حين أغلق سوبارو فمه أخيرًا بعد حديثه المتسارع، ارتجفت شفتا ساتيلا وهي تتحدث.

لم تمضِ سوى ساعات قليلة منذ أن سمع صوتها آخر مرة، ومع ذلك، شعر وكأنه لم يسمعه منذ زمن بعيد.

كانت واقفة أمامه، حتى إنه استطاع لمسها بيده، ومع ذلك غمره شعور غريب، وكأنه تمكّن أخيرًا من الإمساك بها بعد طول بحث.

لكن…

ساتيلا:「ماذا تعني بهذا―؟」

بينما كان سوبارو يستقبل شعور الراحة الذي غمره، تبدّلت ملامحها إلى غضب شديد، وارتفعت زوايا عينيها في نظرة حانقة.

احمرّت وجنتاها البيضاوان قليلًا، ثم حرّكت ساتيلا جسدها النحيل وأبعدت يد سوبارو عن كتفها. وتراجعت خطوة لتترك مسافة بينهما، بينما لمع العداء الشديد في عينيها وهي تنظر إليه من أسفل.

لم يتوقع سوبارو ردّ فعل قاسيًا كهذا، فحبس أنفاسه وظلّ صامتًا.

لكن، إذا فكّر في الأمر، فسيجد أن ردّ فعلها طبيعي تمامًا. فمن وجهة نظرها، بأي وجه يجرؤ على الوقوف أمامها الآن؟

مهما انهالت عليه من الإهانات، فقد عقد العزم على تقبّلها بصدر رحب.

غير أن عزمه ذاك…

تحطّم إلى أشلاء بفعل صرخة غاضبة لم تخطر له على بال قط.

※ ※ ※ ※ ※ ※ 3 ※ ※ ※ ※ ※ ※

حين تلقّى سوبارو كلمات الغضب غير المتوقعة، انتابه شعور كما لو أن الزمن قد توقف.

اختفى صوت الحشود من حوله. ولم يعد يسمع سوى خفقان قلبه المتسارع، وأنفاس الفتاة ذات الشعر الفضي التي كانت تقف أمامه، وقد اشتد غضبها.

بدا له وكأن جميع الأصوات الأخرى قد تلاشت…

لا، لم يكن ذلك مجرد وهم.

سوبارو:「ماذا…؟」

تمتم بذلك، وأدار رأسه ببطء، فانتبه إلى ما يجري حوله.

في هذا الشارع الرئيسي، المكتظ بالباعة المتجولين والمارة، كان الجميع يحدّقون فيه وفي ساتيلا.

ارتسم اضطراب واضح على وجوههم، والتزموا الصمت كما لو أن أحدًا منعهم من الحركة.

وكأن الحوار الدائر بين سوبارو وساتيلا قد استحوذ على كل ما في المكان.

ساتيلا:「سألتك عمّا تعنيه. كفّ عن الصمت وأجبني.」

لكن ساتيلا لم تسمح لحيرة سوبارو وتردده بأن يطيلا.

وبّخته بنبرة صارمة، ومع ذلك، لم يستطع الدفاع عن نفسه أمام اتهام لا يفهم سببه.

كان كل منهما يتحدث عن أمر مختلف تمامًا.

ساتيلا:「سأسألك مرة أخرى. ― لماذا تناديني باسم [ساحرة الحسد]؟」

سوبارو:「لا، لأنكِ قلتِ لي أن أناديكِ هكذا…」

ساتيلا:「لا أعرف من الذي قال لك ذلك، لكن هذا تصرّف سيئ للغاية. والأسوأ أن تسايره من تلقاء نفسك. ―[ساحرة الحسد]، رمز المحرّمات. إنه اسم يخشى الناس حتى التلفظ به، فكيف تختار أن تناديني به؟」

أطاحت كلمات ساتيلا ― الفتاة ذات الشعر الفضي ― بسوبارو إلى بحر من الحيرة، وقد بدا الاشمئزاز واضحًا في ملامحها.

