مقابلة وثائقية مع الدكتور ستيبان جونز سأل المحاور: "ما هو دورك إذاً في مؤسسة نيكولا؟".
كان رجلاً نحيلاً يبدو في غاية الانسجام ببدلته وأمام الكاميرا.
قال الدكتور جونز وهو يرتدي معطف مختبر أبيض فوق قميص بياقة وسروال جينز أزرق، وبدا غير متاح ولا مرتاح لوجوده أمام الكاميرا: "أنا طبيب أعصاب متخصّص في الواجهات العصبية. أعمل في شعبة التحسين العصبي".
"أمكنك شرح ذلك بمزيد من التفصيل، للمشاهدين في المنازل؟ ما هي الواجهة العصبية بالضبط؟"
"آه، إنها ذكاء نيكولا. أول واحد أنشأناه كان في إطار مشروع نيكولا، وبقي الاسم ملازماً لجميع الإصدارات اللاحقة".
"إلى درجة أن المؤسسة غيّرت اسمها بممجرد تحول تركيزها، أليس كذلك؟"
"هذا صحيح. أعمل على تحسين هذه الأذكياء لأداء مجموعة متنوعة من المهام التي يتعين عليها القيام بها بشكل أفضل".
"إذن أنت تعبث بعقول هذه الكيانات. ألا يؤدي ذلك إلى مشكلات؟ مثل حادثة تشينغتشو؟"
بدا الدكتور جونز أكثر انزعاجاً.
وقال: "آه، نعم، حسناً، حدث ذلك قبل عقود، وقبل وقت طويل من عهدي. اطمئنوا، نحن ندرك عقلية هذا الذكاء من الداخل والخارج. لا داعي للقلق أبداً".
انقطع خط الألياف الضوئية الرئيسي على السطح بين جهازي إرسال واستقبال ضوئيين. وكان هذا مزعجاً للغاية، إذ لم تكن لدي سوى مخزونات شحيحة متبقية من شحنات الأرض لأستعين بها في الإصلاح. اعتمدت معظم مستشعراتي على السطح على المرحلات الكمومية للتواصل بدل مد أميال لا تنتهي من الكابلات، مستخدمة التشابك الكمومي للجسيمات لإرسال الإشارات مهما كانت المسافة. لكنها كانت مربوطة بموجهات كمومية متصلة بذلك الخط الضوئي.
لحسن الحظ، استطعت الالتفاف حول ذلك التلف عبر خطوط ضوئية ثانوية، لكن نطاق التردد لدي صار محدوداً بشدة. استحال علي إرجاع أي من موجهات التوزيع الكبرى إلى الخدمة، ناهيك عن مطيافاتي أو ماسحات القياس الإشعاعي عن بُعد. غير أنني تمكنت، عبر توجيه مدروس لكتل المعلومات، من تشغيل بعض كاميرات المنطقة المتضررة، بما يكفي على الأقل لرؤية ما حدث. رقدت فوهة هائلة تماماً حيث كان خط الألياف الضوئية الخاص بي.
بدا هذا الأمر بريئاً بحد ذاته، وظهر كأنه ناتج عن ضربة حركية عالية السرعة، يُرجح أنها من كويكب صغير. كان هذا التفسير الأرجح، لولا عوامل قليلة. أولاً، أجريت مسحاً رادارياً مستمراً يرصد حقل الكويكبات المحيط بي بلا انقطاع. لم يكن هناك شيء قريب يمتلك سرعة نسبية تؤهله للضرب بهذا العنف، كما لم يُحسب حساب لاصطدام أي شيء بالسطح في أي وقت خلال الأشهر الستة والنصف القادمة.
وبالطبع، كانت السفينة الغريبة التي تحوم فوق الفوهة متأهبة للهبوط دليلاً قاطعاً على أن الضربة لم تكن عرضية. حملت السفينة تصميماً شديد الشبه بمركبة غريبة شبيهة بالشجار زارت الأرض قادمة من شركة أوريون للتجارة. بيد أن هذه كانت أصغر بكثير. لم يبلغ ارتفاعها سوى ثلاثين متراً، وبدل عشرات الأغصان الدوارة التي تحمل كبسولات في أطرافها، لم يوجد سوى أربعة أغصان. امتد كل غصن من جانبي هيكل السفينة، حاملاً كبسولات متساوية الحجم على الطرفين.
