كان أدارش هيبار خفيف القدمين وغير مهمل بنصف ما يبدو عليه.ولم يكن متجهاً نحو شارع النُّزُل أيضاً، إن صَدَقَ اتجاهه المُباشر نحو المقامات المُتحطّمة خلف المسرح القديم.اضطر تريستان للانتظار ودعه يتقدم، إذ إن الدرج المؤدي نزولاً إلى الشارع كان منطقة مكشوفة بقليل من مخابئ التخفي، لكنه سارع في إثره ما انقطعت خط الرؤية.كانت المقامات أشبه بالأنقاض منها بالحطام، غير أنه بقي ما يكفي من امتدادات الأعمدة والأسقف ليتمكن من التنقل بين ساتٍ وآخر.دخل أدارش -الذي كان يلتفت باستمرار ليرى إن كان متبوعاً، ولكن أبداً في الأماكن الصحيحة، بل دائماً في العراء بدلاً من الزوايا- صفاً من البيوت المنهارة بعجلة تامة.خطأ فادح.فالبنى التحتية لا تنفع في التخلص من المُطاردين إلا حين تكون على دراية بكامل مداخلها ومخارجها، ولن يُفيده صفٌّ من الأنقاض تتفوق فيه الرياح على الجدران بأقل نفع.اخترق تريستان جداراً منهاراً ليلحق به، ثم بقِيَ قريباً منه وهما يتسللان عبر الخراب معاً.قريباً لدرجة أنه حين جرفت أضواء «الأسطرلاب» الفضية أمامه، تمكن من رؤية العروق على وجه الرجل مُتضعّر النظارات، وتلك الحواجب الكثيفة المعقودة في شبه جفلة دائمة.هل كان يعلم أنه متبوع؟لم يعتقد تريستان أنه قد رُصِد، لكن العقد قد لا يبالي بذلك.كانت هذه الجزيرة لتكون قاسية معه، وقد استشف ذلك بالفعل.فأي شخص هنا يمكن أن يحمل عقداً، وهو ما جعل تقييم المواقف بدقة أمراً عسيراً.بدا أن أدارش يملك فكرة ما عن وجهته، فمغادر البيوت المهارة ليلج زقاقاً ضيقاً يؤدي إلى ساحة بلدة.خيار أفضل من البيوت، إذ إن الزقاق بلغ من الضيق مبلغاً يكاد يستحيل معه التخفي فيه.وهو ما لا بد أن الفاريفيدان كان يعول عليه، إذ توقف بعد بلوغه منتصف الطريق ليترقب ويرى إن كان أحد يتعقبه.تخلّى تريستان فوراً عن تلك اللعبة باعتبارها خاسرة، والتف عوضاً عن ذلك عبر شارع أوسع إلى اليسار يعج بالتمثال المحطمة، مُسرعاً خطاه في طريقه إلى ساحة البلدة.لم يكن المكان بالاتساع الذي يبدو عليه، إذ ما كان في قلبه فيما يحمل شجيرات بضع أشجار حول عمود ضخم، بات الآن غابة كثيفة يخالطها الركام.ارتأى تريستان أن الأشجار مكان لائق لنصب كمينه، فوجد جذعاً طويلاً يشرف على أسهل الطرق غرباً.متخفياً هناك، انتظر ليواجه في النهاية...لا شيء على الإطلاق.لم يكن أدارش آتياً.أألعبه الرجل، واستدرجه ليقوم بدورة كاملة قبل أن يفر عائداً باتجاه المسرح القديم؟إن يكن، فقد أُعجب اللص رغم أنفه.تحرك نحو رأس ذلك الزقاق الضيق، مخاتلاً بنظرة خاطفة للداخل، ليجد ظلاً هناك - ناظراً في الاتجاه المعاكس ويا لحسن الحظ.آه، لم يذهب أدارش؛بل كان لا يزال يحاول الإيقاع بمطارده.وإن كان ثمة عقد قيد العمل هنا، فلابد أنه ليس عقداً دقيقاً.واعترافاً بهذه الفرصة كما هي، نقل تريستان موقع كمينه إلى متجر سابق في الجانب الأيسر من مدخل الزقاق.كان هناك نافذة كبيرة، وقياساً بالعلامات الظاهرة على الحجر أسفلها، لابد أنه كان هناك منضدة خشبية محشورة.ولّت تلك الأيام منذ زمن طويل، لكن النافذة ستكفي لمراقبة تحركات أدارش، ويفترض بباب المتجر أن يقود تريستان خلفه مباشرة.استقر اللص ليتنظر، لكنه لم بحتج لذلك: بعد نبضات قلب معدودة سمع خطوات متسارعة في الزقاق.مع ذلك، لم يخرج الفاريفيدان.بل توقف على الحافة اليسرى لنافذة المتجر، على بُعد أقل من قدمين من المكان الذي كان تريستان ينتظر فيه.أتيحت اللص نظرة مباشرة تقريباً على أدارش فجمود كجمود الحجر لئلا تلفت الحركة نظره.انهار الرجل الأسمر ضد الجدار، وبدت الراحة واضحة جلية على وجهه.خلع نظاراته ورفع حاشية عباءته، لينظفهما بالقطعة القماشية.وهنا مدّ تريستان يده عبر النافذة، خاطفاً يبره وجاره للداخل حتى منكبيه.وقبل أن يتسنى لأدارش إطلاق صرخة، كان سكين قد استقر عند حنجرته.«لا داعي لأن تأخذ الأمور منحىً قبيحاً»، قال تريستان، مشدداً قبضته.«كل ما تحتاجه هو الإجابة عن أسئلتي».أرغم الفاريفيدان على الانحناء بزاوية سيئة بالطريقة التي علّمته إياها أبويلا - كان أدارش أطول منه بأقل من بوصة، وكان الأمر سهلاً - ليس انحناءً مبرحاً يؤذي، بل بالقدر الذي يصعّب معه على الرجل الآخر إيجاد موطئ قدم كافٍ لردعه.ابتلع الفاريفيدان ريقه بصوت عالٍ.«بوشديكي»، شتم الرجل.«لا أعلم من تكون، لكن هذا خط...» «اسمك أدارش هيبار»، قاطعه تريستان.«وكنت تسجل ملاحظات حول من يتحدث مع فيراندا فيلازور وأنهارد تريديغار.لماذا؟» ترهل الرجل، كأنما نُزعت المعركة من داخله للتو.«طُعم»، قال، وللحظة توتر اللص قبل أن يسترخي لما تلا ذلك.«فقط نادني طُعم، هذا اسمي الآن».كانت المرارة في صوته هي التفصيل الذي سمح لتريستان بربط الخيوط ببعضها أخيراً.أيكون الرجل جاسوساً فظيعاً، وتلك الشخصيات التي كان يكتب عنها، والآن هذا الاسم الساخر المفروض عليه؟«أنت مع توبوك شيكال»، اتهمه اللص.«اللواء الرابع».«كلمة "مع" لفظ ثقيل»، رد طُعم.«أيمكنني ارتداء نظاراتي؟لا أود إسقاطها، فهي باهظة الثمن للغاية».«لا»، رفض تريستان.«سيجعل ذلك إعمامك أصعب».ارتجف الرجل.«قلت له لا، أتعلم»، تذمر الصومشواري.«أنا باحث، نحن لا نُجري الاستطلاعات.هذا شأن الأقنعة والمقاتلين».«ثم لكزك»، قال تريستان، محاولاً جاهداً ألا يبدو ممتعاً.محاولة باسلَة، لكن نهايتها كانت محتومة.«لم يعد يفعل ذلك بنفسه»، قال طُعم بحزن.«إنها "المستهلكة" الآن، إنها التالية في السلم».«اسأل عن الأسماء»، طالبت فورتونا، وقد حشرت نفسها فجأة بجانبه ومالت متجاوزة عتبة النافذة لتتأمل أسيرهم.«تريستان، إياك وألا تسأل عن الأسماء».كانت ثمة أسئلة أهم، حسبما عرف اللص.حقاً.ومع ذلك.«اشرح الأسماء»، أمر.«يقول شيكال إن الغاية هي إبقاؤنا متحمسين»، تنهد طُعم.«نتقاتل كل شهر، ومن يؤدي بشكل أفضل يحظى باستخدام اسمه الحقيقي بينما ننال نحن البقية أحد الأسماء البديلة».عرف تريستان -حين واصل الضغط- أن طُعم قد احتل المركز الثاني خلف ملاح تُدعى أليخاندرا.وهو يقف فوق "المستهلكة" سيئة الصيت، التي تحتل بدورها مرتبة أعلى من "الخسائر المقبولة" الأكثر سوءاً.ويبدو أن توبوك قد أبرم نوعاً من الصفقة مع الليدي كريسيسا من اللواء التاسع عشر لإدخال طُعم إلى المسرح القديم، تحت تعليمات بالتظاهر بأنه لا ينتمي لأي لواء.على قدر ما بدا عجز شيكال العام عن كبح نزعته نحو الشراسة أمراً مسلياً حين يُوجّه نحو الآخرين، إلا أن ثمة خطباً ما هنا.فهذه ليست السيطرة، ولا ينبغي أن تتواجد أرواح يائسة لدرجة تجعل من توبوك فكرة صائبة.«لماذا تتمسك به؟» سأل تريستان.«لا يمكنك أن تُجبر على الانضمام إلى عصابة».«أظنك ستتمسك به لو كان لديك خيار؟» قال طُعم.