بيل ألايتس الفصل 73

اقرأ بيل ألايتس الفصل 73 باللغة العربية على مانجا تايم.

كانت مغامرة محفوفة بالمخاطر، لكن لا بدّ من إتمامها. اتخذ تريستان كل احتياطات ممكنة: اشترى أغصان إكليل الجبل وفرك بها جلدَه حتى علق عتبها، وأحضر قماشاً ليلفه حول حذائه حين يبلغ المزارات، وأصلح غطاءً لفانوسه الرخيص الذي اقتناه سابقاً. كان متردداً بعض الشيء حين غادر «مدينة الخردة» متجهاً إلى القفر الصدئ خارجه، متظاهراً بأنه لم يسمع أحد الحراس وهو يراهن زميله عما إذا كان سيعود حياً أم لا. أخبرته فورتونا: «احتمال هلاكك أربعة لواحد. عليك خوض غمار هذا الرهان». وكالعادة، كانت مَلكته نِعْمَ المؤنس في هذه الأوقات العصيبة. في الأفق، كان الضوء الفضي يعلو البرج كأنه منارة. لم يكن ممكناً إغفال ذلك الوهج اللؤلؤي الثابت هنا، وقد بثَّت رؤيته بعض الحماسة في خطاه. كانت هناك مخاطر في القدوم إلى هنا، لكن ثمة جائزة أيضاً. لقد كانت هذه المرة الثالثة في اليوم ذاته التي يتوجه فيها تريستان إلى البرج، لذا فحتى مع ومضات ضوء الفانوس الشحيحة، تمكن من تحديد مساره المفضل. غير أن العبور السريعة لم تكن واردة هذه المرة. كانت الليمورات منتشرة بكثافة. أول تحذير جاء على شكل أنين في الريح. انحنى تريستان خلف كومة من الخردة، وادخل فانوسه تحت عباءته مسدلاً غطاءه. كبح أنفاسه وأصخ السمع، متمنياً لو أن النسيم لم يتسلل عبر هذا الكم الهائل من قطع المعدن، فهذا يضفي عليها صوتاً مُروّعاً ومحزناً. بعد ثلاثين ثانية، راوده الشك إن كان عليه متابعة التحرك، لكن أنيناً آخر تردد. وأعقبه ثلاثة أخرى. لاصق صندوقاً نحاسياً منهاراً، محتجباً عن الأنظار ولم يلمح سوى حركة ما في الخارج. خيال قاتمة في الظلام، تترنح إلى الأمام في موكب غريب. حبس اللص أنفاسه حتى اختفت، وانتظر دقيقتين أخريين قبل أن يزحف خارج مخبئه. بيد أن تلك النجاة الضيقة لم تكن سوى نذير لما ينتظره. كانت تلك الجماعة حزمة من الأشباح، وصادف أخرى بعدها بدقائق معدودة، فضلاً عن آثار قدمين أخريين. كانت الآثار التي خلّفتها المخلوقات على الرمال الحمراء الرطبة ضيقة وضحلة، كأن وزن المخلوقات يكاد يكون معدوماً. احتمى تريستان بالأضلاع الحديدية البارزة من الأرض، ملتصقاً بها وحابساً أنفاسه بينما كانت الكائنات القمّامة تتردد في المشي أمامه. مرتين توقف أحد الليمورات ليستنشق الهواء، لكن إكليل الجبل أدى مفعوله. في الوقت الحالي، على أي حال. كان عليه الإسراع قبل أن يغسل الخوف والعرق عبقَه. تعقّب تريستان أثر الجماعة الثانية، مقدراً أنها ستتجنب على الأرجح المخلوقات الأشد شراسة هناك. ومثله تماماً، كانت الكائنات القمّامة في أدنى درجات سلّم القتل. منتقلاً من مخبأ إلى مخبأ ليظل بعيداً عن الأعين، حافظ اللص على أسرع وتيرة تجرأ عليها مع إبقاء أذنيه في حالة ترقب حذر. ذلك النسيم الحزين، الذي يشبه صفيراً شجياً وبعيداً، جعله يعض شفته وهو يختلس نظرة متجاوزاً الضلع الحديدي الملتوي ليجد الممر خالياً من الليمورات. لقد واجه صعوبة بالغة في مراقبة الأعداء مع ذلك الصليل اللعين الذي يقرع أذنيه، وهنا قد تعني المباغتة الموت المحتم. اندفع على أي حال، بخخط خفيضة سريعة على الرمال الرطبة، محافطاً على انخفاض رأسه. على جانبي الممر المؤقت، التوت أضلع حديدية صدئة نحوه كأنها فكّ يهمّ بالانطباق. شقّت شريحة من ضوء الأورري الشاحب طريقها عبر الممر، كابتسامة مسننة، وتحولت خطوات اللص إلى انزلاق حين لمس بصره حركَةً، إلى اليسار، في كومة من المسامير المعدنية الضالة. لحم أسود وأبيض. اللعنة، لم يجسر على النطق بصوت عالٍ، فاستدار فوراً ليركض يميناً. نحو كثبان رملية يطل منها ضلع حديدي. كان عليه الانزلاق متجاوزاً قمة الرمال، نحو ممر آخر، والابتعاد قدر الإمكان قبل أن... لم تكن قدماه ثابتتين على الرمال، لكن تريستان تسلق قمة الكثيب، متجاوزاً الذروة، مستعداً للتعثر هبوطاً في الممر المتعرج الآخر بأكبر قدر ممكن من الهدوء. يا للاله... ارتعش، فذلك الكثيب الذي لمح طرفه بدا كأنه... خيوط رقيقة شفافة في الهواء تشبه شبكة أمامه مباشرة. تكاد لا تُرَى بالعين المجردة. حاول التراجع لكنه كان متحركاً بالفعل