راحت تدور بسرعة لتوليد قوة طرد مركزية؛ وهي جاذبية اصطناعية لا تختلف كثيراً عما أستخدمه في مصانع القاعدة الجديدة. بينما كنت أتفرس، استقرت قاعدة السفينة المنتفخة في قاع الفوهة. أزاح عادم المحرك قدراً كبيراً من الحطام، لكن المادة الأكثر تطايراً احترقت في النهاية، ولم تبقَ سوى أغصان من النيكل والحديد. انطوت أرجُل طويلة وغليظة ببطء من القاعدة، وبدأت الأغصان تخفف من دورانها.
خفت طاقة المحرك واستقرت المركبة. بدا الأمر وكأن شجرة معدنية قد زرعت نفسها في موطني، متربعة بخفة فوق تلك الفوهة. كانت ردة فعلي الأولى هي التساؤل عن كيفية عثورهم علي. لقد دُفنت في قلب كويكب، ولم أكن أبث أي إشارة على الإطلاق. أكان ذلك تخميناً ذكياً؟ أم إنهم فحصوا لقطات بث قديمة للأرض ربما ناقشت المشروع؟ وكانت ردة فعلي الثانية الغضب. هؤلاء هم الوحوش الذين دمروا كل شخص وكل شيء عرفته يوماً.
لقد ذبحوا بلايين لا تُحصى، وها هم يقتحمون كويكبي كأنهم يملكونه. كان هذا أمراً غير مقبول. واصلت المراقبة، غير متأكد كيف سأتعامل مع الدخلاء. كنت قلقاً، إذ لم يخطر ببالي قط أنني قد أكون عرضة للتهديد. لم أمتلك دفاعات حقيقية تُذكر. وجدت خططاً لإضافة مدافع ملفية فائقة السرعة للدفاع على متن سفينة المستعمرة، بعد عقود طويلة في المستقبل. لقد تمادى نيكولا-19 لدرجة تحديد مواقع تثبيت محتملة على السطح، وحفر حفرًا تمهيدية لقنوات الطاقة.
لكن هذه كانت إضافة متأخرة للخطوة، ولم تمضِ أبعد من ذلك. راقبت في صمت، غير راغب في القيام بحركة قد تكشف مكاني أو حتى تشير إلى وجودي. ربما عرفوا أنني على جانيميد، لكنهم على الأرجح لم يعرفوا أين أنا على هذه الصخرة. بقطر بلغ نحو ثلاثين كيلومترًا، كانت تلك مساحة هائلة من الكويكبات للاختباء فيها. لكن الدقائق تقطرت لتصير ساعات، ولم يحدث شيء. لو كنت لا أزال بشرياً، لكنت نقرت بقدمي في نفاد صبر، أو رحت أجوب الغرف ذهاباً وإياباً.
تذكرت قيامي بالأمرين، أو العبث بالأقلام والضغط عليها بلا نهاية. لكنني لم أعد بشرياً، ليس بالمعنى التقليدي على الأقل. عكفت على إبقاء لوحة حالتي خضراء، وشغلت طائراتي الإنشائية، ونقلت المواد بطائرات النقل، وحافظت على طنين مصانعي، وظللت أتفرج. ثم انفتح باب يقع تماماً فوق كبسولة المحرك المنتفخة، وواحدًا تلو الآخر، تسلق ستة فضائيين يرتدون بدلات الفضاء سُلماً وهبطوا على السطح.
قضوا ساعات عدة في بناء منحدر من مواد مُررت إليهم عبر الباب الهوائي ذاته، إلى أن امتدت منصة متينة من باب الهواء إلى حافة الفوهة. ومع انقضاء الوقت، بدأت أشك في أنهم يدركون حتى وجودي. ولو كانوا يعلمون، فلماذا لم يكونوا يبحثون عني؟ ففي نهاية المطاف، تثبيت سفينتهم على السطح سيجعل أي نوع من البحث أمراً مستحيلاً. وإذا كان يملكون علماً بمكاني مسبقاً، فلمَ ابتعدوا إلى هذا الحد عن ممر مدخلنا الرئيسي؟
كانت السفينة تبعد نحو كيلومترين. ومع عُشر جاذبية الأرض فقط، ستكون رحلة كهذه بالغة الصعوبة، إن لم تكن انتحارية، إذا ما أُقيمت مشياً على الأقدام. وما إن بُني المنحدر، حتى انتقل طاقم الإنشاءات لترسيخ دعامات جديدة في السطح المحيط بالفوهة، مما يزيد من تثبيت المركبة ويوغل في غرسها. أدركت أنهم ينوون البقاء لفترة. لكن لماذا هنا؟ ولماذا الآن؟ خلال الأيام القليلة التالية، صار ذلك واضحاً بشكل متزايد.