«الأمر إما هو، أو البقاء مع الاحتياط».«وخيارك المحدود ينبع من...» كشر طُعم.«كان والدي كولونيالاً في فرقة الاثني عشر مائة سفاح لا ينامون»، قال.«لولا أنه...هُبِطَ متلبساً باختلاس أموال الشركة وبيع المعلومات على جانب الطريق».استنتج تريستان أنها فرقة حرة تابعة للحرس، على الأرجح في مكان ما داخل صومشار الإمبراطورية.«وكيف يجعلك ذلك منبوذاً؟» سأل اللص.«كان يبيعها لرانَا كوريل لتتمكن من تقديم عروض أسعار أقل في العقود»، قال طُعم.«ولم تنظر الشركة إلى ذلك بعين الرضا - فشنقوه وقطعوه إرباً، ثم رموا بعائلتي خارجاً.كنت في طريقي إلى شولومانس عندما حدث ذلك فظننت أنهم قرروا العفو عني، ولكن لا.فقد أرسلوا برقيّة مسبقة إلى تولومونترا: ليس هناك طالب هنا لديه عائلة في السواد إلا وهو على علم بما فعله والدي».كدت تريستان يرتجف وجعاً.كان الحرس كقبيلة، يتغاضى عن الخلافات داخله لكنه يعاقب بشراسة أي مؤامرة مع الغرباء.بدت هذه كبئر مسمومة بالكامل.«أورجل ينعتك بالطُعم أفضل من محاولة الانضمام لعصابة احتياطية؟» «حسن»، قال طُعم ببطء، «فهو ذو شريط».«أنا على دراية بذلك السقط الجسيم للقرار»، قال تريستان، «ولكن لماذا يهمك الأمر؟» «يمكن للأكاديميين الحصول على مزايا لعصابتهم كجزء من صفقة العهد»، قال الرجل ذو النظارات.«ما يكفي للحصول على ميزة حقيقية.وقد حُذرت من أنه بحلول وقت الاختبار السنوي، إما أن تكون تحت إمرة صاحب شريط وإما ستكون علفاً».مزايا للعصابة، أكان ذلك صحيحاً؟بدا الأمر وكأن أحدهم يدير لعبة برأي تريستان.ولا شك في وجود أثمان لتلك الهبات، وعواقب.بدت وكأنها طريقة لأولئك الضباط المرشحين لتدجين عصاباتهم، وجعل الوحوش البرية تعتاد التطلع إلى اليد التي تُطعمها.كان سبب رغبة أصحاب الأشرطة في ذلك سهلاً، لكن لماذا وافقت العصابات الأخرى؟«معلومات مفيدة»، لاحظ تريستان.«شكراً لك».«وما نفع ذلك لي؟لقد أخذت ملاحظاتي، لذا فأنا على وشك أن أكون "المستهلكة" الجديدة»، تنهد طُعم.«والقابتان توبوك لا يغفر الفشل».ابتسم اللص، وإن لم يكن الرجل الآخر ليراها.«أيها الطُعم، لا داعي لهذا العبوس»، قال تريستان.«يمكنني أن أرى أننا روحان متآخيتان، أنا وأنت».وقفة.«نعم»، حاول طُعم، وإن بدا الأمر وكأنه سؤال.«بطبيعة الحال سأعيد إليك ملاحظاتك»، قال اللص.«نحن أصدقاء، ألسنا كذلك؟أحب مساعدة أصدقائي».التوى طُعم ليتمكن من التفتت نحوه قدر الإمكان، ولم يكن ذلك بالكثير.«أيمكنك»، قال بأمل، «أن ترفع سكّينك عن حنجرتي إذن، يا صديقي؟» «لا»، قال تريستان.توقف مؤقتاً.«يا طُعم، بروح صداقتنا الطويلة والصادقة، أود أن أطلب منك أصغر المعروف».«أوه لا»، تأوه الرجل.«تلك الصفحة التي سجلت فيها من كانت تحدثه أنهارد تريديغار»، قال تريستان.«ستقوم بانتزاعها بحذر وتستبدلها بقائمة لا يأتي فيها أي ذكر للكابتن إيماني لانجا».عقد الفاريفيدان حاجبيه.«لماذا؟» لأنها كانت أخطرهم على الإطلاق ولم يكن يريد لتوبوك شيكال أن يقترب من شخص يمثل تهديداً حقيقياً للثالث عشر.«نحن لسنا أصدقاءً من هذا النوع حقاً يا طُعم»، وبّخه اللص، ناقراً بسطح سكينه على تجويف حنجرة الرجل.«حاول مرة أخرى».«كأنما تمّ»، نطق طُعم بصوت متحشرج.«هذا يثلج الصدر»، أشرق وجه تريستان.«لا أظن أن ثمة حاجة لأي منا لذكر هذه المحادثة لتوبوك، أليس كذلك؟» «أبداً»، قال الفاريفيدان بحماس.«صداقتك عزاء كبير في هذه الأوقات العصيبة يا طُعم»، قال اللص.«لدرجة أنني أظن أنني قد أبحث عنك مرة أخرى في الأيام القادمة لندخل في محادثات مريحة».«أرجوك لا تجعلني جاسوساً»، سأل طُعم بيأس.«أنا سيئ جداً في ذلك».تنهد تريستان، كأن تلك كانت نيته حقاً.وكأن توبوك لن يشمّ رائحة الرجل قبل انقضاء الساعة - بعرقه العصبي وحده، إن لم يكن بشيء آخر.بدا طُعم وكأنه كان تحت المطر.«حسناً»، قال.«لكنني قد أطرح بعض الأسئلة الأكاديمية على باحث، بين الحين والآخر.أثق في أنك تستطيع مساعدتي في ذلك، على الأقل؟» «سيكون ذلك من دواعي سروري»، سارع طُعم بالرد.اشتبه تريستان بشدة في أن هذا التأكيد لن يصمد بوجه سؤال عن ماهية "الهيريسيارك".مع ذلك، وبما أنه استخدم العصا بغزارة، كان عليه أن يقدم بعض العسل.«عندما نجري هذه الأحاديث الصغيرة»، قال تريستان، «سيكون من طبيعة دوري كص صديق أن أشاركك الأمور.شاعات، أسرار - وربما قد أجلب لك المعلومات، إن كُلّفت بالحصول عليها من قِبل توبوك».«قد يكون ذلك مفيداً»، اعترف طُعم، وبدا مسروراً.«سيكون كذلك»، رد اللص.هكذا تجعل الناس معلقين، بإعطائهم ما يريدون.وكانت الفرص متساوية فيما إذا كان توبوك سيشم رائحة هذا الترتيب أم لا، ولكن حتى لو فعل، فقد تكون هناك فائدة من ذلك.«أنا على وشك تركك تذهب يا طُعم»، أعلن تريستان.«لكن قبل أن أفعل، أخشى أن هناك خبراً سيئاً أخيراً: سأحتاج إلى عباءتك».طرف الرجل بارتباك.«لماذا؟» «لها غطاء رأس»، أعلمه اللص، «وأنت على الطول المناسب تقريباً».-- بعد إطلاق سراح طُعم وإخفاء عباءة جديدة، قرر تريستان اعتبار الليلة منتهية.لن يجد نفعاً في التسكع هنا طويلاً.لم يرَ أشباح "الليمور" أو حتى "اللاريس" بعد، لكن الأمر مجرد مسألة وقت.كان من السهل التوجه جنوباً مباشرة باتجاه شارع النُّزُل بدلاً من العودة إلى المسرح القديم، لذا سلك تريستان الشوارع تحت أضواء الأسترلاب الكبير الغريبة.تحولت الفضية السابقة إلى لون شاحب، شبيه بوهج فانوس تقريباً، ولكن من طريقة تحرك الظلال بين الجدران، لابد أن النجم المزيف بالأعلى كان يتجه شرقاً.لم تكن أي بقعة ضوء أخرى تبدو قريبة، لذا توقع اللص فترة من الظلام في وقت ما في طريق العودة.أبقاه هذا الاحتمال في حالة تأهب، بما يكفي ليلاحظه.كان المرة الأولى التي يرى فيها حركة على الأسطح قد تكون محض صدفة، ولكن ليس الثانية.كان تريستان مؤيداً تماماً لاستكشاف هذه المدينة المتاهة المنهارة ولن يأسف أبداً لروح تقف فوق قبة منهارة للحصول على رؤية أفضل للمحيط، ولكن حين يختلس أحدهم نظرة لأسفل إلى زقاق ليراك هناك ثم يتوارى بغتة حين تلاحظه، تصبح الأمور مريبة بعض الشيء.«أحدهم في ورططططة»، ترنمت فورتونا بصوتها الغنائي.«تفقد السطح»، تمتم، ضاغطاً بنفسه على الجدار.كان اللص قد سلك الطريق الأقصر عودة إلى شارع النُّزُل، متجاوزاً قناة جافة منذ زمن والآن عبر عقدة أزقة ضيقة تذكره بالمستنقع، لكن بدا أن ذلك كان خطأ.كان متوقعاً، والتوقع دائماً أسوأ خيار عندما يكون هناك أشخاص بالخارج للإيقاع بك.كان عليه تذكر ذلك.برز رأس فورتونا من الجدار على بُعد بوصة من وجهه، وهي تبتسم.تبّاً.لن يعتاد على ذلك أبداً.«قفزوا إلى أسفل، لكني سمعت أناسًا يتحدثون في الشارع على الجانب الآخر»، أخبرته.«ثلاثة على الأقل».