إلى الأمام، فعلق طرف عباءته بحافة الخيوط بينما استدار، لتتطاير قطعة من القماش الأسود عبر الفضاء بينما شقت الشبكة طريقها كأنها تقطع الزبد. يا للرعب. ابلع تريستان ريقه. عُجالة من الصمت، ثم صرير حاد متقطع من الأمام. عنكبوت المكوك. همست فورتونا: «يا لك من مغفل، لم يكن عليك فعل ذلك حقاً». متسارع دقات القلب، تسلق الكثيب عائدًا. متعثراً بالمنحدر الرملي دون أي تظاهر بالهدوء، ليفاجأ بأن الكائن الذي لمحه بين المسامير قد خرج. بدا كوجه امرأة شاحبة، بشعر أسود متدلي و ملامح غير منضبطة قليلاً، إلى أن تلاحظ الأرجل الثمانية الدقيقة البارزة من الجانبين. حينها تدرك أن ظهر عنكبوت المكوك يغلب عليه الوبر والزوايا ليخفي خلفه كَمّاً هائلاً من العيون السوداء الكروية. سرت فيه قشعريرة اشمئزاز لرؤيته وركض تريستان. كان هناك آخر خلفه، وسيلقى حتفه لا محالة إن أدركه أحد الليمورات بحجم الكلاب. لم تكن الأفواه ذات الأنياب التي تخفيها عناكب المكوك تحت "شعرها" المتدلي سامة، لكن المسوخ تنسج خيوطاً تترك ندوباً حتى على الحديد. فرّ تريستان عائدًا نحو «مدينة الخردة»، أو حاول ذلك على الأقل. بعد عشر خطوات، كشفت شريحة أخرى من ضوء الأورري عن شكل يتلوى في قاع الممر، كبير وطويل وسريع كخطى رجل. التمع ضوء البريق على القشور فعض شفته حتى كادت تنزف. اللعنة. عناكب المكوك كانت... واحدة فوق الكثيب، تحدق به عبر عيون تشبه بيض سمك أسود صغير مغروس في ذلك "الوجه" المثير للغثيان، بينما كان الآخر محتجبًا عن الأنظار. اللعنة، اللعنة، عليه التحرك الآن. أنّ بصوت خافت: «عبر»، واندفع للأمام. نازلًا في الممر، وربما نحو حتفه. صرير من الخلف، كافٍ لتشتيت انتباهه عن الخطر القادم: نُسج خيط رفيع عبر امتداد الممر، على ارتفاع كاحل الإنسان. لم يختفي عنكبوت المكوك الثاني إلا ليضع أحد الفخاخ القاتلة التي تشتهر بها جنسه. قفز فوق الخيط، ثم أصابه الذعر عندما أدرك أنه نسج خيطًا ثانياً على بعد قدم بالكاد. مبتلعًا مرارته، تراجع تريستان إلى الأمام في حركة تدحرج بينما قفز الليمور خلفه. ناهضاً على ركبتيه، سحب سكيناً ووجه ضربة نحو العنكبوت، لكنه لم يتفاعل حتى، بل اكتظر منتظراً حتى اتسعت ضربته ثم قفز لداخلها. لوّح بالفانوس نحوه، مصطبيماً بساق أصدرت صوت طقطقة، وتناثر الزيت المشتعل عبر الغطاء، فأطلق الليمور صريراً حاداً وهو يخدش نفسه، وركض تريستان مجدداً. ألقى نظرة أخيره إلى الوراء، ليرى عنكبوت المكوك الآخر متموضعاً فوق ضلع حديدي وهو يثب هبوطاً نحو المسخ النازل في الممر. لمح تريستان أفعى ضخمة في الرمل، وشيئًا يشبه إبرة تلسع من ظهرها لتخترق عنكبوت المكوك وهو في الهواء. انفجر سائل أسود بينما أطلق صرخة الموت، وهرب اللص بأقصى سرعة قبل أن يلحق به. مقلتاه تتحركان بلا توقف حذرًا من الشباك، ركض تريستان حتى تصاعد الخوف من وجود ما هو أسوأ أمامًا ليضاهي ما خلفه. كان قلبه ينبض بجنون، ضاربًا في أذنيه، وذلك النسيم المقبض لم يتوقف قط. احتمى خلف صفيحة معدنية ترتفع من كثيب كأنها زعنفة، متبوعاً بأنفاس لاهثة، حتى تباطأت يداه عن الارتجاف. لقد كانت النجاة قريبة، قريبة بشكل مخيف. بح صوته: «فورتونا؟» همست في أذنه: «لا شيء يقترب». شدّ أعصابه، رغم علمه أنها لم تفعل ذلك لتثير قلقه. قال وهو يلهث وعيناه لا تزالان واسعتين: «عناكب المكوك إقليمية للغاية. لا يعقل أن يعشش اثنان منها بمثل هذا القرب». يعرف المرء في «العتمة» القصة برمّتها عن كيف ظنت «مانو مينور» أنها تستطيع استخدام المسوخ للتخلص من الجثث بتكلفة أرخص من الخنازير، لكن ما إن أضافوا عنكبوت مكوك ثانياً إلى الحفرة حتى جُنّت الكائنات ومزقت نصف منزل وهي تقتل بعضها البعض. اقترحت فورتونا: «ربما لدى هذين الاثنين اهتمامات مشتركة. مثل الحياكة، أو أكل الجثث». كانت رغبته في خنقها تمثل راحة ترحيبية من الهلع الذي ما زال يغيم على عقله. هدأ، نفسًا تلو الآخر، وأدرك من العرق الذي يتسرب على ظهره أن عبق إكليل الجبل قد تلاشى تقريبًا. قال: «هناك كثرة مبالغ فيها هنا. بالكاد قطعنا منتصف ساحة الخردة، ولن أبلغ البرج أبدًا». اقترحت فورتونا: «اقنع بقية أفراد الثلاثة عشر بالقدوم