ساحر يعاني من الهلوسة الفصل 86

اقرأ ساحر يعاني من الهلوسة الفصل 86 باللغة العربية على مانجا تايم.

سألت لوسي عندما فتح كالوم عينيه: "أيّ توفيق؟"

قال كالوم: "ليس بعد".

اقترحت لوسي: "ربّما لا يكون القمر أفضل مكان لإيجاد بقعة صالحة للسكن".

وافقه كالوم: "أظنّك على حقّ. لا بدّ من أنّه ليس مصادفةً أن توجد عوالم بوّابات كثيرة تحوي أجواءً قابلة للتنفس تماماً على سطح الأرض. في المخطّط الأكبر، يشغل السطح نسبة صفر بالمئة تقريباً".

حتّى تلك اللحظة، لم يكن يفتح البوّابات إلا من الجانب البعيد للقمر، بفضل شبكة البوّابات التي وضعها على سطحه، أو في أراضي التنانين. لم تكن هناك أيّ طريقة يخاطر فيها بالأرض عبر فتح ممرّ إلى مكان مهلك فظيع. وكان ذلك الاختيار الصّحيح حين بدأ للمرة الأولى. والآن وقد بات يدرك بعض خبايا خلق بوّابات الأبعاد، ربّما حان وقت التجريب في مكان أقرب إلى الوطن.

تمتم: "إذن يمكننا التوقف عن التخفّي في منزل تشيستر"، لكن لوسي اكتفت بالضحك.

قالت: "الأمر ليس سيّئاً للغاية هنا. أُفضّل المنزل، لكن ليس من دون ماء، أو عندما يكون..."

زمّت شفتيها.

"حسناً، جاثماً على بقعة تراب جرداء في وسط لا شيء".

تنهّد كالوم: "نعم".

بعد أن اكتشف جهاز تنظيم السحر مكان مخبئه المحصّن في المكسيك، احتاج إلى نقل المنزل بأكمله ومخبأ الكهف، ممّا يعني عدم وجود ماء أو صرف صحّي. لا تزال الكهرباء تعمل، إذ استطاع تغذية إعداد البوّابات اللانهائية من اتصالات عالم البوّابات. على الأقلّ، أصلح قوم تشيستر الألفاظ التي خلّفتها فرقة اغتيال جهاز تنظيم السحر عندما اقتحمت الباب الخلفي والجدار.

فرك كالوم صدغيه: "حسناً، أظنّ أن لديّ طاقة كافية لاثنين آخرين اليوم".

لقد أجهد نفسه تماماً بحثاً عن بوّابة مفيدة، ورغم أنّ ثلاثة أيام فقط مرّت منذ أغلق بوّابة أراضي الليل، فقد شعُر بالإحباط لغياب تقدّمه. المثل القديم يقول إنّ المطر إذا هطل انهمر. تمكّن كالوم من قضاء نحو عامين من الهدوء النسبيّ، وهو وقت كافٍ لتدريب سحره الخاصّ وتعلّم بعض الحيل، لكن مع إغلاق بوّابة أراضي الليل حدث كلّ شيء دفعة واحدة. كان عليه إيجاد عوالم بوّابات جديدة ومفيدة، ونقل منزله وعائلته، والقلق بشأن القوى التي كانت تتحرّك في الجنية.

كان كلّ ذلك أكثر من أن يُحتمل تقريباً، لكن مجرد التعامل معه لم يكن كافياً. لو اقتصر دوره على ردّ الفعل على تحركاتهم، لما بلغ شيئاً قط. كان هناك آلاف السحرة، وبيوت بأكملها، وجهاز تنظيم السحر، ولا يزالون جميعاً مصطفين ضدّه. والأدهى أنّهم لم يكونوا يتردّدون في استهداف العاديين، ولو لمجرد معاقبته. كان هناك الكثير ممّا يجب فعله، لنفسه وحلفائه، لكنّ كلّ شيء يبدأ بعوالم البوّابات.

عالم بوّابات لم يُمسّ ولكنه قابل للسكن سيكون معقلاً منيعاً له ولحلفائه، محتملًا. وإذا استطاع إيجاد عوالم متعددة، فذلك أفضل بكثير.

قالت لوسي وهي تنحني لتطبع قبلة على جبهته: "من أجل الحظّ".

ضمّها إليه بحرفة للحظة ثم تركها وركّز على إدراكه المكاني. نمَت شبكة القمر حتى بلغت خمسة عشر اتصالاً. اتصل ثلاثة منها بطائرات مسيّرة فضائية — إحداها في أراضي التنانين حقّاً — واتصل واحد بكلّ من مسيّرة في أراضي الليل وأخرى في البراري العميقة. أمّا البقيّة فكانت في أجهزة تحكم عن بُعد تقليدية متناثرة في أنحاء العالم. لو حاول بثّ حواسه عبر جميعها لغمره ذلك فوراً، لذلك قصر إدراكه السلبيّ في الغالب على مخبأ الكهف والمسيّرة التي يعمل عليها.

عرضته تلك الطريقة لخطر مصادفة أحدهم لإحدى المسيّرات أثناء غفلة منه، لكنّها كانت جميعاً مخبأة في أماكن يصعب الوصول إليها عادة. داخل أنبوب، أو في فراغ بين الجدران، أو داخل صندوق توصيل منسيّ على ملكية مهجورة، في أيّ مكان يبدو أكثر أماناً. اختار المسيّرة التي يحتفظ بها في أستراليا، بالقرب من عالم البوّابات الخامس، وپثّ الإطار الصغير الذي يستعمله لاختبارات بوّابات الأبعاد إلى هناك.

وبما أنه لم يكن يعلم البتّة ما الذي سيجده على الجانب الآخر للبوّابة، فقد كان يفتحها حصراً داخل صندوق ذي جدران فولاذية بسمك ست بوصات. وحتى ذلك لم يكن كافياً على الأرجح، لكنّه كان أفضل ما يملكه. تطلب صنع بوّابة أبعاد جديدة دفع الفيض عبر بؤرات أربع مختلفة تنشئ كلّ منها طارة مجدولة، متكفلة بمعظم الجهد الثقيل بينما يضبط الزوايا والأحجام بدقة متناهية. كانت لوسي قد طبعت له هيكلاً سلكياً لأفضل بنية بوّابة عاملة، ممّا يتصل باستمرار بعوالم بوّابات ذات مانا، لتسهيل مقارنة البنى والتأكد من صحة عمله.

كان المثال الماديّ أسهل بكثير من محاولة تحليل النماذج على الشاشة. حين استعمل تلك البنية على القمر، قادته إلى قطاع من الفضاء الغريب يضمّ ما بدا أقراصاً حجرية تطفو في الفراغ. لكنّه رأى أن بعض عوالم البوّابات كانت أصغر بكثير من كوكب — فكلّ من البراري العميقة وأراضي الليل بدتا محدودتين إلى حدّ ما — ولم يكن هناك على الأرجح أيّ شيء خارج ذلك الفضاء العابر. أزعجه مفهوم توقّف الواقع ببساطة، لكنّه بدا هكذا يعمل.

كانت المسافة بين الأرض والقمر أكبر من كوكب، لذا راح يفكّر مبدئياً في أن فتح البنوع ذاته من البوّابات من سطح الأرض قد يقوده إلى مكان مختلف تماماً. أعاد التحقّق من النموذج ثم دفع فيضه داخل بنية البوّابة، شارّاً أسنانه وقابضاً بيديه على مساند الكرسيّ وهو يركّز. قاومت البوّابة الفضاء، ممزقة ثقباً يؤدّي إلى بُعد مختلف، والتقط إدراكه مانا وغلافاً جوياً على الجانب الآخر.

لم تكن الوجهة مشوهة كثيراً عن الفضاء العادي، وهذا أحد الأسباب التي جعلته يركّز على ذلك البديل. كان الغلاف الجوي دليلاً على صحّة حدسه، وبأن بنية البوّابة ذاتها تتيح له الوصول إلى أماكن مختلفة تبعاً لموضع فتحها. بعث مسيّرة عبرها، وأمعن النظر في البثّ. ما رآه كان امتداداً هائلاً من المياه والصخور، يتلألأ في ضوء ساطع صادر عمّا يشبه تماماً شمساً تعلوه. برزت نتوءات حجرية رمادية ممّا بدا محيطاً ضحلاً، مع رمال تخترق السطح هنا وهناك.

تعلّقت خيوط خضراء صغيرة بجوانب تلك النتوءات، وهي البقعة الملونة الوحيدة عليها. لم يكن الأمر واعداً حقّاً، لكنه لم يكن سيئاً أيضاً. جاء صوت المياه الجارية عبر الميكروفون، وبالمعاينة الأدقّ بدا أن المدّ كان في طريقه للقدوم. أو الانحسار. كان يتدفق بسرعة هائلة، جارِفاً الرمال وراسباً إياها بمعدل ملحوظ. انقبض وجه كالوم، مفكّراً في مقدار القوة التي تحملها تلك المياه، لكنّه لم يكن شيئاً مرعباً كتلك الوحش ذي العينين الشمسيّتين الذي رآه في إحدى استكشافاته الأولى للبوّابات.