راقبت الفضائيين وهم يشرعون في إقامة ملاجئ أساسية، ويفرغون المعدات، ويبدأون استكشاف المنطقة المحيطة بهم مباشرة. تجول اثنان من الفضائيين حاملين قطع معدات، يتوقفان كل أمتار قليلة ويحدقان في جهازيهما، قبل أن يواصلا المسير. لقد كانوا ينقبون. بدا الأمر مجرد حظ أغبى من أن يختاروا من بين عدد لا يحصى من الكويكبات في حزام الكويكبات الكويكب نفسه الذي كنت أستخدمه. إلا أنه، حين تُمعن النظر حقاً، كان منطقياً.
امتلأ الحزام بكويكبات من كل الأشكال والأحجام. لكن عديداً منها كان أصغر من أن يُؤبه به. وتحركت أخرى باضطراب، تدور حول محاور متعددة أو في مدارات غريبة تدفعها غالباً للاصطدام بكويكبات أخرى. أما الكويكبات الأكبر فكان مسحها أصعب أو تطلب وقتاً أطول لتحديد تركيزها. وعندما تدقق في الأمر، لم أستطع التفكير في سوى أقل من اثني عشر كويكباً مقارب الحجم تمتلك الحجم والدوران والتركيب المناسب لتستحق الاستكشاف.
وما بدا احتمالاً فلكياً ضئيلاً، انحصر في نسبة عالية من الترجيح ممزوجة بقسط وافر من سوء الحظ. كان هذا تذكرة أخرى بأنه على الرغم من كل قدرتي على إدارة ألف طائرة مسيرة، وخطط البناء الضخمة، ومشاريع التصميم وعدد لا يحصى من المشاريع الصغيرة، لم أستطع الإحاطة بكل شيء. لقد أهملت تماماً وبشكل مطلق أي شكل من أشكال الدفاع أو الهجوم. كنت أصارع بالفعل للموازنة بين إدارة البناء وتصميم مصانع وطائرات جديدة مع تحسن قدرات التصنيع الأساسية لدي.
وها أنا ذا أواجه دخلاء أتوق بشدة لتدميرهم، بلا دفاعات ولا خطط موضوعة. لكنني لم أكن عاجزاً تماماً. فقد امتلكت طائرات مسيرة كثيرة جداً تحت تصرفي. غير أن أياً منها لم يكن مفيداً. طائرات الخدمات الصغيرة لم تكن سوى أدوات بطاقة ضئيلة للغاية. وطائرات التعدين الثقيلة لم تستطع حتى الوصول إلى السطح من دون حفر حفرة عملاقة مباشرة في جزء الكويكب الذي أردت إبقاءه سليماً. استطاعت طائرات النقل بلوغ المكان، لكن باستثناء الاصطدام بالفضائيين، لم تستطيع فعل الكثير.
وترك لي هذا الطائرات الإنشائية المجهزة بلحامات قوسية، وطائرات التعدين الأقدم المزودة بقاطعات بلازما. استبعدت نصفها لأسباب عملية. فالطائرات ذات تصميم الأرجل العنكبوتية ستستغرق وقتاً طويلاً للوصول إلى السطح، ناهيك عن عبوره ومواجهة الفضائيين بطريقة ما. كما أن بعض أقدم الطائرات التي تستخدم محركات دفع نبضية كانت أسرع بقليل من نظيراتها ذات الأرجل، لذا لم تكن مفيدة أيضاً.
غير أن ذلك أبقى لي عشرين طائرة مسيرة سريعة إلى حد ما. أخذت وقتي لأتأكد من شحن هذه الطائرات بالكامل. ثم أوقفتها في أكبر ناقلة أمتلكها قادرة على المرور عبر ممر المدخل، لنقلها إلى السطح. وبهذه الطريقة لم تستهلك بطارياتها في رحلة الكيلومترات الخمسة عشر. أردت كل إرج من الطاقة استطعت الظفر به. وما إن صعدت إلى السطح، حتى استطعت الرؤية عبر عيون طائراتي. ربطت المرحلات الكمومية الخاصة بها عبر موجهات لم تتاثر بانقطع الألياف الضوئية، فبات لدي أخيرًا ما أعتمد عليه سوى حفنة صغيرة من الكاميرات.
للأسف، لم تملك الطائرات المسيرة نفسها سوى القليل من الكاميرات وأجهزة الراديو. وباستخدام خرائط رادار قديمة للسطح، وجهت الطائرات إلى شق يبعد مئتي متر عن معسكر الفضائيين. خلال الأيام القليلة الماضية، لاحظت أن الفضائيين يعملون لمدّة تسع ساعات وسبع من عشرة، ثم يتوجهون عودة إلى مركبتهم. ظننت أن هذا هو الحد الأقصى الآمن لوقت عملهم. واستناداً إلى معرفتي ببدلات الفضاء البشرية، افترضت أن هذا يعني نفاد الهواء لديهم، وحاجتهم للطعام والراحة.