من الأفضل افتراض الأسوأ وافتراض أن عصابة كاملة مؤلفة من سبعة أفراد تلاحقه إذن.قد يكونون أكثر من لواء واحد في الخارج، سلّماً، لكن تريستان كان يميل إلى الاعتقاد بأنه نظراً لتفوقهم العددي، فلن يكونوا مائلين لتقسيم الجائزة على رأسه مع عصابة أخرى.تنفس الرجل رمادي العيون الصعداء، نافضاً بوادر الخوف الأولى.إن كان قد قدر له أن يطارَد، فليكن ذلك وسط الأزقة.فهو يعرف طريقه في ذلك النوع من ساحات المعارك.«أوه، لقد أدركت للتو»، قهقهت فورتونا.«متاهة شوارع.جرذ.أنت تشبه...» «إياك»، هسّ تريستان.«- جرذاً في متاهة!» أنهت بفخر.سيتعين عليه سؤال طُعم عن مدى جدوى استبدال ملكه بآخر.ساخطاً من جديد، بدأ اللص العمل.أولاً، الأفضل له أن يغادر الشارع، لئلا يُساق إلى طرق مسدودة بفعل الأعداد المتفوقة.كان ليخاطر بذلك ضد بلطجية الشيع، لكنه لن يفعل ضد طلاب شولومانس.كشفت نظرة جانبية عن وجود نافذة مستديرة في الجدار الذي كان يضغط عليه - والتي لم تستخدمها فورتونا عمداً - فتسلق إليها.انحنى قوس شبه منهار فوق الزقاق، خارج متناول يده تماماً، لكنه تجاوز ذلك بتثبيت قدمه على حجر إطار نافذة بارز قليلاً وقذف بنفسه نحو القوس.تخبطت أصابعه ضد الطوب الخشن والبالٍ لكن مع زفرة سحب نفسه فوق القوس.ومن هناك كانت مجرد تسلق صغير إلى السطح المسطح الذي رُصد منه للتو، وقد أصبح الآن مهجوراً إلا من الاعشاب النامية فوقه.لتشكر الملوك أنه لم يرتدي الزي الرسمي بتلك البوتات اللامعة الزلقة.لكان على الأرض يئِنُّ الآن لو فعل.تسلل تريستان نحو الطرف المقابل للسطح، حيث قالت فورتونا إنها سمعت أصواتاً، ولكن حين غامر بنظرة فوق الحافة كان الزقاق فارغاً - وليس الشارع الذي وراء الزاوية مباشرة، حيث لمس طرف شخص يتحرك.محَدِّقاً في السطح على الجانب الآخر من الزقاق، وهو سطح طوبي مسطح آخر تشققه الأعشاب، قرر اللص المجازفة بالقفزة.ونظراً لمدى ضيق الزقاق، لم تكن الخطورة من القفزة بحد ذاتها بل من الهبوط: حجراً كان أم لا، لم يكن هناك ما يضمن مدى صلابة ذلك السطح.وعباءته تجر خلفه، هبط فوق الطوب بنقص رحيم من الانهيار الفوري تحت وزن خطواته.ومن غير إضاعة وقت، تسلل نحو الحافة، في زاوية أفضل الآن للنظر إلى الأشخاص بعد الزاوية.كان هناك ثلاثة منهم، حسبهم.أحدهم هو التيانكسي الطويل من قَبْل، الكابتن تنغفاي من اللواء التاسع والأربعين.إذن إلى هنا ذهب بعد انسحابه.ومع تنغفاي اثنان آخران: تيانكسي آخر ذو وجه سمين، يتخبط بعصبية على قدميه، وفتاة ليرغانية شقراء يعبرها ندب عبر الأنف وتبدو بمظهر قاسٍ.كانا يهمسان، ولكن بصوت عالٍ يكفي لأن يلتقط تريستان معظم الكلمات.«- لا أراه»، كانت المرأة تقول.«الكثير من الأزقة للاختباء هنا، كان يجب أن ننتظر في المانغل».«لكن لفرّ طارئاً عائداً إلى هنا مباشرة»، تمتم الكابتن تنغفاي رداً.«نحن نحاصره، رامونا.سيمسح موشن من الخلف و...» أربعة، حسبهم تريستان.أربعة منهم مؤكدون.ومثلما كان ميالاً لمجرد مواصلة الفرار عبر الأسطح، أراد أولاً معرفة ما إذا كانت لديهم طريقة لتعقبه.هؤلاء المانغل - اسم حقل المقامات الكبيرة المنهارة والمغسولة بالأعشاب بين هنا والمسرح القديم، كما ظن - بدا مكانًا سيئًا بالنسبة لهم للإيقاع به.كان لكل من الكابتن والفتاة الليرغانية بنادق وسيوف، والعصبي مسدس.أي منها يمكن أن يقضي عليه في لحظة إن وجدوه في العراء.وميض حركة أخرجه عن تركيزه ودراسته.ليس هناك بالأسفل بل أقرب للمنزل.سطح آخر، يكتنف الذي تسلقه أولاً من الجانب الآخر - أحدهم يتسلق فوق الحافة، بعباءة سوداء.محافظاً على هدوئه، بحث تريستان عن غطاء.حافة السطح كانت منخفضة جداً لتخفيه بالكامل، ولكن إلى يمنته نمت حزمة من الأعشاب بطول كافٍ مكنه من تسطيح نفسه خلفها.ما لم تجرف أضواء الأسترلاب فوقه مباشرة، يجب أن يكون من الصعب رصده.لم يستطع رؤية الكثير بنفسه، في ذلك الوضع، ولكن كان هناك طريقة لتجاوز ذلك.«هذا هو نفسه الذي قفز إلى أسفل قبل قليل»، قالت فورتونا.«إنها تنظر إلى أسفل في الزقاق نفسه ولكن من الجانب الآخر».أومأ تريستان برأسه بدقة.تردد صدى شتمة بلغة الأومويا في المسافة.«لقد ذهب»، نادت امرأة.«لا يمكن أن يكون، لقد حاصرناه»، رد الكابتن تنغفاي.«إنه متحصن فقط في منزل.هوانغ، أكد ذلك».قياساً على مصدر الصوت، يجب أن يكون فتى التيانكسي العصبي هو من أجاب.«لم يبقَ لدي الكثير لليلة»، قال هوانغ.«أمتأكد أنت أن...» «افعلها»، زمجر تنغفاي.تنهيدة، ثم لحظة صمت.«ليس الشمال»، قال هوانغ، ثم انتظر نبضة أخرى.«ليس الغرب.أربع استخدامات فقط الآن».عقد يكد من تأكيد ما إذا كان شخص ما - شيئاً ما؟- في اتجاه ما أم لا، خمن تريستان.أو شيئاً من هذا القبيل.إن استطاع حملهم على إنفاق هذه "الاستخدامات" الأخيرة، فإن انتظارهم يصبح طريقة قابلة للتطبيق بالكامل للتخلص منهم.لم يكونوا قادرين على تحمل قضاء الليلة هنا أكثر منه.«سأمشط البيوت مع موشن»، قالت رامونا.«أنتما الاثنان خذا الجانبين لمنعه من الإفلات».«أنا من أصدر الأوامر هنا، رامونا»، رد الكابتن تنغفاي ببرود.«قد نكون كلانا أصحاب أشرطة، ولكن واحد فقط يقود».«احذر، تنغ»، حذرت.«لقد جئت لنا بالجائزة وهذا ما منحك المقعد.هذا لا يعني أن عليك البقاء فيه».إن كان هذا هو حال المنافسة، بدأ تريستان يشعر بثقة أكبر تجاه اللواء الثالث عشر، بغض النظر عن رقمه الفظيع.انتظر حتى سمع حركة، وبدء التاسع والأربعين في البحث، ثم حول نظرة متسائلة إلى فورتونا.«لا تزال على السطح»، أكدت سيدة الاحتمالات الطويلة.«إلا أن عودتها إليك تعني أنها تنظر إلى الأزقة الأخرى».لا وقت للضيع إذن.نهض تريستان بسلاسة من غطاء الأعشاب، بخطوة واحدة إلى الجانب ثم خطوتين إلى الوراء.المرأة التي شتمت - مالانية، استطاع رؤية بشرتها الداكنة حتى في هذا القتامة - كان ظهرها مطوياً نحوه.كانت تدرس الشارع الذي استفاده للوصول إلى الزقاق الذي وجدته فيه لأول مرة، ناظرة بتركيز إلى منزل منهار يعج بالشجيرات.قفز تريستان عبر الزقاق إلى السطح التالي، كاتماً خطواته بالطريقة التي علّمته إياها أبويلا، وحين تقدم إلى التالي أخرج عصاه الغليظة ببطء.ثماني خطوات طويلة وهادئة بينما كان يميل بنفسه يميناً ثم قفز اللص مرة أخرى، إلى السطح حيث كانت عدوته.وبعد نبضة من عبورها انتظر، باحثاً عن رد فعل، لكنها لم تسمع شيئاً قط.عوضاً عن ذلك، انحنت المرأة عند حافة السطح، محدقة في شجيرة تحركها نسيم خفيف.أخذ تريستان وقته في الاقتراب، حذراً من إحداث صوت، ثم ضرب.أصابت العصا الغليظة صدغها الأيمن، مسقطة إياها فاقدة الوعي بصوت خافت، وانزلق تريستان بذراع حول خصرها لمنعها من السقوط فوق الحافة.