قالت لوسي وهي تطلّ من فوق كتفه: "هيه، لقد نجحت! لا تبدو سيّئة للغاية".

وافقها كالوم: "أبداً. وليست مكاناً للعيش تحديداً، لكنها مكان صالح على الأقل لمسح مواد السحر. سأترك مسيّرة هناك".

وعلى أقل تقدير، ستكون رائعة كمصدر للـمانا للحفاظ على استقرار شبكته ومنحه استدامة إضافية عبر بوّابة جوفه.

"وسأنشر أيضاً اختبار قابلية السكن".

لم تكن تمتلك أيّ أجهزة تحليل كيميائي فاخرة، لكن مجرد بدوها كَسماء طبيعية وخضرة لا يعني أنها آمنة حقّاً لتنفس الهواء أو شرب الماء. وأبسط إجراء عملي هو نقل قفص يضمّ زوجاً من الفئران إلى عالم البوّابة والمراقبة. إن لم يسقطا موتى أو تنمو لهما رؤوس إضافية أو ما شابه، فالمرجح أنه آمن نسبياً. الذهاب إلى هناك بنفسه سيتطلب أكثر من ذلك، لكنّه إن أراد البدء بتوفير عوالم بوّابات بديلة لحلفائه، فكل ما يحتاجه هو شيء ذو قيمة.

يمكن لبيت كامل من السحرة استخلاص قيمة لا تُقَدّر بثمن من عالم بوّابات عديم الفائدة بالنسبة إليه. ترك بوّابة الأبعاد تتلاشى، مسترخياً مع زوال استنزاف الفيض وبقاء المسيّرة على اتصال عبر مرساة بوّابتها الخاصة. لم يواجه حتى الآن أيّ مشكلات في الاتصال بعوالم البوّابات عند انقطع الاتصال المبدئيّ للأبعاد، لكنّه لم يأمن أن يظلّ الأمر كذلك دائماً.

قالت لوسي وهي تدرس بثّ المسيّرة: "أظنّ أننا لن نقضي يوماً على الشاطئ. تبدو كئيبة بعض الشيء، الآن بعد أن أمعنت النظر فيها. وليست دافئة حتى".

أخبره ميزان الحرارة والضغط المتقلب قليلاً المثبت على جانب المسيّرة أنها في منتصف الخمسينيات، وهو ما لم يكن أدفأ بكثير من مجمع تشيستر في نبراسكا.

قال كالوم: "أفضل من الفراغ. ولا أرى أيّ وحوش. غير أن جارف المدّ عنيف، فلذا ربّما لا عجب في ألا يتواجد شيء هناك".

ليس كأن عوالم البوّابات تبدو بحاجة إلى إيكولوجيا حقيقية. كان كلّ ذلك مدفوعاً بالمانا، أو نتيجة لغرابة الفيزياء العابرة التي تحكمها.

قالت لوسي وهي توخزه بمرفقها: "حسناً، امضِ قدماً. ضع مسيّرة أخرى هناك لنتمكن من الذهاب للاستكشاف. إنه عالم مختلف تماماً! عالم غير مرعب!".

ضحك كالوم وبحث عن مسيّرة احتياطية يمكنه استخدامها لمسح عالم البوّابة، واستلّ تلك الموجودة في الساحل الغربیّ. لم يكن بحاجة إليها حقّاً، وكان بإمكانه إعادتها لاحقاً. تاركاً المسيّرة الأولى بجانب فئران الاختبار، زحف لتجلس لوسي بجانبه وتقود الأخرى. من علوٍّ شاهق في الجو، بدا سهل المدّ بلا نهاية، بلا محيط حقيقيّ أو حتى قمر في الأفق يحرّك الماء. ربّما كانت نهراً عملاقاً أيضاً، لكنّ شيئاً فيها ذكّر كالوم بمصبّات المدّ والمستنقعات المالحة.

ولعلّ السبب شحّ الحياة النباتية فقط. قالت لوسي موجّهة المسيّرة للأمام، بينما كانت الآلة خفيفة الوزن تتأرجح مع هبات الريح العرضية. لم تكن هناك معالم تذكر، سوى الكثير من النتوءات الصخرية البارزة عشرين إلى خمسين قدماً من الرمال والماء. بدت كلها متشابهة بطريقة ما، لكنه تيقّن بعد دقائق قليلة من تطابقها التامّ.

أشار كالوم إلى الشاشة: "طيرِي للأسفل نحو تلك الجزيرة هناك".