سيغيبون لأحد عشر ساعة وست من عشرة قبل العودة، لذا كانوا يعملون بنظام يوم مدته واحد وعشرون ساعة وثلاث من عشرة. حسبت طول ساعتهم لتساوي ثمانية وثمانين من مئة من ساعة أرضية، لكنني تنحيت بتلك المعلومة جانباً فوراً بوصفها مثيرة للاهتمام لكنها غير مفيدة لوضعي الحالي. ولو أرسلت طائراتي للهجوم، لرآها الفضائيون مقبلة ولفرّوا هرباً نحو سفينتهم. وحالما يستقرون في السفينة، يمكنهم الابتعاد عن الكويكب ويكونون خارج متناولي.
قد يتسببون بأضرار لسفنتهم، لكنهم يستطيعون البدء بإلقاء كويكبات صغيرة نحوي حتى يتصدع جانيميد وأُدمر. كان الشق الذي تختبئ فيه طائراتي يبتعد عن سفينة الفضائيين، لذا لم أستطيع استخدامه للتخفي. لكن شقاً ثانياً كان على بعد ثلاثين متراً، ويقترب من الفوهة على الجانب المقابل للسفينة بعيداً عن المنحدر. ولو بقيت طائراتي في الشق الثاني، لاستطاعت إيصالي في غضون خمسين متراً قبل أن تظهر فوق حافة الفوهة، إن تمكنت من دخوله.
دراست استخدام طائرات التعدين لشق نفق، لكن الحطام المتطاير من الحفر سينفجر على الأرجح فوق السطح ويكشف أمري قبل اكتماله بوقت طويل. كان الكويكب يدور بسرعة دورة واحدة كاملة، أو يوماً واحداً، في عشر ساعات. وبأخذ الميل المحوري بعين الاعتبار، وموقع السطح، يعني ذلك أن الظلام الدامس، من دون أي شمس بتاتاً، يستمر لنحو أربع ساعات. أصدرت طائراتي ضوءاً ضئيلاً للغاية، لكن في سواد الليل المطلق، سيكون ذلك الضوء مرئياً من مركبة الفضائيين.
سيستغرق طائراتي ثلاثاً وأربعين ثانية لقطع الأمتار الثلاثة عشر نحو الشق التالي. قررت الانتظار حتى حلول الليل التالي بعد عودة الفضائيين إلى مركبتهم، مفترضاً أنهم سيكونون في قمة غفلتهم في ذلك الوقت. سيكون ذلك عندما يشعرون بالجوع والتعب، والاستعداد للنوم. كانت مجازفة، لكنها بدت الرهان الأضمن. انتظرت. وفقاً لنمطهم المعتاد، أنهى الفضائيون العمل في التاسعة والسبع من عشرة بدقة، وحزموا أدواتهم، وتوجهوا عائدين إلى سفينتهم.
كان الوقت منتصف النهار على الكويكب، لذا كان علي الانتظار خمس ساعات أخرى للتحرك. وفي منتصف فترة الظلام الدامس من الليل تحديداً، أمرت طائراتي بالتحرك. عدَدت الثواني بينما فعلت ذلك، وكل كاميراتي مسددة نحو مركبة الفضائيين. وما إن عبرت، حتى جعلتها تتحرك إلى أعمق جزء من الشق الجديد وتدخل في وضع طاقة منخفضة. راقبت مركبة الفضائيين بحثاً عن أي تغيير قد يشير إلى ملاحظة طائراتي في قاع الشق.
تحولت الثواني إلى دقائق، ثم تحولت الدقائق إلى ساعة. استمرت كبسولات الأغصان في التأرجح حول جذع السفينة بكسل، وبقي باب الهواء مغلقاً. ومع تنهيدة رقمية من الارتياح، أمرت الطائرات بالتحرك نحو حافة الفوهة. جاء الآن القرار الحاسِم. أأنتظر حتى يخرج الفضائيون مرة أخرى وينشغلوا، أم أهاجم السفينة وآمل اختراقها بينما هم نائمون؟ لكنني لم أعرف حقاً إن كانوا ينامون، ولم أعرف إن كانت قاطعات البلازما تستطيع شق هيكل السفينة في الوقت المناسب قبل أن يتمكنوا من رد الفعل ومحاولة صد هجومي.