معك. بوجود ما يكفي من البنادق والسيوف، يمكنك...» قاطعها بحِدّة: «أو ببساطة آتي خلال الساعات الفضية. لا أُحتاج إلى مساعدة، بل أحتاج للفرار من هنا قبل أن يلتهميني أحد». أقرت المَلكة: «هذا أيضا». نهض. لقد أُهدر الكثير من الوقت بالفعل. كان لدى تريستان تصور عن مكانه بالنسبة لـ«مدينة الخردة»، لذا فإن بدء رحلة العودة مجرد مسألة إيجاد ممر لا يبدو كفخ موت. تطلب الأمر التوجه غربًا قليلاً، والالتصاق بظل الخرائب. «هاه، آخر». توقفت خطوات تريستان بينما التفت نحو فورتونا. كانت المَلكة تنحني بجوار كومة صغيرة من الرمال الحمراء. في البداية ظن أنها تطيل النظر إلى الأرض، لكنه تبين لاحقاً قضيباً معدنياً رفيعاً. رفيع لدرجة أنه رأى حين جثا بجانبه أن كلمة سلك قد تكون أدق وصفاً له لو لم يكن صلبًا وثابتًا. على طرفه كان هناك انتفاخ طفيف على شكل زهرة مع ثقب حيث يفترض أن تكون المدقة. رافعاً فانوسه ومقترباً أكثر، رأى تريستان بقايا نوع من المسحوق المعدني لا يزال في القاع. يشبه الملح، إلا أنه أصفر. سأل: «أسبق لك رؤية هذه؟» قالت فورتونا بعبث: «لا بد أن هذا هو العاشر الليلة. من وضعها هنا يملك ذوقاً رفيعاً». قطب جبينه نحوه. «لماذا؟» قالت المَلكة: «رائحتها عطرة للغاية». استنشق اللص رائحة الزهرة المعدنية، وإن لم يقترب كثيراً. لم يكن يعرف ما تلك البواقي الصفراء، لكن كل ما شمه كان رملًا رطبًا وحديدًا. سأل: «هل ما زال هذا يعبق برائحة؟» هزت كتفيها. قالت فورتونا: «ليس كالبقية، لكن نعم». همس تريستان: «عليّ اللعنة. لا بد أن أحدهم يظن أن هذا المكان ليس مقبرة بما يكفي، لأن هذا يبدو لي طعمًا لليمورات». قالت فورتونا ببرود: «أتدعوني ليموراً؟» لوّح بيده رافضًا. قال: «طعم أثيري، إن شئتِ». أصرت: «طعم سماوي. طعم سماوي عظيم». متجاهلاً شكواها المتصاعدة الضجر، عبس ناظرًا إلى الجهاز. أكان مثل هذا الطعم سبب تعشيش عنكبوتا مكوك بهذا القرب؟ ربما. شيء يجب أخذه بعين الاعتبار، لو سنحت له الفرصة للحصول على كتاب في علم المسوخ في مرحلة ما. ما ظنّه شقوقًا على القضيب تبين أنها حروف حين لمسها، لحسن الحظ، باللغة الأنتيغوية. باقة رقم 9. بدا للّص أنه لا يوجد سوى عدد محدود ممن يهتمون بإثارة القلاقل هنا، وأقل منهم بكثير من يملكون القدرة على تنفيذ هذه الحيلة دون التعرض للقتل: أياً يكن ذلك المعلم في البرج، فقد كان يمتلك نزعة وحشية.

على أي حال، لم يغیّر ذلك شيئاً من وضعه الحالي. طلب من فورتونا أن تذكر الأمر إن صادفت عصا زهور أخرى، وأسرع عائدًا إلى مدينة الخردة. لم تكن رحلة العودة شاقة كتلك التي ذهب فيها، لعل ذلك يعود إلى أن الجلببة السابقة بدا أنها جذبت عددًا لا بأس به من الأرواح الهائمة نحوها – ولا بد أنها كانت تتصارع على جثث بعضها البعض. وإذ أدرك أن هذه فرصة لن تدوم طويلًا، خاطرة تريستان مفضلًا السرعة على التحرّي الحذر. كانت هناك بضعة مواقف حرجة مع أطياف، لكن حين اقترب من المدينة، لم تجرؤ على متابعة مطاردته. لم يأبه الحراس المناوبون كثيراً بتعبه، بل طالبوه بتفاصيل عن الأرواح الهائمة التي واجهها هناك، وأعلن الرقيب الذي يقود التحقيق أنه محظوظ لنجاته من تلك الأفعى التي لمحها من بعيد. قال: «تلك أفعى قرناء. يمكنها التعقب عبر الحرارة لمسافة تقارب الميل، وأنت محظوظ لأنها التقطت فريسة أخرى أولاً». ومكافأةً له على تقريره، أسقط الحراس رسوم المبيت في المهجع لتلك الليلة، وهي مفاجأة سارة. تسلل تريستان إلى الغرفة الكبيرة المليئة بالأسرّة، محاولاً عدم إيقاظ أحد، ووجد شخصاً واحدًا فقط بالداخل. وكانت تلك المفاجأة سارة للغاية: كانت كريسينا باربوزا نائمة في زاوية الغرفة، أو هكذا بدا لي أنها نائمة. لم تكن هناك سوى أسباب معدودة لوجودها هنا، ودون كتيبتها فوق ذلك. كانت تلك الفتاة تفوح برائحة القناع، وهذا يعني أن لديه منافسة. حجز تريستان أبعد سرير ممكن وأبقى سكينه وهراوته في متناول يده تحسّباً لأي طارئ. استيقظ في الخامسة صباحاً ليجد سريرها فارغاً وحقيبتها قد اختفت، كأنه تخيل وجودها من الأساس. -- كانت الرحلة متوترة، بقدر ما تأثرت بذكريات النطحات القريبة الليلة الماضية، بقدر ما رافقها التلفت