وبالفعل، مع اقتراب المسيّرة، تمكّنوا من تبين قفص الفئران والمسيّرة الأخرى المستقرّة على الصخر الأجرد. بدا الفضاء كأنه يلتفّ حول نفسه، ولو تكرر الأمر في كلّ اتجاه لربّما لم تساوِ المساحة برمتها أكثر من عشرين أو ثلاثين ميلاً مربعاً.

ضحكت لوسي: "يا له من أمر عجيب. إنها صغيرة! عالم جيب صغير للغاية".

هزّ كالوم رأسه نافياً أمام الشاشة: "نعم، إنها غريبة بعض الشيء".

كان ذلك يوحي بوجود مئات أو آلاف من أبعاد الجيب تلك، لكن معظمها سيكون عديم الفائدة على الأرجح. رغم أنه لا يمانع عالم جيب بمساحة عشرة أميال مربعة إن كان ألطف من سهل مدّ مقفر.

"أتوفر مواد سحرية؟ أظنّ أنها لن تكون مواد محظورة إذ لا يوجد شيء حقيقيّ هنا".

ما زالوا يحتفظون بمسيّرة في أراضي الليل لجمع المورديْت لكونها أسهل مادة سحرية يمكن الحصول عليها، لا سيّما بقدرات كالوم، لكنّ مصدراً أكثر موثوقيّة وسريّة سيكون منجم ذهب.

"لا أعلم بعد، عليّ أن..."

صمت كالوم حين ظهرت فقاعة ساحر أخرى في نطاق إدراكه، يرافقها جنيّ. ليس داخل المقصورة الصغيرة التي يقيمون فيها، بل في منطقة الانتقال الآني التي أعدّها تشيستر للتحالف الأمريكيّ. كان ساحراً عظيماً، ممّا أثبت لكالوم لِمَ لا يُعدّ وجود انتقال آني غير مؤمّن داخل أراضي آمنة أمراً جيّداً. لعلّ ذلك الساحر الأعظم كان هارجريف أو تايسن، لكن شخصاً آخر قد يلحق كلّ أنواع الخراب.

توترت لوسي ومدّت يدها تقبض على ذراعه: "ما الأمر؟".

أجاب كالوم وهو يلفّ إطار انتقال آني حول نفسه ولوسي وأليكس، بعد أن استغرق ابنه في اللعب بسيارات لُعب في أحد الزوايا: "زيارة ساحر عظيم مع رفيق جنيّ. أشكّ أن تكون مجرد زيارة ودّية".

تمتمت لوسي وهي تناور بالمسيّرة لتهبط مجدداً في لسان صخري محميّ: "ليس وكأنّ الأمور هادئة".

"نعم".

نهض كالوم، مادّاً يده ليغلق الحاسوب المحمول. لم يكن ما يفعله سراً، لكنه لم يكن مستعداً بعد للكشف عن ورقة امتلاكه لبعد جيب جاهز للاستخدام. وحتى إن لم يكن صالحاً للسكن، فسيمثل مصدراً جيداً لبِوَابات التغذية.

"من الأفضل أن نذهب لنرى ما هذه الأزمة".

توجهت لوسي نحو أليكس وقالت: "انظر إلى الجانب المشرق. قد لا تكون أزمة".

أقرّ كالوم: "قد لا تكون"، لكنه لم يكن يصدق ذلك.

"تعال يا حبيبي، علينا الذهاب للاطمئنان على العمّ تشيستر. سنعود بعد قليل".

التقط ألكس سيارته ومدّ يديه، فرفعت لوسي تشيستر.

قال كالوم لابنه: "آسف لأني كنت مشغولاً للغاية يا أليكس. سنلعب بعض الألعاب الليلة بعد العشاء".

طلب أليكس فـوراً: "مطاردة الجاذبية!"، فبعثر كالوم شعره.

"حسناً يا صغيقي، يبدو ذلك رائعاً!".

عادة لم يكن الإمساك بطفل في الثانية أمراً صعباً عند لعب المطاردة. وحين يكون ذلك الطفل قادراً على الارتداد حرفياً عن الجدران والسقف — ويفعل ذلك — تصبح المسألة رياضية أكثر بكثير. ارتديا معطفيهما لقطع المسافة القصيرة سيراً على الأقدام بين المباني. ومع أن كالوم كان بإمكانه نقلهما آنياً أو عبر البوّابات بكلّ سهولة، إلا أن ذلك يُعدّ تصرفاً فظاً للغاية في منزل شخص آخر.

فضلاً عن أنه لم يكن يرغب في الظهور فجأة على ساحر عظيم بلا موعد تحسّباً لتوتر ذلك الساحر. لم يكن كالوم قد فكّ شفرة أيّ نوع من الدروع المفيدة بعد. عندما بلغا القصر المصغّر الرئيسي في المجمع، كان تشيستر وليسا في الغرفة الأمامية مع الساحر الأعظم. راود كالوم شعور بالتردد، مفكّراً في أنه ربّما كان متغطرسًا لاعتقاده بضرورة وجوده، لكنّ المتحوّل المتواجد في الغرفة الأمامية أشار لهما بالتقدم.