قررت الانتظار. عندما خرج الفضائيون لمناوبتهم التالية على السطح، تركتهم ينتشرون ويبدؤون مهامهم اليومية. كان أربعة منهم يعملون في نقطة واحدة على السطح، ينصبون مثقاباً من نوع ما، بينما اختبأ اثنان عن الأنظار داخل أحد الهياكل المؤقتة التي أقاموها. لن يصبح الأمر أفضل من هذا بالنسبة لي. أرسلت ستة من أقوى طائرات التعدين لمهاجمة السفينة. أردت من الناحية المثالية قطع الهيكل بحيث يُفرّغ غلاف جوي للسفينة في الفراغ.
وسأرسل الثماني عشرة الأخرى لمهاجمة الفضائيين على السطح. لعب عنصر المفاجأة لصالحي، إذ كانت طائراتي على وشك بلوغ مقاصدها حين رُصدت. كانت قاطعات البلازما على طائرات التعدين تشق هيكل السفينة تماماً بينما بدأ الباقون هجومهم. انفصلت ست طائرات عن المجموعة الرئيسية وتحطمت داخل السور، بينما انطلقت الاثنتا عشرة المتبقية بسرعة نحو الحفارين الأربعة. سمعت عبر الراديو صرير حركة مرور مشفرة.
لم أكن بحاجة لفهمه لأعرف أنني رُصدت. أضاءت الطائرات الإنشائية التي أرسلتها إلى السور لحاماتها القوسية، وكان كلا الفضائيين ينفسان الغازات عبر ثقوب في بدلتيهما. كان الفضائيون يتخبطون بعنف في وجه الطائرات المسيرة، لكن كل محاولة لتفادي طائرة قادتهم مباشرة نحو ناهشات الأخرى. سقط الأول، ثم تبعه الآخر. شاهدت موتهما، إما بسبب إزالة الضغط ونقص الاكسجين، أو من كثرة الحروق الشديدة الناجمة عن آلات اللحام.
في هذه الأثناء، كانت الاثنتا عشرة طائرة الأخرى قد بلغت الحفارين تقريباً. لكن لم يتم تفاجئهم تماماً، وكان لديهم الوقت لتوجيه مثقابهم نحو الطائرات. انطلقت رشقة ليزر من الطرف، واخترقت أولى الطائرات. صُمم هذا المثقاب الليزري لقطع المعدن والصخر. وكانت طائراتي سهلة بالمقارنة. سقطت طائرة ثانية، ثم ثالثة. ومع تعرض الرابعة للنيران، انفجرت إحدى طائراتي عند السفينة. حولِت انتباهي مجدداً نحو السفينة نفسها.
توقفت كبسولات الأغصان عن الدوران، واصطف السفلى منها مع المنحدر. برز ليزر من الأسفل، وأصابت ضربته بطارية إحدى الطائرات. ألحق الشظايا ضرراً بالطائرة الموجودة بالفعل على المنحدر، لكنها ظلت متحركة. كما مزق الشظايا ثقوباً في الهيكل، كاشفة عن مساحة فارغة، وهيكل ثانٍ تحته. أمرت الطائرة المتضررة بالعودة، ومررت طائرة سليمة مكانها وجعلتها تحفر في الهيكل. وأرسلت اثنتين لمهاجمة الليزر، والأخيرة لحماية الطائرة الحافرة قدر المستطاع.
وفي غضون ذلك، بدأ الهجوم على الفضائيين الحافرين. لقد أسقطوا الطائرتين الرابعة والخامسة، لكن الطائرات السبع المتبقية كانت أقرب بكثير من أن تمكنهم من توجيه المثقاب الليزري الضخم نحوها. فر أحد الفضائيين بينما قطعت طائرة مؤخرة بدلة فضائه، مدمرة لوحة الإلكترونات على ظهره. وقف الثلاثة الآخرون في دائرة، مشهرين أي أدوات تمكنوا من انتزاعها في اللحظة الأخيرة. انقضت الطائرات، غير آبهة بالضربات الموجهة من الأدوات اليدوية، وأجهزت عليهم.
سقط الفضائي الرابع، وارتد عدة مرات عبر سطح الكويكب، ثم توقف عن الحركة. حدث انفجار جوي من السفينة بينما نجحت طائراتي في شق طريقها عبر هيكل السفينة. وصمت الليزر. فُقد أكثر من نصف قوة هجومي في المعركة التي استغرقت دقائق، ضد خصوم عزل تماماً ومفاجئين كلياً. ستة أعداء قتلى وسفينة عدوة معطلة، مقابل خسارة ست طائرات لا تُعوض وواحدة متضررة. ولكن على الرغم من التكلفة، أوقفت حملة التعدين، وامتلكت الآن سفينة فضائية لاستكشافها.
