التفتت جموع غفيرة من الأرواح الخاوية فجأة نحو السماء الرمادية كأنها جسد واحد. أغرقت اللامبالاة معظم الأرواح كالعادة، لكن تجمع القوة الهائل فوقها انتشل حتي أبهت الأرواح من حالة الذهول التي غرقت فيها لقرون لا تُحصى. دأبت أنهار الأرواح الرمادية الباهتة وشبه الشفافة على التقدم ببطء رغم بلادتها، لكن تليونات الأشكال الباهتة توقفت الآن. سكن المكان المحيط أيضاً، وبدا كأنه صحراء مغطاة بالرماد الرمادي.
وقفت مئات الكائنات الضخمة وسط هذا التدفق النهري من الأرواح. رفعت هذه العمالقة ذات وجوه الكلاب السوداء رؤوسها نحو الظاهرة الماثلة فوقها وأطلقت هدير ختلط فيه الخوف بالإحباط. نشرت تلك الكائنات الموزعة بانتظام، والتي تشبه ملوك موت هائلة، أيديها نحو السماء محاولةً حماية الأرواح المتبلدة من القوة الناشئة في الأعلى. نتيجة لجهودها، امتد درع رمادي شاحب من الطاقة الشفافة فوق عدد لا يُحصى من الأرواح، برغم أن الشقوق بدأت تظهر فيه فور تشكله تقريباً.
نجحت العمالقة في ترقيع تلك الشقوق وسط العرق واللهاث، مع علمها بأن الإصلاح لن يدوم طويلاً.
ظهرت فوقها روح لا تشبه أي روح أخرى. بدت الروح التي هبطت من العدم أضخم بمئات المرات من العمالقة الهائلة أصلاً، وظهرت متوهجة بالقوة. الغريب في الأمر أن الروح، بخلاف الأرواح الرمادية الممتدة في الأسفل، بدت منشطرة نصفين، أحدهما أبيض والآخر أسود. ارتعشت الروح قليلاً بعد تجسدها الكامل، ثم شرعت في التقلص. انكمشت الروح من كتلة قوة هائلة إلى كرة ضئيلة بحجم قبضة اليد، وتلاشى الضغط القمعي الذي اثقل كاهل من في الأسفل.
توهجت الكرة مثل شمس صغيرة في السماء الرمادية الكئيبة للحظة، قبل أن تنطلق بسرعة البرق نحو الوجه التي كانت الأرواح تسير نحوها في الأسفل، فتنفست العمالقة الصعداء.
تحركت كرة الطاقة المتوهجة بسرعة تتحدى الحواس، لكن المسافة الطويلة تعني استغراقها وقتاً طويلاً للوصول إلى قصر ينافس أكبر حواضر عوالم الخلايا الكبرى. كان هذا القصر المصنوع من اليشم الرمادي يبتلع نهر الأرواح المتبلدة المستمر الذي كان يشق طريقه ببطء أسفل كرة الطاقة المحلقة. دخلت تلك الأرواح التي لا تُحصى القصر، ولم يخرج منها أحد. لم يكن القصر معقداً بلا داعٍ أو مزخرفاً، برغم ضخامته.
حمل حضوراً مهيباً، وأجاد حمله.
لم يحتاج القصر إلى حراس، لكن صفاً من العمالقة ذوي وجوه الضباع ظلوا يراقبون على أي حال. تطلعت العمالقة جميعها نحو الروح المقتربة بسرعة، لكن أياً منها لم يكن بالغبية لترتكب أي حماقة ضدها. علمت العمالقة أن الروح قادرة على سحقها جميعا رغم طبيعتها كملوك للموت. وبينما كانت الأرواح الأخرى تُقاد إلى غرف الحساب على يد أفراد يرتدون عباءات تحجب ملامحهم تحت أغطية رؤوس مظلمة، لم يأتِ أي مرشد للقاء هذه الروح.
ولم تكن بحاجة إلى مرشد أصلاً. حلقت الروح دون تردد نحو أعلى برج في القصر، وهو الموضع الوحيد الذي بدا مزخرفاً حقاً.
تدرج داخل البرج غرفة واسعة ومفتوحة، حيث اتكأ رجل بشري عجوز ذو لحية طويلة ورفيعة على كتاب كبير وثقيل. نظر العجوز إلى الروح أثناء تحليقها داخل الغرفة، واخترقتها عيناه السوداوان اللتان بدا وكأنهما بلا قرار. لم يكن هذا الكائن خائفاً، بخلاف البقية. لم يكن ذلك لقدرته على مقاتلة الروح الواصلة لتوها، بل لأنه عرفها.