أحياناً كان التعامل مع أشخاص حواسهم حادة لدرجة تجعلهم أفضل فعلياً من إدراكه المكاني أمراً غريباً.

قالت لوسي: "شكراً لك يا غريغوري!"، ولوّح أليكس للحارس.

بطريقة ما، بدا حتى ابنه يعرف متحوّلين أكثر مما عرف كالوم. حين دخلا غرفة الجلوس التي كانت مكان الاجتماع الافتراضيّ، شعر كالوم بالارتياح نوعاً ما لرؤية الساحر الأعظم المعنيّ وهو تايسن. لم يكن متأكداً من حبّه الحقيقيّ للرجل، لكنّ تايسن كان صريحاً وشخصاً يمكن لكالوم احترامه. كان التعامل مع شخص مهتم بالعمل بالكامل أسهل بكثير من المخلوقات السياسية. أمّا الجنيّ المرافق له فكان أمراً آخر، وبعد لحظات من التحديق، تعرّف عليه كالوم أخيرًا.

قالت لوسي: "أه، أنتِ".

رمقها بنظرة خاطفة ثم أعاد بصره إلى الجنية.

سأل: "أتعرفان بعضكما؟".

لم يكن كالوم يعرفها سوى بصفتها الوكيلة المرعبة الشبيهة بامرأة السمك التي حاولت استجوابه قبل ما بدا أعماراً. وهو ما لم يحببها إليه تماماً، لكنّ تايسن بدأ أيضاً في الجانب الآخر. حتى هارجريف فعل. وكانت تلك إحدى صعوبات التعامل مع ما كان يشبه أساساً مزيجاً من ثورة وحرب أهلية.

قالت لوسي وعيناها مضيقتان: "إنها التي استجوبتني".

فتح تايسن فمه ليقول شيئاً، لكنّ الجنية كانت أسرع. رفعت جهازاً لوحياً رقمياً كُتب عليه نصّ.

"أريد الاعتذار"، كُتب فيه.

"في ذلك الوقت، كنت أعمل لدى جهاز تنظيم السحر وكنت أظنّكم مجرد مجرمين. لم أكتشف حجم الفساد داخل جهاز تنظيم السحر إلا لاحقاً. هذا ليس عذراً، ولكنه التفسير الوحيد الذي أستطيع تقديمه".

"...هـا".

لم يكن كالوم واثقاً ممّا ينبغي قوله حيال ذلك. لم يعتذر كلّ من تايسن أو هارجريف قط عن معارضتهما السابقة له، إذ بدا أن كلاً منهما يعتبر الأمر نتيجة حتمية للسياسة رفيعة المستوى.

"الأمر يعود إليك".

قالت لوسي وهي تمسك بيد أليكس: "همم. لست معجبة بها تماماً".

أطالت النظر في الجنية التي بدا عليها التأثر الواضح. مسحت الجنية اللوحة اللوحية وخطّت شيئاً آخر، رافعة إياه مجدداً.

كُتب فيه: "أرجوكِ. شريكي في خطر".

عبست لوسي، مدقّقة النظر في الجنية مجدداً. كان كالوم سعيداً بأنه أثّر عليها، إذ يمكن لأي شخص الدخول بقصة محزنة. وممّا لا شكّ فيه أن حضور تايسن جعل الأمر أكثر تصديقاً، لكنهما لم يكونا ملزمين بالتدخل في شؤون خوارق للطبيعة بحتة. بعد لحظات، أخذت لوسي نفساً عميقاً وأطلقته، ثم أومأت بحزم.

"نحن مستعدان للاستماع".

دخل تايسن في صلب الموضوع مباشرة: "السبب في وجودنا هنا هو أننا بحاجة إلى خبرتكم. أو بالأحرى، نحن بحاجة إلى قدرات الشبح".

تبادل كالوم نظرات مع لوسي. هزّت كتفيها، وتركت أليكس يركض نحو تشيستر. بدا الأمر وكأنه النقاش الذي لا يحتاج طفل صغير لأن يكون جزءاً منه، وكان تشيستر بارعاً بشكل فاحش مع الأطفال، سواء أكانوا سحرة أم متحولين. حاول كالوم تدوين الملاحظات، لكن براعة تشيستر كانت ببساطة معرفة نابعة من كونه بعمر لا يُعَدّ ومساهمته في تربية أجيال لا تُحصى. جلسا على الأريكة، بينما استقرّ تايسن والمرأة الجنية أمامهما.