كان الأمر أصعب مما ظن - عباءتها أخفت أنها سمينة الجسم - لكنه مدها على السطح، معدلاً تنفسه بينما كان ينتظر صرخة من الشوارع بالأسفل.لم تأتِ قط.لم يُلاحظ.جيد، إذن يمكنه تحمل تفتيشها.أسفر التفتيش في شؤونها عن سبعة أربولات فضية، وسكين جيد، ومسدس محشو من صنع الحرس مع ذخيرة لخمس طقّات ومجموعة كبريت لم يفهم استخدامها إلا بعد اكتشاف وجود شيء ما في الجيب الداخلي لعباتها.قنبلة حديدية صب بمدور.قد تكون مفيدة، قرر، جيباً إياها مع البقية عدا السكين.تلك وضعها للعمل، مخبأ عصاه الغليظة ومقلباً الغريبة على ظهرها - ضامناً بعناية أنها لا تزال قادرة على التنفس - ومزيحاً الععباءة لكشف ساقيها.خلع حذائها الأيمن، كاشفاً عن جوارب صفراء بالية خلعها هي الأخرى.انحنى تريستان، مأخوذاً بسكينها وقاطعاً بحِدّة عبر مؤخرة عقبها.سريعاً وعميقاً، لكي يقطع الوتر تماماً.تحركت، شاعرة بالألم حتى وهي فاقدة الوعي، لكن ذلك لم يكن كافياً لإيقاظها.كان كافياً لضمان أنها لن تمشي بتلك الساق أبداً مرة أخرى، مهما لم يلتئم الوتر.كانت الغواية قوية لقتلها ببساطة لكي لا تعود لمضايقته، لكن المخاطر كانت أعلى بكثير من المكاسب.مسقطاً سكينها على ظهرها، قبض تريستان على مسدسها وتسلل مبتعداً.وضع رصاصة في ظهر الرجل ذي العقد يجب أن يكون كافياً لضمان تمكنه من الفرار، فكر، وإن كان سيتعين عليه انتظار فرصة.من الأفضل مغادرة هذا السطح المحدد أولاً، فقد بقي هنا لفترة أطول من اللازم.شريط من ضوء أسترلاب ذهبي جارف غطى عش الأزقة، مسلطاً بواسطة نجم بعيد ما، فانحنى تريستان مبتلعاً شتمة.سيكون من السهل رؤيته طالما بقي الضوء، بل ربما فعل بالفعل - فقد تجاوز نصف جسد رجل حافة السطح بالفعل، وما كان اللص ليعرف لو لم ينظر لعدم صدور أي صوت.قابل عيوناً داكنة، تيانكسي رشيق - ليس أحد الاثنين السابقين، لابد أن هذا هو "موشن"- ممسكاً بنصل مستقيم عارٍ بين أسنانه لإبقاء يديه حرتين.بطبيعة الحال، أطلق تريستان النار عليه.كان يستهدف الكتف الأيمن، وسبطانة البندقية ترتد بينما قبض البارود، لكن الطلقة انحرفت إلى اليسار.مركز الكتلة، في الصدر مباشرة، وكان اللص يرجو مسبقاً ألا تكون قاتلة تماماً حين ظهرت ضبابية.تشكلت يد بيضاء كلبن الحليب بنقش لوتس على راحة اليد أمام التيانكسي، متحولة إلى شاور من شظايا الخزف المتلألئة لكنها التقطت الرصاصة.وبعد نبضة كان الرجل على السطح، والسيف بيده، وتجهم تريستان.إن لم يكن ذلك طالب سكيريتي، فسآكل قبعتي.حان وقت الجري، بغض النظر عن عقد التعقب.نظر المرجح كونه موشن أسفل إلى رفيقه فاقد الوعي وعقد حاجبيه.«سيتعين علي إعاقتك لذلك»، قال بهدوء.خطا تريستان خطوة للوراء، مقلصاً كتفيه ومظهراً الخوف على وجهه.«أرجوك لا»، توسل، رامياً المسدس عند قدمي الرجل.«أنا أستسلم».صراعات بالأسفل، وأعضاء العصابة الآخرون يلحقون، وخطا تريستان خطوة أخرى للوراء بينما كان سياف التيانكسي يبتسم بخفة.وجه جذعه لكي تجذب عباءته أمامه، مخفية يديه.«قدم بقدم»، قال موشن.«لا داعي لأن يكون مؤلماً».تبّاً، كان من الصعب فعل ذلك أعمى ولم يكن متأكداً من الطول.«أتقبل رشوة؟» سأل تريستان بفظاظة، يلعب لكسب الوقت.ضحك التيانكسي.«أنت ثمين بما يكفي بحيث لن نضطر للغوص في أموال اللواء طوال هذا العام»، رد موشن.«أتظن أن القروش ستوقف يدي؟» أخبر حرق على أصابعه اللص أن الوقت قد حان الآن أو أبداً، فتوى وجهه بألم ظنه التيانكسي خوفاً.«ربما لا»، اعترف تريستان.لكن القنبلة المسروقة التي أشعلها تحت عباءته قد تفعل، فألقاها عند قدمي الرجل الآخر.لولا أن ذلك الوغد السخيف للغاية كان يتحرك بالفعل، ومسطح سيفه على وشك دفع القنبلة نحوه، لكان تريستان استعار الحظ.بدأ العد التنازلي في مؤخرة عقله.حدث كل ذلك بسرعة لدرجة أنه بالكاد استطاع تبينه.طارت شرارة من نهاية الفتيل وألقت على القاع، ناشرة النار هناك، وحتى بينما بدأ موشن في رمي القنبلة انفجرت.ليس ببارود بل بصوت وضوء أعمى، كالألعاب النارية، وصرخ التيانكسي ألماً.أطلق تريستان الحظ، فاتحاً عينيه اللتين أغلقهما ليجد أن الظلام دامس.أأصيب بالعمى؟لا، لقد توقف الضوء الشاحب من الأعلى ببساطة.منعطف غريب جداً في الحظ، فكر، ليكون ذلك كل شيء.لقد استخدم السحب لإيذاء شخص ما، بشكل أو بآخر و- من تحت حوتيه بدأ الحجر يتصدع.«تبّاً»، قال تريستان باحساس، وسقط.-- كان السقوط عبر السطح قاسياً بما يكفي على ساقيه، ولكن بعد ذلك انهار الطابق أيضاً وكل شيء تحول إلى جحيم.تقلّب تريستان مع أنين، متحسساً أطرافه.سُرّ لرؤية أن شيئاً لم يُكسر، رغم أن ساقه اليسرى ألمته كالجحيم وأن صدره كان سيغدو كتلة من الكدمات - سقطت بضع حجارة مفككة معه، ولحسن الحظ لم تكن أي منها بكبير لدرجة تكسر عظامه الصدرية.دافعاً عبر الألم، أجبر اللص نفسه على التحرك، غير متأكد مما إذا كان سكيريتي قد سقط إلى هنا معه أم لا.كان الظلام دامساً في هذا القبو المفترض، ولم يستطع رؤية السماء في الأعلى.شعر بقذال من الخوف عند فكرة أن الانهيار قد أغلق المنزل فوق رأسه، لكنه كان مبكراً جداً للاستسلام للذعر.مرغماً على حرق الهواء، كان بحاجة للري فأدخل يده في جيوبه وأخرج أعواد الكبريت.مشعلاً واحداً، استوعب أكبر قدر ممكن من محيطه قبل أن ينطفئ.أحجار مفككة وركام في كل مكان حوله، في غرفة لا تكبر عجلة، ولا أثر لموشن.الأخبار السيدة تلك.أما السيئة فبدت فوق رأسه كسقف حجري صلب.مما يعني أنه لم يسقط فحسب بل انحرف جانباً أيضاً - لم يشعر بذلك، ولكن الاتجاهات تصعب تبينها عند السقوط في الظلام.أربع عيدان كبريت متبقية.أشعل واحداً آخر لمحاولة فحص الاتجاه الذي قد يكون أتى منه، ليجد فقط أن يساره ركام مرصوص بكثافة ويمينه حجر صلب.ثلاث عيدان كبريت متبقية.مشتماً، بدأ تريستان يزحف في الاتجاهين اللذين لم يستكشفهما بعد.متجاهلاً خفقان مجموعته الجديدة من الكدمات، جرب اللص الجدار الخلفي ووجده حجراً صلباً، رغم وجود معدن مثبت فيه.حاملات مشاعل بالشكل، تحولت إلى صدأ بملمس المعدن.طريق مسدود.ومع بقاء الأمام فقط، جرب ذلك الجدار ووجد المزيد من أعمال البناء.تقلصت معدته.أكان مدفوناً حياً؟لا، لا يزال بإمكانه محاولة حفر طريقه عبر الركام.كان ذلك مجازفة بانهيار أرضي في غرفة صغيرة جداً تجعل من المستحيل عليه التحرك لتجنبه.ولكن هل كان هناك خيار آخر أصلاً؟لا يمكنه الانتظار هنا ببساطة، ونفاد - الهواء؟ضد ركبتيه، لم يشعر بذلك لأن المعطف والعباءة كانا سميكين للغاية.بأصابع مرتجفة، تحسس طريقة أسفل أعمال البناء حتى وجد شبكة معدنية.دون تردد، كسر تريستان عود كبريت.اثنان متبقيان.شبكة صدئة، تكاد تكون خارج مفصلاتها، حجبت الوصول إلى ما بدا وكأنه نفق مجارٍ جاف، مغطية مدخل نفق منخفض وضيّق.