* * *
سأل هو يريب: "سنُحاكم على خطايانا؟ ماذا تعني هذه العبارة؟ ومن يحاكمنا؟".
كانت الخطيئة مفهومًا مبهمًا للغاية، إذ يرى أشخاص مختلفون أفعالًا وسلوكيات مختلفة على أنها آثام. لم تحظَ فكرة الخضوع للتقييم وفقًا لمعايير الآخرين بقبوله.
أوضحت كارنا: "باختصار، ستجبرك المصفوفة على المعاناة من ثقل كارما الخاصة بك. وكلما زادت السيئات في رصيدك، زاد ما ستمارسه، وطالت المدة. الكارما الصالحة ستسهل الأمور، لكنها لن تلغي الأثر تمامًا".
أدركت الآن وهي بهذا القرب أن المصفوفة كانت بالفعل نسخة من تلك التي صممتها في الماضي. لقد كانت تبحث آنذاك عن طرق لتسليح الكارما ضد المتناسخين الآخرين، وكانت هذه المصفوفة إحدى محاولاتها المبكرة.
قطب الرامي جبينه.
قال: "أي نوع من المعاناة نقصد؟".
لم يعتبر نفسه رجلاً شريراً، لكنه اقترف، شأنه شأن جميع المتناسخين، عددًا لا بأس به من الأمور المستهجنة في الماضي. ويمكن القول إنه اكتسب سيئات الكارما قبل وقت غير بعيد عندما نصب كمينًا لأشخاص مثل كارنا. لم تكن تلك أسوأ فعلة أقدم عليها بحال من الأحوال، لكنه اعتبر نفسه بشكل عام رجلاً يتحلى بقدر معقول من الأخلاق مقارنة بالعديد من المتناسخين الآخرين. أما مقارنة بالبشر العاديين؟
فهذا شأن آخر.
أوضحت باهتمام: "يبدو أن المعاناة ستتخذ في هذه الحالة شكل ضغط واقع عليك لفترة طويلة من الزمن، ضغط كافٍ ليدفعك حقًا إلى الزحف، وأولئك الذين يملكون رصيدًا ثقيلاً من السيئات سيشعرون بتصاعد في الألم طوال الوقت أيضًا. ثم سيتعين عليك قطع مسافة تحددها الكارما الخاصة بك أيضًا. إذا ارتكبت الكثير من الأمور السيئة، فسوف تزحف لمسافة طويلة للغاية".
استطاعت حتى قراءة التفاصيل الدقيقة على المصفوفة.
لاحظ هو ي ذلك أيضًا، فعلق: "تبدو على معرفة جيدة بهذه المصفوفة بشكل يثير الدهشة".
لم يكن ساحرًا خبيرًا، إذ طالما مال إلى جانب المحاربين، لكنه امتلك قدرًا لا بأس به من المعرفة لمجرد عيشه لفترة طويلة، ولمש يكن لديه أدنى فكرة عما تفعله المصفوفة التي أمامهم.
وأردف: "كما أنك لا تبدين قلقة للغاية".
ابتسمت كارنا اتساعًا من تحت حجابها.
وقالت: "أنا مندهشة بعض الشيء لأنك لم تحاول معرفة اسمي الحقيقي بعد. إنه لأمر مهذب للغاية بل ونبيل بعض الشيء الامتناع عن التطفل، لكنني كنت أتوقع أن يغلب عليك الفضول بما فيه الكفاية بحلول هذا الوقت".
فوجئ هو ي بكلامها بدا وكأنه لا علاقة له بما سبقه.
فقال: "حسنًا، بالنظر إلى الموقف، اعتقدت أنه من الأفضل عدم إثارة استيائك أكثر".
"اختيار موفق للغاية. ومع ذلك، لو تصرفت بطريقة أقل تهذيبًا بعض الشيء، لكان لديك إجابة عن سؤالك".
رقصت داخل التشكيلة بينما برقت عيونها بالقوة. استطاع هو ي أن يشعر بذلك وهي تقرأ اسمه الحقيقي.