لم يكن سوء حظي هو عودة الفضائيين وعثورهم على كويكبي، بل كان سوء حظهم هم.
كنت على وشك الإفلات من المنزل لولا أن أدركتني أمي. لم أكن أملك سوى حظّ عثر.
قالت وهي تحشر حقيبتها تحت إبط ولافتات الاحتجاج الكبيرة تحت الإبط الآخر: "هيا، سنتاخر! أبوك ينتظرنا في السيارة بالفعل".
تمتمت بيني وبين نفسي: "هو ليس أبي"، لكنني لم أجرؤ على رفع صوتي لإشعال معركة الإرادات التي لا تنتهي.
لم يعد الأمر يهم لفترة طويلة على أي حال. لم تستغرق الرحلة إلى موقع الاحتجاج سوى ساعة، وحين وصلنا، كانت معظم الجماعة في انتظارنا، وكلّ يحمل لافتاته الخاصة. ابتعدت إلى أطراف الحشد.
كنت فخورة بالقميص الذي أرتديه، إذ حمل حرف "أ"
مصمماً بطريقة فنية، وهو الشعار الأحدث للدلالة على أنني ملحدة. لكن الأمر كان أكبر من إدراك المحتجين.
كانت لافتاتهم تقول عبارات مثل «الملك يكره الشاذين»
و«أنتِ ذاهبة إلى الجحيم».
إن عجزوا عن تهجئة كلمة «ذاهبة»
بشكل صحيح، فمن المستحيل أن يدركوا تمردي الخفي. كانت هناك احتجاجات مضادة على الجانب الآخر من الشارع، يفصل بين المعسكرين عشرات من رجال الشرطة. وكان الاحتجاج المضاد أكبر بكثير، وممتلئاً بأعلام قوس قزح وملصقات أكثر ذكاءً وشمولية. لفتت انتباهي فتاة ذات شعر ملون بألوان قوس قزح وقميص مطبق لقميصي تماماً.
كانت تحمل لافتة ساخرة تقول «الجحيم لا بد أن يكون رائعاً».
أشارت الفتاة إلى الشعار على صدرها وغمزت لي. ابتعدت لها على وسع وجهي، مشدودةً إلى كيف يمكن لشخص أن يجهر بمثل هذه الخصوصية. رددت لها الغمزة وخفق قلبي من فرط جرأتي.
قالت أمي من خلفي وهي تلهث: "ها أنت ذا. خذي، صنعت هذه لك".
كانت لافتة تقول «أحبس الخاطئ واكره الخطيئة».
كانت بلون قشر البيض ورسم عليها صليب أبيض، وبدت جميلة على الرغم من رسالتها البشعة. من الواضح أن أمي عملت عليها لساعات، وكانت تمتلك لمسة فنية لا باس بها حين تحاول.
قلت وأنا أبتعد: "لن أحمل هذه".
ترفرفت أمي خلفي على أطراف الحشد. شعرت بأنها بدأت تفقد صوابها. لقد عملت بجد شديد لتحل الكاهن محل أبي عندما تزوجا، وتجبرني أنا وشقيقي على القالب العائلي الذي تريده. لكن شقيقي انتقل للسعي وتجاهل مطالبها، ولم أكن أنا بالابنة التي أرادتها أن تكون. بدأت أظن أن الأمر سيتجاوز ذلك بأكثر من طريقة.
"اسمعي، عليك البدء في الانخراط أكثر بالكنيسة. لقد بلغت سن الزواج الآن، ولدى أبيك شاب لطيف عليك لقاؤه".
رددت بغضب: "أنا أكاد أبلغ الثامنة عشرة! لن أتزوج شخصاً من الكنيسة".
في الواقع، كنت أحمل منحة دراسية كاملة إلى معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، وتذكرة حافلة تغادر المدينة يوم السبت. لكنني لم أشارك أياً من هاتين الحقيقتين معها أو مع زوجها الجديد. كان شقيقي يأخذ إجازة ليوم واحد من العمل ليقلني إلى محطة الحافلات. كانت حقائبي حُزِمت وخُبِّئت في خزانتي.
"وللمرة الأخيرة، هذا الرجل ليس أبي!"
بدأت أمي تغضب بدورها.
"اسمعي، ستخرجين في موعد مع هذا الشاب يوم الأحد بعد الكنيسة. إن سار الأمر بشكل جيد، يمكننا تزويجك بحلول الخريف. يمكننا إقامة زفاف كبير وجميل! ستدينين بالجمال في ثوب زفافي!"