المستمر بحثاً عن كريسينا، غير أن تريستان قطع مسافة جيدة في طريقه إلى البرج. بلغ أقدام المزارات عندما أشارت ساعة فانيسا إلى ما قبل الساعة السابعة بدقيقتين ضبطاً. عادت المزارات، تماماً كما وعد هاج، وعاد معها ثلثا البرج. ومما يثير الاهتمام حقاً، أن الكريات المعدنية التي وضعها في الأماكن التي لم تكن المزارات فيها بالأمس لم تختفِ: فقد وجدها على بعد نصف مئة قدم من المزارات، ملقاة في التراب. هكذا إذن، حين تعود المزارات، فإنها تدفع بعيداً أي شيء يشغل المساحة التي يُفترض أن تحتلها. قال تريستان بصوت عالٍ: «وهذا يعني أن الانتقال بين "هناك" و"ليس هناك" له جانب مادي. الأمر لا يقتصر على كونه "موجوداً دائماً، لكنه غير متاح دائماً". هناك أمر مادي يحدث». تثاءبت فورتونا، وكان تثاؤبها للتأثير البحت بالنظر إلى أن المَلِكة لا تتعب. «ولماذا يهمنا الأمر…» قال تريستان: «إذا كنت هناك عندما ينتهي الضوء الفضي، فسحدث أمر يؤثر على جسدي المادي. الأمر يشبه دخول طبقة». ليس تماماً على الأقل بالشريقة التي شرحت بها مريم الطبقات لهم، إذ وصفتها بأنها نوع من الأماكن الأثيرية للأرواح، يدخل جسدك من طرف ويخرج من الآخر من غير أن يتواجد داخلياً بشكل مادي أبدا. لو سألها عن هذا لربما كانت لديها فكرة عنـ… عضّ داخل خدّه. لن يزحف عائدًا إلى ذلك الكوخ خالي الوفاض، دون شيء يقف عليه. لن يفعل. قالت فورتونا: «أخبرتك أن الأثير خفيف هنا، وليس كثيفاً. هناك نوع من الآلات قيد العمل». أجاب تريستان بشرود: «قد يكون الأمرين معاً». لو امتلك وقتاً أطول لرغب في إحضار طائر في قفص ويضعه داخل أحد المزارات ثم يعود في اليوم التالي ليصيبه، لكن ذلك سيستغرق وقتاً طويلاً. لا يمكنه إهمال الدروس إلى الأبد حتى من أجل عمل العهود. هز اللص رأسه وشّد حقيبته على ظهره. قال لملِكته: «هيا بنا، حان الوقت لنرى ما يوجد في ذلك المزار». لم يختلف تسلق امتداد الأنبوب الساقط للوصول إلى ذلك الذي ما زال يغذّي المزار بأي حال، مع أنه عندما وقف في الظلام هذه المرة، أشعل اللص فانوساً. امتد أنبوب برونزي نحو الأفق من دون أثر لذرة غبار واحدة تلوح في الأفق. كانت هناك ريح خفيفة هنا، تتجه نحو الداخل. مع إبقاء الحذر رغم غياب الأخطار المرئية، تقدم تريستان. لم تكن المسيرة طويلة حتى نهاية الأنبوب، والتي كانت عبارة عن شبكة من نفس المعدن البرونزي للأنبوب. كانت المربعات كبيرة بما يكفي ليدخل ذراعه من خلالها وبالتأكيد كبيرة بما يكفي لتأمل الغرفة من خلالها. أظهر الضوء غرفة صغيرة تمتد فوق وتحت ارتفاع الأنابيب، وبرونز في كل مكان من غير نافذة تذكر. اعترف تريستان: «لا أرى طريقاً للعبور. فورتونا؟» عبرت المَلِكة من خلال الشبكة رافعة رأسها عالياً، ثم اختفت عن البصر بصوت قهقهة مترددة. نادته قائلة: «هناك باب هنا في الأسفل. والشبكة ليست ملحومة. توجد سدادات كبس على اليسار ومفصلات على اليمين». بإمكاني إدخال ذراعي حتى الكتف عبر المربعات، لذا وبعد قليل من التحسس الأعمى، كان من السهل جداً العثور على سدادات الكبس – وهي عبارة عن سدادات برونزية محشوة في ثقب – وسحبها. وضع تريستان السدادات في جيبه وفتح الشبكة، طارداً الظلال بنور الفانوس وهو يطل إلى أسفل من فوق حافة الأنبوب. بدت الغرفة بأكملها وكأنها غرفة ضغط من نوع ما، لكن كانت هناك درجات سلم تؤدي إلى القاع، وكانت فورتونا تقف بجوار باب مربع الشكل تقريباً مغلق بسدادة كبس في كل زاوية. علق الفانوس على حزامه ونزل متسلقاً، مؤمئاً بشكره للمَلِكة. كان الطابق الأرضي يضم ما يمكن أن يسميه آثار جدري، لولا الطريقة التي وُضعت بها بشكل مثالي ومنتظم. ثقوب من نوع ما، لكنها ممتلئة؟ على أي حال، لم يكن أي منها أكبر من بوصة واحدة لذا فلن يتمكن من الخروج من خلالها. من الأفضل التعامل مع الباب. استلزمت تلك السدادات جهداً أكبر بكثير، إذ كانت كل "سدادة" برونزية بسكك حزمة ومتطلبة لاستخدام كلتا يديه لانتزاعها. وحين انتزع الأربعة جميعاً، بقي الباب مغلقاً رغم ذلك. قالت فورتونا، وبدا صوتها مستمتعاً: «طريق مسدود بالفعل؟ لم يستغرق ذلك وقتاً طويلاً». رفع تريستان الفانوس وأمعن النظر في السدادات. آه! وكما كان يشتبه، كان لا يزال هناك برونز في الثقب. الطرف السفلي للسدادة، المواجه له. أخبرها قائلاً: «توجد سدادات كبس على الجانب الآخر أيضاً. لكن إن كنت على حق…» وضع حذاءه على الباب ودفع بلا مبالاة. لثانية واحدة كان يكارع وحسب، لكن ثم جاءت العُذوبة: بصوت يشبه شهيق النفس، سقط الباب البرونزي للخارج. اتهمته فورتونا: «ضربة حظ». تباهى تريستان: «لقد حضرت درس قتال بالأيدي في مادّة فنون الحرب». بحسب الصوت الذي أحدثه الباب عند سقوطه، كانا فوق الأرض لكن ليس بشكل كبير. أظهر إدخال الفانوس حجرة مربعة الشكل بطول قد يبلغ عشرين قدماً تقريباً. جدران حجرية عارية مع بعض الأثاث، وكان تعبق برائحة سرداب باردة. لا حركة، لذا وبعد نظرة ثانية سحب تريستان الفانوس إلى الداخل. أخرج حبلها وربطه بالدرجة السفلية للسلم ونزل عليه. كان هناك باب في الخلف، حجر على حجر، من غير قفل أو مقبض ظاهر. لكنه سينتظر، لذا مشط الغرفة أولاً. من الخارج، بدا "الغرفة" البرونزية التي كان فيها وكأنها نوع من صهريج. خزان، وإن كان كبيراً، رغم أنه راوده الشك في أنه احتفظ بالماء يوماً ما. الثقوب التي رآها على الأرض طابقت تماماً تلك الموجودة على القاع في الخارج وتحتها انتظر وعاء برونزي. لا شك في أن هناك اسماً محترماً له، لكن بالنسبة لتريستان بدا أشبه بحوض استحمام. كانت الجدران حجارة عارية، لكنها لم تكن خالية من الزخرفة: كان من الصعب تمييزها على ضوء الفانوس، لكن كل بوصة تقريبواً منها كانت مغطاة بخطوط سميكة من نقوش السرداب. أربعة مقاعد معقدة من نفس السبائك البرونزية تواجه الجدار مع الخزان، وأمامها طاولات من الحجر المنحوت الشاحب بدرجة فائقة حتى بدت كالرند فوقها، لكن ما جذب بصره كان العمود المعدني السميك إلى اليسار من الجهاز الذي تسلق منه. امتد من الأرض إلى السقف، بعرض قدم تقريباً، وكان عبارة عن فوضى من المسننات والذراعات وكرات زجاجية فارغة. كان هناك ذراع واحد على وجه الخصوص تتدلى منه لوحة صغيرة، وقطب جبينه وهو يقترب. لا، لم يجن: كان هناك شيء مكتوب عليه. عدة أشياء، في الواقع. مُهجّأة بلغة الأنتيغوا في جملة قصيرة، ورغم أنه لم يستطع قراءة اللغات الأخرى – الإيمويا، والسينتزون، والكاثايان، والسامراترافا – إلا أنه كان يراهن على أن المعنى نفسه في كل مكان. قرأ بصوت عالٍ: «اسحب للمتابعة». هزت فورتونا كتفيها: «إذن اسحبه. ربما يفتح ذلك الباب». متحفظاً، ذهب اللص بدلاً من ذلك لدراسة الباب المعني. وكما رأى سابقاً، لم يكن هناك قفل أو مقبض. على حد علم لم يكن حتى باباً حقيقياً، بل انبعاجاً على شكل باب. بالتأكيد كان حجر الباب والجدران متطابقين تماماً، من غير فتحة تسمح بمرور الهواء. ربما تضمنت نقوش السرداب المحيطة إرشادات، لكن لم يكن هناك فرانشو ليترجمها له. عاد بصره إلى ذلك الذراع المريب. أصدرت فورتونا أصوات دجاج، وهي إشارة اختار أن يعدها تصويتاً لصالح السحب. وبما أنه كان فخاً واضحاً، ويرجح أنه من صنع الروح ذاتها التي زرعت طعم الوحوش في ساحة الخردة، أخرج تريستان كرة خيط من حقيبته. عقد عقدة حول الذراع، ثم فكها بحذر حتى أصبح بعيداً قدر الإمكان – بالقرب من أحد المقاعد. رفع قطعة قماش حول وجهه، واستنشق ثم شد الخيط. انخفض الذراع، واشتبك شيء معدني في مكانه، وانفتحت الثقوب غير الحقيقية في أرضية الخزان أعلاه. وبعد نبضة قلب، انفجر أسفل العمود. تطايرات شظايا المعدن في كل مكان، فرمى تريستان نفسه خلف الكرسي مع سحب معطفه فوق رأسه، وتصاعد دخان البارود الأسود. سعل، ملوحاً بيديه في الهواء، وبقي في مخبئه لدقيقة خاملة قبل أن يختلس النظر. قهقهت فورتونا مستندة إلى العمود المحطم ومكتوفة الذراعين: «اسحب للمتابعة. هذا مضحك حقاً». لم يجد تريستان توبيخاً أدق من مديحها، فوفر عليه عناء البحث عن لعنة مبتكرة تكفي للرد على هذا. لو أنه سحب الذراع بيديه، لكان ذلك الانفجار قد مزق جذعه ليوحّد كأنه ورق. نهض اللص بحذر على قدميه، ناثراً الغبار عن عباءته، وراقب آخر خيوط الدخان وهي تخف. كاشفة عن قطرات تسيل من الخزان أعلاه. من خلال أحد الثقوب الأرضية كان سائل أزرق عميق يتسرب، ولم يكن من الممكن أن يكون ذلك حقيقياً. لقد كان