بيل ألايتس الفصل 68

اقرأ بيل ألايتس الفصل 68 باللغة العربية على مانجا تايم.

أنفاسٌ هادئة، عيونٌ نحو الأمام، ومشيٌ كأنّ له هدفاً يقصده. منحَ ذلك تريستان العشَر أنفاساً التي احتاج إليها ليغادر ويجتاز الدهليز الأماميّ إلى قاعة الاحتفالات المفروشة بالزجاج، حيث ترك نفسه يترخى مستنداً إلى الجدار. جبهته وراحتا يديه على الحجر، وبرودته تُهدّئه، ومع ذلك ظلّ تنفُّسه يتقطع. كان الذعر شيئاً أعمى، حيواناً يُودي به الهياج إلى الهلاك، لكنّ عقله لم يعبأ بذلك: فقد راح يدور، وخلف الارتعاشات السارية في أطرافه تربّص ما هو أسوأ. منظرُها وهي تتلاشى، وهي تغادر، وهي تتخلّى... يدٌ على عنقه، ناعمةٌ كخفّة الريشة. «تريستان»، تمتمت فورتونا. «ما الذي حدث؟» انقبضت قبضتاه. لا تبكِ. كان البُكاء صوت الجرحى والضعفاء، وكانت الجرذان تقتات على الجرذان تماماً كما تفعل في كلّ شيء آخر. طرقَ الجدار بقبضته ليعطي أصابعه سبباً ترتجف من أجله. أراد منه جزءٌ صغيراً ومثيرٌ للشفقة أن يسألها إن كان ذلك حقيقيّاً: عمّا إذا كانت ستغادر لو قُبض عليه ووُسِم بالكسر، وعما إذا كانت ستملُّ أو تضجر وتلك... تتبّع تريستان ذلك الجزء منه كطباشير على حجر، ومسحه حتى نظفه. تماماً كما علّمته أبويلا. الخوف والألم والحزن، لم تكن سوى أخلاطٍ في البدن. لطخاتٍ على العقل، كالطباشير على الحجر. تتبَّعها، امسحها وامتنع، هسس صوت أبويلا في أذنه. «لا شيء»، انتزعها من جوفه قسراً. «كان الأمر برمّته خُدعة». «المَلِك آذاكِ»، قالت سيّدة الاحتمالات الضئيلة وهي تسحب يدها، وقد غدا صوتها بارداً. «آذيتُ نفسي»، قال تريستان. «لقد ساعد ذلك فحسب». دفع نفسه عن الجدار، وشدَّ معطفه ليستقرّ في مكانه. كانت عيناه جافتين لكنّه أدرك أنهما ستحاطان بحُمرة، وكان سقف حلقه جافّاً لدرجةٍ أوجعته حين مرّر لسانه عليه. كانت فورتونا واقفة بالقرب منه، لكنّ عينيها لم تكونا عليه، بل تتبعتا طول السقف ذهاباً وإياباً، كمن يلاحق طيران فراشة. ثم سكنت، وبغتةً صار تأمُّلُها يلسع برودةً. عيونٌ ذهبيّة وشعرٌ ذهبيّ كنجْم بعيد، بشرةٌ كالخزف وفستانٌ كجرحٍ فاهٍ. أكثر ممّا ينبغي لها من حقيقةٍ ليحتملها العالم من دون ارتجاف. «الموت والهزيمة»، ازددرت الملكة. «أظننتَها أجنحةً يا بنيّ؟ إنها سلاسل، تشتدّ ببطء حول عنقك. وفي يومٍ ما سنعثُر على طرفٍ لنشده، وحين يُنتزع منك ذلك الأخير المتقطّع ستنشقه وأنا أبتسم». ولنبضة قلبٍ واحدةٍ أحبَّها لأجل ذلك. لكونها أقرب من ظلّ، ولا تتواجد في زاويته قدر ما تعيش فيها. وربّما لم تستطيع مبادلته الحبّ، ليس بالطريقة التي يحبّ بها البشر، لكنه ظنّ أحياناً أنها كانت قريبةً بما يكفي لكي لا يهمَّ الأمر. ثم أنَّت الغرفة، واهتزت، وسقطت قطعةٌ من السقف خلفهما. تنحنحت فورتونا، وحين استدار إليها مجدداً كانت الملكة التي يعرفها من جديد، من دون أثرٍ لتلك العظمة الباردة. يا له من راحة. رشقته بابتسامةٍ فاتنة شابها بعض التوتر. «علينا، ممم، مغادرة الغرفة»، قالت سيّدة الاحتمالات الضئيلة. «أظنُّ أنها أخذت الأمر بشكلٍ شخصيّ». «أتظنين؟»، أخرجها تريستان، وكان صوتاً ما زال أجشَّ. «سيتطلب الأمر أكثر من حجارة متخلخلة لأبهرني، أيتها الخادمة المقّدسة المُزيّفة»، سخرت فورتونا من السقف. «وبالنظر إلى أنكِ سولومانس، فإنّ التداعِي ليس بالروعة التي تبدين معتقدةً أنّه–» خرج تريستان من قاعة الاحتفالات قبل أن تتمكّن ملوكهما من دفنهما أحياء. ومع صفحة عقله الصافية، أدرك كم كانت مغامرته غبيّة بابتعاده عن الآخرين، حتى لمثل تلك الخطوة القصيرة. كان بحاجةٍ إلى تهذيب. ربّما أسدت إليه سون خدمةً، بغض النظر عن كون الأمر عرضيّاً. طالما كانت هناك عيون تتجه نحوه، فلن يكون سولومانس قادراً على تغيّر الكثير، لكن– خارج قاعة الاحتفالات، لم يقف في الدهليز الحجريّ بل في نهاية ممرٍّ طويل. كانت هناك أربعة أبواب على كلّ جانب وواحدٌ في الطرف المقابل –مفتوح–، لكنّ الجزء الذي جذب نظره كان خزائن الزجاج التي تغطي الجدران. كانت ممتلئة برؤوسٍ بشريّة، جرى حفظها بعناية وعرضها. رجال ونساء، معظمهم مسنّون. وكلّهم يرتدون تيجانًا. بعضها من الفضة، وبعضها من الذهب، وقليلٌ من الحديد الذي– انتزع تريستان نظره بعيداً. أراد سولومانس إلهاءه، ولم يكن ليدعه يبلغ مراده. أسرع في عبور الممرّ، قاصداً الباب المفتوح. كان من المفترض أن يتّصل بالغرفة ذاتها، إذ كان هناك أشخاص في الداخل لمنع سولومانس من تحريكه. لم يقطع سوى نصف الطريق حتّى جعلته حركةٌ إلى يمينه يمدّ يده نحو سكّينه. لكنه لم يكن سوى رداءٍ أسود، لا شيطاناً أو ليمور. رجلاً سومشوريّاً ضخماً بلحيةٍ موشومة. فضلاً عن السيف والبندقية المعتادين، كانت لديه هراوة خشبية على جنبه، ذات شكلٍ غير معتاد. كانت تشبه زجاجةً مصنوعةً من الخشب تقريباً. «ها أنت ذا»، همهم الحارس. «تعال، قبل أن تلقى حتفك». حدّق تريستان في الباب الواقع في نهاية الممرّ. خُدعةٌ إذن. لقد صمّم سولومانس ممرّاً كاملاً ليدفعه إلى تتبّع طوله بينما كان الباب الحقيقيّ المفتوح واحداً قد يمرّ بجانبه دون أن يلاحظه. كانت المدرسة ذكية، تماماً كما حذّرهم البروفيسور ساسان. تتبع الرداء الأسود عبر الباب، ليجد دهليزاً حجريّاً يشبه كثيراً ذلك الذي رآه سابقاً: وإن وُجد الآن بابان، وكلاهما مُغلق. «أين الآخرون؟»، سأل اللص. لقد غادر قبل أن تأتي نوبة ماريان. قد تمكّنها مواهبها من اجتياز التجربة بشكلٍ أفضل منه، لكنّها قد تجعل الأمر أسوأ بكثير أيضاً. «أصيبت قائِدَتكم بصدمةٍ بعد أن تقيّأت»، أجابه الرجل. «إنهم ينقلونها إلى المستشفى عَلى عجَل». تنفّس تريستان بعمق. «أغادر الجميع؟» حتّى أذنيه بدتا له شاكيتين. كطفلٍ متذمّر. كان عليه السيطرة على نفسه. بدا السومشوريّ مسروراً. «لا تقلق، لم نضلّ الطريق»، قال. أخرج جهازاً نحاسيّاً صغيراً يقف على الحدّ الفاصل بين الساعة والبوصلة، أثخن من الأولى ولكنّ تروسه أكثر ممّن ينبغي للأخيرة. كانت هناك إبرتان سميكتان في داخله، كما رأى تريستان. إحداهما تشير إلى الباب عن يسارهم، والأخرى خلفهم. «تريستان، أليس كذلك؟»، سأل الرجل. أومأ برأسه. «ديف»، عرّف الحارس عن نفسه. «هذه بوصلة كرادلة بلا ورود، رغم أننا ندعوها عادةً بالكرادلة. ستُمنح فرقتكم واحدةً في وقتٍ لاحقٍ من هذا العام – إنها تشير إلى جزءٍ من سولومانس تحدّده الإبرة، وفي هذه الحالة البوابات الأمامية». «وهل تعمل؟»، سأل تريستان مُشكّكاً. «أفلا يُغيّر سولومانس المسارات ببساطة لابعادنا؟» «إنّ إبقاء ذلك دائِماً سيتطلب طاقةً أكبر ممّا تملك»، أخبره ديف. «يستغرق الأمر وقتاً وجهداً لتُغيّر المدرسة موضعها، لذا إن تتبعت الإبرة وكنت حذراً فلن يحقق سولومانس سوى جعله طريقاً أطول». الملك الكامن في الجدران لم يكن كليّ القدرة إذن. لقد لمّح البروفيسور ساسان إلى أنه يقتات على أجيالٍ من الطلاب، لكنّ قرناً على الأقلّ لا بدّ أنه مرّ منذ أن أُغلقت المدرسة. ربّما كانت تشعر بالجوع وحسب، وضعفت لأجل ذلك. «هذا ما كانت تفعله القائدة يو»، أدرك. أومأ الرجل الأكبر سنّاً. «المُلاّحون يفعلون ذلك بشكلٍ أفضل»، اعترف ديف بحريّة. «علامتهم تتيح لهم «رؤية» الأمام قليلاً، لذا لا تستطيع المدرسة تحريك الغرف بالقرب منهم كما تفعل معنا. سيستغرق الأمر وقتاً أطول للعودة على الأرجح، رغم أننا إن كنّا محظوظين فقد ننتهي قريبين بما يكفي لتتمكّن القائدة من الانعطاف لإنقاذنا». همهم الرجل رماديّ العينين. جهازٌ مفيدٌ حقّاً. ومما يفسر المكافآت التي ذكرت سون وقوعها داخل سولومانس. بمثل هذه الأداة، فإنّ فرقة تغامر بالداخل لتنفيذها لن تختفي ببساطة في الأعماق لتُلتهم. «فإن كانت الإبرة الأولى تخدم للإشارة إلى البوابات، ففيمَ تُستخدَم الثانية؟»، سأل تريستان. هزَّ ديف كتفيه. «ليعلم الجحيم إن كنت أدري»، قال باسترخاء. «لا بدّ أن آخر مستخدم نسي إعادتها. يمكنها أن تقود إلى أي مكانٍ حقّاً». أجبر تريستان نفسه على الابتسام. بدت تلك الإجابة، في تقديره، عرضيّةً أكثر مما ينبغي. ومُفتعلة. لم يكن اللص ليتحمل التهوّر، لذا كان عليه إيجاد زاوية. استنهاض ردّ فعل. أيتظاهر بالهرب؟ لا، غليظ اليد ومن المحتمل أن يكون خطأ. أهو سؤال استدراجي؟ لقد غادر بسرعةٍ كبيرة، لذا كان لديه ما يكفي من القليل ليعمل به. مع أن... استطاع سولومانس إطلاق أصوات لذا من المحتمل أن يقتله كذلك، لكنّ ردّة الفعل العفويّة ستظلُّ قائمة. «علينا مناداة الآخرين، لنرى إن كانوا قريبين بما يكفي للسماع»، اقترح تريستان بكسل. تصلّب وجه ديف للحظات معدودة قبل أن ينبسط. تبّاً. «لا تتردد في التجربة»، هزَّ الحارس كتفيه. «قد تُجدِ نفعاً». ابتسم تريستان مجدداً، وجعلها بطيئة وموثوقة. «شكراً لك»، قال، مستداراً نحو الباب كمن ينوي النداء. وفي تلك الأثناء أخفى يده تحت معطفه، متلمساً سكينه و– لم يقطف سوى ومضة حركةٍ واحدة، لكنّ ذلك صنع الفارق بين تلقّي الضربة على الرأس أو على الكتف. أطلق تريستان صَيحَة، متراجعاً بوهنٍ بينما سحب الحارس هراوته الخشبية إلى الوراء. «أيتها الأقنعة الملعونة»، قال ديف. «كان عليّ طلب الضعف مقابل واحدٍ منكم». «المساعدة»، صرخ تريستان مسشلاً سكينه. خرخر الحارس. «أتظنّ أن سولومانس سيسمح بتسرب ذلك حين نتصارع؟» قال. «كلا، إنها تريد دماً على الأرض. لا مساعدة لك يا بنيّ». ومع ذلك فقد كانت محاولةً تستحق العناء. كان لديف قدمٌ عليه وبُني كدُبّ. كان هناك شحمٌ في ذلك البطن لكنّه عضليّ أيضاً، وكان ذلك أسوأ أنواع الخصوم لمن يستخدم سكيناً. حتى لو وجد ضربةً جيّدة فسيكون صعباً جعلها قاضية. نحتاج لتعطيل طرف، فكر تريستان، متراجعاً إلى الخلف بينما كان الحارس يدوّر هراوته بكسل ويتقدم. سيكون تقليص المسافة دون تلقّي ضربةٍ أمراً عسيراً، نظراً لمدى ذراع الرجل الأطول، لكنها كانت فرصته الوحيدة. ربّما إلهاء، ت– كلّفه التردّد الكثير. اندفع ديف بغتةً إلى الأمام، ضارباً لأسفل، وتراجع اللص مجدداً – إلّا أنها كانت مخادعةً ولّوح الحارس بمعصمه مجدداً وهو يقفز للأمام، مصيباً تريستان في جانب رأسه. شاتماً، ورؤيته تسبح، ضرب ذراع الرجل لكنّه لم يقطع سوى المعطف السميك. جعله ذلك يُلكم في بطنه. انطوى تريستان بلهثٍ، لكنّه عبر الألم رأى ثغرةً وسحب مسدسه. وجّهه نحو صدر الرجل وضغط الزناد حتى مع إطاحة الهراوة بالمسس. ذهبت الطلقة بعيداً، ودار المسدس على الأرض وضُرب تريستان في بطنه مجدداً. هذه المرة تشنّج وهو يَهوي على ركبتيه، شارعاً في التقيّؤ، لكنّ ديف ركله ليقلبه بحيث صار ينظر إلى الأعلى. تقيّأ جافّاً، ولم تكد المرارة تغادر حلقه، فخرخر السومشوريّ الضخم لرؤية ذلك وهو يرفع هراوته– رعد، دخان. -- كانت بندقية طراز زانغشو أصغر عياراً من الدعامة الأساسية للجمهوريات، جيفنغ، لكنّها أُطلقت من هذه الق المسافه القريبة على هدفٍ ساكن؟ انفجرت ركبة الحارس كطماطم تركت طويلاً تحت الشمس. سون، وعقلها هادئ وصافٍ كبركةٍ متجمدة، قلصت المسافة حتى في اللحظة التي سقط فيها الرجل المهاجم لفرقتها على ركبتيه صارخاً. استدار نصف استدارة، ضارباً خلفه بهراوة المودغار، لكنّه كان تخبّطاً أعمى. قلبت سون بندقيتها، مطرقةً ببراعة على مؤخرة رأسه بالخُمص. سقط الرجل ككيس أرز. ومن طرف عينها رأت أنّ تريستان قد دفع نفسه على يديه وركبتيه، لكنّ عينيه ظلّتا زائغتين. أنَّ الحارس السومشوريّ، مادّاً يده نحو البندقية التي أسقطها، لكنّها ركلتها بعيداً. «تريستان؟» نادت. بالكاد تعرفت على صوتها. بدا كصوت امرأةٍ أخرى – خافت، فارغ. «على قيد الحياة»، قال اللص وهو يلعق شفتيه مكفهرّاً. «سيتكبد كدمات، لكن لا شيء دائم». «أيها اللقيط بلا شرف»، قال الحارس الواقع على الأرض. «من الخلف». ألقت سون بندقيتها بعيداً، مادّةً يدها نحو سيفها ومسلةً إياه. اليد والجذع بالزاوية الصحيحة، تماماً كالتمرين. كانت يدها على الإزميل. «ما الذي حدث؟» سألت. «صديقنا ديف هنا قال إنكم سبقتموه وإنّ عليّ اتباعه»، أجاب تريستان، صاعداً على ركبتيه. «شممتُ رائحة فخ، وقد رأيتَ كيف كان الشجار الناتج يُمضي». بينما كان مثخناً بالضرب تماماً. ماذا كان الحارس يفعله؟ أكان هو الجنديّ نفسه من ذي قبل، أم أنّ هذه المدرسة الملعونة قد دسّت مُزيّفاً– «ذكر أمر الحصول على أجر»، أضاف الرجل رماديّ العينين. المكافأة، أدركت سون. لم يكن ذلك فخّاً من سولومانس أو جنوناً من الرجل، بل تعلق الأمر بتلك المكافأة اللقيطة التي وضعها أحدهم على رأس تريستان. «بلا شرف»، قالت للرجل الملقي بذهول. «تصفني بلا شرف حين تحاول اصطياد أحدنا للبيع – والآن، الآن من بين كلّ ساعات الأيام». استطاعت الإحساس بالعشب ضدّ ساقيها، تذوق دخان كرتونة الورق عبر التقيؤ في فمها. استطاعت سون رؤية الازدراء في عيني أختها، وكيف استحقت ذلك. والآن هذا، هذا النعاس التام – ضحك ديف، وما زال وجهه ملتصقاً بالأرض. «أيتها الفتيات ذوات الملاعق الفضية»، خرخر. «كلّ شيء يُقدم لكم، ولا واحـ–» تخبط بغتةً بحثاً عن الهراوة التي أسقطها. تصدّع الجليد. لقد تجرّأ، ما زال متجرّأً. زأرت سون ولوّحت، بالزاوية المثالية وخفكة المعصم المعتادة، وما من شيءٍ يحمل نصف إرضاء تلك الصرخة حين شقّ سيفها نصف الأصابع في تلك اليد. صرخ وسحب يده المشوهة. جافة