وقالت: "الرامي السماوي. إنه مناسب للغاية بالنظر إلى أسطورتك. أراك على الجانب الآخر".
لم تكتمل فعالية المصفوفة حتى عبرتها كارنا. وقبل أن تختفي عن الأنظار، رد هو ي الجميل.
فقال: "كارما، أليس كذلك؟ كان يجب أن أتورّع عن توقع أمر كهذا. من المنطقي أن ألتقي بأحد القدامى في مكان كهذا. أتساءل عما يتوجب على المرء فعله ليكتسب اسمًا كهذا".
عندما خطا داخل المصفوفة، بدا وكأن ثقل العالم قد أُلقي على كاهليه، فهوى على الأرض، عاجزًا عن تحريك ساكن لعدة دقائق. وبينما تآلف ببطء مع الضغط، لاحظ أن السبيل الوحيد للمضي قدماً هو جر نفسه للأمام مستخدماً أصابعه وأظافره فحسب، وقد تحولت المسافة إلى الجانب الآخر من المصفوفة إلى ممر طويل يبدو بلا نهاية، عوضاً عن الغرفة التي كان فيها للتو. على الأقل لم يتعرض للألم الذي سمع عنه للتو.
بينما كانت كارنا تتبختر متقدمة، شعرت وكأنها قد احتالت في الاختبارين الأخيرين. كان تجنب تأثيرات مصفوفة صممتها بنفسها أمرا يسيرا للغاية حتى لو لم يكن اسمها الحقيقي يقاوم تلك التأثيرات مسبقًا. ولو أنها خضعت لتلك التأثيرات، لكان من الممتع معرفة ما كانت ستؤول إليه تلك التأثيرات. فبعد كل شيء، كان أحد الشروط الأساسية لنيل الاسم الحقيقي الذي تحمله هو بلوغ ذروة الكارما الإيجابية والسلبية على حد سواء.
نادراً ما عرف أحد بوجود ذروة كهذه. ومع ذلك، كان تدمير زوج من الأكوان طريقة فعالة للغاية لاكتشاف هذه الحقيقة، وقد استنفدت رصيدها من السيئات حتى نهايته قبل حسناتها بوقت طويل. وقد تطلب الأمر مئات العصور للحصول على ما يكفي من حسنات الكارما لتحقيق التوازن. فالكارما تعتمد إلى حد كبير على مبادئ تحقيق الذات، وقد نظرت إلى تلك الأرواح كنوع من الكفارة. ولحسن الحظ أن الإثنين ألغيا تأثير بعضهما البعض إلى حد ما، وتولى اسمها الحقيقي بقية الأمر.
وفي الوقت الحاضر، أصبحت عرضة لنزوات الكارما فقط لأنها لا تصد تأثيراتها بنشاط. كانت الحياة أكثر إثارة على هذا النحو، رغم أنها جاءت ببعض العواقب. وتلك العواقب كانت جزءاً مما جعلها مثيرة للاهتمام.
لقد كان الاختبار الآخر ضربة حظ، أو في هذه الحالة، تجلي سلالة التريسيم خاصتها مرة أخرى. عجزت المصفوفات المتحكمة في هذه الاختبارات ببساطة عن محاكاة مستوى نقاء المانا والهالة اللذين تملكهما، لذا جاءت نسختها أضعف بكثير منها في الواقع. كما أنها لم تكن تمتلك القدرة على الوصول إلى بعض قدراتها الأكثر غرابة، لذا كانت المعركة ستصبح عديمة الجدوى. وبما أنه لم يكن من طباعها خوض معارك عقيمة، فلم يكن ذلك من طباع النسخة أيضًا.
ولهذا السبب استسلمت النسخة بكل ببساطة. تمكن هو ي من التسلل عبر الصدع الذي صنعته لمجرد اعتقاده بأنه قادر على ذلك، وكانت هي قد أرست السابقة بالفعل. وربما استطاع أشانتي فعل الشيء نفسه لو لم يكن مهووساً بالمعارك بطبيعته. حتى نسخته كانت ستتوارث تلك السمة.
