الفصل الثالث قبل اندثار دارها، لم يسعَ أنغاراد في البحر سوى مرتين لأكثر من أسبوع. مرة حين أرتها الأم الساحل الشمالي في طريق زيارتهما لأقاربهم البعيدين في آل بيثيل، ومرة أخرى متوجهة إلى جزيرة سيلير سايثينين. في كلتا الرحلتين أبحرت على متن سفينة الشحن التابعة لآل تريديغار، «الدردار السريع»، التي لطالما أحبت الأم إخبارها بأنها لم تكن سريعة ولا مصنوعة من خشب الدردار. ومع أنها قامت برحلات أصغر إلى جنوب مالان عدة مرات في العام، فالحقيقة أن جل وقتها الذي أمضته على صفحة الماء كان أثناء تدريب خطواتها على قوارب صيد أصغر تُستعار ليوم واحد، لذا لربما اعترفت أنغاراد بأن معرفتها بالسفن أقل ممّا ينبغي لابنة ريانون تريديغار. غير أنها كانت على علم كبير بالموانئ. لقد راود والديها يوماً أمل أن تنمو أكبر بلدة مدينة لقصر لانو، باتروم، لتغدو ميناءً ينافس ميناء كادوين في الجنوب. كانت البلدة مستقرة بجانب ما يُسميه السكان المحليون خليج تريديغار، وما علّمها إياه أبوها ليكون مرفأ طبيعياً. أتاحت المياه العميقة رسواً سهلاً، وحمى لسان رأس الأرنب البحري الخليجَ من العواصف. لقد عمل صغر حجم الخليج وغياب الطرق الجيدة نحو الأقاليم المجاورة ضد مصلحة البلدة، غير أن كلا الأمرين كان بالإمكان إصلاحهما بالأعمال الإنشائية. لكن الأم كانت تعلم أنه مع ارتفاع حظوظ آل تريديغار تحت إدارتها لدرجة باتت فيها هذه الأعمال في متناول اليد، فمن المستبعد أن تُنجز في حياتها. لذا، فقد أوصت الأب بأن يحرص على تلقين أنغاراد ضرورات الميناء التجاري. ولم تكن النبيلة لتأنف من الاعتراف بأنها تذمرت من ذلك التمرين الذي اشتمل على الكثير من عدّ القطع النقدية والمناحلة حول الحقوق والامتيازات — عمل الرجال! — غير أنها بذلت أدنى جهد ممكن لتتعلم. ولهذا استطاعت الآن أن تتفرّس ميناء ألازي وتقرر أنه ليس ميناءً جيداً البتة. كان، في البداية، مكشوفاً بالكامل. لم تكن هناك حواجز أمواج أو جسور برية تقي المراسي من العواصف، ومع أن ذلك قد يُغتفر نظراً لما قيل عن كيف تُبقي حلقة العواصف العناصر الطبيعية بعيدة، فإن حال تلك الأرصفة لم يكن هكذا باليسير غضه. كانت المياه هنا عميقة بالقدر الذي يسمح للغليون بالإبحار بجرأة للداخل، بيد أن المراسي التي اقترب منها لم تكن سوى عشرين خطاً حجرياً نحيلًا ورفيعاً تبرز من المدينة. أما الممر المرتفع الذي تصب فيه كلها فقد حفّته جدران واطئة تؤدي إلى ما بدا أنه نوع من مكاتب الجمارك المبالغ في حجمها، مما ترك مساحة ضئيلة للغاية خلف المراسي لدرجة أن الممر سيكون مكتظاً باستمرار لو امتلأ المرفأ بنصف سعته حتى. وعلى النحو القائم لم يكن هناك سوى زوج من سفن الشحن راسيتين، ومربوطتين عند طرفي المراسي المتقابلين. وبدا