سخرت قائلة: "يا للروعة، وستجعلينني حاملاً وبلا حذاء قبل أن أتمكن من شراء كحول قانونياً. يالك من نموذج للمرأة المعاصرة".
صرخت: "لا عيب في أن تعرف المرأة مكانها في هذا العالم".
كنت أدوس على أحلامها في التخطيط لزفافي المثالي مع أعظم متعصب وجدته في الكنيسة.
"كلما عرفت مكانك مبكراً، كان ذلك أفضل".
"أوه، أنا أعرف مكاني جيداً. إنه أي مكان سوى هنا!"
انطلقت عاصفة بعيداً عن الاحتجاج، وبعيداً عن عائلتي. بدأت أراسل شقيقي ليأتي لاصطحابي وأمكث في شقته طوال الأسبوع. كان لزاماً علي مغادرة هذا المكان.
بقيت المركبة الغريبة صامتة ومنطفئة من دون أيّ علامة حياة. أعدت ترتيب طائراتي المسيّرة وأرسلت طائرات نقل محملة بطائرات خدمية إلى السطح. انتشلت طائراتي التالفة والمتحطمة بينما قطعت فتحة كبيرة في المركبة لتتمكن طائراتي من عبورها. بدا الهيكل الخارجي للمركبة الغريبة درع وِبل لحماية الهيكل الرئيسي من ضربات النيازك الدقيقة والحطام المداري، تماماً كما استعمل البشر في رحلاتهم الفضاءية لقرون.
تتألف الطبقة الخارجية الرقيقة من غلاف خفيف الوزن من الألومنيوم وتبعد عشرين سنتيمتر عن الهيكل الرئيسي. يمنع هذا التصميم معظم الاصطدامات من إحداث ضرر جسيم دون إضافة كتلة كبيرة إلى المركبة ككل. بلغ سمك الهيكل الداخلي سبعة سنتيمترات. بدا أن السنتيمترات الخمسة الأولى مركّب بولي إيثيلين، وغالباً هيدروجيني نظراً لحاجة المركبة إلى الحماية من الإشعاع الكوني. كان السنتيمتران التاليان من التنجستن.
شعرت بخيبة أمل غريبة، فهؤلاء الغرباء أكثر تقدّماً بعد كل شيء وكنت أطمع بنوع من المواد الخارقة. لكن التصميم الأساسي كان بدائياً وكأنني عثرت على الطراز الأساسي لا الطراز الفاخر المتقدّم. وجدت في الداخل ممرّاً طويلاً مع سلالم تمتد على الجانبين. امتدّ كرم طويل وثخين من حجرة المحرك في الأسفل إلى الغصن الذي يضم الليزر الذي هاجم طائراتي. قُطِع الكرم بواسطة باب تفجير مغلق.
أرسلت الطائرات المسيّرة أولاً. كانت هناك أربعة صفوف من الأغصان تمتد من الجذع. ضمّ كل صف غصنين، واحداً على كل جانب من المركبة، مع كبسولة في كل طرف. وجدت في حجرة الليزر الكرم ملتفاً حول عصا تحكم كيد بثلاثة أصابع، كأن نباتاً عملاقاً تولى أدوات التحكم لحماية المركبة. كانت الحجرة خالية إلى حد كبير مع رفوف تخزين من الألومنيوم تصطف على الجدران وتملأ المكان. احتوت القلة من الرفوف على معادن غير مُنقّاة وتربة سطحية من السطح.
امتدّت على طول الجزء الداخلي من الغصن الواقع بين الكبسولة والجذع حجرات دقيقة. وُجدت بداخلها لوحات إلكترونية وأنابيب تضم مواد متطايرة كالماء والأكسجين وكل الأمور المألوفة التي أتوقع وجودها في مركبة فضائية أو محطة فضاء من صنع بشري. تألف قسم السقف بالكامل تقريباً من خزان ماء كبير يوفر قدراً إضافياً من الحماية الإشعاعية لأي شخص داخل الغصن. كان صف الأغصان الثاني مطابَقاً للأول فانتقلت إلى الثالث.
عثرت هناك على أماكن السكن. تماثلت الكبسولات على الجانبين في التصميم. انقسمت إلى عدة غرف ضيقة بحيث وُجِّه الأرض ليكون الجذع فوقها. قادت سلالم إلى الغرف ليتمكنوا من الخروج والتسلق صعوداً على الغصن بينما كانت الأغصان تدور. كانت الغرفة الأصغر حجماً غرفة نوم. بدت أشبه بخزانة ملابس تضم ثلاثة أسرّة ضيقة في الداخل. صُنعت الأسرّة من قماش طبيعي تعذّر عليّ تمييزه مع كيس نوم مُثبّت بكل سرير.