بلغت نهاية النفق. ووجدت نفسها في باحة واسعة تعلوها سماء وهمية. انتشرت عدة مبان ومناطق حرجية في المحيط أيضا. نُصب حجر ميل كبير في المقدمة مباشرة. وغطت الكتابات بلغات ونقوش شتى ذلك الحجر. يبدو أنه لن تكون هناك اختبارات أخرى. لكنها لن تستطيع نيل مكافأتها حتى يصل عدد كاف من البشر إلى هذا المكان. لو كانت الوحيدة التي اجتازت الاختبارات لتمكنت من الاختيار فوراً. لكن بما أن عدد المكتشفين المتعطشين فاق الحاجة، وجبت عليها الانتظار حتى وصول تسعة أشخاص.
أو حتى تخلو مجموعة الاختبارات الأخيرة التي عبرت من خلالها. وإن لم تتشكل مجموعات جديدة من ثلاثة أفراد بحلول وقت انتهاء آخر شخص من الاختبارات الأخيرة، فسيكون بمقدور من اجتازوا الاختبارات نيل مكافآتهم والمغادرة. وأي عمل عدائي يُرتكب في هذه الباحة سيؤدي بالطبع إلى استبعاد فوري.
كان اختيار المكافآت صارماً للغاية أيضا. وجميع المكافآت وُجدت داخل الهرم الأسود الكبير في وسط الباحة الواسعة. وباعتبارها أول من بلغ الهدف، سيكون لها حق الاختيار الأول. غير أن هناك حيلة في عملية اختيار المكافآت. إذ ينبغي للجميع تقديم اختياراتهم صمتًا في الوقت ذاته. وإن اختار أكثر من شخص المكافأة ذاتها، فسينالها الواصل أولاً، بينما يضطر الشخص الآخر للمغادرة خالي الوفاض.
لم يكن هناك ما يمنعهم من تدبر أمر المكافآت سلفاً. إذ يستطيع المرء حتى الآن الذهاب ومعاينة كل المكافآت المعروضة، لكن ذلك يتطلب الوثوق بمن يسبقونك في الترتيب.
قالت كارنا لنفسها في الغالب: "يبدو أن سمة حس الدعوة المريض هذه ما زالت طاغية".
سألت جيم بينما كانت تتجسد في هيئة تنين جنّي مجدداً: "ألن نذهب لنلقي نظرة على المكافآت؟".
يبدو أن الأرواح لا تُحتسب ولن تقوى على اختيار المكافآت. وهو أمر عادل تماماً نظراً لعدم اضطرارها لخوض الاختبارات كذلك.
"لنخض التجربة. سيستغرق وصول البقية وقتاً. لقد جعلوا الاختبار الأخير طويلاً عن قصد، مريدين فيما يبدو ضمان تكوين عدد كافٍ من مجموعات الثلاثة. وبحسب كارما الخاصة بهم، قد تظل لبعض المتأخيرن فرصة لإحداث مفاجأة. أنا متأكدة تماماً من استغراق كل من أشانتي والأب وقتاً طويلاً لاجتياز ذلك الاختبار الأخير".
سارت كارنا باتجاه البناء الأسود البادي في الأفق.
اقترحت جيم: "أتريدين الرهان على من يجتازه أولاً؟".
"لا مانع لدي، ولكن ما هي المخاطرة؟".
كانت كارنا مستعدة دوماً لقليل من الإثارة الإضافية.
اقترحت الروح المشاكسة: "ما رأيك بأن يفعل الخاسر أي أمر يطلبه الفائز؟".
"يا لك من جريئة. إنه رهان مفتوح للغاية".
مع أن كارنا لم تكن ممن يتخوفون من خوض المخاطر.
"حسناً، لنفعلها. بما أنك من اقترح الرهان والمخاطرة، أفترض أنني أحظى بالخيار الأول؟ سأختار شهيرة".
"آه، لقد اخترت الخيار الآمن وغير المشوق. عليك معرفة الأفضل مع ذلك. ليست هذه هي الطريقة التي تعمل بها الكارما".