أن قبطانة «المناظر الجميلة» عازمة على حجز أحد المراسي الوسطى محتفظة بمسافتها. تفرست أنغاراد في الميناء مجدداً وأطلقت تنهيدة. كانت بيريدوري لا تزال منبهورة ببرج القبة الفلكية العظيم الشاهق ومعهد سيكولومانس المهدد — بأبراجه البارزة كأنه أسنان تغرز نفسها في الظلام — غير أن المدينة القابعة عند أقدامها بدت وكأنها لا تعدو كونها خرابة متضخمة ذات أرصفة من الدرجة الثانية. «وما الذي جعلك تتنهدين بهذا اليأس، إن جاز لي السؤال؟» ألقت أنغاراد نظرة خاطفة على الرجل الذي خاطبها. كان تريستان أبراسكال لا يزال يحترس في كلامه بحضرتها، كما يفعل المنحطون غالباً حول النبلاء، لكنها رأت في ذلك إشارة جيدة لكونه يلين أحياناً بالقدر الذي يكفي لمداعبتها. لقد سارت بحذر شديد مع الرجل نفسها، غير متأكدة بعد من الحدود. ففي العالم الواقعي وراء الحراسة، كان سيُبقيهما الدم واللقب متباعدين، أما الآن فكلاهما يرتدي السواد. كم تزن الولادة أهمية بمجرد أن ترتدي العباءة؟ لم تكن متأكدة بعد، ولذا امتنعت عن عرض استخدام مشطها على الرجل رغم أنها كادت تفعل ذلك على سبيل المزاح النصف جاد مرتين على طرف لسانها طوال الأسبوع الماضي. «تلك المراسي أضيْق ممّا ينبغي»، رأت أنغاراد، متكئة على الصاري بينما كانا يقفان فوق مقدمة السفينة. «سيكون تفريغ حمولة ضخمة هنا أمراً عسيراً». تأمل الرجل رمادي العينين ميناء ألازي بدوره، بنظرة مقيمة وقيّسة. كان ساكرومونتي لا يزال أحد أعظم الموانئ في العالم، رغم مجده الآفل، لذا كان حريّاً به أن يرى ما رأته. «أو حتى كمية ضخمة منه فحسب»، وافقها تريستان في النهاية. «هذا ليس ميناءً تجارياً». أثارت كلماته المرأة التي تجاوزته لتستفيق من غفوتها الهادئة. «إنه مُعدٌّ للدفاع»، قالت مريم. «يبدو ذلك الجدار قصيراً الآن، لكنهم لو بنوه...» قطبت المرأة شاحبة البشرة حاجبيها، عاضة على شفتها. «أوغرادا أود داساكا»، قالت، ملقية نظرة خاطفة على سونغ. سألت تيانشي مريم عن شيء بلغة بدت ككاثايانية، لكنها غير مضبوطة تماماً. أجابت مريم باللغة ذاتها، يبدو عليها الارتياح، وأومأت برأسها. «التخزين»، ترجمت سونغ. «مثل ممر خشبي يعلو السور، يغطيه سقف وبه فجوات للسهام في المقدمة». سهام؟ يا له من عصر ضياع بامتياز. «المراسي ضيقة لكي لا يستطيع سوى عدد قليل من المحاربين الخروج مرة واحدة»، قالت مريم. «والممر صغير ليدفع التدافع الغزاة نحو الماء. هذا المكان بُني ليقاتل». يا له من عجب، فكرت أنغاراد: استطاعت مريم خايموف التحدث دون إضافة أي تلميح خبيث. ولربما كان ذلك حضور تريستان، إذ بدت وكأنها تبذل جهداً ما لكبح لسانها بحضرة الساكرومونتي. ناقشت النبيلة أمر بذل جهد في اللطف مع تريغال، غير أنها لم تستطع أن تكلف نفسها