تريستان في ذلك الخزان ولم يكن هناك أي سائل، أو فتحة ليأتي منها من مكان آخر. كانت هناك طريقتان للدخول: الأنبوب الفتحة. اقترب بخطوات متسللة من السائل المتساقط، مراقباً إياه وهو يتدفق إلى الحوض البرونزي الكبير في الأسفل، وقطب جبينه حين لاحظ أن شيئاً ما كان غير صحيح. لم يصدر عن المادة الزرقاء أي صوت، وكانت واضحة بشكل مبالغ فيه – كأنها لا تحتاج لنور فانوس لتُرى. التقط كرية معدنية وألقاها نحو التيار، فاتسعت عيناه حين عبرت من خلاله تماماً من غير عائق. تنفس تريستان الصعداء: «هذا ليس سائلاً، بل ضوء». قالت فورتونا: «إيه. ربما. إنه أثير أيضاً، نوعاً ما». سأل: «ماذا يعني ذلك؟» أوضحت قائلة: «إنه يشبه ما يتقيأه ذلك الشيء المبهرج في الأعلى في كل مكان». أكد بسؤال شبه استنكاري: «تقصد المرصد العظيم». وافقت سيدة الاحتمالات البعيدة: «هذا المكان مرتبط به بطريقة ما. رغم أنه معطل. وأتوقع أن تلك الآلة القديمة في السماء معطلة أيضاً». أمال رأسه جانباً وهو يفكر في الأمر. تساءل تريستان: «لماذا قد يرغب أحدهم بالضوء في حوض؟» أدارت فورتونا عينيها: «لا أحد يرغب بالضوء في حوض. الحوض مخصص للبشر». وقفة قصيرة. «تعلم، يمكنك استخدام الحوض أكثر». تجاهل اللص ذلك، مراقباً الضوء الأزرق وهو يملأ الحوض البرونزي ببطء. وبهذا المعدل سيستغرق ملء الشيء أياما، لكن ربما كان الأنبوب الذي دخل منه مخصصاً لتغيير ذلك في أوج مجد الآلة. لم يكن باستطاعته فهم عمل عجائب القدماء أكثر مما تستطيع ذبابة فهم الشعر. من جهة أخرى، كان بإمكانه محاولة فهم الطريقة التي بُني بها هذا المكان. قال تريستان ببطء: «أعتقد أن هذا قد يكون المعادل الأثيري لطحنة ماء. هذه الغرفة، الخزان، والأنابيب – لقد جلبوا "الماء" الذي جعل باقي هذا المزار يعمل». سحبت فورتونا الكلام: «إنه لا يعمل، ومن الواضح جداً». أجاب: «لن يعمل، لقد سقطت الأنابيب. انظر إلى ذلك التدفق القادم من الخزان – إنه لا يكفي لملء الحوض، فما بالك بإحضار ضغط كافٍ للمزار بأكمله. وإذا كانت الأبواب هنا تعمل أيضاً على آلة الأثير…» أتمت المَلِكة: «فلن يفتح أي منها». قال تريستان: «مما يعني أنني لا أستطيع الوصول إلى باقي المزار عبر الأنابيب المعطلة. عليّ معرفة كيفية فتح إحدى تلك البوابات التي ما زالت تعمل من الخارج وإلا فلن أصل إلى أي مكان». مما يعني أن هذا طريق مسدود. ومع ذلك، يمكنه استئناف العمل عندما يعود إلى الخارج. استخدم تريستان الحبل والقطعة ببطء لسحب الذراع إلى الأعلى تحسباً لوجود فخ انفجاري ثانٍ، لكن حذره ثبت عدم جدواه. توقف الضوء الأزرق عن التدفق، وحين تسلق الحبل مرة أخرى إلى الخزان لم يكن هناك أثر لمروره. في غضون دقائق غادر الأنبوب، ليهبط فوق الأنبوب الساقط. وعندها سمع بوابة مزار تفتح. كانت محض صدفة جعلته في الوضع الصحيح للتجسس عليها: من أعلى الأنبوب الساقط، استطاع أن يرى باب المزار الطويل ينفتح بحركات مفاجئة فجائية. لثلاث نبضات قلب ظلا مفتوحين وفارغين، بما يكفي ليدفع تريستان للتساؤل عما إذا كان عبثه بالداخل في مزار آخر قد تسبب في ذلك بطريقة ما، لكن بعد ذلك خرج رجل يرتدي سواد الحراس. تلفت حوله بحذر، فالتصق اللص بالأنبوب ليبقى بعيداً عن الأنظار، ثم اختفى الغريب مرة أخرى داخل المزار. وبعد لحظات معدودة خرج بحمل حقيبة قماشية كبيرة، أدخل يديه المرتديتين قفازات سميكة فيها. سُمع صوت غريب، قطع معدنية على حجر، وبدأ الرجل الدوران حول دائرة المزارات بخطى متسرعة. استغرق تريستان لحظة ليفهم ما كان يفعله: كان الرجل ينثر مسامير الشوك. ارتدى الغريب معطف مقاتل جاهز لذا لم يكن جندياً، ومعطفاً طُرزت به جيوب كثيرة لدرجة أنها قد تكون طبقة أخرى. كان داكن البشرة بطريقة المالان، طويلاً ومتوترًا رغم أن حركاته كانت ممنهجة أثناء تلغيمه للأرض. أنف مكسور وعيون بنية، وجوانب رأسه محلوقة بينما امتدت ضفائر مرتبة حتى مؤخرة رقبته. كان أطول من تريستان بقدم أو قدمين، لكنه كان نحيلاً لدرجة جعلت اللص يشك في أنه قوي بالقدر الكافي. وحين اقترب من مخبأ تريستان، لمح الرجل ذو العيون الرمادية خرزاً ملوناً معقداً حول عنقه – من أوثوكيل إذن، أو على الأقل يرتدي