بيل ألايتس الفصل 71

اقرأ بيل ألايتس الفصل 71 باللغة العربية على مانجا تايم.

لولا إبريق الشاي الثاني، لاستغرقت في النوم. كانت سونغ جالسة إلى مائدة المطبخ على ضوء شمعة تترنح، ولا تحدّق في رسالة ترستان الرديئة - فقد أُضيفَ في أسفلها حرف (X) جديد حديثاً، ليُبيّن أنّه ما زال يتنفّس. وبين حينٍ وآخر، كانت تتذكّر أن تقلب صفحة المجلد الأول من (التواريخ الشاملة)، التي يُفترض بها قراءتها لأجل ساغا. إلّا أنّها واصلت الخلط بين ملوك ما قبل الإمبراطورية: حتى أقدم سلالة، وهي سلالة بيلايو قصيرة الأجل، نجحت في حشر ملكين يدعيان ألفونسو خاضا معارك على الامتداد ذاته من أراضي الأنهار مع ملوك منافسين يحملون أسماء مشابهة. على الأقل، كان ملوك كاثاي القدامى يتخذون ألقاباً في الحكم تسهّل التمييز بينهم. شعرت سونغ بالكلمات تنزلق على عقلها بدل أن تغوص فيه، وأدركت أنّه بحلول الصباح لن تذكر تقريباً شيئاً ممّا قرأته. ومع ذلك، فإنّ إغلاق الكتاب سيكون بمثابة استسلامٍ لهذا الوقت لصالح الانتظار وحدها، برفقة رسالة ترستان وحدها لا غير. وبينما كانت تحتسي شايها الذي ازداد فتوراً، قلبت سونغ صفحة لتواجه شجرة العائلة المعذّبة لسلالة أورميسندا -خلفاء بيلايو- لتكشر بمرارة عند رؤية كتيبة جديدة من ألفونسو، تحفّها جناح فرسان من فرولاس. «هذا لُطفٌ غير مبرر»، قالت مخاطبة الكتاب. لقد ملكاها هذا الإحباط بالقدر الكافي الذي جعل معدتها تهوي حين سمعت الباب الأمامي يفتح. دخلت مريم بخطى متعبة حاملة فانوساً، ولم تعلق أسلحتها على الخطافات بل ألقتها في كومة على المقعد الخشبي المجاور للأحذية. المسحوق، علّقته على الأقل. وكان الرداء ذو القلنسوة الذي ترتديه في كل مكان محشوراً تحت إبطها وهي تخرج من الدهليز، لتتسع عيناها دهشة حين رأت سونغ جالسة إلى المائدة. لا بد أنّ إيزوريكا كانت مرهقة للغاية بحيث لم تلحظ وجود شمعة مضاءة في المطبخ. ولفترة طويلة تبادلتا النظرات، وجفّ حلق سونغ فجأة، ثم تنهّدت مريم. «أعلينا فعل هذا الليلة؟» سألَت. استقامت سونغ في جلستها. «أتعطيني وعداً بوقت صباح غد إن لم نفعل؟» متمتمة بكلمات بلغة تريغلاو بدت وكأنها لعنة، اقتربت المرأة شاحبة البشرة وألقت رداءها على كرسي قبل أن تجلس على آخر، مواجهةً لسونغ. لقد كانت مريم شاحبة دائماً ولم تستطع تيانشي تذكّرها قط بلا هالات سوداء حول عينيها، لكنّ هناك شيئاً ما... لقد بدت بالية. كأنّ ما كان طبقاتٍ قليلة صار يمتد حتى العظم. «الساعات التي تسهرينها تؤذي صحتك»، قالت سونغ بهدوء. انغلق وجه مريم، كدرفتي نافذة أُغلقتا بإحكام، وأدركت هي أنها ارتكبت خطأً مجدداً. «أحصل على قسط كافٍ من النوم، والقائدة يو تعيدني بمرافقة حين نتأخر»، ردّت بحدة. «لم أكن أعني الإساءة»، سارعت سونغ بالرد. السماء، لقد شعرت برغبة في عضّ لسانها حتى ينزف. أخذت مريم نفساً، وانتظرت لحظة، ثم أومأت. بتصلّب. «حسناً»، قالت. «لا أساءة أخذت». «أنتِ تعملين مع القائدة إذن»، حاولت سونغ مجدداً. انغلق وجه مريم مجدداً وكادت سونغ تطلق شهقة إحباط. كانت تعلم أنّ المرأة الأخرى ليست رقيقة الجلد -ولا يمكن لها أن تكون، حين كان لون بشرتها يجلب لها النظرات والشتائم أينما ذهبت- مما يعني أنّ سونغ كانت تمشي في حقل وتنجح بطريقة ما في وطء الأشواك المؤذية وحدها. «أُعملُ عليها، بل أحرى القول»، ردت مريم باقتضاب. «لكنّني حصلت على بعض الإجابات». «تقدّم إذن»، قالت سونغ، مجبرة نفسها على ابتسامة. «من نوع ما»، ردّت المرأة زرقاء العينين ببرود. «القائدة يو متأكدة إلى حد كبير من أنه لو بُتر ربع دماغي، فإنّ قدرتي على الرمزنة ستستقرار». بدت القائدة يو كشخصية ينبغي لمنظمة كريبتيا اقتحام خزانته بانتظام للبحث عن هياكل عظمية، لكنّه لم يكن من الحكمة أن تقول سونغ ذلك. «هل...» بدأت سونغ، لكن مريم رفعت يدها لتقطع عليها كلامها. «سونغ»، قالت. «السبب الوحيد لبقاء عيني مفتوحتين هو أنهما تحترقان حين أغلقهما. لست في حالة أو مزاج للثرثرة. ماذا ترانيدن؟» قضت سونغ الجزء الأكبر من ساعة قبل قليل في تحضير خطاب. بل وكتبته، رغم أنها أحرقت الورقة بالطبع بعد حفظها عن ظهر قلب. لكن بالنظر إلى هاتين العينين المتعبتين، تعثرت. «لقد لفت انتباهي»، قالت، مواجهة تلك النظرة، ثم بلعت ريقها. «لديّ...» لم تستطع تذكر نهاية تلك الجملة لو وضع شخص مسدساً على رأسها. كان الإزميل يواصل الانزلاق من بين أصابعها. بلعت سونغ ريقها، وكادت تختنق بخوفها وبصاقها. «أنا آسفة»، أفلتت سونغ بها. «لقد كان... لقد كنتُ غير منصفة معك ومع الآخرين. أنا من أشعلت النار وغذيتها. إنه خطئي». راقبتهما مريم، وجهها الشاحب نحيل في الضوء، واستطاعت تيانشي أن تتبين أن شيئاً ما هناك قد انقبض. «أنتِ تحملين نفسك ما لا تطيقين»، قالت. تصاعد الأمل في أنها ضد كل الصعاب قد وجدت الكلمات الصحيحة لـ... «اعتدت إعجاب ذلك، لكن لم يعد»، قالت مريم. «أنتِ تأخذين الأمر وتحبسنه حتى تجلعه هزة جيدة ينفتح معها الفلين وينهمر كل شيء. هذا ليس جيداً لك، وقد يكون أسوأ بالنسبة لنا». بلعت سونغ ريقها. «الأمر كذلك»، حاولت القول، ثم ترددّت. «هذه طبيعتي، مريم». «لا أحد هكذا»، ردّت مريم برفق. «تتعلمين أن تكوني كذلك». أدارت وجهها بعيداً. كان هناك شيء يشبه الشفق لدرجة مزعجة في هاتين العينين الزرقاوين، ولم تكن تملك القدرة على الغضب من المرأة الأخرى الآن. «بغض النظر، أنا أعتذر»، قالت سونغ بصوت أجش، وهي تلعق شفتيها الجافتين. «لم أكن أؤمن حقاً بالاتهام الذي وجهته إليك. لن يتكرر هذا وسأعوض عنه بأي طريقة أستطيعها». كيف، لم تكن متأكدة. لكن حتى تكتشف كيف، كيف يمكن لأي منهن الوثوق بها؟ ستفعل ما يجب عليها لتكفر عن أخطائها. «لا كفارة هنا»، ردت مريم بتعب. «لستِ أَمَةً مُلْزَمَةً لي لسبع سنوات، لتتحرري من القيود والذنب في الصباح الأخير. إن كان هناك عملٌ ينبغي إنجازُه، فليس لي». «أنا لا أفهم»، اعترفت سونغ. «أدين بالاعتذار لترستان أيضاً، لكن هذا لا يمحو...» «الاعتذارات لا تعني شيئاً ملعوناً، سونغ»، قالت مريم، ويرتفع صوتها. «لقد جرحتني، مثلما يجرح بعضنا بعضاً، لكن هذا مجرد شوك. يحدث ذلك، أحياناً حتى حين لا تعنينه. لكن ما الذي تغير منذ ذلك الحين، سونغ؟» «أعلم أنني أخطأت»، قالت. «في المرة القادمة...» وبطريقة ما، كانت تلك إجابة خاطئة أيضاً. «لا يمكنكِ جعل نفسك بلا عيوب بـ... سوابق، على نحو ما»، عَنَّفَتْها مريم. «لا يعنيني أنك فقدت السيطرة، ما يعنيني هو ما رأيته حين فعلتِ. هذا ما يحتاج إلى إصلاح، لا كلمات تُلقى في غضب». مرّت الإيزوريكا يدها في شعرها، بادية كامرأة تفصلها هبة ريح قوية واحدة عن السقوط. «إن ظلت الثالثة عشرة قائمة، فلن تكون هذه آخر مرة نُترك فيها مجروحين ومزودين بأسباب لنهش بعضنا»، قالت مريم. «سننكسر مجدداً، في غضون شهور أو سنوات قادمة». «وفي المرة القادمة سأكون مستعدة»، أصرت سونغ. «أنا لا أكرر أخطائي، مريم». «أنتِ لا تسترخين للاستماع»، قالت المرأة الأخرى. «لا أريد الجلوس معك وأنا أبتسم حتى الانفجار التالي، سونغ، دون أن أدرك أبداً أنك تبتلعين شوكة تلو الأخرى بصمت حتى اللحظة التي ينفتق فيها بطنك وتتقيأين الشوك كله في وجوهنا». هزت مريم رأسها. «السماء، لكنني في تلك اللحظة أظن أنك كرهته حقاً»، قالت. «وجزء من ذلك يقع على ترستان، لكنه يقع عليك أيضاً. لأن الأمر وصل إلى هذا الحد دون أن يفعل أحد شيئاً حياله، وأنتِ من يُفترض بها أن ترغب في إنجاح اللواء الثالثست». هذا أكثر من أي شيء آخر قيل، بدا صحيحاً. وجرح بأعمق شكل ممكن. «هناك حد لما يمكنني فعله»، قالت سونغ مدافعة. «أنا لست...» بلعت ريقها، غير متأكدة ممّا قد تكون الكلمات الصحيحة. (ممثالية) ستكون متعجرفة حتى في حال الإنكار. (صانعة معجزات) تعني وضع ترستان على قاعدة، حتى لو كانت عليلة. لم يكن شيطاناً بلا سبب. الرغبة في ادعاء أنك فشلت في درجات السلم العليا، كما أخبره العم تشوجي ذات مرة، كانت رد فعل شائعاً لفقدان موطئ قدمك في مكان أدنى بكثير. الفشل الكبير أسهل في الابتلاع من الفشل التافه. «لا أعرف ما يفترض بي فعله»، اعترفت سونغ. «حين التقينا لأول مرة في روكري ظت أنني أعرف ما ينتظرني، لكن منذ أن جئنا إلى تولومونتيرا ضعت». «ولو كنا ما زلنا في روكري، لكنتُ لوّحت بكل هذا وتغاضيت عنه»، قالت مريم. «لكننا لسنا هناك، ولا يمكنني التغاضي عن أخطاء المرأة التي أمامي من أجل تلك التي عرفتها هناك». تنهّدت. «التاريخ لن يزن الأمور في موازينه، سونغ»، قالت لها مريم. «هذا ما علمن إياه... سفك الدماء هذا. الشيء الوحيد الذي لا يمكنني العفو عنه من كل هذه المهزلة هو أنه حين نيمتني تريديغار بالعديمة الفائدة، لم يكن لدي ما أناقضها به». «ما زلت تتعلمين»، قالت سونغ بحذر. «تلك ذريعة»، قالت المرأة الأخرى بحزم. «لقد تعاملت كثيراً مع أمثالها في الآونة الأخيرة. كنت أمضغ الضغائن بدل التطلع للأمام، ولا عجب أنني تخلفت عن الركب». أطلقت مريم تثاؤبة، مغطية فمها بيدها. «أنا لا أسهر هذه الساعات نكاية بك، سونغ»، قالت. «تو تضغط بقوة أكبر لأنها سمعت شاعات بأنّ الثالثة عشرة شهدت انفجاراً، لكنني تطوعت لما هو أبعد مما تطلبه». مالت للأمام. «أنا أخطو للأمام بدل أن يُجرجروني، وهذا صنع فرقاً». «إذن حصلتِ على إجابات حقيقية»، قالت سونغ. «وليس فقط...» قيل لها إن قطع الفص الجبهي حل محتمل. «لم يجللبن سوى المزيد من الأسئلة»، قالت مريم، «لكنّ هذا هو الدرب: املأ المجهول قطة قطة حتى تجد نفسك أمام خريطة. إلى أن تُدعى عديمة الفائدة في المرة القادمة، يمكنني النظر في عين ذلك الشخص ووصفه بالكذاب». «أنتِ لست عديمة الفائدة»، أخبرتها سونغ. انغلق وجه الإيزوريكا مجدداً، لكن سونغ كانت أثقل من أن تشرئب. تداركتا النظرات لفترة طويلة، من الفضي إلى الأزرق، إلى أن أشاحت المزملة بوجهها. «لست متأكدة»، قالت مريم بهدوء، «مما إذا كنت