عناء تقديم فائض من الأدب بينما كانت متأكدة تماماً أنه سيُقابل بالفظاظة. «لست رجلاً عسكرياً»، لاحظ تريستان، «لكن تلك الجدران تبدو لي وكأن أي غليون يستطيع تسويتها بالأرض بمدافعه من مسافة بعيدة لدرجة تصبح معها السهام بلا معنى». «تولومونتيرا أرض عتيقة»، قالت سونغ. «لقد استوطنت منذ قدوم مورن على الأقل». وعنت التيانشي بذلك أن الجدران بُنيت في زمن سبق أن حول البارود الأسود العديد من الحصون العظيمة سابقاً إلى مجرد أنقاض منتظرة. «تبدين مصيبة في تقييمك بشأن عدم العملية فيما يتعلق بالحمولة»، تابعت سونغ. «يوجد منار غربي هنا يضم شاطئاً جُرفت إليه بعض السفن. أتخيل أن هذا هو المكان الذي تفرغ فيه الحراسة ما لا يسمح به الميناء». تراجعت أنغاراد إلى الوراء، محاولة إلقاء نظرة خاطفة على هذا المنار، غير أنهما كانا قريبين بما يكفي من ميناء ألازي لدرجة جعلت أضواء القبة الفلكية تجعل رؤية ما بعد مداها أمراً عسيراً. في الحقيقة، كانت تشك في أنه حتى في عرض البحر لما كانت لترى ما رأته سونغ، إذ بدت تلك العيون الفضية وكأنها تخترق الظلام والوهام معاً. تقدّم نحوهما أحد أفراد القتال التابعين لـ «المناظر الجميلة» — شاب يدعى إميليانو — وراح بخجل يبلغهما تحيات القبطان كراك وبأنهما على وشك الرسو. وهو أمر كان بوسعهم جميعا رؤيته، لكن نقله كان من باب اللباقة فحسب. كان إميليانو، الطويل المنحني، ينظر إليها غالباً أثناء حديثه ويحمر خجلاً طوال الوقت. ردت أنغاراد بلباقة، كما تقتضي الواجبات، لكنها حرصت على ألا تبتسم. ومع أنها كانت تفضل اعتبار رجال الحراسة أسمى من مثل هذه الأمور، إلا أن خبرتها دلتها على أن الشبان المعجبين بها كانوا يفسرون الابتسامات أحياناً على أنها تشجيع. ومثل هذا الأمر قد يفسد، لو حاولوا حظهم وعلموا أن ميولها تتجه حصراً نحو الجنس اللطيف. كان الحفاظ على مسافة أبسط بكثير. «ترد تحياتنا إلى القبطان كراك، وشكري الشخصي على إعارة الكتب»، أجابت سونغ. «كانت الرحلة سريعة وممتعة. أمورنا تحت السيطرة ولن نطلب أي مرافق». حاول إميليانو المكوث، لكن حاجب سونغ المعقود كان شيئاً مرهباً ومستهجناً فلم يلبث أن اندحر. وبدت سونغ، هكذا فكرت أنغاراد ليس للمرة الأولى، مرتاحة في موقع القيادة. يكاد الأمر يبدو وكأنها ربيت نشأة نبيلة، مع أن أمراً كلاسيكياً كهذا لم يكن ليتحقق في تيانشيا بالطبع. لم تكن أنغاراد متأكدة ممّا إن كان الأصح لصديقتها أن تقود، بغض النظر عن قواعد سيكولومانس، لكنها لن تنكر أنها شعرت بارتياح لكون العبء يقع على كاهل شخص آخر. فلن يخطر ببالها، على سبيل المثال، أن ترسلهم جميعاً إلى مقصوراتهم لجمع أغراضهم قبيل الرسو حتى لا يقفوا في طريق البحارة بينما ينجرف الغليون نحو الميناء. وبغض