كبير بما يكفي ليضغط نفسه عبره، بالكاد.حين انطفأ عود الكبريت، سوى تريستان تنفسه، وثبت عقده.لم تكن أدواته معه، لكن تلك الشبكة بدت وكأنها في أيامها الأخيرة.لف عباءته حول أصابعه وسحبها، زافراً بجهد حتى انكسرت إحدى المفصلات.كسر كل ما استطاع منها، ورغم أن إحداها قاومت أفضل جهوده، إلا أنه لا يزال قادراً على فتح الشبكة.إلى النفق مضى، زاحفاً على بطنه بينما كان يتلمس أمامه بأصابعه.كانت هناك أوساخ جافة في القاع، لفترة طويلة هناك بدت أشبه بالتراب أكثر من أي شيء آخر، وحين وجد تريستان أول حزمة أعشاب ارتفع حماسه.الأعشاب لا تأتي من فراغ، الرياح تحمل البذور.لابد أنه قريب من مخرج.وبعد ثوانٍ قليلة وصل إلى تقاطع: يسار، يمين، أمام أو الخلف بالطريقة التي أتى منها.برغم عنه، كسر اللص عود كبريت آخر.واحد متبقي.إلا أنه لم يرَ شيئاً تقريبا سوى هواء خفيف من الأمام أخمد اللهب قبل أن يتمكن من استيعاب الكثير.توقف تريستان، مترقباً ضحكة فورتونا حتى مع تدفق الراحة من الحصول على الجواب الذي كان يحتاجه على أي حال، لكن شيئاً لم يأتِ.«أنت هنا؟» همس.صمت طويل.«الأحمر هو أقل الألوان عصرية»، حاول.استمر الصمت، بكثافته التي تسد حلقه، وأجبر تريستان نفسه على ابتلاع ريقه.لم تكن فورتونا هنا، ولكن لماذا؟لم يسحب الحظ بأي مكان بقوة كما فعل على السيطرة.أكان الأمر متعلقاً بتولومونترا، جهاز قديم من ما قبل الطوفان يمنعها من المجيء إليه؟ستعود، أخبر نفسه.كل ما أحتاجه هو النزول إلى الشوارع مرة أخرى.متجاهلاً العرق البارد على ظهره، بدأ اللص الزحف للأمام مرة أخرى.كان الظلام في الأمام عميقاً لدرجة أن يده هي التي أخبرته عن الهبوط.بحذر تحسس بتفصيل أكبر، موجداً المزيد والمزيد من الفراغ، ثم غامر بإلقاء نظرة برأسه والنظر حوله.في الأعلى شبكة أخرى، مربعات سميكة كبيرةพอ لإدخال يد عبرها، ومن خلالها تبين أدنى تلميحات الضوء.طريقة للعودة للأعلى، فكر بارتياح.الآن المشكلة كانت في معرفة كيفية الوصول إلى هناك.مكنه التحسس الأبعد من معرفة أنه كان على حافة هبوط طويل، مواجهاً لنفق مماثل عبر تلك الفجوة.بدا الهبوط والعمود الصاعد إلى الشبكة أوسع من النفق الذي كان فيه، ولكن ليس واسعاً جداً لدرجة ألا يتم ضغطه نوعاً ما.يمكنه إذن توظيف طريقة للصعود إلى هناك، إن كان حذراً.إلا أنه لو انزلق لم تكن لديه فكرة حقيقية عن مدى طول الهبوط.قد يقتله تماماً.مد الجرذ يده نحو سكينه.«ملك الجرذان»، تمتم، مصلياً إلى الشارع بالأعلى.«أمير الفتات والخدش، والمجارٍ والقذر، ابتسم لي هذه المرة.إنهم كبار وأنا صغير، فساعدني على الهرب».أنزل تريستان كمّه وقطع ذراعه، مسح النصل الرطب بحافة الهبوط.لم يشعر بالدفء أو الثقل، لكنه لم يفعل أبداً: لم تكن تلك هي الطريقة التي يتعامل بها ملك الجرذان.وعلاوة على ذلك، كان بعيداً عن ساكرامونتي، أبعد بكثير من أن يُعير الملك يداً.كان ذلك بقدر ما فعله لتصلب نفسه ضد المخاطر بقدر ما كان لطلب المساعدة، سيعترف تريستان بذلك لنفسه.مبيتاً السكين، بدأ الجرذ العمل.تلوى للخارج، مثبتاً قدماً على حافة كلا النفقين، ومن هناك بدأ الصسعد.ألمه جسده، وكدماته تخفق، لكنه عض على لسانه وواصل: قدماه على جدار، وظهره على الآخر، دافعاً نفسه للأعلى ببطء ولكن بثبات.عارقاً ومتألماً، وصل بوصة ببوصة حتى أصبح في متناول يد الشبكة في الأعلى.مد يده نحوها، شاتماً حين رأى أن الشبكة الحديدية يمكن دفعها لكن هناك قفلاً كبيراً يمنع ذلك.عضلات ظهره ترتجف، زلق تريستان يده عبر الشبكة.كانت الأضواء في الأعلى باهتة بشكل غريب لدرجة أنه بالكاد استطاع تبين ما كان يفعله، لكنه تحسس القفل الكبير بحذر.قفل مفتاح بسيط، صُنع بخشونة.صنعة رديئة والمعدن كان شيئاً ألطف من الحديد.نحاس، ربما؟كانت فتحة المفتاح واسعة ومن قليل ما استطاعت أصابعه إخباره كان داخل القفل هو نفس معدن الخارج.كان الضغط على ركبتيه يتصاعد، ورجف ساقيه يزداد سوءاً بينما كان يتعب، لكن تريستان أجبر تنفسه على البقاء منتظماً.كانت كفاه جافتين، وعيناه مفتوحتان، ومد يده نحو سكين.ممرراً يده المسلحة عبره، وجهه بأفضل ما استطاع وانزلق طرف السكين في ثقب مفتاح القفل الكبير.كان واسعاً لدرجة أن النصل دخل مباشرة، لكنه لم يستطع دفعه والتدوير ببساطة - سيحطم سكينه، صلبًا كان أم لا.تحسس الداخل بالنصل، باحثاً عن الزاوية الصحيحة، وبدأ في تحريكه برقّة.الأقفال الرديئة تستخدم أسناناً بسيطة، نادراً ما تتجاوز سدادين، لذا إن حصل على الزاوية الصحيحة تماماً...نقرة واحدة، سمع تريستان.الآن عليه إيجاد أخرى، لكن رجف ساقيه تسلل صعوداً وجعل يده غير مستقرة.حابساً أنفاسه لئلا يفوت الضجيج بدأ في تحريك النصل مرة أخرى و- واحد، اثنان.أدار تريستان النصل.إلا أن حذاءه انزلق قليلاً، محولاً دورة لطيفة إلى صوت طقطقة.كاد يصرخ إحباطاً حين شعرت بنصل سكينه ينكسر، عاضاً شفته حتى تنزف لئلا يصدر صوتاً بينما يعيد قدمه إلى مكانها.مخبئاً بقايا سكينه، مد يده نحو القفل الكبير و- مفكك؟مستنشقاً، سحب اللص الكلالة وانفرت.مانيز، لقد أنجز ذلك قبل الطقطقة تماماً.ذهب القفل الكبير، ثم دفع الشبكة جانباً بهدوء قدر الإمكان وسحب نفسه إلى الشارع.مستريحاً على بطنه، وكل طرف يؤلمه ومبلل بالعرق، ضغط تريستان وجهه على الحجر البارد ولم يبالِ حتى بأنه كان يلطخ وجنته بالأوساخ.بقي هناك يتنفس في الظلام لفترة طويلة، عيناه مغمضتان ولكن أذناه منتصبتان.لم يكن يعلم ما حدث للتاسع والأربعين، لكنه شك في أن انهيار المنزل كان كافياً لقتلهم جميعا.إن مات موشن، أسيصبح مسؤولاً بقواعد شولومانس؟لم يكن متأكداً، ولكن بالتأكيد أنهم كانوا من لاحقوه سيحسب لشيء ما.زافراً، أجبر اللص نفسه على ركبتيه بينما سقطت عباءته حوله كستائر.نظراً للأضواء، وعندها أدرك أنه في ورطة: لم يكن ذلك الأسترلاب الكبير.أو بالأحرى كان، لكن النجوم المزيفة لم تكن شبيهة بما يعرفه.كانت بلا لون، شاحبة ومحجبة ومسلطة أدنى وميض فقط على تولومونترا.كفانوس يعلوه قماش.أطبقت أصابعه، نظر تريستان حول ما ظن أنه شارع ولكنه لم يكن كذلك على الإطلاق: كان على سطح مسطح، محاطاً بما لابد أنه مئة مثله، ومن زاوية الأفق في المسافة يجب أن يكون على ارتفاع ثلاثة طوابق على الأقل.المدينة حوله كانت ميناء ألايزي، لكنها لم تبدو بالمثل.لم تكن هناك فانوسات توهج، بل مشاعل فقط، ولم تبدُ المباني بالية - أو مهجورة.لا يزال الناس يعيشون هنا، وظن أنه يستطيع سماع أصوات مدينة نائمة على الريح.تصاعد الذعر، لكن تريستان سيطر عليه.قد يكون قد مر عبر نوع من عاصفة "الغلوم" بعد السقوط في قبو المنزل، ولكن قد يكون هذا أيضاً نوعاً من الحلم.