قال العجوز: "كارما. عدتِ".
أجابت الروح بصوت متقلب يحجب أي تفاصيل عن المتحدث: "تعلم أنني لم أكن يوماً معجبة بذلك الاسم، تيان زون".
ربما يعود الصوت لرجل أو امرأة، أو بالغ أو طفل، وربما كان صرخات عنقاء أو زئير تنين. في الحقيقة، كانت الروح كل تلك الأشياء في مرحلة ما. كل ذلك وأكثر بكثير.
أشار العجوز قائلاً: "ومع ذلك فهو أحد أسمائك الحقيقية. أحد الأسماء القليلة التي لا تمقتينها تماماً. كان بإمكاني استخدام أحد الأسماء الأكثر شعبية والأقل إطراءً، مثل حاصد الأرواح أو الكارثة".
عادة ما تمتلك الروح اسماً حقيقياً واحداً، لكن بعض الأرواح تجمع أسماء تكفي لنسيان معظمها. وكانت الروح الماثلة أمامه إحدى الأسوأ في هذا الجانب.
سألت الروح: "صحيح. وأشكرك حقاً على الابتعاد عن الأسماء البغيضة حقاً. مع ذلك، نحن هنا لا لنناقش الأسماء. وهذا يقودنا إلى السؤال البديهي. لمَ أنا هنا، رغم العبء الذي يفرضه مجرد وجودي على المكان؟ لا تدعو أمثالي إلى هنا كثيراً، ولقد مرت عدة أعمار منذ أن دُعيتُ للمرة الأخيرة. عادة ما تُسرّعون تناسخنا دون أن يرى أي منا نهر الأرواح حتى".
عاشت الروح حياة كافية لنسيان معظمها، ومع ذلك استطاعت تذكر عدد المرات التي دُعيت فيها إلى هنا.
أوضح العجوز: "هناك مشكلة في تناسخك القادم. أو لكي أكون أكثر تحديداً، هناك مشكلة في روحك".
لم يكلف نفسه عناء فتح الكتاب الماثل أمامه. لم تكن هذه الروح هنا لتُحاكم. لم يكن قادراً على محاكمة الروح المعنية، حتى بوصفه رئيس القضاة. أو على الأقل لم يكن قادراً على إنفاذ حكمه.
تحدثت الروح كأن كرة الطاقة المتوهجة أمام الرجل لم تكن سوى جزء صغير من الروح الكاملة: "بدت روحي سليمة تماماً عند وصولي. بل وأفضل من سليمة. ولا أتذكر مواجهة أي شخص قادر على مهاجمة روحي في حياتي السابقة، ناهيك عن شخص قادر على إيذائها".
قال العجوز متذمراً: "تلك ليست المشكلة. بل المشكلة عكسها تماماً. لقد نمت روحك لتصبح أقوى من أن تُحتمل. لم يعد بإيجاد أي أوعية مناسبة لها بعد الآن، ناهيك عن كل المزايا السخيفة الأخرى التي راكمتها خلال حياتك السابقة".
بدت الروح حائرة بعض الشيء: "لا ينبغي أن تشكل تلك مشكلة كبيرة. فنادراً ما أستغل معظم هباتي، ولسْتُ ممن يعتادون زعزعة توازن العوالم التي أُبعث فيها، على عكس أغلب أبناء جنسي".
اضطر العجوز إلى الاعتراف بصحة ما تقوله الروح. فالعديد من الكائنات التي تتكرر ولادتها تميل إلى زعزعة استقرار العوالم التي تُبعث فيها بالهبات والمعارف التي جَمَعَتْها عبر حياتها السابقة. وبهذا المعنى، كانت الروح الماثلة أمامه مختلفة تماماً. فهذه الروح لا تحاول عادةً أن تصبح حاكمة العوالم التي تدخلها، ولا تقلب النظام الراسخ من أجل متعتها وتسليتها الخاصة. بل كانت تعيش عادةً حياة هادئة وقصيرة نوعاً ما، رغم امتلاكها قدرات تتفوق تماماً على بقية العائدين، وقدرة على بلوغ الخلود الفعلي بكل سهولة.