العينين، ركلته ليصبح بطنه للأعلى وجرّدته من نصله قبل رميه في زاوية. وتبعته الهراوة بعد لحظة. كان عليها فعل ذلك منذ البدء. احتاجت سون للتركيز، للكفّ عن ارتكاب الأخطاء التي ستكلف كلّ من حولها. «لا يمكنكِ»، أئنّ ديف. «أنا حارس، لا يمكنكِ–» «أنت جثة، ما لم تتحدث»، قال تريستان، وما زال على ركبتيه. «من دفع لك؟» كانت عيناه حادتين. كان حاضراً تماماً ولم يكن أكثر سعادةً بذلك منها. ملوك، لم تترك سون المكان سوى لجلبهم لأنها لم تستطيع احتمال طريقة نزف أنغاراد. اتجهت عيناها الداكنتان لديف، خائفة، ثم لسون. رفعت ذراعها، والحدُّ الحادّ ما زال يقطر دمه. «لا أعرف»، أقسم الرجل. «لم تكن هناك أسماء. دفعوا لي لأحضره إلى البوابة الغربية، حياً». انتفض تريستان، متمتماً بشيءٍ عن «إبرة ثانية»، لكن لم يكن ذلك ما تحتاج إليه سون. استقرت بنصل سيفها على حنجرة الرجل الجريح. لا تقطع اللحم، بل تضغط فحسب. تهديدٌ مدروس، وكانت يدها على الإزميل. «أوصاف»، أمرت. «كانا يرتديان قلنسوات»، قال ديف، ثم استطرد على عجل إثر نظرةٍ في وجهها. «لكنّهما شابان، طلاب. أحدهما بدا كإيزكالي». انتظرت لحظةً إضافية ليتابع. لم يفعل. لم تستطع منع نفسها: ضحكت سون بذهول. «هذا كلّ شيء؟» قالت. «أهذا كلّ ما لديك لتقوله؟» اشتدّ قبضتها حول مقبض سيفها حتّى ألمها. دمٌ على نصلها، قناعها مُمزَّق وكلُّ ما ربحته مقابل ذلك هو هذا؟ تحطّمت الألواح كالزجاج. «بدا أحدهما كإيزكالي»، سخرت بصوتٍ عميق. «أتدري كم عدد طلّاب إيزكالي الملعونين الموجودين في هذه الجزيرة، أيها–» خانتها أنتيغوا، «أيها غوزازشونغ». «سون»، قال تريستان، واقفا بطريقة ما. «لا ينبغي لنا–» «أتظنينني غبيّة؟ لقد هاجمتِ حارساً يا فتاة»، قاطعها ديف، مسخراً منها نحو الأعلى. «أتظنين أن ذلك لن يدخل في سجلك؟ وأن البقعة لن تتبعك لبقية–» وكان محقّاً، أدركت. سيكون كلامهم مقابل كلامه، ورغم ثقتها في خروجهم منتصرين في جلسة الاستماع فستُضاف الحادثة إلى سجلها. لقد أطلقت النار على حارسٍ من الخلف. وسيعلم كلّ ضابطٍ أعلى قد تلتقيه أبداً أنها عطّلت شخصاً يرتدي السواد. من سيثق بها بعد ذلك؟ من سيسمح لها بالوقوف خلفهم؟ رأت سون مسبقاً كم سيكون الأمر سيئاً، في مكابدة التيار، وها هي بعد دقائق معدودة من ذلك المكان تسوء الأمور برمّتها بطريقةٍ ما. لم تعلّم شيئاً، وجعلت كلّ ذلك الألم والحزن بلا جدوى. طرقعة. «–من حياتك»، ضحك الرجل. «لقد انتهيتِ يا فتاة، أنتِ–» انزلقت يدها. لم تكن ضربة مبارزٍ أو جنديّ: شقَّ نصلها وجه الرجل كمدية جزّار. «أيها الحثالة»، زأرت، مسشلةً نصلها للخارج وضاربةً لأسفل مجدداً. «أيها العتيق، أيها–» صرخت سون وضربت مجدداً. ومجدداً، ومجدداً ومجدداً. لقد حشرها في زاوية، وأنهت مسيرتها المهنية. فقط حين ألمّتها ذراعها وصار تنفّسها لهاثاً سقطت الفتاة ذات العينين الفضيتين على ركبتيها، مخنوقةً بنشيج، وانغلقت أصابعها حول الإزميل الذي استخدمته لتخريب الحارس. لم يعد يتحرك. امتلات عيناها بالدموع. انحنى أحدهم على الجانب الآخر من الجثة، وفتك تذكّرت فجأةً أن تريستان كان هناك. طوال الوقت. «أوه»، تنفست بهدوء. كان الأمر سيئاً، لكنها لم تستطع حمل نفسها على الاستياء منه. كانت خرقةً معصورةً حتى الجفاف. «أوه»، أردف، برفقٍ تقريباً. «أهلاً، سون رين». دقت شفتاها. «لستُ حيواناً بريّاً»، قالت، مبتلعةً ريقها. «لا أحتاج–» لم تغادر الكلمات حلقها. هزَّ الرجل رماديّ العينين رأسه، وتدحرجت خصلات بنية. «أحييكِ»، قال تريستان، «لأننا التقينا لتوّنا للمرة الأولى». انقبضت قبضتاه. «أنا لستُ هكذا»، هشّت. «هذا كلّ ما نكونه»، أجاب. «وما عدا ذلك ليس سوى ما نلفّه به لكي لا يتعرّض العصب». تراجع آخر الغضب كالمدّ، تاركاً خلفه شاطئاً طويلاً من العذاب والرعب. ملكة، ماذا فعلت؟ نهض تريستان ببطء، بحذر. «هذا إخفاق»، بحت سون. «كنتُ آتيةً لإحضارك فحسب، وليس لـ–» انحنى اللص وانكبّ إلى الأمام، متفحصاً النبض في عنق ديف. كان بإمكانه بالمثل تفقد خنزيرٍ محروقٍ بحثاً عن احمرار. كان الدم في كلّ مكان، بما في ذلك العنق، لذا بعد سحبه مسح تريستان أصبعه على ملابس الحارس. «كان محقّاً»، أخرجت سون الكلمات قسراً، وكانت الطعمة مرّة. «سيكون هذا في ملفاتنا. سيتبعنا في كلّ مكان». «بحوزته بوصلة كرادلة بإبرة تشير إلى البوابة الغربية»، قال تريستان. «سيضفي ذلك وزناً على كلماتنا حين نقول إنه قصد الإمساك بي واصطحابي إلى هناك». «هذا لا يكفي»، أجابت بتعب. «سنحتاج للإمساك بمن ينتظرونه أيضاً، وما لم يكونوا حمقى كباراً فلن نفعل». أخذت الأمر بعين الاعتبار لحظةً، إيصال هذا إلى القائدة يو. لن يكون الطرف الآخر عاطلاً أمام البوابة كالحمقى، بل يكتفون بالمراقبة من مسافة. سيهربون حين يرونه. وليس لدينا من يشبه ديف حتى من مسافة لنحاول استدراجهم بالقرب. لن يكفي. «سيكون كلامنا مقابل إبرة لا يُعدّ امتلاكها جريمة»، قالت سون. «لن يطردونا من أجلها، لكننا سنوسم. لقد قتلتُ حارساً يا تريستان». «أفعلتِ؟» سأل بهدوء. رفرفت عيناها لأعلى. «لا يمكنك أن تكون جادّاً»، قالت سون. «أعيدي بعدي»، قال. «لم نصادف أيّ حارس. لقد وجدتِني في فخّ وساعدتِني على الخروج، ولهذا فقدتِ رداءك». رمشت سون ببطء. «ماذا؟» قالت. «رداءي بخير». «ليس كذلك»، قال تريستان، مشيراً إلى صدرها. «هناك الكثير من بقع الدم، سيفوح منه العثير حتى لو مسحناه. ستارتدين ردائي وأمضي بلا واحد». نظرت التيانكسي لأسفل وابتلعت ريقها. كانت هناك بقع حمراء في كلّ مكان. لم تكن قد لاحظت حتّى. «سيعلمون»، قالت سون. «حين يرون الجثة–» «إنه لا يزال حيّاً»، قال تريستان. «لديه نبض». كان ينبغي لذلك أن يكون مريحاً لكنه حطّ عليها كضربةٍ في الحشاء. نظرت لأسفل عند الوجه الذي جعلت منه خرابةً وتسلّل إليها، بوصةً ببوصة، أن الضباط الكبار قد يشهدون بما فعلته في جنونها. بروفيسورها. المُعبِّر الكبير في الجزيرة. كانت سون ستتقيأ. «هذا مهمّ»، قال تريستان بهدوء، «حتى إذا سألنا ناقلو الصدق يوماً عمّا إذا كنا قد قتلناه أمكننا القول إننا لم نفعل». لعقت شفتيها. «إن عاش–» «لن يعيش»، قال اللص، ناهضاً. «أينظر إلينا، سون؟ سولومانس». مسحت التيانكسي الجدران والسقف بنظرتها، مجدةً لفائف الدخان تتلوى من حولهم، وأومأت ببطء. كان الملك في كلّ مكان، يقطر من الجدران كالكرم. يرتشف العنف الذي حدث هنا. «أعلم أنك تسمعين»، قال تريستان، ولم تدرك لمن كان يوجه كلامه حتى رفع بصره إلى السقف. «لا يزال بإمكاننا قتله، أترين. نُريحه من عذابه. لكني سأعقد معك صفقة: دعينَا نعود إلى القائدة يو دون اعتراض طريقنا، وسنتركه كما هو». انقبض فكّ سون. «ذلك»، قالت، «مصيرٌ أسوأ من الموت». أن تُلتهم ببطء من هذا المكان، قطعةً قطعة؟ استطاعت تفكّر في نهاياتٍ أسوأ قليلاً. وتردّد تريستان، ناظراً لأسفل إلى الحارس. لكنه رأى شيئاً هناك أطفأ التردّد كشمعةٍ ثم بغتةً صار الرمادي فولاذياً، بلا رحمة. «أتساءل»، قال تريستان أبراسكال بلطف، «لو كانا سيستخدمان سكاكين فضيةً أيضاً». رفع بصره إلى السقف مجدداً. «سأربط ركبته لك أيضاً»، عرض تريستان، «لكلّ لا ينزف حتّى الموت بسرعةٍ بالغة». الصوت الذي أجابه لم يكن ضحكة، ليس بالطريقة التي يضحك بها الرجال. بل كان خشباً يتأوه وأرضيات تصطرك؛ كان الريح عبر ممرٍّ خالٍ وحديداً يتحول إلى صدأ. كان حجراً وظلاماً وصبراً. وضحك كالملوك، وصدى ذلك يُقرقع عظامها. لعق تريستان شفتيه. «سون؟» كنفخة هواءٍ مستنشقة. تلك كانت الطريقة الوحيدة التي يمكنها بها وصف اختفاء سولومانس. لم يبقَ أثرٌ منه، رغم أن سون عرفت بطريقةٍ ما أنه لا يزال يراقبهما. «لقد رحل»، قالت. «لم أعد أراه». وما الذي بقي لتفعله؟ تخلصت سون من رداءها الملطخ بالدماء ونسقا قصتهما بينما ربط تريستان الركبة. كان الآخرون على الجانب الآخر من الباب المفتوح في نهاية الممرّ، حيث تركتهم. لم يستغرق الأمر سوى دقيقة لبلوغهم لكنّه بدا لسنواتٍ طويلة. -- كان هناك ما ليس على ما يرام. كانت سون وتريستان متوترتين طوال رحلة الخروج من سولومانس، لكنّ ماريان لم تفكر كثيراً في الأمر: من لم يكن كذلك؟ كانت تريديغار تنظر في الأفق ولا ترى شيئاً، ودماء جافة تتقشر تحت عينيها وهي تتبع المجموعة بلا صوت. حتى القائدة يو بدا عليها الاضطراب حيال كيفية خداع سولومانس لأحد مرافقيها تحت أنفها مباشرة، محاولةً العثور على أثر للجنديّ عبر التماس العلامات لكنّها لم تجد شيئاً. «لقد تحرك بعدوانية مباشرة بعد التغذي عبر لوغار فاسيو»، تفكّر البروفيسور ساسان. «أمر غير معتاد، ذلك. تميل المدرسة إلى إطلاق من تغذت عليهم على أمل عودتهم». استجوب الاثنان بشأن طبيعة الفخ الذي أنقذت سون تريستان منه، وكان الرجل رماديّ العينين هو من تولّى مُعظم الحديث. بدا كعملٍ خبيث، لا يختلف