علامات بأسلوب الجزيرة المنخفضة. لم يكن اللص قادراً على تمييز خرز أوثوكيل الحقيقي من المزيف لكن ذلك لم يكن مهماً هنا. وبقائه على مقعمه، والفانوس مطفأ، راقب تريستان الرجل وهو يرش الأرض بسخاء بتلك القطع الصغيرة البغيضة. رأى اللص استراتيجية تُنفّذ: فقد نُثرت على المسارات القريبة من بوابات المزارات، وعادة في أجزاء تضللها الأنابيب والأعمدة. لم يتوقف المالاني إلا عندما فرغت الحقيبة، وحتى ذلك الحين لم يكن قد انتهى. اختفى مرة أخرى داخل المزار، مهرولاً في الخارج بعد لحظات مع بدء البوابات بالانغلاق المفاجئ. وعندما أطبقت تلك الفكين المعدنيتين، جهز المالاني البوابة بسلك تعثر وما بدا أنه نوع من قنبلة مسحوق. إذن فهو لا يعلم أن المزار يختفي بعد الظهر، أو لا يهمه الأمر. وبدا راضياً عن عمله، فقضى المالاني عشر دقائق كاملة في رسم علامات الطباشير على الأرض أمام البوابات قبل أن يرفع حقيبته ويتراجع. انتظر تريستان حتى ابتعد الغريب تماماً عن الأنظار قبل أن ينزلق بحذر. وبخطوات حذرة، ذهب ليخطف أحد مسامير الشوك ووجد أنه ليس أكثر من مسامير منحنية ملحومة معاً. بسيطة، ولكنها مع ذلك رجحت أن تخترق مخلب روح هائمة إن وطأتها – أو نعل حذاء، في هذا الشأن. كان الفخ الموجود على بوابة المزار ذو زناد بسيط، لكن إلقاء نظرة عن قرب على قنبلة المسحوق جعل تريستان يقطب جبينه. كان سحب الخيط مباشراً بما فيه الكفاية، لكن الجزء الخطير بدا أشبه بنوع من القنابل التي تم العبث بها. ليست من النوع الذي يمكن لأي شخص الحصول عليه، أو معرفة كيفية استخدامه. من المرجح أنه لم يكن يتعامل مع قناع فحسب بل مع شخص له صلات بصانع. قد يصبح ذلك مزعجاً. ورغم أنه كان فضوياً للغاية بشأن ما قد يكمن خلف تلك البوابة، إلا أنه لم يكن واثقاً من نزع فتيل الفخ، وفي حين أن تفجيره عن بُعد قد ينجح، فإن الضوضاء قد تجذب الأرواح الهائمة – وتكشف أنه تجسس أيضاً. لا، لقد تعلم ما يكفي للصباح. كان عليه الانسحاب، والتفكير في نهجه وتناول لقمة. بالإضافة إلى ذلك، كان بحاجة للتوقف عند الكوخ بحلول الظهيرة لإسقاط رسالة أخرى – أو ربما ببساطة إضافة علامة جديدة إلى الأخيرة، إن كانت لا تزال موجودة. هذا إلى جانب أن لديه نوبة عمل في "الخيالي" بعد ساعات قليلة. شق تريستان طريقه عائداً إلى مدينة الخردة، ومن هناك عاد إلى جهة المرفق. البحث في جادة ريغانت عن شيء رخيص للأكل جعله يتعثر في متجر حقير في نهاية زقة، تفوح منه رائحة الباييلا الطازجة التي تفوق منتصف الطريق. لم تكد توجد ثلاث طاولة في الداخل، لكن الوجبة كلفته قروشاً معدنية فقط بينما كان الصحن ممتلئاً حتى التخمة – وأخبره الرجل المسجل الذي يدير المتجر بفخر أن الروبيان صطيد حديثاً. لم يكن طبق ساكرامونت التقليدي، فقد استخدموا الخرشوف حتى وإن كان الزعفران مضبوطاً تماماً، لكنه ظل طعم الوطن الذي جعله يشرع في الأكل بحماس. بفارق كبير كانت أفضل وجبة تناولها منذ مغادرة المدينة. لم يكن تريستان أحمق، لذا فقد اختار الطاولة التي استند ظهرها إلى الجدار مع مراقبة الباب. زاد ذلك من مرارة عدم رؤيته لكريسينا باربوزا حتى انزلقت وجلست على المقعد المقابل. رغم أنها ما زالت ترتدي معطفها وسترتها مع شعرها المربوط، فقد تغيرت القبعة. بريهة سوداء عريضة مع إطار فضي وريشة صغيرة مائلة للأسفل. حيتها السيدة كريسينا: «أبراسكال». بشكل عفوي، مد يده نحو مسدسه ووجهه إليها تحت الطاولة. لم يلمس الطرف سوى شيء صلب. قطبا جبينيهما لبعضهما. سألت: «مسدس؟» أومأ. «مسدس؟» هزت كتفيها. قالت كريسينا: «بدا الأمر حكيماً، بعد البالغ أمس». همهم تريستان، والتقط شوكة بيده الحرة وتناول قضمية من الباييلا. مضغ بصوت عالٍ ومزعج قدر الإمكان. سأل تريستان أخيرًا، ضيق عينيه وهو يحافظ على استواء المسدس: «كم قبعة يمكنك امتلاكها بحق؟» أجابت دون أن ترمش، وهو ما اضطر للاعتراف بأنه أمر قوي: «بقدر ما لديك من براغيث. كنت تتشمم حول البرج». أخذ قضمة أخرى من الباييلا، وابتلع. قال تريستان: «لقد شعرت بالفضول. ما شأنك أنت؟» أجابت السيدة كريسينا بجفاف: «لقد كنت هناك أولاً. وذلك الحي أصبح مزدحماً». رفع حاجبيه. سأل تريستان: «كيف ذلك؟» تهكمت: «لا تظاهر. لقد رأيت ذلك النذل الأوثوكيل وهو ينصب فخاخّه. سيلومكو». هذه المرة لم تكن كذبة عندما رفع حاجبيه. لم تكن هناك طريقة لمعرفتها بذلك، ما لم… قال: «كنت هناك. كيف؟» قالت كريسينا وأصابعها تزحف نحو الباييلا الخاصة به: «الخدعة هي أنني أفضل منك في كل شيء». صوب المسدس تحت الطاولة. توقفت الأصابع الزاحفة. قال تريستان ببرود: «إن سرقت الروبيان اللائق الوحيد الذي أكلته منذ مغادرة المدينة، فسنقع في مشكلة». ضيقت المرأة ذات الوجه الحاد عينيها نحوه، ثم تنهدت. سحبت يدها. «بخيل». قال، وهو يحشو لقمة كبيرة في فمه عناداً: «احصل على خاصتك». أجابت بلا مبالاة: «لكن حينها سيتعين علي التوقف عن شراء القبعات». الضحكة التي أفلتت منه جعلته يشرق بالباييلا، وأسقط شوكته ليسعل في قبضة يده، وحدق في النبيلة المبتسمة ببراءة. لم يكن توقيت ذلك عفوياً. قال تريستان لاحقاً، ولا يزال صوته أجش قليلاً: «لن أمضي باقي وجبتي ماسكاً بسلاح. مسدسات على الطاولة، عند العد لثلاثة؟» أجابت كريسينا: «متفق عليه». عَدَّ تنازلياً حتى ثلاثة. لم يتحرك أي مسدس. اعترف، مفاخراً إلى حد ما باللعبة اللفظية: «تستحق المحاولة. حسناً إذن. كيف يمكنني التخلص منك بأسرع وقت ممكن؟» قالت: «الصياد، سيلومكو، يعمل مع شخص آخر. أعتقد أنهما يعلمن بشأن الأماكن». أي أماكن؟ همهم تريستان بتفكير، متخذاً وجه مفكر. أجاب: «هذا يَعقد الأمور». مرت نبضة قلب. لعنت كريسينا. «لم تكن تعلم بشأن الأماكن». أقر تريستان: «لا، لكن هذه المحادثة باتت تعجبني الآن. تابع». قالت النبيلة: «معظم مدربي القناع يأخذون ثلاثة طلاب فقط. الشائعة هي أن شخصاً ما قد دخل بالفعل إلى البرج، لذا…» أتم كلامها: «لم يتبق سوى اثنين. وأنت تعتقدين أنهما يعملان لإبعاد الجميع حتى يكتشفا كيفية دخول البرج بشكل صحيح». ومن هنا جاءت الفخاخ. اعتقد تريستان أنها بدت أكثر ملاءمة لصتق الرجال بدلاً من الأرواح الهائمة. أجابت كريسينا بجفاف: «تهانينا، أنت الآن تعلم الأشياء التي أخبرتك بها. سأقطع السند – ما لم يكن درس فنون الحرب الخاص بك مجرد مسرحية معذبة، فأنت لست مقاتلاً كبيرا. إن واجهتهما بمفردك، فسوف يسحقانك». إذن تلك كانت زاويتها. على السطح، كان عرضاً معقولاً. علمت كريسينا أنه مهتم بالبرج، وكان بإمكانها محاولة تجنيد قناع آخر إن عرفت واحداً لكن ذلك كان سيعني نشر المعرفة بهذا الأمر برمته. كان الحليف الوحيد على الطاولة، من منظور معين. من منظور شخص يريد حقاً الدخول إلى ذلك البرج، بالطبع. وإلا فلماذا تتحدث عن خوض معركة بدلاً من الالتفاف حول هذا الثنائي أو حتى مجرد الانتقال إلى مراعٍ أكثر خضرة؟ كلا، كانت كريسينا باربوزا تعلم شيئاً عما ينتظر داخل ذلك البرج وكانت متلهفة له. أخذ تريستان قضمة أخرى من الباييلا، مستمتعاً بالمذاق بقدر ما جعل النبيلة تنتظر. سأل بعرض، مراقباً وجهها: «ما الذي يُدرّس في الداخل؟» وميضات – مفاجأة، غضب، ثم ارتباك متصنع. فتحت فمها، لكن تريستان نقر بلسانه بضجر. قال: «أخبريني، وإلا فهذه المحادثة انتهت». انقبض فكها. قالت: «أنت وغد متجبر صغير، أليس كذلك؟» أجاب تريستان: «شخص نفد صبره. إذن ماذا ستكون الإجابة، باربوزا؟» تراجعت للخلف، وزفرت. مسحت الغضب. قالت السيدة كريسينا: «قتل الملوك. مصدر يقول إن هناك مدرب قتل الملوك». كانت فكرته الأولى هي رفض الأمر تماماً، إذ لم يكن مهتماً بمثل هذه الأمور، لكن الكلمات لم تترك شفتيه قط. لأن ذلك لم يكن صحيحاً تماماً، أليس كذلك؟ ربما كان الفن العام قليل الأهمية، لكن الخاص؟ تعلم تريستان اسماً على السيادة، الأخير في قائمته. مانح الصدقات. اسم ملِك. جاء دور اللص ليتراجع للخلف، دارساً المرأة الصلبة أمامه. كان وجهها قناعاً باهتاً، لكن طريقة تحكمها بنفسها لم تكن محكمة بالقدر نفسه. أكتاف متوترة، تميل للأمام، أصابع مشدودة أكثر من اللازم بقليل – كأنها تحاول عدم قبضها. كان لهذا الأمر برمته ثقل بالنسبة لها. بما يكفي لتجعلها غير مرجحة للانقلاب عليه ما لم يساعدها ذلك في الحصول على أحد تلك الأماكن. قام تريستان بنزع سلاح المسدس تحت الطاولة، ثم وضعه بجانب وعائه. قال: «لقد نلت انتباهي. تابعي الحديث».