وفي الواقع، كان الأمر مصدر تسلية بين القضاة، إذ إن هذه الروح بالغة القوة كانت غالباً ما تقرر عيش حيوات يسودها السلام والهدوء التام. ولا يعني هذا أنها فعلت ذلك دائماً. فقد نالت تلك الأسماء الحقيقية المشينة لسبب وجيه. فحين تعيش حيوات كافية، ستصطدم بالمتاعب عاجلاً أم آجلاً.
أوضح العجوز: "الأمر لا يتعلق بالسلوك. والحقيقة القاسية هي أن معظم العوالم تقريباً عاجزة عن تحمل الضغط الناتج عن ولادة روحك فيها. لقد كدتِ تحطمين نهر الروح حين وصلتِ كما ذكرتِ. وعليكِ إدراك هذا أيضاً. لقد كانت حياتك الأخيرة بصيغة تنين عالم، ومع ذلك كاد الجسد يعجز عن تحمل حضورك. خياراتك تتضاءل. ولهذا أنتِ هنا".
رفضت الروح بحزم: "لا".
فقد كانت تعلم جيداً ما يوشك القاضي على اقتراحه.
أكد العجوز بنبرة تتسم بالحزم واللين: "ليس لديك خيار. لقد طالبت مراراً وتكراراً بألا نبعثك في ذلك العالم، لكنه الخيار الوحيد المتبقي لك الآن. لقد حذرتك بشأن هذا في المرة الأخيرة التي التقينا فيها. وها قد وصلنا إلى النتيجة ذاتها. غير أنه لا خيارات أخرى هذه المرة. لقد حان وقت عودتك إلى الديار".
والعالم المعني هو المكان الذي وُلدت فيه الروح أصلاً. إنه عالم تتجمع فيه الأرواح المعادة، ويضم بعضاً من أقوى الكائنات في الكون المتعدد بأسره، لذا فهو يقع في مستوى أعلى بكثير من أي عالم آخر، وبإمكانه بسهولة احتواء أرواح أشد قوة. لم يكن ذلك العالم يضم الكثير من العائدين في الوقت عينه، لكن حيث تكتفي العوالم العادية بعائد واحد أو اثنين كحد أقصى، يمكن لهذا العالم أن يستوعب عشرات منهم حتى خلال الأوقات الهادئة.
احتفظت الروح بذكريات مرعبة عن ذلك العالم المنشود، فقالت: "لا. فكلما بعثتموني هناك، تتحول الأمور إلى جحيم، لي ولذلك المكان على حد سواء. أتعرض للمعاناة ويواجه ذلك العالم كارثة أخرى يتوجب علي إصلاحها بالتخلي عن شخص أو شيء أحبه. لقد مللت من هذا الأمر. يبدو أن ذلك العالم يكرهني فحسب".
فقد سُمح لها بالعودة إلى هناك قسراً من قبل. في البداية، كان القضاة يفعلون ذلك دون سؤال، إلى أن أظهرت لهم الروح خطأ تصرفاتهم. والآن باتوا يتحلون بالقدر الكافي من الأدب لسؤالها على الأقل.
انتهت حياتها الأولى بشكل مأساوي على يد أحد العائدين، مع أن الروح لم تكن تدرك ذلك في البداية. فمعرفة العائدين لم تكن متاحة على نطاق واسع بعد كل شيء، ولا حتى في ذلك العالم. وقد تطلب الأمر عديد الحيوات كي تكتشف الروح أن قاتلها الأصلي كان واحداً منهم أيضاً. لم تكن المعاناة والخسارة التي مرت بهما أمراً هضمه يسير. لقد عادت بضع مرات، وفي كل مرة كانت الأمور تنتهي بشكل سيئ.
ليس لأن الروح فقدت القدرة على الدفاع عن نفسها. كلا، فقد امتلكت تلك القدرة وما يزيد عنها بكثير. بيد أنها بطريقة ما كانت تُسحب دائماً إلى دوامات العنف التي تظهر غالباً على أيدي العائدين أصحاب الغرور القادر على منافسة أكثر الملوك غروراً. وهذا يعني أن الروح لم تظن بفرصة لتعيش حياة السلام والهدوء التي تستمتع بها.