أكره أو أحب حقيقة أنك تؤمنين بذلك حقاً». دَفعت نفسها عن مقعدها، خاطفة رداءها. «طابت ليلتك، سونغ»، قالت. «أراك غداً». نبضة، «طابت ليلتك، مريم»، ردت. لم يكن ذلك بالسرعة التي تجعلها تخاطب شيئاً سوى ظهرٍ منسحب. أفرغت سونغ ما تبقى من الشاي البارد في شجيرات الحديقة، محاولة ألا تنظر إلى إبريق الشاي الحديدي الذي عوجته في غضبها. كيف أنه ما زال يؤدي غرضه لكن ربما تضرر للأبد. كيف بدا ذلك أسوأ أنواع النحس. -- توجهتا إلى الصف معاً في الصباح. لم تكن مريم ترافقها هكذا منذ أيام، لذا بدا الأمر وكأنه نصر، مهما كان تافهاً. مع ذلك، ومع تلويح علم الأمراض الخلقية بالتراتولوجيا أمامها، كانت سونغ مساعدة حتى لمثل هذا الشيء الصغير. لم تتحدث كثيراً في الطريق، بل كانت تتلو في رأسها القراءات التي قامت بها. ليس وكأن مريم بدت في مزاج للثرثرة. البروفيسور كانغ، ظنت سونغ، سيكون حريصاً على اقتناص فرصة لإذلالها عن أي فشل يُشتبه في ارتكابها إياه. وللبقاء متقدمة بخطوة، ذهبت إلى المكتبة الخاصة في المعارض وانتقت الأعمال الثلاثة التي قدرت أنها الأكثر ترجيحاً لتكون القراءات المقررة القادمة للصف. كان اثنان منها دليلين في التراتولوجيا، ولهما نسخ متعددة بعضها بطبعات مختلفة - دليل على أنهما قيد الاستخدام منذ زمن طويل، أعمال كلاسيكية. لقد قرأت حتى الفصل الخامس في كل منهما. أما العمل الثالث فهو الذي قضت معه وقتاً أطول. لقد كان أطروحة، لا كتاباً حقيقياً، لكن عنوانه ومؤلفه فرضا عليها انتباهاً تاماً: (الانهيار المنهجي)، بقلم يون كانغ. لقد كان تحليلاً دقيقاً ومفصلاً لما فعلته السنوات الخمس عشرة التالية للكسوف بأراضي جمهورية جيغونغ. مفصلاً لدرجة لا يمكن معها إلا أن يكون قد عاشه هناك، وعاينة بعينيه. لقد كان قراءة... مروعة، لكن سونغ قرأته. لقد كانت جاهزة. كان المشي عبر سكولومانسي للوصول إلى الصف مرهقاً بشكل ما أكثر حتى من اليوم الأول، ربما لأن سونغ كانت تعلم ما ينتظرها في النهاية. حافظت على حضور ذهنها، متجاهلة الإغراءات التي كانت المدرسة تنثرها في طريقهم - طرقاً مختصرة ومكتبات مخفية، ومطخاً دافئاً تفوح منه رائحة الخبز الطازج المخبوز وفي مرة طفلاً خائفاً يصرخ. جعل ذلك الطفل بعض الطلاب يترددون قبل أن يجذبهم أصدقاؤهم إلى الوراء. سكولومانسي، حسبما رأت سونغ، كانت تراقبهم من الجدران. تتعلم ما نجح وما لم ينجح. لا، فكرت. لا تتعلم. تتذكر. لقد خفتت، بعد أن جاعت من أرواح تتغذى عليها لوقت طويل، لكن جثة تلو جثة كانت تستعيد قوتها. وعياً. كانت فكرة قاتمة، وفي مزاج قاتم وصلت إلى الصف. كانت هي ومريم قد وصلتا قبل الأغلب، وشغلتا المقعدين نفسيهما بالقرب من منتصف الغرفة. بدا الهواء في السرداب رطباً قليلاً دائماً، ولم تستطيع عينا سونغ إلا أن تحوما نحو الليمورات المحنطة التي تنظر إليها من الجدران والسقف. كان الأمر كما لو أن كانغ يملك مئة عين، كل منها تحدق فيها بلا طرف. كانت سونغ حريصة على تجنب النظر إلى مقدمة الصف حيث يقف البروفيسور، لكيلا تعذره. وصلت أنغراد مع الحادية والثلاثين قبيل بدء الحصّة، ومثل الطلاب الأخيرين الذين أسرعوا بالدخول، كانوا متعرّقين ومضطربين. بل إن زينزي كان يحمل جرحاً على خده، دليلاً قاطعاً على أن سكولومانسي حاولت فعل شيء ما. ليس أن البروفيسور كانغ كان يهتم. «بفارق عشرين ثانية لكنت تأخرت»، وبّخها. (الكسل ليس عادة يُفتخر بها). بدت شاليني غاضبة، لكن فيراندا وضعت يداً على ذراعها لمنعها من الكلام. كانت إينفانزونا تمتلك غريزة طيبة. وإذ حُرم سبباً لمواصلة توبيخهما، همهم البروفيسور كانغ ومرّ بمكتبه لينتشل عصاه الخشبية بينما استقرت أنغراد في المقعد على يسار سونغ، ملقية إيماءة نحوها. «الآن وقد انتهت المشتتات»، قال البروفيسور كانغ، «فلنبدأ». بدأ محاضرته دون حتى نظرة تجاهها لكن سونغ كانت أعقل من أن تخفض حذرها. ومع ذلك، لتعترف، كان محاضراً جذاباً. خلافا للبروفيسور ساسان لم يكن يدعو للنقاش، لكن محاضرته لم تكن من النوع الذي ينوم الطلاب. وبعد قضاء نصف ساعة في تحديد الفروق الأساسية بين (حيوان) و(مخلوق) -وهو مصطلح شامل يشمل اللاريس والليمور، رغم ملاحظته أن الأدب الأقل أكاديمية يشير إليها أيضاً باسم (الوحوش)- عرض أساسيات مؤشر تاكاتا عليهم. كانت تلك هي الطريقة التي يصنف بها عالم التراتولوجيا في الحراسة تهديد مخلوقات معينة على مقياس من واحد إلى عشرة. أخبرهم كانغ ببرود أنه ينبغي عليهم حفظ المعايير التي كتبها على اللوح، فلن يُختبروا فقط في سردها بل في تطبيق مؤشر تاكاتا على أمثلة مخلوقات. ثم استدار نحوها وبدأ الأمر. «القائد رين»، قال البروفيسور بنعومة. «من الذي وضع لأول مرة تمييزاً بين اللاريس والليمور؟» أراد منها، فكرت سونغ، أن تجيب (الإمبراطورية الثانية) ليوبخها على عدم دقتها. لحسن حظها، كانت قد قرأت الفصل الثاني من (كاتيغوریاس ناتوراليس). «كورنيليا ماركا، نيابة عن الإمبراطور راؤول الثاني»، ردت. (سيدي). توقف الرجل، ملاعباً لحيتها. «إجابة أساسية»، قال، وانتقل. تبع ذلك دقائق معدودة من التعرف على أصول ليرغانين المبكرة للانضباط الرسمي، لكن الانعطافة جاءت حتمية. «القائد رين»، ابتسم بفتور، «كيف يمكن لمخلوقات من مناطق تبعد مئات الآلاف من الأميال أن تشترك في علم وظائف الأعضاء نفسه؟ لنأخذ الكلبيات كمثال». أربور فيتاي، الفصل الرابع. لقد غغير الأدلة. «وفقاً لنظرية المنشأ، سيدي»، ردت سونغ، «يرجع ذلك إلى أن هذه المخلوقات أتت من الحيوانات الأصلية ذاتها. وفي حالة الكلبيات، الكلاب». تصلب وجهه. «تكهن في أفضل الأحوال»، قال البروفيسور كانغ، مستديراً بعيداً. مرتين الآن قصدها وأخطأ. ما لم يكن أصماً فسيسمع الهمسات ذاتها تنتشر في الصف كما فعلت هي. شيء هو أن ينتقي أستاذ طالباً، وشيء آخر أن يفشل ذلك الأستاذ. رجل قلق على سمعته كان ليتوقف. لم يفعل يون كانغ. السؤال التالي الذي طرحه عليها كان مرتبطاً عرضياً بما كان يُناقش أصلاً، حول الاسم الصحيح للطفرات التي يسببها الأثير في تشريح النبات، وهنا كان عليها الاعتراف بالجهل. عادت الابتسامة الماكرة. ولم تستطع الإجابة على السؤالين التاليين أيضاً، وبعد الأخير تنهّد بخيبة أمل. «يبدو أنك ستجتاجين إلى كل المساعدة التي يمكنك الحصول عليها، القائد رين»، قال البروفيسور. «أنتِ، في المقدمة، ما اسمك؟» كان يخاطب فتاة إيزكالي قصيرة جالسة في الصف الأمامي، وقد حُلِق شعرها ما عدا خصلة تمر بالظهر وخصلتين على الجانبين. متعاقدة. «القائد توزي بولوكو»، ردّت. «اللواء التاسع عشر». «تبادلي المقاعد معها، القائد توزي»، أمر البروفيسور كانغ. ذبلت سونغ تحت نظرات الفصل بينما أجبرت على جمع أشيائها ونقلها إلى الأمام، وبعثت القائد الأخرى نظرة غير ودية نحوها بسبب المتاعب. كفَّ كانغ عن استجوابها بعد ذلك، لكنه حرص دائماً على المشي ذهاباً وإياباً قربها مع جر عصاه عبر مكتبها. جعلها ذلك متوترة في كل مرة وتتخلف عن تدوين الملاحظات. استمرت المحاضرة قرابة ثلاث ساعات بالكامل، وقبيل صرف الصف مال البروفيسور باقتراب عيناه السوداوان تلمعان. «ابقي في الخلف لاحقاً»، أمرها البروفيسور كانغ. أبعدت سونغ ملاحظاتها بينما بدأ بقية الصف في المغادرة. التفتت مريم للخور مرتين، لكن حاجب البروفيسور المرفوع ثناها عن التردد. قريباً لم يبق سواهنا، والبروفيسور يقلب الأوراق على مكتبه. وبعد الانتظار خمس دقائق، تجرأت سونغ على تنحنح حلقها. «سيدي»، سألت بحذر. «ما الذي يمكنني فعله لأجلك؟» نظر البروفيسور كانغ للأعلى، مبدياً دهشة ظاهرة. «ما زلت هنا، رين؟» قال. «ستتأخرين عن حصتك التالية». جزّت على أسنانها. أكان تافهاً لهذه الدرجة حقاً؟ «كما توحي، بروفيسور»، ردت بتصلّب، ممسكة بحقيبتها. ابتسم بتهكم. «مع ذلك، بما أنك هنا»، قال البروفيسور كانغ بكسل. «أنا فضولي - هل أنتِ ممارسة لفنون جيانغ وو، قائدة سونغ؟» رمشت بدهشة. «رقصات السيوف؟» سألت. «لا، سيدي. لم أتعلم أي منها قط». لقد تُعلّمت المبارزة التقليدية بالسيف، بالطبع، لكنها مع ذلك تظل مستخدمة للاستخدام الحقيقي لا عرضاً احتفالياً بالدرجة الأولى. رقصات السيوف تتطلب مهارة لكن ليس بالضرورة نفس المهارات المستخدمة في القتال الحقيقي. وبشكل محير، جلب الجواب رضاً خبيثاً لوجه الرجل. «لا»، ابتسم كانغ. «ظننت ذلك. اذهبي إذن. انطلقي». سرّها أن تفعل، غير مرتاحة للوقوف وحدها في الغرفة مع رجل ينوي لها الشر. حاولت سونغ التفكير في البروفيسور كاختبار، شيء يمكنها صنع سمعة منه، لكن اليوم جعل ذلك... صعباً. بدا كانغ راغباً تماماً في الذهاب إلى أبعد مدى يحتاجه لتبدو جاهلة - كم عدد من في الصف كانوا سيتمكنون من الإجابة على الأسئلة التي أجابت عليها بشكل صحيح؟ كم عدد أولئك الذين لم يكونوا حفظة؟ غادرت وهي تعض على أسنانها. عند وصولها إلى الرواق في الخارج، وجدَت أنها قد تكون الأقل مغادرة لكن لا يزال هناك بعض المتخلفين. كان زوج من تيانشي يقفان في نهاية المواق، قرب الدرج، يتحدثان بصوت خخفض. أحدهما كان متعاقداً. اسمه هونغ هوا، ويمكنه نقل... مكان الجروح باللمس؟ مثير للاهتمام. أبعدت ناظريها قبل أن يلاحظ. استغرق الأمر ثلاث خطوات أخرى لتتذكر سونغ تفصيلة واحدة - ذلك الهجاء الخاص لـ(هوا) كاسم عائلة، إنه غير شائع. يكاد يُستخدم فقط حول الشفة الجنوبية لنهر هيهو، الحدود مع سوريشوار الإمبراطورية. حدود جمهورية جيغونغ مع سوريشوار، لتكون دقيقة. سمعت سونغ باب الصف يُغلق خلفها، وأنقذ ذلك حياتها - التفتت في ذلك الاتجاه، لتتوسع عيناها حين رأت طالبين آخرين يختبئان على جانبي الباب. أحدهما كان يوجه مسدساً نحوها، وحين ضغط على الزناد انحنت لأسفل. دوت الطلقة، مخترقة رقبتها وحقيبتها ومرسلة قطعا من الورق تطير. كانت تلك ملاحظاتها، غضبت جزء منها ببهت. لم يكن مسدسها الخاص محشواً، وهو خطأ فادح، لذا عوضاً عن ذلك انسلّ سيفها من الغمد حين