ولم يكن الحشد المحيط بهما مختلفًا عنها؛ إذ بدا أن الجميع يؤيدون كلامها.

وكان ذلك، في حد ذاته، دليلًا على صحة ما تقوله في نظرهم، الأمر الذي زاد من اضطراب سوبارو وحيرته.

لم يفهم ما الذي تقوله له.

فهو لم يفعل سوى مناداتها باسمها.

ومع ذلك، راحت توبّخه على ذلك، وأيّدها جميع من حولهما، وكأن ما فعلَه خطأ لا جدال فيه.

لم يكن يعرف حتى موضع الخطأ، ومع ذلك، كان يُلام عليه. فلم يكن لديه ما يراجعه في نفسه، ولا طريقة يعرف بها كيف يصحح سلوكه.

ساتيلا:「―إذا كان هذا كل شيء، فسأذهب. ليس لديّ وقت أضيّعه.」

قالت ذلك لسوبارو الذي لم يفعل سوى إحناء رأسه، ثم استدارت وانطلقت بخطوات واثقة، يتطاير شعرها الفضي خلفها.

حاول أن يناديها، لكن اسمه الذي كاد ينطقه تجمّد في حلقه.

فلو ناداها باسمها مرة أخرى، لارتكب الخطأ نفسه للمرة الثانية. لكن إن لم ينادها باسمها، فبأي اسم ينبغي له أن يخاطبها؟

أضعف ذلك التردد قدرة سوبارو على اتخاذ القرار.

ولهذا، لم يكن أمامه سوى أن يقف متفرجًا، عاجزًا عن التدخل فيما حدث أمام عينيه.

سوبارو:「―!」

صدر صوت شهقة خافتة من موضع أعلى من رأس سوبارو بقليل، من فوق سقف القماش المشدود على كشك أحد الباعة المتجولين.

قفزة.

هبط جسد صغير بخفة، منجذبًا إلى الأسفل بفعل الجاذبية، ثم انطلق بسرعة مع ملامسته الأرض.

كانت كالريح العاتية، ترتدي ملابس متسخة، ويتطاير شعرها الذهبي خلفها.

اندست بين الحشود بحركات جسدية تكاد تكون خارقة، ثم امتدت ذراعها بسلاسة واختفت داخل الرداء الذي يحمل تطريز صقر.

لم يستغرق التلامس سوى لحظة، لكن تلك الثانيتين كانتا كافيتين تمامًا لتلك الريح.

رفرفت أقمشة الرداء بفعل الهواء، ثم قفزت الفتاة مبتعدة عن الفتاة ذات الشعر الفضي التي التوى جسدها من المفاجأة.

ساتيلا:「لا يمكن――!」

أطلقت الفتاة ذات الشعر الفضي صرخة ذهول، ثم أدخلت يدها في ردائها.

لكنها لم تجد الشيء الذي كانت تبحث عنه. واتسعت عيناها وهي تتبع بنظراتها الريح التي كانت تبتعد بسرعة.

رأى سوبارو الشارة التي تتخذ شكل تنين، ممسوكة في يد تلك الريح، ولمح ظهرها، فصرخ دون تفكير:

سوبارو:「فيلت؟!」

ترددت الريح للحظة، وكأنها اضطربت عندما سمعت النداء، لكن سرعتها لم تتباطأ، بل اندفعت مباشرة من الشارع الرئيسي إلى أحد الأزقة الضيقة.

يا لها من عملية سرقة خاطفة! ولم يدم لقاؤه العابر بتلك الريح سوى لحظة قصيرة، لكنه رأى منها ما يكفي ليخمن أن صاحبتها كانت…

ساتيلا:「لقد خدعتني! كان هذا كله لإبقائي مشغولة… هل أنت متواطئ معها أيضًا؟!」

أطلقت الفتاة كلماتها بغيظ، عاجزة عن استيعاب الأحداث المتلاحقة، بينما ظلّ سوبارو واقفًا في مكانه، لا يعرف كيف يتصرف.