النظر عن شؤونها الخاصة، كان لَمِنْ دواعي السرور أن يتولى الدفة شخص لديه معرفة بالمياه التي يبحرون فيها. انزلق الغليون ببراعة إلى موضعه بالقرب من الرصيف، حيث أُلقيت حبال السحب لعمال الميناء لتأمين السفينة. وتلتها حبال أغلظ حتى تم شد سفينة «المناظر الجميلة» بإحكام وربطها. أُلقي بلوح خشبي بعد ذلك، ورآهم بحار في طريق الخروج. فوجئت أنغاراد قليلاً بطابع اللارسمية في الأمر، والذي لا بد أنه ظهر جلياً على محياها. «أثمة خطب ما؟» سألت سونغ. «ظننت أن القبطانة ستودعنا، أو على الأقل الضابط الأول»، اعترفت. أطلقت مريم شخير من خلفها. كان الصوت غير لطيف. انطبقت أسنان أنغاراد على بعضها، فبعد أسابيع من هذا بدأت صبرها ينفد حيال المرأة الأخرى. إن الولادة في أرض متوحشة ليست عذراً لرفض تعلم الآداب منذ ذلك الحين. «نحن لا نستحق مثل هذا الاهتمام»، قالت سونغ، بلا جفاء. «نحن طلاب سيكولومانس، يا أنغاراد، لا أكثر. تقود القبطان كراك غليوناً، وهو منصب محترم. نحن دون مستوى ملاحظتها». نحلت شفتا النبيلة، لكنها بعد هنيهة سلمت بالأمر. لقد اعتادت معاملة أكثر ودية من الأطقم، إما كابنة القبطان أو كراكبة دافعة لأجرتها، غير أنها لم تكن أياً منهما على متن «المناظر الجميلة». بل لم تكن سوى جندية تحت إمارة الحراسة، مثلها مثل أي حارس آخر قد يُؤمر القبطان بنقله من قِبل رؤسائها. التفتت لترى تريستان ينزل على اللوح الخشبي، بخطوات غير مستعجلة بينما كان يقضم ما بدا وكأنها قطعة قاسية من اللحم المجفف. أرسلت إليه أنغاراد نظرة متسائلة. «قايضتُ بها»، قال باسترخاء. «أتريدين قطعة؟» «سأصبر على أمل وجبة لائقة في مسكننا»، أجابت. «رغم أنني أشكرك على العرض». «لطالما أعجبت بالتفاؤل»، قال لها تريستان. قطبت أنغاراد حاجبَيها، فمع أن هذا بدا مديراً، إلا أنها لم تستطع إلا أن تشعر وكأنها قد سُخر منها. كان تريستان أبراسكال بارعاً في الكلام، رغم أنها ظنت أحياناً أنه قد يكون أذكى ممّا ينبغي به. ذلك النوع من الذكاء الذي يدفع الرجال إلى التورط بعمق. بغض النظر عن ذلك، لم يُترك لها وقت يذكر للتفكير في الأمر عندما تولت سونغ الزمام، رافعة حقيبتها وماضية قدماً نحو نهاية الرصيف. تبعتها أنغاراد، بينما غادر البحارون الغليون في أعقابهم وبدأوا التنظيم بصياح. عمال الميناء، وهم رجال ونساء أشداء بدا أنهم يتحدرون بمعظمهم من سلالة لييرغاني، لم يولوهما أدنى اهتمام بينما كان الأربعة يمشون على الممر نحو البناء المحفوف بالجدران الذي حددته سابقاً على أنه مكتب للجمارك. لقد كانت أنغاراد مخطئة في ذلك، كما أدركت الآن لو أن تفكيراً أعمق في الأمر قد أثمر. فالجزيرة تخص الحراسة ومغلقة أمام أي شخص آخر، فعلى من ستُفرض مثل هذه الضرائب إذن؟ كلا، كان الصرح الذي أمامنا شيئاً آخر تماماً. لم يكن دقيقاً إلا بالقدر اليسير أن نُسميه بوابة، فمع أنها كانت كذلك إلا أنها كانت أكثر بكثير. بدا البناء بعرض مائة قدم وارتفاع ثلاثين، قاعة باهتة أنيقة على كل جانب تدعم سقفاً حجرياً مستطيلاً ومتعدد الطبقات. لا بد أن السقف كان متوجاً بتماثيل برونزية ذات يوم، لكن العوامل الجوية أكلتها حتى باتت مجرد عظام عارية. وما خطف الأنظار هو المساحة الواسعة بين القاعتين، إذ ملأها سبعة أعمدة من الأرض إلى السقف وكل منها كان أعجوبة رقيقة. اقتربوا، بحذر شديد، ولم تستطع عيون أنغاراد إلا أن تنتقل من واحد إلى آخر. كان كل عمود نحتاً رائعاً من الأردواز الرمادي الداكن، موسوماً بوضوح بشعار نبيل ملون وكلمات تعود لآل نبيل — رغم أنها لم ترَ اسم أي سلالة. واستغرق الأمر منها وقتاً طويلاً ومخجلاً لتجمع خيوط الأحجرة. سبعة بيوت، وحراس يتخلون عن الألقاب النبيلة؟ لم تكن هذه خطوطاً نبيلة بل مواثيق الحراسة. تباطأت خطواتها ولم تكن وحدها في ذلك. «أي منها يخصنا، برأيك؟» تأمل تريستان بصوت عالٍ. «أنا أعرف خاصتي»، قالت مريم. أشارت إلى العمود الأقصى إلى اليمين، حيث استقر هلال أزرق داخل دائرة بيضاء. وجدت أنغاراد كلمات طائفة أكيلاري غامضة — وراء الأفق. «الأكاديمية في المنتصف، كالعادة»، شاركت سونغ، بصوت جاف. رأت أنغاراد أن شعارها كان عبارة عن خطين أصفرين قطريين عبر يد. وكانت كلماتهما واجباً وامتيازاً، مع أن احدهم بدا وكأنّه رسم خطاً أسود عبر كل الكلمات باستثناء كلمة «امتياز» وقد مُسح بغالبيته بصعوبة. أشارت بيريدوري إلى موضع شعار الشجرة الذهبية الذي لا بد أنه مجتمع أوموثي — الذي جاء اسمه من كلمة أومويا التي تعني شجرة — وشعارها منزل من فولاذ. استطاعت أن تخمن أي ميثاق يعود إليه إكليل الغار الأخضر، وربما ريشة الكتابة البيضاء أيضاً، غير أن انتباهها سُلب بما لا بد أنه عمود طائفة سيكيريتاي. تقدمت أنغاراد بخطوات أسرع لتتحسس أصابعها بلطف الشعار البسيط، وهو عبارة عن سيفين قصيرين متعاكسين من الفضة. وارتجفت عند الكلمات التي قرأتها أسفله: الآهات تنزف، هكذا قال العسكري ببساطة. أقل الكلمات عدداً تحت أي شعار، وبدت بخلوها من الزخرفة وكأنها قسم أكثر من كونها تفاخراً. أفاقت من حلمها على ضحكة تريستان الهادئة وهو واقف بجانب العمود الأقصى لليسار. وما ظننت أنغاراد أنه شعار لم يكن سوى بعض عدم الاستواء في الحجر، العيب الوحيد للعمود. وبالالتفاف للانضمام إلى الساكرومونتي، رأت ما وجده. ففي ظل السقف نُحت قناع تنكري أسود بسيط في الأردواز. اتبعوا الليل، هكذا خطت كريبتيا في الأسفل. كان هناك شيء ما في سكون البوابة — حتى القاعات على الجانب كانت فارغة، كلها حجارة عارية — يقع على الحدود بين