تلاعبت جيم بالألفاظ قليلاً مانحة كلماتها معنى مزدوجاً. كان شهيرة أصغر الستة بلا منازع في مجموعتيهما المكونتين من ثلاثة أفراد. وبطبيعة الحال، لم تتوفر له الفرصة لجمع الكثير من الكارما السلبية. لذا، وبقدر تعلق الأمر بالرهانات، كان خياره آمناً للغاية.
"أما أنا فسأذهب بخيار محفوف بالمخاطر وأختار الصتي الرامي".
"جريئة. جريئة للغاية. إنه متقمص حياة سابقة، وليس صغيراً جداً أيضاً. بوسعي تخيل شخص مثل مايومي يحقق أداء جيداً، أما هو؟ يبدو أمراً مستبعداً. لمَ هو بالذات؟".
باغت اختيار جيم كارنا.
"لعديد من الأسباب. أولاً، يراودني شعور بأنه وإن لم يكن شخصاً صالحاً تماماً، فهو شخص واضح إلى حد بعيد. أستبعد أن يجمع كارما سلبية مفرطة لكونه من النمط الذي لا يحيد عن قناعاته، حتى وإن لم ترَ غالبية البشر تلك القناعات صالحة أخلاقياً. قد يقتل بضعة أشخاص، لكني أشك في إقدامه على قتل الأبرياء متعةً. ثانياً، يبدو من طينة العنيدين القادرين على شق طريقهم بلا كلل عبر ذلك الاختبار الأخير حتى وإن كان في وضع غير مائل لصالحه. مع ذلك، ليس هذان هما السبب الأهم. السبب الأهم يتمثل في أن حلوله ثانياً سيفرز النتيجة الأكثر إثارة".
كانت جيم من الطراز الذي يتخذ قرارات تكتيكية غريبة لمجرد جعل الأمور أكثر إثارة. ومما يثير الانزعاج، أنها غالباً ما كانت تصيب، وتلك طبيعة الأمور حين يتدخلان.
ضيقت كارنا عينيها وقالت: "مثير للاهتمام، لماذا؟".
قهقهت جيم: "ربما لم يسمع الآخرون ما همستِ به لتلك الفتاة المزعجة هناك، لكني سمعته. قد يكون قصدك مزحة ووسيلة لإثارة حفيظتها، لكن إن فزت بهذا الرهان، فسألزمك بتهديدك".
هتفت كارنا مع أنها تعلم جيداً عكس ما تقول: "لا يمكنك فعل ذلك!".
صاحت جيم بزهو: "أوه بلى أستطيع، وسأكتفي بالمشاهدة".
"إذن لهذا وُضع الرهان برمته. تريدين المشاهدة فقط. أنت روح منحرفة، هذا ما أنت عليه".
بطريقة ما، أدركت أن جيم ستكون محقة في نهاية المطاف. ليس وكأنها تعارض الفكرة تماماً.
ولن يكون أول «عدو»
تضاجعه في حياتها العديدة.
استمر تبادلهما للمزاح حتى بلغتا الهرم. وفي تلك اللحظة حظيتا بأمر آخر يفكران فيه.
"بناء كامل مصنوع من الحجر الأسود! وعدة مسلات أيضاً!".
صفقت كارنا بيديهما ترقباً حاراً. كانت المادة المصنوع منها الهرم أغلى من أي شيء شاهدتاه حتى الآن في هذا العالم، باستثناء القفازات التي عثرت عليها ربما.
سألت جيم بلهفة: "أيمكننا اصطحابه معنا؟".
لقد تعاملتا مع هذه المادة من قبل، وتدرك تماماً مدى فائدتها. كما أن المسلات المحيطة بالهرم الضخم صُنعت من المادة ذاتها أيضاً.
قالت كارنا وهي تمشي داخل المبنى: "سنرى. أعتقد أن المقيمين سيقدرون الدعابة إن طلبت الهرم بدلاً من جائزة أخرى".