عن الشاشات التي سمعت عنها بشأن معبدٍ لملكٍ ميكانيكيّ واجهته تريديغار ورفقتها في السيادة. لقد كان محظوظاً لخروجه ببضع رضوض فقط، وبأنّ سون كانت سريعة البداهة بما يكفي للتضحية برداءها لإخراجه. كان البروفيسور ساسان محقّاً بشكلٍ واضحٍ في أمرٍ واحدٍ على الأقلّ: استغرق خروجهم من سولومانس نصف الوقت الذي استغرقه بلوغ الأعماق. أبقت القائدة يو عيناً مجازية على الجنديّ المفقود في طريق عودتهما، دافعةً نفسها بما يكفي لتشعر ماريان بعبابها يملأ الهواء، لكن سولومانس لم يكن راغباً في بثق وجبته. المُعبِّر، بعيداً عن حماستها الظاهرة قبل قليل، بدت شبه كئيبة وهما تعبران قاعة المدخل وتجتازان البوابات العظيمة. «سأرفع التقرير شخصيّاً»، أخبرتهما القائدة يو. «إنه لأمرٌ نادرٌ أن يُرى شخصٌ مفقودٌ مجدداً، لكن ينبغي لنا المحاولة بغض النظر». «أتمنى لك حظّاً وافراً»، قالت تريديغار، وكان صوتها أجشّاً من صمتها الطويل. لم تقُل سون شيئاً، مكتفيةً بالإيماء، بينما شكرت ماريان القائدة على مساعدتها وتظاهرت بعدم ملاحظة محاولات يو لجذب انتباهها. بلا شكّ كانت المرأة الأكبر ترغب في استجوابها حين تكون الانطباعا طازجة، لكن لم تكن لديها أيّ نيّة للذهاب إلى أيّ مكان سوى العودة إلى الكوخ. كان هناك خطبٌ ما بلا شكّ في سون وتريستان: كونه أكثر ثرثرةً مع شخصيّة سلطويّة كان علامة تحذير، لكن عدم تكبّد سون عناء التلفظ بوداعها للأكيلاري الكبير في الجزيرة كان علامةً أخرى. ذلك ولم تستطع ماريان تذكّرهما وهما يتبادلان نظرةً واحدةً في طريق العودة. غادر البروفيسور ساسان والجنود المتبقون لحظاتٍ بعد ذلك، متوجهين نحو الأحواض، وبقي الأربعة واقفين بمفردهم في رقعة حجر. كانت أضواء الأورري بالأسفل – ذهبية وخضراء، بإحساس نضج في عبابها – تتدفق بكسل في خطوط، لكنّ الفراغ من حولهما تراءى بطريقةٍ ما. بالوقوف تحت الواجهة العظيمة، لم يُذكّر سولومانس سوى بمدى صغرهم حقّاً. فتحت تريديغار فمها، لكن سون قطعت عليها الطريق. «إلى الكوخ أولاً»، قالت. «يمكننا... معالجة الأمور هناك». بعد الجزء الأكبر من أسبوع في الذهاب والاياب لمنزلهما المخفيّ، لم تكن هناك أيّ حاجة لتحديد المسار. وحين عبروا الأراضي المفتوحة لمعبدٍ مهدّم تبعهم عددٌ من الليمور، شبيهين بالذئاب في شكلهم وصامتين على أقدامهم، لكن ما إن وجّهت ماريان مسدسها حتى تفرقوا. بدا الوحوش حذرين من الهجوم إن لم يكن كميناً، وبعد تتبعهم لبضع دقائق لغياب الفرص مجدداً تخلّوا عن المطاردة. بدا الترحال الطويل صعوداً على السلالم قصيراً، لحرصها الشديد على العودة إلى أمان الجدران، ولم تكن وحدها في استعجالها. واكبت تريديغار الخطى وأكثر، متبطئتين مراراً بعدم ترك الزوج الآخر – اللذين رأت بعُبوس أنهما كانا على بعد أقدام قليلة من بعضهما لكنهما ما زال ملتصقين بحيث إن مجرد احتكاك بالمرفق سيحولهما إلى ملح. الصمت المتوتر الذي تمكن منهم في طريق العودة ظلّ حتّى حين وضعت الأسلحة والأردية جانباً ومالوا نحو غرفة الجلوس. لم يرغب أحد في أن يكون أول من يتحدث، حسبت ماريان. شغلت سون نفسها بصمت بصنع إبريق شاي بينما جلست تريديغار على مائدة المطبخ، ناظرةً لأسفل إلى يديها، ووقف تريستان قرب النوافذ ناظراً في الحديقة. مضت لتنضمّ إليه، تاركةً الآخرين في الوقت الحالي. «كنت سأسأل عن حالك»، قالت ماريان بهدوء، «لكنّي أتوقع أن الإجابة واحدة بالنسبة لنا جميعا». لم تشعر برغبةٍ كبيرة في الحديث في الواقع، لكنها كانت في الغرفة الأقصر وقتاً. الأقلّ معاناة. كان واجبها رعاية الآخرين. «بالنظر للوراء، لقد ارتكب أخطاء»، تفكّر تريستان. «تفاصيل كانت خاطئة. لكن حين كنت بالداخل لم يكن ذلك مُهِمّاً». «لقد أثرت على عقولنا»، وافقت ماريان. تنفّس ببطء، بسطحية. «لوغار فاسيو»، قال الرجل رماديّ العينين أخيراً. «المكان الخاوي. أتساءل لماذا يسمونه كذلك». ضحكة خفيفة. التفت الاثنان نحو مصدرها: كانت أنهاراد تريديغار تنظر إليهما. «أليس الأمر واضحاً؟» سألت. «تلك الغرفة فارغة. لا يمكنها سوى تسليط ما أحضرته معك في الداخل». كانت لدى ماريان ردعةٌ حادّة على رأس لسانها لكنها ابتلعتها. استقرّ بصر تريستان على النبيلة لحظةً أطول، ثم أدار وجهه دون إجابة. وإذ رأت في ذلك طريقاً مسدوداً، تحركت ماريان نحو المائدة. لم تكن واهبة عفو، مفعمة بالحب والغفران، لذا جلست مقابل تريديغار عوضاً عن جوارها. فتحت إيزوريكا فمها، لكن قطعها هزّة رأس. «لا تقولي شيئاً»، قالت تريديغار. «لقد كنتِ هناك للحظات معدودة، أليس كذلك؟ لا تتظاهري بأنك مررتِ بالشيء ذاته». «لم يمرّ أيّ منا بالشيء ذاته»، أجابت ماريان، بلا جفاف. «تلك كانت النقطة». «ليس هذا ما قصدته، وأنتِ تعلمين ذلك»، قالت تريديغار باستواء. كانت على حافة الهاوية أكثر ممّا أدركت إيزوريكا إن كانت مستعدة للإدلاء بتصريحات عما يعلمه شخصٌ آخر – اعتادت بيريدوري تجنب مثل تلك الأمور، عادة من يتجنب حتى احتمال الكذب. رفعت ماريان يديها تسليماً. أتت سون لتنضم إليهما، ضاربةً بفظاظة إبريق الشاي الحديديّ على المائدة. وانضمّت إليه ثلاثة أكواب قريباً، صبّت التيانكسي لنفسها الأول بلا كلمة. ورفع تريستان، الذي جذبه التجمع، حاجبها. «بلا كوب لي؟» مازح. دائماً ما كان يرفضه حين يُعرض، رغم أنه صحيح أن سون عادةً ما كانت تعرضه على أي حال. «لا»، عضّت التيانكسي بغضب. ارتفع حاجب ماريان عند النبرة. مرّت تريديغار يدها بذهول عبر جدائلها. «يمكنك أخذ خاصّتي»، عرضت المرأة داكنة البشرة، دافعةً به نحوه. كاد تريستان يرفض، رأت إيزوريكا، لكن سون التقطت الكوب وعادته لمنتصف المائدة. «لا كوب»، قالت سون بخشونة، «لك. بعد ما–» تنفّست بعمق. عبست تريديغار، متحركة بعينيها ذهاباً وإياباً بينهما. «ماذا فعلتَ يا تريستان؟» سألت. استطاعت ماريان شم رائحة البارود في الهواء. «علينا الاستراحة»، قالت بحزم. «الحديث عن كل هذا حين ننال نوماً في ليلتنا». لم يجبها أحد، لكنّ أحداً لم يقل شيئاً على الإطلاق لذا كان ذلك أفضل ممّا أملت. تريستان، الذي لم يجلس بعد، استدار. متوجهاً لمقعده في البرج، بلا شكّ. «كُل شيئاً أولاً، على الأقل»، نادت ماريان. «علينا تناول وجبة قبل–» «يكفي». استدارت لتجد وجه سون قناعاً بارداً. «دعوه يتسلل بعيداً»، أمرت. «لا أملك المعدة للجلوس على مائدةٍ معه والتظاهر كأنّ شيئاً لم يكن». نهضت تريديغار على قدميها. «أسأل مجدداً إذن. ماذا حدث؟» لم تبدُ وكأنها ستسمح لإقناعها بالعدول عن إجابةٍ مرةً ثانية وكانت تلك اللحظة بالذات، حسبت ماريان، حين أمسك البارود. «نعم»، قال تريستان בלطف. «لمَ لا تخبرينهما بما حدث يا سون، بما أنك تشعرين بهذه الثرثرة؟» «لم يختفِ الجنديّ»، قالت سون. «كدت أقتله لإنقاذ جلد أبراسكال وقد أقنعني بمنح سولومانس الجثة». «أنا أقنعتك بذلك؟» سخر الرجل رماديّ العينين. «قلت إن علينا أخذه للقائدة. كنتِ أنتِ من يتلظى بمرارةٍ بشأن علامة في سجلك. كلّ ما فعلته هو تنظيف الفوضى». «أكذبتِ على القائدة يو؟» سألت تريديغار، بصوتٍ بدا مفزوعاً. تغافلت، حسبت ماريان، عن أن الزوجين قد أطعما رجلاً لا يزال حيّاً لسولومانس. كان ذلك... انقبضت قبضتاها. لا بدّ أن الحارس كان يحاول بيع تريستان، قراءةً بين السطور. لن تمنح أي تعاطف لتجار العبيد، بغض النظر عن مدى بشاعة مصيرهم. «لقد حاربت الرجل دفاعاً عن مرؤوس»، أخبرت سون بيريدوري باستواء. «لو امتلكت إثباتاً كافياً لتقدّمتُ به، لكن لم يكن هناك». «هذا»، قالت تريديغار باستواء، «ليس إجابةً عن سؤالي». «فعلتُ ما توجب عليّ لإنقاذ حياته الملعونة يا أنهاراد»، أجابت سون بخشونة، مشيرةً إلى تريستان. «وما قيمة ذلك، حين كنتِ أنتِ سبب الخطر؟» ضحك اللص. «لستُ من قرر جرّنا إلى غرفة عصف العقل لبعض النقاط على لوحة يا سون. أو جعل أحد مرافقينا يُرشى لـ–» «لأنك لا تقرر شيئاً أبداً يا تريستان»، زأرت سون. «إنه يحدث لك فحسب. كمصيبة، لأنه ما أنتَ عليه. طفلٌ يمسك بزمام ملك كارثة، مغفل لدرجة ظن أنه من يجذب بينما يجعل كلّ شيء حوله مقيتاً، دائماً». خطت حول المائدة ووقفت أمامه، مغرزةً إصبعها في صدره. في عيني ساكرومونتان لمحت ماريان وعداً بالعنف. أكان يحمل سكيناً عليه؟ لم تستطع المخاطرة، تقدمت للأمام. «لدينا أعداء كالبرغوث، نتعثر في كلّ مكان والآن قتلتُ حارساً»، صرخت سون. «كان لدي خطة يا تريستان. كان كلّ شيء مخططاً، ومنذ أن صادفتك وكلّ شيء يمضي لـ–» دفعت ماريان يد سون لأسفل، مسلحةً نفسها عبر النظرة المخدوعة التي نالتها. «يكفي»، قالت. «تتجاوز كلماتك ما تؤمنين به يا سون». «لا»، قال تريستان، بهدوء، بشراسة. «لنواجه الأمر بجدّية يا ماريان. لنواجه جميعاً حقيقة أن القائدة رين تحدق في أعمق أسرارنا وأكثرها حميميّة – في أسرار الجميع، طوال الوقت! – لكنّنا يجب أن نمشي على قشور بيض ونتظاهر بأن ذلك لا يحدث». ضحك باحتقار. «ليس وكأنك تستطيعين قراءة غرفة حتى بعيون سحرية. ملك كارثة، أيها الأغبي اللعين»، قال. «ملوكي لا تستطيع حتى الخلع وفجأة هي سبب انهيار كلّ شيء من حولك؟» انحنى. «إن أردتِ سبباً لتعثّرك، فأحضري مرآة»، قال. «فقط اتركياني خارج الأمر. لن أحمل ذلك العبء الملعون لأجلكِ يا رين». لو امتلكت سون سيفها بعد، لعلمت ماريان بيقين الظلام أنها كانت لتسله. المساعدة، من بين كلّ الأماكن، أتت من أنهاراد تريديغار. «تريستان، كفّ لطفا»، قالت النبيلة بحزم. «لقد أساءت سون إليك بشدة حين تحدثت عن عقدك، لكن الاتهامات البرية–» «حقيقةٌ أنها ملعونة»، قاطعه تريستان. «عليها تطهيرها. أليست كذلك يا قائدة؟» انغلق وجه تريديغار ووجهت نظرةً حادة نحو التيانكسي. «أهذا صحيح يا سون؟» سألت. «وما أهمية ذلك؟» أجابت سون. «لقد عانينا تقلباتٍ قاسية منذ مجيئنا هنا»، قالت المرأة داكنة البشرة، «ولم تفكري مرة واحدة في إعلامنا بأنك ملعونة؟» جزّت تريديغار على أسنانها. «كم من انتكاساتنا أتى من ذلك؟» «ليس هكذا تسير الأمور»، قالت ماريان بحزم. «إنها تلصق بها، وليس بالآخرين». «كنت تعلمين؟» سألت تريديغار، ثم هزت رأسها. «طبعاً كنت كذلك. وستعذرينني يا ماريان، إن لم أعتبر حقيقةً صرفة رأي امرأة لم تجادل حين نُعتت بأسوأ مُعبِّر في تولومونتيرا». عضت أظافر إيزوريكا كفّ يدها. «أتريدين سبباً لكوننا واجهنا مشاكل؟» سألت ماريان ببرود. «ربّما لم يُساعد اختيارك شجاراً مع الفرقة الأكثر نفوذاً خلال ساعات من ملامسة حذائك للأحواض». «لقد حميت صديقاً وحليفاً»، أجابت تريديغار ببرود مماثل. «ورغم احتمال وجود عواقب، فقد تصرفتُ على الأقل. ما الذي فعلته بالضبط يا ماريان كايموف؟» انحنت. «أيمكنك تسمية مساهمة واحدة قدمتها للثالثة؟» سألت. «مجموعك، على ما يمكنني رؤيته، كان قضم عقبي ثم طردك من صف عهدك الخاص». انقبض فكّ ماريان، أكثر حدة لغياب إجابتها. «لم تكن مخطئة في كونها خطوة سيئة لمعاداة التاسعة»، قال تريستان. «لقد تعافينا، لكن–» «لقد احتجزتِ، وارتكبتِ إحراقاً وهاجمتِ مرتين في أقلّ من أسبوع»، قالت أنهاراد باستواء. «لا أتلقى دروساً منك في أمور المشاكل يا تريستان أبراسكال». «قراراتي لا تجلب عواقب على اللواء بأكمله يا تريديغار»، أجابه، غير متأثر البتّة. «اختيار ذلك الشجار فعل. الأمر لا يتعلق بالسكاكين، بل باتخاذك الخيار لمواجهتهم لأجل الجميع». «أفأطلقت النار على ذلك الحارس بمتعة إذن يا أبراسكال؟» ضحكت سون بظلام. «تُحضر عواقب وفيرة». «لم أختر وضع تلك المكافأة على رأسي»، زأر. «أسنبدأ عدّ الأعداء كفعلنا الخاص يا سون؟ لأنه بقدر سوء أعدائي، لا أعدّ أحد أساتذتنا بينهم على الأقل». قبضتان مغلقتان، وجوه حمراء. كان الأمر يفلت من اليد. «لا يساعد هذا شيئاً»، قالت ماريان. «مناسب»، ضحكت تريديغار، «أن تنطقي بتلك الكلمات». «ألن تتوقفي؟» هشّت ماريان. «كيف يُفترض بنا العمل كلواء بعد هذا؟» سخرت النبيلة. «أكُنّا كذلك؟» سألت. «ظننت ذلك، لكنّي يبدو أني خُدعت تماماً». تنفست أنهاراد تريديغار. «قلت لنفسي إنني لن أنخدع بمتملقين كاذبين مجدداً»، قالت. «لقد فات الأوان لعدم التعرض للخداع، لكن يمكنني الامتناع عن الاستمرار في ذلك الخطأ على الأقل». ومثل هذا، استدارت ومشت بعيداً. شاهدت ماريان، مذهولة بحقّ، بيريدوري وهي تتجه للباب. التقطت رداءها، حسامها ومسدسها، وبدون التفاتة واحدة للخور خرجت إلى الليل. حدق الثلاثة في ذلك الباب المفتوح بصمتٍ متفاجئ، حتى أطلقت سون ضحكة مريرة. «حسن إذن، لقد نلتِ ما ترغبين به أخيراً»، قالت. «لقد رحلت وبقيتِ». وقبل أن تتمكن ماريان من الإجابة، التقطت التيانكسي بغضب القدر الحديدي وألقته على الجدار بصوت صراخ غضب. انبعج، ناسراً الشاي في كل مكان، واجتاحت سون السلالم. وقفت إيزوريكا هناك، مهضمة تلك اللفظة الأخيرة، ومررت يدها عبر وجهها. استطاعت الشعور بتريستان واقفاً هناك، غير متأكد مما يفعله. «سأتوجه لدار الفصل الليلة»، قالت ماريان. «الطريقة الوحيدة التي سأنال بها غفوة هي في مرج». «يمكنني الذهاب مـ–» «لا»، أجابت، فاتحة عينيها في الوقت المناسب لرؤيته يبسط تعبيره. «أحتاج وقتاً لوحدي يا تريستان». أومأ. «بالطبع». أجبرت ماريان نفسها على عدم ملاحظة النظرة في عينيه حين نطقت الكلمات. يمكنها تقرير في الصباح بمن كانت الأكثر غضباً.