التبجيل والرهبة. بدا الأمر، كما فكرت أنغاراد، وكأنهم دخلوا ضريحاً ليس لملك ما، بل للحراسة نفسها. ولم ينكسر السحر إلا عندما لمحت حركة وراء البوابة. هناك استمر الممر لبضع عشرات من الأقدام حتى اصطدم ببناء مربع ومتواضع كانت نوافذه المائلة مغلقة بإحكام. وخلف المبنى كان هناك تقاطع طرق، يؤدي كلا جانبيه بعمق أكبر في ميناء ألازي، لكن حراساً لابسين العباءات السوداء وقفوا يحرسون عند متراس واطئ في الطريق. وقف المزيد يحرسون أمام الصرح، ولمح أحدهم طاقمهم تحت البوابة. أطلقت صفارة حادة لجذب انتباههم قبل أن تلوح لهم بالاقتراب. تحركت سونغ أولاً، وتبقي البقية. «أتُراكم جئتم مع السفينة التي وصلت للتو؟» سأت المرأة الطويلة. كانت تتمتع بمظهر تيانشي، شبيهة بسونغ إلى حد كبير، لكن لكنتها كانت سوميشوارية. لا بد أنها جاءت من تلك التخوم الدامية بين الجمهوريات وجارتها الكبرى. «فعلنا»، وافقت سونغ. «إذن ادخلوا يا صغاري»، قالت الحارسة، مشيرة إلى الباب المفتوح خلفها. «مباشرة إلى الرقيب إيتورو، فسيتكفل بأمركم. إنه الموجود على المكتب في الخلف ويبدو وكأنه بحاجة لبعض النوم». «ألسنا جميعاً كذلك؟»تمتم حارس أسود العباءة آخر. علت بعض الضحكات من البقية، وقبل أن تقرر أنغاراد ما إذا كان هذا هو فكاهة الجنود أم أنه كان عليها الاستياء من غياب المهنية، أُدخلوا عبر العتبة. كانت معظم الطابق الأرضي غرفة واحدة، تحفها سلالم خشبية إلى اليسار وما لا بد أنه مكتب خاص في الخلف. وكانت الغرفة الكبرى عبارة عن مجموعة مكاتب، ترزح أغلبها تحت ثقل أكوام الورق وتحيط بها رفوف تحمل المزيد منه. ولا عجب أن النوافذ كانت مغلقة كلها، فهبة ريح واحدة هنا ستعني ساعات من العمل. لم يكن الرقيب إيتورو صعب الوجد. فداكن البشرة كما أوحى الاسم المالاني، استقر وراء مكتب يحمل أربع مخطوطات كبيرة وكان يخط بقلم على قطعة ورقة عندما اقتربوا. بدا حقاً وكأنه بحاجة لبعض النوم، تأملت أنغاراد. كانت الحلقات حول عينيه داكنة أكثر حتى من تلك التي حول عيني مريم، رغم أنه بالنظر إلى شوب البشرة الفاتح لتريغال تساءلت أنغاراد ما إذا كانت حلقات هذه الأخيرة مجرد حلقات باهتة تبرز من التباين. وكان الحارس أيضاً، حسناً، صغيراً. لم يكن ليبلغ حتى خمسة أقدام، حسبت أنغاراد، وبنى رقيقة. وقفوا أمام المكتب، منتظرين بصبر بينما انتهى من آخر خربشاته ببراعة، وعندها فقط رفع عينيه إليهم. استوعبتهم عيون داكنة، ثم تنحنح. «طلاب؟» سأل. «نعم»، أجابت سونغ. «قيل لنا إنك ستتولى أمرنا». نفخ الرجل الصغير على الورقة التي كان يخط عليها، ثم وضعها جانباً ومد يده لأعلى الكتب على مكتبه. فتحها، فانكشفت سطور وخطوط من الحبر لعين أنغاراد، وغمس ريشته في محبرة. «أنا الرقيب إيتورو»، قال. «تقفون