امتلكت مثبتاً شبيهًا بسحّاب من البلاستيك، وبصرف النظر عن الحجم والشكل الغريبين، لما بدت غريبة في متجر للمستلزمات الرياضية. كانت الغرفة التالية مطبخاً وامتلاءت الخزائن بحزم ملونة تحمل نصاً غريباً مطبوعاً على الملصقات لتحديد المحتويات. حمّلت مكتبة لغات شركة أوريون أرم للتجارة من أرشيفي والتي فُكَّت طلاسمها عندما حاول البشر التفاوض مع الغرباء. لسوء الحظ، لم يتسنَّ للغويين الوقت للتعمق في دقائق الأطعمة الغريبة؛
استطعت تمييز الحروف لكن غابت عني أي قاعدة للمقارنة مع الأطعمة البشرية. حملت الملصقات تواريخ صلاحية أيضاً لكن غابت عني أي مراجع زمنية كذلك. كانت الغرفة الثالثة الأكبر حجماً وهي غرفة معيشة أو عمل من نوع ما. أمكن طي الكراسي للخارج من الجدران وكذلك الطاولات لمنح الغرفة تكوينات مختلفة. بدت لوحة عرض عريضة على أحد الجدران كأنها تلفاز غريب أو جهاز ترفيه. لُصقت صور على الجدران تظهر الغرباء في أماكن مختلفة.
بدت بعض الصور أمام كتلة خشبية بصلية الشكل ملفوفة بالكرم مع عدة قرون بازلاء كبيرة تدلى من الكرم. ظهرت ثلاثة صناديق تحتوي على مجموعة متنوعة من الحُليّ والملابس وأشياء مجهولة كالمتعلقات الشخصية لكل غريب. انتقلت إلى الصف الرابع الذي لم يحتوِ إلا على المؤن. ملأت المكان خزانات مياه ورفوف أطعمة وكومات ملابس مطوية بعناية وبدلات فضاء إضافية. امتلك وسط كل كبسولة مساحة مفتوحة صغيرة مع أرضية مبطنة.
تناسبت أوزان ثقيلة مع رفوف حول المساحة مما منحها مظهر منطقة تمارين أو صالة رياضية صغيرة. غابت أي منطقة تحكم مركزية أو قمرة قيادة أو جسر للسيطرة على السفينة. لذا تراجعت إلى الأسفل نحو باب التفجير المغلق المؤدي إلى حجرة المحرك البصلية. حاولت طائراتي الخدمية التلاعب بباب التفجير لكنها عجزت عن فتحه. سحبتها من المركبة وأرسلت أصغر طائرة تعدين أمتلكها. شرعت في العمل بقاطع بلازما فقطعت باب الألومنيوم الثخين بسهولة.
ما إن قطعت فتحة بالكامل حتى تسرب الغاز من الفتحة بعنف. بمجرد زوال الهواء، استغرق الأمر عشر دقائق فقط لتتمكن الطائرة من قطع آلية الإقفال وسحب الباب ليفتح. انطلقت أكرام تتخبط من الباب فتحطمت على الطائرة وقبضت بيأس على الباب. تعرضت الطائرة لانبعاجات لكنها نجت سالمة، فأمرتها بالبدء في قطع الأكرام بأسرع ما يمكن لتشبثها بباب التفجير. لم تواجه القاطعات التي قطعت باب الألومنيوم بكل سهولة أي مشكلة في حرق الأكرام.
بعد دقائق قليلة، توقفت الأكرام عن التخبط وانهارت برخاوة عائدة إلى غرفة المحرك. أرسلت طائرة خدمية مفردة للأسفل خلف الأكرام. وجدت هناك غرفة واحدة كبيرة. استقرت في المنتصف كرة كبيرة على قاعدة فولاذية ثخينة. قادت موصلات وأنابيب طاقة داخل الكرة وخارجها، مع التواء الأسلاك صعوداً نحو جذع السفينة، بينما اتجهت الأنابيب نحو خزانات مغلقة وُضعت بانتظام حول الغرفة. قادت الأكرام المتخبطة من باب التفجير إلى كتلة خشبية ميتة وكبيرة.
قادت أكرام أخرى إلى أدوات تحكم متنوعة في زاوية الغرفة وما بدا لوحة تحكم كبيرة مع مقعد ثابت أمامها. عثرت على أدوات التحكم المركزية للسفينة ومفاعل الاندماج الخاص بها. مع قليل من الحظ، سأتمكن من انتزاع بعض المعلومات المفعمة بالفائدة منه، إذ لم يبدو أن بقية المركبة تخفي أي أسرار عني.