شيئاً غير حقيقي.شعر الحجر الخشن للسطح حقيقياً تحت يده، ولكنه سيفعل إن كان هذا حلماً.كان عليه تصديق ذلك.«أولاً حافة هذا...أياً ما كان هذا»، تمتم تريستان لنفسه.«ثم نقرر إن كان الأمر برمته يستحق الصراخ».لم يؤدِ صمت فورتونا إلا إلى تعميق ظلال الليل.لم يكن التحرك عبر الأسطح صعباً.كانت ارتفاعات الأسطح غير متساوية، لكنها كانت كلها تقريباً مستطيلات لذا كان هناك دائماً طريق للتسلق إن دار حولها.كسلالم العمالقة، كانت.كانت أضواء الأسترلاب بالأعلى باهتة جداً لدرجة أنه وجد صعوبة في توجيه نفسه، لكن الأضواء بالأسفل في المدينة خدمت كشمال لبوصلته.لابد أنه بدأ بالقرب من المنتصف، وبعد دقائق معدودة من العملية المباشرة الشاقة للتحرك عبرها أُعطي وقفة.كان هناك كوخ.كان تريستان قد استوعب شكل ما كان عليه، أقل أو أكثر.التصميم العام لابد أن يكون لمكعب مكون من مستطيلات مكدسة، بيوت صغيرة متراكمة فوق بعضها البعض عبر طوابق متعددة كأن ملكاً طفولياً كان يعبث.لم يكن التناسب مثالياً، بأسطح ذات ارتفاعات مختلفة وبعض المساحة بين "البيوت" مشكلة حفر، لكنه ظن أنه فهم ذلك.إلا الآن، في منتصف هذا المشهد من الأسطح، كان هناك وعاء يضم كوخاً فيه.ليس صغيراً أيضاً - لا الكوخ ولا الوعاء.كان الأخير بعمق طابق واحد تقريباً وبحجم ساحة بلدة، إلا فوق الأسطح صُنع حديقة: عشب أخضر تبتلعه حقول من الزهور الأرجوانية والزرقاء والحمراء، وتنسج ألوانها ذهاباً وإياباً بمهارة لدرجة أنه بالكاد استطاع تمييز أين ينتهي الواحد وأين يبدأ الآخر.أدى مسار حديقة حجري صغير إلى كوخ مرتب مرصوف بالحصى، بارتفاع طابقين على الأقل رغم أن جانباً ذهب أبعد مع برج صغير في قمته.حمل ذلك البرج دوارة ريح كان تريستان متأكداً تماماً بنسبة كبيرة أنها لا تحرك وفقاً للرياح.شاب ذلك الخطر بالنسبة له، ولكن أيضاً الإجابات.وسواء أكان هذا حلماً أم طرده من حياته، كانت الإجابات هي أكثر ما يحتاجه.خفض اللص نفسه في الحديقة، هابطاً بنعومة على العشب، وتسلل أقرب إلى الكوخ.كانت هناك نوافذ منحنية كبيرة تشرف على الحديقة - من الزجاج، والنوع الشفاف!- فدار حولها، متجاوزاً الباب، وأمعن النظر في الجدران المرصوفة بالحصى.كانت الحجارة ملساء، لكنه قد يكون قادراً على التسلق والدخول عبر البرج.ثم انفتح الباب.انحشر تريستان في شجيرة، ولكن لم يكن هناك أحد عند الباب وبقي مفتوحاً.رسمت الأضواء الخافتة من الداخل عتبة الباب.تبّاً.حسناً، إذن هذا منزل ساحرة غلوم وقد رُصد وهو يتسلل.مبلعاً ريقه، استقام تريستان بظهره وخرج من الشجيرات.الأفضل التظاهر بأنه كان قادماً للدخول من الأمام دائماً.عاد إلى المسار الحجري، بلغ العتبة - كان هناك حصيرة قش مسح حذاءه عليها بواجبيّة - ودخل عرين الشيطان.أول ما لاحظه هو مدى غنى الكوخ بالفرش.أثاث فاخر من الخشب المصقول، وكذلك كراسي مبطنة من النحاس المخرم، ومرايا فضية وحتى رف كتب يحمل عرضاً ثروة من الكتب المجلد الجلدية الملونة.بدا كل مكان محمل بالتحف، بعضها ثمين كعلبة موسيقية من العاج ولكن أخرى شائعة كالزهور المجففة وبومة محنطة رديئة.كانت الأضواء في الداخل ناعمة ودافئة، قادمة من شموع موضوعة في أكواب، ولحظة خطى تريستان للداخل أغلق الباب خلفه.لم يكن بحاجة للسؤال عن المكان المفترض أن يذهب إليه، فما بعد المدخل كان غرفة جلوس بتلك النفذ الطويلة التي رآها سابقاً وهناك على الطاولة جلس رجل مع إبريق شاي.وكوبين.لم يكن الغريب ينظر نحوه بعد، لذا أخذ تريستان وقته لدرسته - متوسط القول، شعر داكن وجو من النعومة عنه.باهت لدرجة أنه لابد أن يكون فجوفاً أو قريباً من أهل مريم.«تعال واجلس، أيها الشاب»، قال الغريب.«لقد مر وقت طويل منذ أن حظيت بضيف».كان صوت الرجل ناعماً وعميقاً، شبه موسيقي، واسترخت كتفا تريستان بأقل قدر.ليس بسبب الصوت، بل لأن الفجوف أيضاً لا يضعون أيديهم عادة على ضيف دون سبب وجيه.كان ذلك تأكيداً للأمان بأن يُدعى ضيفاً، مهما كان صغيراً.صامتاً، مشى الساكرامونتي على السجادة السميكة حتى جلس على الكرسي المبطن السميك المواجه للرجل الآخر.مواجهاً إياه أخيرًا، مرت عينا تريستان فوق وجه طويل وأنفل مستقيم يمسكه نتوء.مظهر جزيري تريبي كلاسيكي.ولابد أنه فجوف، وإلا لماذا يعيش في منزل بلا أي أضواء توهج؟كان الكرسي، لعدم راحته، مريحاً بشكل آثم.لم يكن يعلم ما بداخل تلك الوسائد لكنه بالتأكيد لم يكن قشاً.«تبدو خجولاً، لشخص بمثل هذه التجوالات الجريئة»، قال الرجل.«أممكنني الحصول على اسمك؟» «تريستان»، رد اللص، غير راغب في إعطاء المزيد.«وعلي الاعتراف بأنني لم أأتِ إلى هنا عن قصد».همهم الرجل الآخر.«ليس قصدك، ربما»، قال.«لكن قصداً، بكل تأكيد».حدق تريستان فيه.«أتصادف أن تكون كاهناً، بأي صدفة؟» ضحكة ناعمة، شبه مسرورة.«في يوم من الأيام»، وافق الرجل.«لقد انسحبت من الحياة، وإن لم يكن بالقدر الذي ظننته إن استطعت إيجادي هكذا بسهولة».توقف مؤقتاً، مبتسماً بوميض من الأسنان البيضاء اللؤلؤية المثالية.«نادني ساكاس، يا تريستان»، قال.«أترغب في كوب من الشاي؟» نظر اللص في الصياغة، ثم مال للأمام.«أالشاي مسموم، يا ساكاس؟» سأل تريستان بأدب.ضحك الفجوف ذو الشعر الداكن، غير منزعج البتة.«عزيزي الفتى»، قال.«أنت كائن شفاف تقف على بعد ساعة مشي واحدة فقط من القصر الصيفي لجلب النور ذاته.في أي عالم سأحتاج إلى سم للتخلص منك؟» جعل تريستان نفسه يبتسم، كأنه كان يعلم أنه ظاهرياً في مرمى رؤية ملك الجحيم اللعين.لم يبدو ساكاس كش شخص يبيع أكذوبة، بل كأنه كان يرحم حقيقة بسيطة ومعروفة جيداً.والمقلق جداً، وجد اللص أنه صدّق الكاهن.فابتلع ريقه، وأومأ برأسه، وترك الفجوف يصب شاياً داكنًا عطراً في كوب خزفي متصدع.شجعه ساكاس على تجربته وفعل تريستان.كان مستعداً لتلفيق ابتسامة، لكن لمفاجأته كان لذيذاً حقاً.لا يشبه أوراق التيانكسي والصومشواري التي عرفها بأي شكل - طعمه فاكهي، وحلو دون أن يكون سكرياً.«إنه جيد جداً»، اعترف.أشرق وجه ساكاس.«فراولة، أيها الشاب، السر هو الفراولة»، قال.«أصنع مرباي الخاص من تلك التي تنمو في الحديقة».أخذ تريستان رشفة أخرى، عاكسها الفجوف عبر الطاولة، ثم وضع كوبه على طبق.«شكراً لك على الشاي»، قال.«على الرحب والسعة»، أجاب ساكاس بسهولة.«رغم أنك ذكرت سابقاً قصداً لا يزال مجهولاً، أتوقع أن لديك بعض الأسئلة
لي».«لدي، إن سمحت بذلك»، قال تريستان ببطء.لم يعطِ اسمه بالكامل عن قصد، ورغم أن الرجل لم يبدُ كملك في زي بشري، فلن يطرح أسئلة إن تطلب الأمر مبادلتها بهبات.«أستمتع بالغموض حقاً»، قال الكاهن بود.«تفضل بالسؤال».تردد اللص، ثم عض الرصاصة.«أين أنا؟» سأل.«هذه مدينة ألايزي»، قال ساكاس.«كانت عاصمة لمملكة ذات شأن، وأضحت الآن مقراً للمشاريع الجهنمية».أمير الأكاذيب مرة أخرى.ربما كان ذلك هو الخيط الذي يجب عليه جذبه لكشف حقيقة مكان تواجده.«وماذا»، سأل تريستان، «سيكون ذلك المشروع؟» «يعتمد ذلك، أظن، على من تسأل»، تأمل الكاهن.