ألقت حقيبتها. لن يفعل سوى إعاقتها. «المساعدة»، صرخت، لكن لم يكن هناك أحد. سواها هي، أعداء وباب مغلق. أطلق المهاجم بلا مسدس -متعاقد، رينشو، شيء ما أكّال- ضحكة حادة، مسشلاً سيوف داو منحنياً وهو يتقدم. حركة في الخلف، لكن إن سمحت لهن بفرض ذلك عليها فهي ميتة. متجاهلة التهديد في خلفيتها ركضت نحو مهاجميها، متجاهلة الدهشة على وجوههما وهي تندفع نحو حامل المسدس. قفز مبارز السيوف المتعاقد بينهما بينما صرخ الرجل الآخر، مسقطاً مسدسه ومتعثراً بحثاً عن السيف المستقيم على خاصرته. خطوتان، طعنة. أتى السيف لضرب نصلها لكن سونغ كانت تتحرك بالفعل خارج الخدعة. التواء، مسح منخفض وقطع - تراجع (رينشو) على عجل نحو الباب لتجنب قطع حلقه، مصطدماً به بصوت مكتوم. استل الرجل الآخر شيفته، في الوقت المناسب لتسقط سونغ بسلاسة وتكتسح ساقه. تتحرك دائماً، حاصدة القوة كالريح. تعثر للخور، مصطدماً برأسه في الجدار وهو يسقط. مسقطاً سيفه. ضربة سيف من اليسار، قطع سريع لكتف ذراع سيفها. ليس الرقبة؟ ولا حتى خدعة، وجدت سونغ وهي تومض بضربة نحو ركبته لتعثر الخدعة لكنها وجدته يميل مع الضربة بدلا من ذلك. استدارت محولة ذلك النصل الاستكشافي إلى ضربة ارتدادية صاعدة على وجه رينشو أدت لرجوعه، الزخم ضده و... هناك، انزلت طرف حذائها تحت السيف الساقط، رامية إياه لأعلى مباشرة. أصابت سيفها في وجه رينشو، دافعة إياه للخلف مع سيفه عالياً، خاطفة السيف الآخر من الهواء من المقبض وممررة إياه بسلاسة في حلق الرجل الآخر حين عاد لقفوه - حركته وحدها دفعته للنصف. انتزعت السيف بحرية بينما صرخت المرأة الوحيدة بـ(ليو)، مستديرة لتواجه البققة. خطوة للأمام، تنفس داخلاً وخارجاً. لا تتوقف عن الحركة أبداً. سيصل رينشو خلفها قريباً، لذا اندفعت نحو الزوج المهاجم. «أيتها العاهرة»، زأر هونغ هوا رافعاً شيفته. شانغداو كبير، سيف ذو يدين مرفوع عالياً. قاتل الخيل، بطيء لكن قوي. ضربة جيدة واحدة على الرأس وانتهت. لكنه وقف كمن لا يهدف لجمجمتها بل لكتفها. بين ذلك وضربة كتف رينشو؟ أراداها حية. يمكنها استغلال ذلك. خفضت المرأة رمحها مههدة أضلاعها، لكن عوضاً عن محاولة التوفيق بينهما اندفعت سونغ مباشرة إلى ضربة هونغ - الزاوية وضعته بين سونغ والرمح، وفي اللحظة التي تردد فيها لإنزال السيف طعنت سونغ بنصلها في بطنه. اصطدم بالمعطف، بعيداً عن الموت البطيء لجرح عميق وإلى الجانبين. صرخ هونغ بصوت أجش حين دفعت كتفها في صدره، مسقطة إياه أسفل. تحركت سونغ لانتزاع سيف الرجل الميت، لكن الوزن اختل قليلاً و- اصطدم الحرف بزر نحاسي، فاصلاً في قطه الخيط تحته. كانت أبطأ بنبضة واحدة من تجنب الإصابة بالرمح، رافعة ذراعاً لحمايتها من الساق لكنها دُفعت متخبطة للوراء. بدون السيف. مدت يدها لمسدسها، رغم كونه غير محشو، لكن رينشو كان عليها قبل حتى أن يخرج بنصفه. ضرب بقبضة سيفه على مرفقها المثني، ثم حين صرخت وشعرت بتمزق العضلات أمسكها من حلقها وطرحها أرضاً. اصطدم ظهر سونغ بالحجر، سارقة الهواء من رئتيها. «خذني إلى ليو»، صرخ هونغ. «بسرعة، قبل أن...» رأت الرمح يهبط، وتدحرجت لتجنب الضربة لكن الطول الخشبي ضرب كتفها مع ذلك. توترت سونغ، خطأ: ركلها رينشو في ظهرها فانتفضت بألم، صارخة. «اذهب بنفسك»، زأرت المرأة. «لم تسقط بعد». بأيدٍ مرتجفة، أخرجت مسدسها ووجهته نحو رينشو، الذي تراجع نصف خطوة - فقط ليقوم حليفه بالضرب على يدها بالرمح، وألم شديد البياض يجتاز سلاميات أصابعها حين أسقطت المسدس الفارغ. تلت ذلك ضربة على الرأس، معمية إياه لنبضة. حاولت التدحرج بعيداً، الزحف، لكن ركلة أعادتها لبطنها ثم استقر حد السيف على حلقها. «تحركي وتموتين»، لاهث رينشو، محمر الوجه. «لا مخاطرات أخرى معك، سونغ رين». سكنت سونغ، رغم غثيانها من الركلة الأخيرة وطعم المرارة في فمها. كان بصرها يسبح من ضربة الرأس تلك، لكنها رأت هونغ هوا يترك أثراً من الدماء عبر يده وهو يركع بجانب جثة ليو ويضع يداً على وجهه. رأت خيوطاً حمراء دموية تربط بين الاثنين، وشيئاً يتحرك عبرها من هونغ إلى ليو حتى انفجر وجه الجثة في شلال دموي. الجرح، أدركت. لقد نقل جرحه إلى الرجل الميت. «تبّاً»، تنفس هونغ باهتزاز. «كان هذا قريباً». «قلت لك كان يجب أن نقتلها فوراً»، قالت المرأة. «لم نكن لنحصل على فرصة أفضل من هذه، ميهوي»، جزّ هونغ على أسنانه. «مع ذهاب راقص المرآة...» «ليو ميت»، قال رينشو بفظاظة. «جثة أخرى لعداد الرين»، رد الرجل الآخر. فتحت سونغ فمها لتقول شيئاً، أي شيء، لكنها وجدت صعوبة في التركيز و- هبط الرمح مجدداً، مصيباً إياها في المعدة. انقلبت لتتقيأ، ونصل رينشو ينسحب بالكاد في الوقت المناسب. «ليس هنا»، قال هونغ. «خذوها إلى الغرفة. لا يمكننا الثقة بكانغ ليبقي فمه مغلقاً إن فعلناها هنا، إنه جبان أكثر من اللازم». «قال...» لم تسمع سونغ ما قاله البروفيسور كانغ، لأن أحدهم أمسكها من ياقته وجرّها بعيداً. شعرت