كانت مساحة الهرم الداخلية ضيقة بعض الشيء لدى دخولهما، وهو نبأ سار لأنه يعني وفرة المادة المظلمة. ضم الداخل غرفة مركزية فريدة تضم تسع منصات لتسع ليقف عليها أشخاص. وأحاطت بالغرفة المركزية تسع غرف أصغر عرضت فيها الجوائز. ولم تكن الفروق بين الجوائز الخمس الأسوأ كبيرة. ووجدت سلاحان يحملان داخلهما وميضاً من قوة سماوية، وتقنيتان منقوشتان على قطعتي يشم جاهزتان للدراسة، وقطعة ضخمة واحدة معدنية ثمينة للغاية تناسب صنع سلاح أو درع.
وسرقت الجوائز الأربع الأفضل الأضواء. كانت الأولى حبة دواء حددت كارنا هويتها بوصفها تمكن شخصاً في المرتبة التاسعة من بلوغ الخلود سريعاً ومع آثار جانبية قليلة نسبياً. وكانت الثانية قارورة مليئة بالدم، واستناداً إلى النقوش المحيطة بالزجاجة جاء الدم من تنين ذي مرتبة خلود. وافترضت كارنا إن كان عليها التخمين أنه جوهر الدم المقطر الذي يمنح أحدهم سلالة تنينية. وكانت الجائزة الثالثة مجموعة تقنيات يصعب تقييم فائدتها قليلاً دون دراستها، لكن استناداً إلى حقيقة وضعهن بوصفهن جائزة ثانية مفضلة فلابد من أنهن قويات جداً.
لكن جائزة المركز الأول هي ما خطف انتباه كارنا وجيم.
سألت جيم بنبرة صدمة طفيفة: "أحقاً؟ لديهم وميض سيادة جائزة؟".
وكان الشيء وميضاً حرفياً من طاقة متوهجة تشع قوة سماوية. وكل من يحصل على الوميض يخطو خطوته الأولى نحو بلوغ السيادة.
لكن كارنا لم تكن تنظر إلى الوميض. كانت تحدق في الوسادة المزخرفة بالأرجواني والذهبي التي يستقر الوميض فوقها. وكانت الوسادة تتشرب سيادة الوميض، وأدركت بحواسها أنها غدت شيئاً سماوياً أيضاً. وكان لعابها يسيل فعلياً عند تفكيرها في الاحتمالات.
وقالت: "نصت القواعد على أنه يمكننا اختيار أي شيء هنا، أليس كذلك؟ ولم يشترط أن يكون إحدى الجوائز، هاه؟".
سألت جيم بنبرة تقييم: "كارنا؟ طبيعتك التنينية تتسرب".
"حسناً، انظري. لن يفيدنا الوميض بشيء. سنظفر بواحدة طبيعياً على أي حال. مع ذلك، لا أزال أرى أن الشيء الوحيد الذي ينافس حبـ... أعني ينافس الوميض هو الهرم ذاته".
صححت كارنا لنفسها.
جادلت جيم وهي تلوح بمخلبها الصغير في وجه كارنا: "أهلاً بك. إذن فلنختر الهرم حينئذ. إياك واختيار الوسادة!".
صاحت كارنا متأهبة تماماً لإثارة نوبة غضب لا تتناسب بتاتاً مع عمرها: "لكنني أُريد!".
* * *
نهضت كارنا ومددت جسمها قليلاً قائلة: "اقترب أحدهم أخيراً".
لم يُهدر الأسبوع المنصرم إذ أمضته كله في الارتقاء. ولم تكن تملك أدنى فكرة عما يدور بالخارج، لكن مستوى القوة السماوية داخل هذا المكان بدا وكأنه يزداد كثافة فحسب، وقد كان بالفعل مكاناً ممتازاً للارتقاء قبل أن تشرع في ذلك. ولم تكن بعيدة جداً عن بلوغ المرتبة السادسة، وهو ما سيمكنها من قتال أعداء المرتبة التاسعة بفاعلية، حتى وإن بدا شخص مثل أرجونا صعب المراس بعض الشيء.