«سيخبرك الأمراء الصغار في الخارج أن جزيرة سولومونترا هي المكان الذي ستُؤسس فيه إمبراطورية عظيمة - فهو المكان الذي رفعنا فيه القصر الوحشي الذي سيكون مقراً لقوته، بعد كل شيء».سولومونترا، لاحظ اللص، وليس تولومونترا.لم يبدُ ساكاس كنوع الرجال الذين يخطئون في اللفظ، لذا لابد أنه اسم آخر للجزيرة.أقدَم؟«إلا أنك لا تصدق ذلك»، قال تريستان.كان متأكداً من ذلك.لقد كانت طريقة لطيفة من التعالي تحدث بها الرجل ولكنه تعالي مع ذلك.«أن مخازن الجحيم ستتقيء سيطاً لا ينتهي من الشياطين، تجتاح العالم كمقدمة لطائفتنا؟» سخر ساكاس.«نادراً.فليس من طبيعة كوكب الصباح رفع العروش، بل إسقاطها».«إذن ماذا يريد؟» سأل، مشيراً حوله.«كأكبر أساقفة البيت المظلم، أظن أنه يجب أن أخبرك بأن خطط جلب النور لا تهم كثيراً لعدم وجود خدمة تخصنا عملاً مقدساً»، قال الفجوف ذو الشعر الداكن.«فبإطفاء الأنوار سننهي استبداد الحدود ونطلق سراح جميع الأرواح من الأسر، كما هو واجبنا المقدس».غدا تريستان ساكناً جداً، جداً.كان قد سمع عن البيت المظلم من قبل، ككل الليرغانيين.الخيانة الثالثة، الطائفة التي نهشت داخل الإمبراطورية الثانية لعقود - ربما لقرون - قبل أن تسقطها على رأس الإمبراطور الأخير.لم تكن أي طائفة فجوفية مخاوفة أو مبغوضة على البحر التريبي، حتى بعد قرون من إخماد الحرس لآخرهم.والآن كان يجلس مقابل أسقف من طائفتهم، أحد كبار كهنتهم أمراء الحرب.أجبر نفسه على عدم ابتلاع ريقه، لكن عيني الرجل البنّيتين حملتا وميضاً عارفاً.«لا تبدو مصدقاً لذلك أيضاً»، قال تريستان، ضاغطاً.«أنا رجل عجوز يا تريستان»، رد ساكاس.«لا تبدو كذلك».كان من الصعب وضع رقم، نظراً لنعومة مظهره، لكن اللص كان ليخمن بما لا يزيد عن الثلاثينات.«أبدو بالقدر الذي أهتم به»، رفض الأسقف.«فالسيطرة على جسد المرء أحد الألغاز الأصغر.ويكفي القول إنني كنت شاباً عندما كانت هذه المدينة شابة، ولم تعد كذلك».«وماذا يعني ذلك؟» سأل تريستان.«أنني أعرف كيف يبدو الأمر»، قال ساكاس، «حين يجلس أحدهم قرب نافذة ينتظر الموت.وهذا ما يفعله جلب النور، مراقباً بينما نتشاجر جميعاً عند قدميه - أمراء يرسمون ممالك على خرائط لأماكن لم يزوروها قط، وتلاميذ أوريغن يصرخون لحرب مقدسة والشياطين تحاول جعل أنفسهم كبلاط كأحجية صور متقطعة حيث كل قطعة تعض».هز الرجل ذو الشعر الداكن رأسه.«لا أعلم ما ينويه، لكن كوكب الصباح فقد كل اهتمام بسولومونترا بمجرد وضع الحجر الأخير من قصره»، قال الكاهن.«إنه يعلم أن الحرس استدعى القوى العظيمة وأنهم يحشدون جيشاً لقتلنا جميعاً، ومع ذلك فهو ينتظر فقط».قد يكون ساكاس محقاً، فكر تريستان.لم يكن يعلم بعد ما إذا كان هذا حلماً أم لا، ولكن إن كانت هذه لمحة عن وقت مضى فقد دخلت الجزيرة حيازة الحرس حقاً.تغييراً شك اللص في أنه قد أتى بسلام.«إذن لماذا البقاء هنا؟» سأل تريستان.«خذ سفينة، ارحل».«إنه مرض شفاف، الخوف من عدم الدوام»، قال ساكاس بود."أنت ترسم حدوداً بين "قبل" و"بعد" لا وجود لها، وتجد الفقد في غير القابل للانقسام.أَتخشى الماء أن يصبح ثلجاً؟» قد تفعل، تأمل تريستان، إن استطاعت التفكير في كل ذلك.كانت الأرواح مربوطة للأبد بالدائرة الأبدية، تدور وتدور حتى تصبح كالملوك، لكن الموت ظل فقداً.لم تحتفظ بشيء مما كنت عليه، بمجرد عودتك إلى الدائرة.منزوعاً تماماً من أي شيء قد يهمك يوماً.لا، كان الموت شيئاً يخشى منه.لكن لم تكن تلك هي الطريقة التي يفكر بها الفجوف.لم يروا الموت حقاً كموت، وهو ما يفسر سبب ظهورهم بعنف لا يمكن التنبؤ به: الرهانات التي لعبوا بها لم تكن هي نفسها الخاصة بالبشر الآخرين.«إذن أنت جالساً هنا قرب نافذتك»، قال اللص.«تشرب الشاي وتنتظر المد ليلاحقك».«كما أنا»، وافق ساكاس بسهولة.«ومع ذلك فقد تحدثنا عني ما يكفي، أظن.ما الذي يدفئ بك إلى هذه السواحل يا تريستان؟» «أنا ضائع»، اعترف.«وبعيد جداً عن البيت».«لا أحد يضيع أبدا»، ضحك الكاهن.«لا توجد طرق صحيحة أو خاطئة.أنت دائماً حيث يجب أن تكون».«لست متأكداً حتى من أنني متى يجب أن أكون»، رد تريستان بحدة.«يبدو لي الكثير من هذا غريباً».تحدث بالكلمات بعرض ولكنه أبقى عيناً حذرة على وجه الرجل الآخر.ماذا سيطرح، كيف سيتفاعل؟ببهجة حميدة، كان الجواب، ما لم يكن الكاهن أفضل في التظاهر بالعواطف مما كان تريستان في استنباطها.«الوقت كذبة إلى حد كبير»، أكد له ساكاس.«لا تقلق بشأنه كثيراً».لم يكن ذلك مختلفاً، تأمل الساكرامونتي، عن التعزية بواسطة قرش.كانت النية موجودة ولكن الأسنان لم تكن أقل دموية لذلك.«عدميتك نوع مهدئ جداً»، قرر اللص.«وشككك محبوب جداً»، أثنى ساكاس.«من المهم، فهم أن المعرفة ليست حديداً بل قصبة: تتنفس، تتغير، تنحني.عقل الحديد مقدر له دائماً أن ينكسر».أنهى تريستان آخر كوبه تماماً حين ضربت أول رعدية.نهض ساكاس بلا عجل، جافراً نافذة، وفي السماء البعيدة رأيا أضواء متراقصة.ليس ضوء الأسترلاب بل فوانيس التوهج ضد الغيوم.سفناً، فكر تريستان، أتت إلى الميناء.وقد أعلنت عن نفسها بالمدافع لذا لم تأتِ بسلام.حان وقت الذهاب، قرر اللص.«لقد كان الأمر ممتعاً»، قال تريستان بصدق، ضاغطة كوبه.«لكن يجب أن أغادر.أخشى عواقب البكا هنا».ابتسم الكاهن، مائلًا على مرفقيه لمراقبة علامات هلاكه القريب كما لو كان يستمتع بالمشهد.«لقد لحق المد أخيراً، أظن»، قال ساكاس، ثم هز رأسه كأنه ينسل من حلم يقظة.نظر خلفه إلى تريستان.«يجب أن أعطيك هدية تخليداً للقائنا.أتوقع أنه لن يكون هناك آخر».سكن تريستان.«ليس ذلك ضرورياً»، قال.«تم إنجازه قبل مجيئك إلى هنا بكثير»، قال الأسقف بسهولة.«أضع هنا غموضاً، كما ترى، خطاً في الرمال: لا أحد يستطيع إيجاد هذا المنزل ممن لم يطأ أرضه من قبل».هز ساكاس كتفيه بكسل.«أنت لست ضائعاً يا تريستان»، قال.«البيت هو حيث تصنعه».تردد اللص.كان أمراً أحمق للسؤال، لكن الفضول احترق.«ماذا ستفعل؟» سأل، لاعقاً شفتيه.ابتسم ساكاس، كجدّ رغم شبابه الظاهري.«أنا آخر أساقفة البيت المظلم، يا بني»، قال.«لقد تناولت أقدم قانون وجعلته في عظامي، منشداً الكلمات التي تأكل نفسها».اهتز الهواء، كأن العالم نفسه كان ينكمش مما قيل، ووجد تريستان أنه لا يستطيع رفع عينيه عن عيني ساكاس الداكنتين.كانت حفر ظلام، لا نهاية لها وباردة وغير مستعجلة بالطريقة التي لا يمكن لشيء سوى ما بعد الوقت أن يكون عليها.