بالخدر، كأن جسدها بالكاد يعود لها. لم تكن متأكدة كم طال تحريكها، لكن بعد وقت وُضعت مسندة ضد جدار - ثم أيقظتها صفعة حادة على الوجه لتعيدها للحاضر. «هناك»، قالت ميهوي. «هذا يجب أن يففي بالغرض». كانت قصيرة جداً، فكرت سونغ. بالكاد خمس أقدام. جعلت تلك الضفيرة المنسدلة على ظهرها تبدو أطول بكثير. ضغط طرف الرمح على بطنها. «اكتشفتِ الأمر بعد؟» سألت المرأة الأخرى. «أنتم جميعاً من جيغونغ»، ردت سونغ بصوت أجش. ضحك أحدهم. هونغ، رأت. كان يجر جثة ليو المشوهة ليستند إلى الجدار. عريض وقصير عن البناء، مع عقدة رأس فوضوية وعيون داكنة. «الجمهورية، نعم»، وافق. «ليس المدينة. أنا من باوبان بنفسي، أعلى النهر». قبل أسبوع لم تكن سونغ لتسمع بالاسم أبداً، لكنها قرأت (الانهيار المنهجي) منذ ذلك الحين. «حيث صنعوا الزيت الملموس»، أطلقت بصوت أجش. «فخر البلدة»، ابتسم هونغ وهو يقترب. «موّر نصف الفوانيس في جيغونغ وباع حتى عبر النهر. شيوخنا سمعوا بالكسوف قبل يوم واحد من وصول الفرسان من العاصمة، ملوحين بتلك الأوامر التي ستفرغ مخزوننا من الزيت». اتسعت ابتسامته، بلا مرح البتة. «لكن كان ما زال هناك سنتان قبل اليانصيب، لذا لم يكن هناك الكثير مدخراً بعد»، قال هونغ. «قد ننفد. لذا رفض الشيوخ، أغلقوا البوابات، وغادر الفرسان غاضبين». دفع الرجل نفسه عن الجدار. «عاشوا بعد أسبوع، رين، بألفي رجل ومدافع. نهبوا باوبان، وأعملوا السيف في معظم الشيوخ وكانوا متهورين في نهبنا لدرجة أن نصف الزيت الذي جاءوا لسرقته ذهب في نيران على أي حال». انقبضت أصابع هونغ. «مات أخي الأكبر في تلك النار»، قال. «عمتي. نصف آباء الأطفال الذين نشأت معهم. أولئك الذين كبروا حقاً - كان هناك أجوفون أكثر من الرجال في باوبان حين جندتني الحراسة». «لم أكن قد وُلدت بعد»، صرخت سونغ. «وهذا عذر؟» سخر هونغ. «أَتظنين أننا لا نعرف أن عائلتك عقدت صفقة؟» قالت ميهوي. «أن الشيطان العجوز بقي لكن البقية منكم هربوا إلى بعض الأقارب في الجنوب؟ لم نُربَّ جميعاً في عقار وثثير، رين». ضغط طرف الرمح بقوة أكبر ضدها، مخدشاً المعطف. «عائلتي توجهت إلى لوبان بمجرد أن أصبحتُ قادرة على المشي»، قالت ميهوي. «مثل نصف الهاربين من جيغونغ. كان بؤساً الوصول إلى هناك، والناس ينقلبون على بعضهم كالدياب حين نفد الخبز وانخفضت الأنوار، لكننا وصلنا للحدود. فعلنا». انقبض وجهها كقبضة. «لكنهم أوقفونا عند الحدود، عند ممر هونغينغ»، زأرت ميهوي. «قال الجنود إن جمهورية لوبان مغلقة في وجه اللاجئين. وراقبونا ونحن نموت جوعاً، حتى مات الفاضلون وأكل البقية منا جثثهم». ارتفع حد الرمح حتى صار على بعد بوصة واحدة من عين سونغ. لم ترمش، ولم تبتعد عن نظرة المرأة الأخرى. كيف لها ذلك، حين كانت تنظر إلى إرث عائلتها؟ «الأشياء التي فعلتها أمي لإبقائنا أحياء، والأشياء التي أُجبرت أخواتي على... أوه، من أجل ذلك ستوت الموت البطيء»، قالت ميهوي بنعومة. ولم تستطع سونغ منع نفسها. ضحكت. ما الذي كان يمكن فعله غير ذلك؟ «أنتِ...» بدأت ميهوي. «تعالي إذن، رينشو»، قالت سونغ، ناظرة إلى الرجل الذي ما زال يراقب الباب. «هل أسمع حكاية بؤسك أنت أيضاً؟ لن تقتلني إلا مرة واحدة. اجعليها تحتسب». طابق الرجل شيفته، ضيق الوجه والبنية لكن حاد الخد والعين. كان رأسه محلوقاً تماماً وحاجبه محزوز بندبة صغيرة لم تمر بالكامل. شعر، فكرت، بأنه أخطر الثلاثة. هذا يراقب وينتظر بينما يتخبط الآخرون. «لا حكاية مني»، رد رينشو. «فقط هذا: بعد إهلاك الآلاف تلو الآلاف، عاش تشاكسيانغ رين لعامين في برج مريح بينما كانت جيغونغ تذوي حوله». «لم يساوم على ذلك»، ردت سونغ بحدة. «احتجزته الوزارة حتى يُتاح له المثول للمحاكمة أمام قضاة كل جمهورية». قبيل إعلانهم أن جيغونغ منفصلة إلى الأبد عن اليانصيب. الحكم، قيل لها، ما زال شهيراً. ضربتان من كل قاضٍ باستثناء قاضي جيغونغ الذي بدأ أخيراً وحصل على واحدة فقط، ثم يبدأ التسلسل مجدداً. مراراً وتكراراً حتى يحل الموت. (تسعة وثمانون جلديّة، لا نور بعد) صار مثلاً للأوقات التي تبدو فيها العقوبة أضعف من الجريمة. «كان يجب أن يقتلوكم جميعاً هناك وفي ذلك الحين»، قال رينشو بلطف. «تسع درجات من الإبادة، مثلما أقسم الملوك القدامى. ليس هذا سوى تصحيح لذلك الخطأ». المرح القبيح المفققع لم يكن بعيداً وانشق عن حلقها مجدداً. ضحكت في وجهه، في وجوههم جميعاً. «لا، ليس كذلك. هذا أطفال ينفسون عن كرههم للرين الوحيد الذي وجدوه»، قالت سونغ. «زيّنوه كما شئتم، نعلم جميعاً الحقيقة: أنتم تتجاهلون الزونيان وتسعون للرضا الشخصي. تجوبون الأرض بلا معرفة بالبار والابار». تلقت وجوهاً خالية من التعبير، وميهوي ترمي رينشو بنظرة مرتبكة. «إنها من فانغزي يونغتو»، قال الرجل حاد الوجه. «تقول إننا بلا مبادئ». «آه»، ابتسمت ميهوي. «أمي لم تتاح لها فرصة تعليمي غاية الدار، رين. تري, إنها...» «لا أهتم». قال أحدهم الكلمات بصوتها. بشفتيها. من طرف عينها، رأت سونغ لورين جالساً في الزاوية مميلاً رأسه مع قبعة قش واسعة الحافة مسحوبة للأسفل لإخفاء وجهه. كل ما رأت منه كان الحافة الأقل لابتسامة. «لا أهتم»، كررت سونغ، زافرة. يا له من إحساس بالراحة قول ذلك، بعد كل هذه السنين. كأنها تتنفس هواء نقياً لأول مرة في حياتها. «تقف هنا لتلقي عليّ محاضرة عن الأهوال بينما تدعي أنه جريمة أن أُولد؟ مأساوي»، أخبرتهم. «لا تحاولوا التظاهر بأن هذا انتقام. هذه، هذه نوبة غضب. لذا وفّروا عليَّ الدموع والقصص وانتهوا من الأمر الملعون». لقد قضت حياتها كلها تعاني من أجل اسمها. لن تقضي موتها تفعل الشيء نفسه. «لن يفعلوا»، قال لورين من زاويته، نازعاً الفلينة عن قرع نبيذه بصوت فرقعة مدوٍ. «يريدون منك أن تصرخي، طفلة. يأملون أن هذا ما سيسمعونه حين ينامون، بدل الأصوات الأخرى». «أنت لست من يقرر ذلك»، قالت ميهوي ببرود. «لن يغير ذلك شيئاً»، أخبرت سونغ ملكها، متجاهلة إياه. «لا شيء يغير شيئاً». «خطأ»، قال لورين بسعادة. «أحمق. الشيء ليس لا شيء، وحده لا شيء يمكن أن يكون شيئاً». التعذيب، أملت سونغ، سيكون أقل مللاً من هذا. شرب الراهب المزيف بشغف من قرعه، مسحاً فمه بمظهر مسرور بعد ذلك. «وقد أخرجتِ شيئاً»، قال الملك. «إذن هناك شيء». توقف. «المرأة تمتلك البوصلة»، أضاف لورين، ثم اختفى. ألم حاد عبر خدها أعاد نظرة سونغ، وميهوي تقف فوقها بنظرة محتدمة. «إن لم تكن الصفعات كافية»، قالت، «فربما فقدان بضع أصابع سيساعدك على حفظ التركيز». لعقت سونغ شفتيها المشققتين، متذوقة القيء على لسانها، وكانت تحاول صياغة رد لاسع - ولم تكن طريقة تذبذب بصرها بمساعد - حين صدر صرخة دهشة. هونغ، فكرت، ورمقت بعينيها متخطية ميهوي. أحدهم كان... مريم؟ لا يمكن أن يكون، فكرت. الباب لم يُفتح، ورينشو يراقبه طوال الوقت. وحدها مريم كانت هناك، تتجول بكسل متخطية الرجل حاد الوجه بينما رفع البقية أسلحتهم. لم تعد ترتدي رداءها ذو القلنسوة، بل في معطف أسود فضفاض متروكاً مفتوحاً مع شعرها الداكن الطويل ينساب بحرية تامة على ظهرها. لا، أدركت سونغ. لم تكن هذه مريم. الجلد كان شاحباً بنفس القدر لكنها كانت أطول، عيناها زرقاوين غائمتين بدل أن تكونا صافيتين. وهناك تفاصيل تخص وجهها... أنف أحده، حواجب أكثر كثافة. ورأت سونغ رين الحقيقة، كما توسلت يوماً لأي ملك قد يكون مستمعاً: لم تكن تنظر إلى لحم بل أثير. «من اللعين...» بدأ هونغ. «رمزهما»، قاطع رينشو. «كيف دخلت إلى هنا؟» واصلت شبيهة مريم المشي، بخطوات هوائية، متجهة مباشرة نحو سونغ. تراجعت ميهوي بحذر، رافعة رمحها. رأت سونغ خطوات كائن الأثير تترك آثاراً داكنة. كانت تنسج غلوام دون تحريك يديها أو نطق كلمة. تجهم الوجه المألوف تقريباً نحوها، ثم تنهّدت. «إن كانت قلقة إلى هذا الحد»، تمتمت شبيهة مريم، «لكن بوسعها الذهاب بنفسها». صوت مسدس يُعشّق. وجه هونغ سلاحه نحوهما. «سألَكِ سؤالاً، أيها الأجوف»، قال الرجل. منحت الظلال نظرة عابرة، مع التواء شفتها باشمئزاز. «لست بلا رحمة»، أخبرتهما شبيهة مريم. «إذا قطع كل منكم يده اليمنى وتوسل بصدق من أجل حياته، فسأسامحكم بالمغادرة بعد ذلك». ضحكة مشككة. «ومن أنتِ، بالتحديد؟» سألت ميهوي. «الأميرة الأخيرة فولشيستا»، قالت شبيهة مريم. «ركبت مع المحاربين الشتويين، وقفت على الشاطئ حين أعطينا النهر سبعة أسياد من مالان. أنا حارسة الخطافات، أول وآخر التسعة أضعاف التسعة». ارتفع ذقنها قليلاً جداً. «يمكنك الركوع»، سمحت شبيهة مريم بكرم. «قمامة ييوه»، سخر هونغ، ووجه مسدسه. قرصت الظلال أصابعها. شعرت سونغ بأدنى تموج، لكن شيئاً لم يحدث. إلى أن اتسعت عينا هونغ هوا واستدار ليفرغ مسدسه في رينشو. «كمين»، صرخ. صرخ رينشو، لكن الرصاصة أصابت خاصرته فقط. شاهدت سونغ، بحيرة بينما ذهبت ميهوي لحماية الوقوف بينهما وبين الاثنين الآخرين رافعة رمحها. «ابقَ في الخلف»، أمرت. «لست في حالة لـ...» تجهمت، مصارعة لإنهاء جملتها. «شكراً لك»، قالت شبيهة مريم بجفاف، ووضعت إصبعاً ضد مؤخرة جمجمتها. كان هناك نبض في الهواء، ثم ظهر ثقب يدخن بعرض بوصة في رأس ميهوي. طوال الطريق عبرها، رأت سونغ. حدقت برعب بينما سقطت تيانشي الأخرى على الأرض. نظرت شبيهة مريم في اتجاهها، ثم قلبت عينيها. «لا تبدي قلقة للغاية، إنه مجرد تحوير في الإدراك»، قالت. «لو لم يأتيا بنية العنف لما كان هناك شيء ليتم تبديله». «ما أنتِ؟» جشّت سونغ. «ملوك، ما أنتِ؟» «بقايا وفضلات»، ردت شبيهة مريم ببساطة، ثم رفعت حاجبها. «الوقت مناسب الآن لشكر فاضح، أيتها الجاحدة عديمة الفائدة». «لست مريم»، اتهمتها سونغ. «سأمرر تلك بالنظر لارتجاجك الظاهري»، تفلسفت شبيهة مريم، «لكنني يجب أن أعترف أن هذه ليست المحادثة الأكثر تحفيزاً التي خضتها». «ماذا فعلتِ؟» أعادها الصرخ لاتجاه الآخر، حيث وقف رينشو فوق جثة هونغ مقطوعة الرأس. كانت إحدى يديه على جرحه، بينما