كادت ترفع كفّها نحوه، لكنها سرعان ما عدلت عن ذلك، وانطلقت راكضة إلى الزقاق الذي اختفت فيه الريح.

سوبارو:「أوي، انتظري! لقد أسأتِ الفهم! أنا…!」

حاول سوبارو أن يلحق بهما ليوضح ذلك الالتباس الذي لا أساس له، فانطلق بدوره نحو الزقاق.

وأثناء ركضه، امتلأ صدره بالأسئلة حول كل ما يجري من حوله.

كانت المعلومات التي تتدفق عليه أكثر مما يستطيع استيعابه، ولم يعد عقله القَلِق قادرًا على معالجتها. وفوق ذلك كله، فقد مرّ اليوم مرتين بتجربة كادت تودي بحياته، مما جعله في غاية الاضطراب.

سوبارو:「ألا يوجد أحد يعاملني بلطف قليلًا؟! ما الفائدة من استدعائي إلى عالم آخر إذًا؟!」

أطلق سوبارو صرخة احتجاج على هذا الظلم، وراح يركض مترنحًا عبر الزقاق الخافت الإضاءة.

لم يكن يثق كثيرًا بقدرته على الركض لمسافات طويلة، لكن سرعته في المسافات القصيرة لم تكن أدنى من سرعة الفتاتين.

كان ينوي اللحاق بهما سريعًا، ثم الحصول على إجابات تزيل كل هذه الحيرة.

لكن…

سوبارو:「تبًّا… إنه جدار مسدود!」

وجد أمامه طريقًا مسدودًا، فانطلق صوته غاضبًا.

لم يكن هناك أي أثر للفتاتين اللتين طاردهما.

وإذا كانت ذاكرته صحيحة، فإن فيلت كانت خفيفة الحركة بما يكفي لتتسلق الجدران بسهولة، أما ساتيلا، فبوسعها استخدام السحر لتجاوز جدار أو اثنين دون عناء.

سوبارو:「أستطيع تسلّق الجدار أيضًا، لكن… لا أظن أنني سأتمكن من اللحاق بهما.」

وفوق ذلك، إذا اتسعت المسافة بينهما، فلن يستطيع سوبارو مواصلة الركض طويلًا.

كان بوسعه تقوية عضلاته الأساسية داخل غرفته، لكن تمارين التحمل التي تعتمد على التنفس والجهد المستمر لا يمكنه ممارستها في الداخل وحده.

كان نقص القدرة على التحمّل أحد أخطر نقاط ضعفه، وها هو يعيقه عن اتخاذ القرار المناسب مجددًا.

سوبارو:「إذا لم أستطع اللحاق بهما، فهل أذهب إلى قبو المسروقات؟ إذا كانت ساتيلا وفيلت لا تزالان على قيد الحياة… فربما روم-جي أيضًا…」

قرّر أنه ينبغي له الإسراع إلى قبو المسروقات، على أمل أن يلتقي بروم-جي قبل فوات الأوان.

كان عليه أولًا الخروج من هذا الطريق المسدود، ثم التوجه إلى الأحياء الفقيرة.

استدار سوبارو…

سوبارو:「…لا تقل لي إن هذا يحدث حقًا!」

وعندها، لاحظ وجود أشخاص يسدّون مدخل الزقاق.

كانوا ثلاثة رجال، يرتدون ملابس متسخة، وتكشف وجوههم عن خشونة وطباع عدوانية.

لقد كانوا عقبة أخرى تقف في طريق سوبارو، حتى إن مجرد وصف هيئاتهم بات أمرًا يبعث على الضجر.

وهكذا، التقى سوبارو مجددًا بأفراد العصابة الثلاثية التي تتخذ الأزقة الخلفية ساحةً للصيد.

وكان هذا ثالث لقاء له بهم في اليوم نفسه.