«إن جاء الحرس إلى عتبة داري، فسأساعدهم في تذكيرهم لماذا يجب أن يخافوا من الظلام».أجبر تريستان نفسه على عدم الجري إلى الباب، لكنه كان أمراً ضيقاً.-- بدت الحديقة شريرة الآن، الحمراء أعمق والأرجوانية سامة بينما كان يسرع في المسار.لابد أن هناك طريقاً للنزول من هذا المكان، فكر تريستان حين وجد حافة أدنى للتجويف الذي كان الكوخ مخفياً فيه.في عجلته أخطأ تقدير حجر، وحين وضع وزنه عليه لدفع نفسه للأعلى انهار برذاذ من ملاط مسحوق.مع أنين سقط اللص رجوعاً إلى العشب، واقياً وجهه بيديه لئلا يصدمه الحجر.حين جلس بأنين بعد ذلك، مع ذلك، بدا العشب تحته أكثر خشونة.وكما يجب، بما أنه لم يعد في تلك الحديقة المخفية.حوله كانت أنقاض، بيوت مجوفة وشوارع شبيهة بميناء ألايزي الذي عرفه.متحمسًا تصاعدياً، نظر تريستان للأعلى وأطلق أخيرًا نفساً مرتاحاً: كان الأسترلاب بالأعلى هو ما عرفه، النجوم المزيفة الملونة.يا ملوك، لكنه لم يظن أبدا أنه سيسر بذلك المنظر المخيف.فماذا حدث إذن؟أكان أي من ذلك حقيقياً، أم كله نوع من أوهام الغلوم؟نهض تريستان وبحث عن سكينه، موجداً إياه مفقوداً.ومع ذلك فقد كان بإمكانه فقدان ذلك حين سقط عبر السطح، وغريباً كما بدا لم يكن في أي مكان قريب من ذلك المكان الآن.لم يحصل على إجابة قاطعة إلا حين حفر لاستخراج أعواد الكبريت: بقي واحد فقط، مثلما في الحلم الذي لم يكن حلماً على الإطلاق.ابتلع اللص ريقه بعصبية، فهذا النوع من الأشياء كان يفوق فهمه بكثير.كان بحاجة للعثور على مريم بأسرع ما يمكن ومعرفة كم مضى م– متذكراً ساعة فانيسا، استخرجها.ساعة وتغيير انقضى عن مغادرته المسرح القديم.أكثر أو أقل مساوياً للوقت الذي كان ليمضي لو لم يكن...في مكان آخر.كيف عمل ذلك؟أكان - لا، فكر، هزاً رأسه.التخمين بلا أساس في الأمر لم يكن سوى تحريك للهواء.مريم أولاً، ثم يمكنه الذعر.وجد اللص منزلاً منهاراً سهل التسلق وصعد فوق السطح المبلط، موجداً الاتجاه الذي كانت توجد فيه أوار ضوء ميناء ألايزي - للأمام مباشرة، ومن حيث وقف استطاع حتى رؤية أن سفينة جديدة بدا وكأنها رست.طويلة ونحيلة، خفضت أشرعتها بينما كان عمال الميناء يفرغون محتوياتها على ضوء الفانوس.توجه تريستان إلى هناك مباشرة، مبيتاً نابضاً في خطوته وهو يدخل امتداداً ضوئياً شاحباً.أبقى عيناً حذرة للبحث عن الأشباح، فقد كان متعباً بما يكفي ليصبح مهملاً، وشعر براحة نسبية حين وجد في نهاية الشارع دورية من ذوي العباءات السوداء.ثمانية منهم، تقودهم امرأة صومشواري طويلة بأشرطة ملازم على ياقاتها.سارع تريستان نحوهم، ولكن في منتصف الشارع تقريباً بطأت خطواته.لقد رأوه، لكن بدلاً من تلويحة أو مزحة حصل عليه هو انتشار الحراس في خط مع رفع بنادقهم.بعد ثانية رأى السبب.بينهم، في منتصف الشارع وعابراً للبيوت، كان هناك خط أحمر مرسوم.شيء ما أخبره أنه ليس هو من يقف على الجانب الصحيح منه.«مانيز»، شتم بهدوء، ثم تنحنح ونادى.«المعذرة، يا ملازم، لم أتخطَ الخط عن قصد.لقد علقت في...» «أيديكما حيث يمكننا رؤيتها»، أمرت ملازم الصومشواري بحدة.«الآن».متجهمًا، فعل تريستان ما أمر به.كيف يمكنه الخروج من هذا بالكلام؟لم يبدوا ميالين بشدة لإطلاق النار عليه، لكنهم لم يبدوا غير ميالين بشدة أيضاً.«لا تقم بحركات مفاجئة»، نبح أحد الرجال.«إنها آخر شيء في ذهني»، أكد له تريستان.لم تكن هناك وميض تسلية على وجه أي شخص، وكلهم يبقون بنادقهم مصوبة وغير مهتزة.«ألديك لوحة؟» سأل الملازم.«دي»، قال اللص، هارباً في إيجاد نهاية للقناة.«اللواء الثالث عشر.اسمي هو...» «أخرجها»، قاطعته الملازم.«ببطء، بيديك العاريتين».يدان عاريتان.أكان هناك شيء غير معتاد في صناعة اللوحة إذن؟وصل تريستان بحذر داخل عباءته، منتجاً الختم الفضي الدستوري وممسكاً به لضوء فانوسهم.«والآن؟» سأل.«الآن ننتظر»، قالت الملازم.«سوغي؟» «بدأت العد، يا ملازم».كان المتحدث مالانياً طويلاً في الخلف، كان ينظر الآن إلى ساعة جيب نحاسية مفتوحة.مر وقت طويل من الصمت، والبنادق مصوبة نحوه وغير مهتزة، وعض تريستان داخل خده حين أدرك أنه كان يجب أن يبدأ العد من اللحظة التي رأى فيها "سوغي" ينظر إلى ساعته.بدأ متأخراً ووصل إلى أربع وثلاثين ثانية قبل أن يغلق المالانياً ساعته.«يديك، ايها الفتى»، قالت الملازم.«أرنا إياهما».فعل تريستان، غير مبعد الختم بعد، وأخيراً خف التوتر.انخفضت الأسلحة، وتنفس العديد بارتياح.«تهانينا»، قالت حارسة الأمن.«أنت لست مراً راكباً».«راكب»، قال تريستان.«بمعنى ممسوس؟» «إن كنت محظوظاً»، رد الذي يدعى سوغي بقسوة.«لكنك لم تحترق تحت اختبار يهوذا، لذا فروحك نظيفة.على أي طبقة انتهى بك الأمر؟» اختنق تريستان.استطاع تخمين ما كانت "الطبقة"، لكن التضمين هنا فاجأه.«أهناك أكثر من واحدة؟» «سوغي»، قالت الملازم بحدة.«أغلق فمك.أنت، أيها الفتى...» «تريستان أبراسكال، تيا»، قدم اللص.هذه المرة سمحت له بالإنهاء، مؤمئة.«تريستان»، قالت.«كيف بدا محيطك؟» «كان الأسترلاب خافتاً»، قال.«وكانت هناك مشاعل في المدينة».«الطبقة الثانية»، قالت فوراً.«كان غطسك مجرد غطس سطحي، يجب أن تكون بخير.افحص نفسك من قبل ملاح على أي حال إن استطعت، فمن المجدي توخي الحذر».«غطس في ماذا، يا ملازم؟» ضغط.عقدت حاجبيها، كأنها منزعجة لسؤاله، لكنها لم تنكر أن له الحق فيه.«تولومونترا تتربع فوق أحد أكبر آبار الأثير في فيسبر»، قالت أخيراً.«كل ذلك الأثير السائب، يعني أنه إن وُضع تلوث كافٍ في فترة زمنية قصيرة فسيترك انطباعاً في النسيج المحلي، طبقة.لقد تجولت في ما نسميه ساعة السحر».تذكر تريستان ما قاله له تريديغار عن اعتراف برون، وعن كيف أن ملكه الصغير لم يحب شيئاً أكثر من انفجار النكهة في الأثير حين يموت الرجال.ولذا عرف من أين أتى تلوث ساعة السحر هذه.«إنها من الليلة التي أخذ فيها الحرس هذه الجزيرة»، قال.تلقى نظرة حادة على ذلك.«فتى ذكي»، قالت الملازم، رغم أنها لم تبدُ كمديح.«تجنبت نهاية سيئة هذه المرة يا تريستان أبراسكال، لكني لن أعول على تكرار ذلك إن تجولت للداخل مرة أخرى».مالت أقرب.«إن لم تأخذك المارا هناك، فرصاصة شاردة ستفعل».سكن عند ذلك الكشف وابتسمت بشر.«أظننت أنك لا تستطيع الموت هناك؟الأثير حقيقي تماماً مثلك يا فتى، طلقة منه في الرأس ستقتلك قتلاً صحيحاً».أشارت لـ"سوغي" بالاقتراب، آمرة إياه بفحص اللوحة وتسجيل الرقم ليتم إبلاغ كفيله بأنه كان خارج الحدود - رغم أنها بدت مصدقة له حين أخبره أنه كان كرهاً تماماً.«أهلاً بك في شولومانس يا تريستان أبراسكال»، قالت الحارسة بعد ذلك، طاقة كتفه.«الأفضل أن تكون أكثر حذراً بشأن المكان الذي تخطو فيه، إن أردت البقاء طوال العام».