حملت الأخرى سيوفاً منسوجة من نار ذهبية - عقدته، فكرت سونغ. بدا السلاح وكأنه يلتهم الهواء نفسه، وكل ما يلمسه. حتى رينشو نفسه، ببطء ولكن بشكل مؤكد. يلتهم الرمز الذي وضعته فيه، أدركت. إنه حر منه. «ظننتُ أن تيانشي يفخرون بأخلاقهم»، وبخته شبيهة مريم. «ليست الغرفة بهذه الكبر، لا داعي للصراخ». «أنت لست رمزا»، عوى رينشو. «أنت وحش، أنتِ...» «ششش»، ردت شبيهة مريم واضعة إصبعاً على شفتيها، ثم مشيرة للأعلى. «ستغضبه». لم ينظر الرجل للأعلى، مسخراً من الإلهاء الواضح، لكن سونغ فعلت. هكذا رأت الغلوام المتناثر في الغرفة وقد تكتل في شكل مضطرب في الأعلى. سذّاية بحجم حصان مع ذيل طويل، متشبثة بالسقف بأرجلها الستة وهي تراقبت رينشو بفم واسع مفتوح في نهاية عنق طويل. بروزان منتفخان شقا طريقهما للخروج من ظهرها، كأشواك مستديرة تحاول الانفتاح لشيء ما. كل جزء منها كان متحركاً في خيوط عكرة، كأنما رسم لشكل. «فاترا»، أمرت الظلال. صرخ الكيان، ودارت عيناها رينشو للأعلى فقط ليبصق الكيان تياره من نار غلوام السوداء. قطع الرجل الغلوام بسيفه الذهبي، ممحياً خيوطاً كاملة. لكن النَفَس كان واسعاً للغاية. لا تزال الحواف تلتقط عليه وتحرق القماش واللحم مثل الحمض. سقط رينشو صارخاً، ولوّحت الظلال بإذن لمخلوقها قبل الاستدارة كما لو أنها فقدت اهتمامها. سقط الوحش من السقف بلا صوت، منقضاً بسلاسة ومخترقاً رينشو مثل كلب جائع. «ما زلت أنتظر تلك الشكر»، ذكرتها شبيهة مريم. «كيف؟» أخرجت سونغ. «مونارك يتأثرون بسهولة بالغة»، ازدرت شبيهة مريم. «ليس هذا سوى سموك». توقفت صرخات رينشو فجأة. «استطاعت أمي تشكيل ليشي بحجم سفينة. اعتادت نزع أرجل مبارزي السيوف به»، تابعت الظلال. لم تكن سونغ متأكدة مما يشغلها أكثر: تلميح أن هذا الكيان قد يتعلم فعل الشيء نفسه، أو كيف ذكرت نزع الأرجل كما لو كانت ذكرى محببة. أو ربما ما توّج التاج هو ما بدأت تلمحه عبر طبقات وألواح الأثير، الآن بعد أن اعتادت عيناها الكيان. كل ذلك الأثير تجمّع على شيء ما، كطبقات طلاء. ولم ترَ شيئاً كهذا قط، لكن سونغ شكت في أن ذلك الشيء المعقد بالداخل قد يكون مجرد روح. تجهمت شبيهة مريم فجأة، وظنت أن نظرتها قد لوحظت. وحدها الكيان المهيب شاحب البشرة تنهّد. «بالفعل؟» قالت. «على الأقل...» ومثل شمعة أُطفئت، اختفت. صمت. سونغ رين، التي ما زالت مسندة ضد ذلك الجدار نفسه، نظرت إلى الغرفة الملطخة بالدم واللحم حولها. أربع جثث تبرد ببطء، ولا شيء حي هنا سواها. خطرت لها فكرة وأطلقت ضحكة مقفرة. صار لديها الآن عدد جثث أعلى من ترستان. ويا لتفكر أنها لعنته لجلب المتاعب. لقد لاحت متاعبها هي بالذات، مترقبة بصبرا فتحة بدل التسلل. كانت مصرة لدرجة كبيرة على قلب الأمور هذا الصباح، ومع ذلك لا تشعر الآن إلا بلسعة الحقيقة في كلمات القائدة وين: إنها تعرف أقل من القليل عن بقية اللواء الثالث عشر. ظنت أنها تعرف مريم أكثر منهن، لكن هذا؟ الكيان كان متصلاً بالإيزوريكا، هذا واضح تماماً، والأشياء التي قالتها... أميرة؟ محاربو الشتاء، التسعة أضعاف التسعة؟ لم تذكر مريم أيّاً من هذه الأشياء لها ولو لمرة واحدة. كم أخفقت سونغ في استخلاصه من ترستان، من أنغراد؟ مفارقة حادة، لها من بين الجميع أن تشعر بكل هذا العمى. بدا كل هذا عبثياً، فجأة. ها هي، مصابة ومضروبة، محاطة بالجثث، وماذا تعلمت؟ فقط أعماق جهلها. كل هذا الدم والألم وكل ما كسبته هو الحق في القتال مجدداً غداً. بغض النظر عن صراعنا، سننتهي دائماً في الخلف، همس شخها. فكرت في تلك النظرة في عيني نيانزو، متسائلة عما إذا كان أحدهم سيجد الشيء نفسه في عينيها الآن. كله هباءً. ورربما الإرهاق، الفراغ فيها، لكن الكلمات جعلتها تستحضر كلمات لورين. الهراء الغامض الذي تركها به مجدداً. ما كان؟ (الشيء ليس لا شيء، وحده لا شيء يمكن أن يكون شيئاً). هراء. إنه - لعقت سونغ شفتيها، بلعت بمرار. لا شيء كان شيئاً. لا تعرف شيئاً عن بقية الثالثة عشرة، وتلك الفجوة كانت... شيئاً للملء. عمل. طلبت من وين معجزة، طريقة لتحسين كل شيء، لكن ما أرادته حقاً هو عودة الأمور إلى حين كانت تعمل. لكنها لم تفعل قط، أليس كذلك؟ هذا ما كانت مريم تغضب منها لأجله الليلة الماضية، كيف أخفقت في فهم ذلك. لم تحتاج سونغ لإجبارهن جميعاً للجلوس على مقاعد مائدة المطبخ تلك، لعمل كل ذلك مجدداً لكن بطريقة صحيحة ما. احتجت سونغ لمعرفة الأشخاص الذين ستجلس أمامهم. قضت وقتها في محاولة جعل الثالثة عشرة تقاتل معركتها بينما كان ينبغي لها قضاؤه في قتال معاركهن. وهذا عمل، هذا دم وعار، لكن تلك كانت كل حياة سونغ رين. ما هي بضع أشياء أخرى؟ تنفست ببطء، وضعت راحة يد ملطخة بالدماء على الجدار ودفعت نفسها ببطء للأعلى. بدا أن لورين، وبشكل كريه، أثبت فائدته ليس مرة بل مرتين اليوم. أخبرها بشيء آخر تحتاج معرفته. أي جثة تسرق منها البوصلة التي ستسمح لها بالزحف خارج بطن سكولومانسي.