أكد الرجل بحزم: "لقد أخبرتك مسبقاً. ليس لديك خيار. أمامنا فرصة نادرة. هناك وعاء قادر على تحمل روحك ومعظم هباتك سيُولد قريباً جداً. قد تتأخر الفرصة القادمة لملايين السنين من الآن، إن حدثت أصلاً، وحتى في تلك الحالة ستظلين عالقة في ذلك العالم. وهذا يعني أن هذه قد تكون حياتك الأخيرة التي تعيشينها. عليك استغلالها إلى أقصى حد".
أرادت الروح الجدال لكنها علمت أن رئيس القضاة لن يكذب. قد لا يفصح عن كل شيء، وادركت الروح احتمال وجود أمور أخرى لم يُخبر بها، لكن ما قاله الرجل كان صحيحاً على الأرجح.
وقالت: "حسَبُك. فقط لا تفاجأ كثيراً إذا انتهى الأمر باحتراق العالم بأسره عن آخره. واجعل أسمائي الحقيقية غامضة. لست بحاجة لأي عائد يطلب الانتقام من حياة سابقة قمت فيها بإهانته".
وافق العجوز سريعاً على الشروط قبل أن يسقط شعاع من نور على الروح ليأخذها معها. وبمجرد زوال الروح، أطلق تنهيدة طويلة. كان الخوف يملكه الآن. ستكون الروح غاضبة منه. وهو لم يكذب. لكن ذلك لن ينجيه. فغضبة الكارما أسطورية. ولهذا السبب طلبت الروح إخفاء أسمائها الحقيقية. فالعائدون قادرون غالباً على ابتكار أدوات وتقنيات لمعرفة الاسم الحقيقي لأي شخص بعد كل شيء.
يولد كل كائن حاملاً اسماً حقيقياً، لكن معظم تلك الأسماء زهيدة القيمة. تتعدد أنواع الأسماء الحقيقية على العموم. تحمل الأسماء التي يعترف بها عدد كافٍ من الناس قوة ما. أما الأسماء ذات المعنى الأصيل التي لا يعترف بها البشر فحسب، بل الملوك، وعوالم بأكملها، والأهم من ذلك المادتون الحياتيون الآخرون، فتغدو شيئاً أبعد مدى. يحمل أولئك المادتون الأسماء إلى عوالم أخرى، وغالباً ما يلعنون اسم من تسبب في قتلهم.
تصبح الأسماء الأشد قوة والأوسع انتشاراً فريدة لا يملكها غير روح واحدة. تحمل الروح المغادرة بضعاً من تلك الأسماء الفريدة. الكارما واحد منها. كان الاسم الأكثر إرهاباً للقاضي في هذه اللحظة هو الغضب. تحمل الروح اسم خطيئة مميتة، وقد استحقته عن جدارة. لم يكن التهديد بإحراق عالم بأسره مزاحاً عابراً.
سألت ملكة وهي تخطو إلى داخل الغرفة واضعة يدها على بطنها المنتفخ: "أتم الأمر؟"
أجابها العجوز مستنداً إلى كرسيه وقد بدت عليه علامات الشيخوخة حقاً: "تم. وليحترق كيانك لأنك أجبرتني على هذا. ألا تدركين أنه حتى لو سارت الأمور وفق خططك، فستسعى الكارما إلى الانتقام على الأرجح؟ لقد حكمتِ على نهر الأرواح بأسره بالفناء."
أكدت الملكة قائلة: "تلك مخاطرة لابد من قبولها. تعلمين كما أعلم أنه لابد من ردعه، والوحيدة القادرة حقاً على فعل ذلك هي الكارما. سيضطر أحدهم لملء مكانه أيضاً، وأظن أننا نفضل الكارما على سائر الخيارات. أيمكنك تخيل أي من المادتين الذين أرسلتِهم إلى ذلك العالم في مكانه؟ سيحترق نهر الأرواح الثمين حينها حقاً. ولسبب لا غاية له سوى الكيد. على الرغم من خطايا الكارما، تتمتع الروح بسواد وبياض متساويين. سيعود التوازن مجدداً."
أشار العجوز قائلاً: "أنت لست حكماً محايداً في تقييم الطباع."
ابتسمت الملكة وهي تفرك بطنها مجددة: "يصعب تجنب المحاباة حتى في مستواي. لكني ألاحظ أنك لم تقل إنني مخطئة."
لم يفعل. قد يغشاه الخوف، لكنه كان مصمماً أيضاً. لقد وافق على مسار العمل هذا، حتى وإن أرغمته الملكة الواقفة بجانبه على فعله. لا توجد خيارات صائبة في بعض الأحيان.