بقيت ليسا وتشيستر في الجانب، مراقبين للأمور بوضوح لكنهما كانا يعتنيان بأليكس في الغالب. أمسك كالوم بيد لوسي، ناظراً إلى تايسن والجنية.

"إذن، ماذا تريدون من الشبح أن يفعل؟".

قدّم تايسن الجنية: "هذه فيليسيا بليك".

لا تميل عادة للحديث في المجالس المختلطة بسبب تراثها الخاصّ. شدّت لوسي قبضتها على يده عند ذلك، لكنها لم تضف شيئاً.

تابع: "قبل أيام قليلة من إغلاقك لبوابة أراضي الليل، كانت تبحث في ذلك الفيديو الذي يهدّد طفلك والذي تسرّب، برفقة شريكها رايموند دانفورد".

بدا وكأنّ أعماراً مضت منذ أن رأى كالوم تسجيل الجنيّ الذي يهدّد أليكس، لكن مجرد ذكره أعاده طازجاً إلى ذهنه مرة أخرى.

"اختفى راي في الجنية"، تابع تايسن.

"ولدينا سبب للاستنتاج أنه خُطِف من قبل إحدى البلاطات".

عبست كالوم. لم يكن ذلك الطلب الذي كان يتوقعه تماماً. لقد ظنّ أنه سيكون هناك المزيد من التداعيات لهجمات مصاصي الدماء، والتي كان يعلم أنها لا تزال مشكلة تلوح في الأفق بينما تحقق الحكومات العادية في الأمور. ليس وكأنه كان سيتخذ أيّ تحركات ضدّ المساكين البائسين الذين يحاولون اكتشاف ما يجري، لكنّ المساعدة في نقل الكائنات الخارقة للطبيعة جماعياً كانت قطعاَ شيئاً يمكنه فعله.

قال ببطء: "أنا متعاطف. لكنّ لقاءاتي مع الجنيّ أثبتت لي صعوبة التعامل معهم للغاية. بلا قصد للإساءة. إنه نوع من السحر الذي لا أثق حقاً في التعامل معه، ولم ألمس الجنية نفسها أبداً".

شعر ببعض المسؤولية حقاً إن كان راي وفيليسيا يحققان نيابة عنه، لكنه لن يغمس رأسه في الخلاط السحري لأجلهم.

كتبت فيليسيا على جهازها اللوحي كحقيقة واقعة لا كـسؤال: "لديك طريقة للبقاء مخفياً عن حواس الجنيّ".

قال كالوم: "بالتأكيد، لكني لا أعلم مدى نجاعة ذلك داخل الجنية نفسها. وحتى في هذه الحالة، فهي ليست خارقة. سأحتاج إلى ما هو أفضل كدرع ضدّ سحر الجنية من عنصر واحد لا أستطيع الوثوق به حقاً".

في الواقع، كان يفضل عدم الاشتباك مع الجنية إطلاقاً، لكن ذلك القطار قد فات. إن أراد التقدم بخطوة على الأحداث، وعلى كل الأشخاص المرتبطين بالبيوت التي لا تزال تدعم جهاز تنظيم السحر، فهو بحاجة إلى القدرة على العمل داخل الجنية أيضاً.

"سأحتاج إلى ما يمثّل دليلاً قاطعاً ضدّ سحر الجنية".

* * *

تأملت فيليسيا بليك الرجل الجالس على الجانب الآخر من الطاولة. ورغم أنه قُدّم إليها باسم كالوم ويلز، إلا أنه كان من الصعب التفكير فيه كأيّ شخص آخر غير الشبح. وحتى الآن، كان بإمكانها استشعار الطاقة المتجمعة حوله وحول زوجته معاً، ممّا جعلهما يبدوان وكأنهما غير موجودين بالكاد. كان جزء منها مندهشاً من لقائهما شخصياً على الإطلاق، لكنها افترست أنهما أتيا إليه. إلى ألفا تشيستر في الواقع، والذي كان يعلم جيداً قوة استضافة شخص مثل الشبح، لكنهما كانا الطرف الموجود على أرض أجنبية.

وبالنظر إلى طريقته في العمل، بدا مرجحاً أن استخدام تشيستر كوسيط كان تسوية مرغمة. لم يكن ما طلبه الشبح غير معقول. ما زالت لا تعلم كيف يدير كل عمليات تسللها، لكنّ سحر البشر وسحر الجنيّ كانا مختلفين بما يكفي لجعل جنيّ قويّ بما يكفي قادراً على عرقلته. وخصوصاً جنيّاً من بلاطات السبعة الصغرى، الذين لا يُفرق بين أمرائهم وممتلكاتهم. وحتى لو كان الشبح غير ملحوظ كـبرغوث، فإن برغوثاً من السحر البشري سيظلّ شيئاً يلاحظونه.