قالت جيم بسعادة وقد أيقنت تماماً من نصرها: "حان الوقت لنرى الفائز".
كانت تعرف كيف يعمل كارما سيدتها.
هددت كارنا الروح قائلة: "لتعلمي فحسب، بما أنك قررت استخدام أمرك بهذه الطريقة، فسأجعلك تتخذين هيئة جرو صغير طوال السنوات العشرين القادمة، وسيتعين عليك ارتداء فساتين لطيفة وصغيرة طوال الوقت".
صرحت جيم بلا خوف: "كلانا يعلم أنك لن تفوزي لذا لا أهمية للأمر. والآن فلنشرع في ذلك".
ولم تكن مخطئة أيضاً، إذ استطاعت كارنا أن تشعر مسبقاً بأن الشخص الواصل لم يكن شهيرة. ولم يكن الشخص قوياً بالقدر الكافي ليكون أشانتي أو أرجونا. ولم يبقَ سوى هو يي أو ذلك الرجل المتناسخ الآخر الذي ذهب مع أرجونا وشهيرة.
غادرا المبنى البسيط قرب الهرم الأسود، الذي سكناه طوال الأسبوع الماضي، وشقا طريقهما نحو المسلة الحجرية. وهناك أبصرا هو يي يقرع التعليمات.
همست جيم بصوت متهلل: "وجدت ضالتي. أنتِ تعرفين ما عليكِ فعله".
أشارت كارنا: "حسناً، حسناً، أيتها الروح المنحرفة. لكن الرقص التانغو يتطلب اثنين. قد يرفض".
قمعت جيم محاولتها للتهرب قائلة: "هاه! كلانا يعلم أن ذلك لن يحدث. ليس إن بذلتِ أي جهد. وأتوقع منكِ بذل جهد كافٍ. كما أتوقع عرضاً ملائماً أيضاً".
رحبت كارنا بهو يي بصوت دافئ، لعلمها أنه سيقدر قدراً من اللطف بعد المحنة التي اجتازها، قائلة: "مرحباً بك في خط النهاية".
قدم الرجل شكراً صادقاً وخالصاً، متسائلاً: "أكان هذا الاختبار الأخير حقاً؟".
أوضحت كارنا وهي تتعمد الوقوف بالقرب من الرجل تماماً: "نجل. المسلة دقيقة للغاية في وصفها. يمكنك معاينة الجوائز داخل الهرم، وبعضها رائع حقاً بحق. ومع ذلك، لن نتمكن من اختيار أي جائزة حتى يصل تسعة أشخاص إلى هنا. وكما تعلم جيداً، قد يستغرق ذلك وقتاً".
تفحّصته مطولاً من رأسِهِ حتى أخمصِ قدميه. كان وسيمًا إلى حدّ ما، وبما يكفي لتبرير هوس تلك المجنونة بطريقة أو بأخرى. بنيته الجسدية ممتازة وعضلاته مشدودة ومفتولة. هذا هيكل اعتياديّ لمن عرفوا كيف يُعيدون حياتهم. لم تكن تعيب مظهره بشيء، والحقّ أنها وجدت الفكرة مغرية على نحو خبيث. لم ترتبط بأحد منذ الأمير الإلفيّ، وكانت بحاجة ماسّة لشريك بعد كلّ هذا الوقت. فكرة معاشرة شخص يُعدّ عدواً بشكل أو بآخر، وشخص ما زالتي تنوي الانتقام منه، حملت إثارة محرمة أيضاً.
فضلاً عن ذلك، الغضب يصنع شركاء ممتعين.
قال هو يي بإصرار وبصوت يقطر إنهاكاً: "أُصدّق ذلك وأتوق لرؤيتها، لكني بحاجة ماسّة إلى بعض الراحة بعد ما مررت به".
"أمر مفهوم. تضمّ المباني المحيطة بالهرم أماكن خاصة للراحة، ورغم خلوّها من حمامات الاستحمام، توجد بركة جميلة للغاية في تلك الغابة القريبة".
أشارت إلى الجانب. كانت خطة ما ترتسم في رأسها بالفعل.