ويتعاملون معه.

كتبت ببطء وتردد: "ربّما يكون هناك ما أستطيع فعله".

أدركت فيليسيا أن الشبح كان الوحيد القادر على إخراج راي. لم يكن ذلك مجرد خبرتها كمحققة بل غرائزها كـجنية تصرخ في جوفها حيال الثقل الهائل لقصة الشبح. كان هناك لصوص وقتلة من الجنية، بالطبع، لكن كانت لديهم مصالحهم الخاصة وافتقروا إلى التاريخ القويّ للعدالة والتخفي الذي امتلكه الشبح. ولن يطالب بشريّ بشيء خبيث كمفهوم الجنيّ للدفع. ليس وكأنهما ناقشا الأجر بعد، لكنه كان واضحاً في رغبته بشيء يحميه بصفة دائمة من الجنية.

لم يكن هناك شكّ في ضرورة عثورها على راي وإنقاذه. كان القلق ينخر في جوفها، وبدا جليّاً في صوتها. وبطريقة ما لم يكن ذلك أمراً يشبه الجنيات للاعتراف به، لكنّ ذلك كان أحد الأسباب التي دفعتها للمغادرة. كان مسارها أقرب إلى البشر، وكان راي رفيقها الدائم طوال تلك الرحلة. لا تزال علاقتهما غامضة بعض الشيء، وبشكل مقصود، لكنها وصلت الآن إلى نقطة حرجة. ليس فقط لهما، بل لقصتها الخاصة وشعورها بالهوية.

كان عليها تقرير ما ترغب في التضحية به من أجل راي.

سأل ويلز، ووجهه قناع بارد من الحياة والموت: "ما الذي يدور في ذهنك؟".

بدلاً من الإجابة المباشرة، كتبت: "أرجو ألا يغادر هذا الكلام الغرفة".

وافق بسهولة: "كلنا نمتلك أسراراً"، ثم رمق بنظرة مساعدة ألفا تشيستر التي كانت تلعب مع نسله.

ابتسمت لهما والتقطت الطفل، مهتزة به بخفة ومشتتة إياه عن المحادثة.

قالت: "سنذهب لجلب وجبة خفيفة"، وأغلقت الباب خلفها وهي تغادر.

كتبت: "أظنّ أنني لا أستطيع إلقاء أيّ تعويذة عليك مباشرة".

يستطيع معظم السحرة التعامل مع سحر الجنيّ بشكل جيد نسبياً، إذ يتركز سحرهم داخل قشورهم، لكن ويلز كان قصة أخرى. على غرار الساحر الأعظم هويتزيلين، كانت قوته تتأجج داخل جسده، رافضة تماماً لأيّ شيء غريب.

"ومع ذلك، يمكنني صنع رمز يغطّيك كما تشاء".

سأل ويلز بصوت محايد بجدارة: "أيمكنك صنع شيء يصمد أمام ملوك الجنية؟".

لم تلمه على تشككه.

قالت ووضعت جهازها اللوحي جانباً: "لهذا السبب طلبت السرية".

كانت تعلم أن تلك اللحظة حتمية. لا يمكن لفترتها كمدنية على الأرض أن تدوم للأبد، ومن اللحظة التي غادروا فيها جهاز تنظيم السحر بدأ الوقت في العدّ التنازليّ. بطبيعتها، ستنجذب نحو عملاء التغيير، لكنها لم تظن أنها ستُجبر على الأمور بهذه الطريقة. أخذت فيليسيا نفساً عميقاً ثم أطلقته. وحتى إن احتفظ الأشخاص في الغرفة بالسرّ، لم تكن هناك طريقة للتراجع عمّا كانت تفعله. فما إن يُرتدى الوشاح، لا يمكن خلعه بحرية.

"أنا فيليسيا نيفلونغر بلاكبلود، ابنة الملك أوبيرون والملكة ماب".

علقت كلماتها في الهواء، مبلورة سحر الجنية من حولها. رفعت يدها واقتلعت شعرة من رأسها، ممسكة بها أمامها.

"بسلطتي أمنح الشبح وشاح المختار لأوبيرون وعميل ماب، بحيث لا يجد سحر جنيّ سواه ما لم يشأ، ولا يرفع أيّ طفل من الجنية يده ضده بلا خطر".

ضفِرت الشعرة بنفسها، نامية ومنسوجة في عباءة سوداء طويلة بينما غطى ثقل الجنية كتفي فيليسيا. لم تكن تمتلك القوة لمثل ذلك الأمر بمفردها، ولا أيّ شيء يقرب منه. لكن كأَميرة للجنية، استطاعت أن تطلب من الجنية نفسها التوفير. وكان ذلك وشاحاً تجنبته طوال حياتها، لسببين: لأنها رأت ما تفعله القوة السهلة بالناس، ولأنها علمت ما يرافقها من مسؤوليات. لكن لإنقاذ راي، كان عليها أخيراً تحمل حقّ ميلادها.

حدّق بها الساحر الأعظم تايسن بعد أن تحدثت، إذ لم تنطق بحرف واحد عن ذلك أمامه. حتى راي لم يتلقَ سوى تلميحات، وسرّها أنه لم يلحّ قط لعدم تأكدها من قدرتها على تجنب إخباره. ورغم أن ذلك صار من الماضي الآن، وسيععلم عندما يعود. وسيُفعل. قابلت نظرة ويلز، وحتى عبر قناع الشبح بدا مصدوماً أو معجباً. كانت لوسي أقل كبحاً، وبدت مذهولة بالكامل. أما تشيستر فكان الأكثر ثباتاً، لكنها لمحت وميضاً في عينيه — أو ربّما كان حدساً من الوشاح الذي اعترفت به أخيراً.

مدّت فيليسيا العباة المطرزة بقطّ أسود مجنّح، متجه بعيداً. كان الأمر محرجاّ بعض الشيء كرمز شخصي، لكنه سيتبدل بمرور الوقت. لقد أعطت ظهرها للوشاح وهربت، ولكن ما إن ارتدته، سيتغير ذلك. في نهاية المطاف.

قال ويلز مطولاً: "لم أر قط سحراً يفعل ذلك. إنه ليس كثيف الفيض كما كنت أظنّ لما يفعله — أعني، لما يفترض أن يفعله".

نصف سأل، رافعاً حاجبيه نحوها.

اعترفت، مستمرة في استخدام صوتها بينما شعرت بتأثيرات إعلانها تتخذ مكانها تدريجياً: "إنه ليس بقوة تبدو. إنه بالتأكيد ليس دفاعاً منيعاً تماماً. لكنه ينبغي أن يكون قوياً بالقدر الكاف".

لم يأخذه ويلز بعد، ناظراً إليه باهتمام مع إضاقة عينيه. لم تكن تعلم عمّ يبحث، لكنه أومأ برأسه لنفسه أخيراً. نهض ومّد يده. أنابت العباة، فكاد يُسقطها.

قال متعجباً: "إنها ثقيلة".

وافقت فيليسيا: "العباءة دائماً كذلك".

"همم".

تأمل ويلز العباة، فاحصاً الشعار السنوري، ثم نظر إليها.

"وشاح؟ أيّ نوع من الالتزامات يرافق ما قلتِه — المختار لأوبيرون وعميل ماب؟".

سُرّت كلا جزئي الجنية والمحققة فيه لكونه لا يقبل العرض بلا شروط. كان ذلك هو السؤال الصحيح تماماً لطرحه، رغم أنها لم تكن غشيمة لتجرب وتقيد الشبح برباط غير مرغوب. وإن كانت تشك في قدرتها على ذلك، حتى وإن أرادت.

قالت فيليسيا: "أكلفك بواحدة فقط: إيجاد واستعادة رايموند دانفورد".

لم تكن تلك طريقتها المعتادة في الحديث، لكنها كانت مطلوبة. لم تكن تتحدث كمحققة خاصة، بل كـأميرة.

"وما عدا ذلك، لن يُلغى إلا إذا رفض الشبح أمراً مباشراً من الملكة ماب".

"مثير للاهتمام".

لم يرتدها بعد، وتحدث تايسن للمرة الأولى.

قال ناظراً إلى فيليسيا قبل أن يعود إلى ويلز: "هذه مفاجأة لي بقدر ما هي لك. ومع ذلك، يمكنني الشهادة بأنّ أثراً كهذا لا يمكن صنعه إن شابه أيّ بطلان. أو بالأحرى، ذلك النوع من السحر يعمل لأنه حقيقي، أو يصبح حقيقياً. ليس شائعاً خارج أفراد العائلة المالكة الحقيقيين. وهو ما أظنّ أن الوكيلة بلاك إياه".

رمقها بنظرة أخرى.

"أرى".

لفّ ويلز العباة على ذراعه.

"إن عمل هذا كما وُعِد، فأنا مستعد للمساعدة. ماذا يمكنك إخباري عن الجنية، ومن قد يحتجزه، وأين؟".