حالياً في دار بوابة تولومونتيرا، التي لن يُسمح لكم بالمرور من خلالها مرة أخرى هذا العام إلا لاختباركم. هل أغراضكم جاهزة؟» مرت نظراته عليهم، لتكسبه إيماءات بالموافقة بالمقابل. «جيد»، قال. «الآن، يجب أن أُحذركم. إن لم يكن أي منكم طالباً مُمولاً بحق واسمه مدرج في قائمتي، فأنت تخترق قانون الحراسة لوطئك جزيرة مغلقة. سيُقبض عليك، وتُعذب لانتزاع المعلومات وتُعدم بإجراء موجز». توقف ليدع كلماته تتغلغل، تاركاً أنغاراد تتساءل عن سبب إصرار الحراس دائماً على التهديد بالإعدام عند لقياهم الأولى بهم. على الأقل بدا وكأنه خطاب روتيني لهذا الشخص، بخلاف تمثيلية الملازم وين المعقدة مع الرقيب مانديسا على متن الدومينيون. «سلّم نفسك الآن وسترعفك الحفاظ على حياتك»، اقترح الرقيب. انتظر المالاني لبرهة، كأنه يمنحه الفرصة للاعتراف. تنحنح تريستان، لتطاله نظرة حادة من سونغ تجاهلها ببلاهة. «هل سلّم أحد نفسه حقاً؟» سأل. سيكون من غير اللائق السؤال، بالطبع، ولكن أنغاراد لم تفعل. كان الأمر محض صدفة أن نهمها الفضولي سيُروى هو الآخر. رجل طيب. «ظن أحد ترشيحات الحامية أنها مزحة ممتعة أن يتظاهر بكونه واحداً، ليثير ضجة»، أجاب الرقيب إيتورو بلطف. «أتمنى لو حظي بضحكة جيدة، أتمنى حقاً. جيدة بما يكفي لتمرره خلال عشر سنوات من الخدمة مجدفاً على سفينة حراسة». وحدهما أنغاراد ومريم استعادتا وعيهما حقاً بذلك الجواب. فالمجدفون يموتون كالذباب، وأحياناً لا يُعاملون بشكل أفضل. في مالان كان هناك نقص شديد في الرجال المستعدين لتولي هذا الدور حتى استُخدم المجرمون من قِبل الأسطول الملكي. «سأحتاج إلى أسمائكم للسجلات»، قال الضابط. «يمكننا التعامل مع أمور العصب لاحقاً». كان الرقيب إيتورو كفؤاً في تدوينها، ثم نفخ على السطور في الدفتر وما إن اطمأن إلى أن الحبر لن يتلطخ حتى أغلقه ومد يده لآخر. «جيد، الآن خطاب الترحيب»، قال المالاني. تنحنح. «لا توجد سوى ثلاثة قواعد في تولومونتيرا»، قال. «أولاً، لا يُحَق لطلاب سيكولومانس قتل بعضهم البعض. ثانياً، أقسام ميناء ألازي الموسومة بطلاء أحمر ممنوع دخولها. ثالثاً، يجب أن يكون كل طالب في سيكولومانس جزءاً من عصبة مسجلة». هذا، فكرت أنغاراد، يحمل طابع الفوضى. كان متوقعاً من ذوي الأصول الرفيعة أن يتصرفوا بحكم تربيتهم — حسناً، معظمهم على أي حال. لم يُبهرها الإنثانزون على الدومينيون. ومع ذلك، ما الذي كان ليوجه الجميع بخلاف النبلاء هنا في تولومونتيرا؟ الضباط، حدت نفسها. أليست الحراسة جيشاً؟ بدت إجابة ناقصة. نقر الرقيب إيتورو بأصابعه على دفتر السجلات السميك المجلد بالجلد دون أن يتبين منه. «لتوضيح القاعدة الثالثة، يجب أن تتألف العصبة من أربعة طلاب على الأقل ولا تتجاوز سبعة. أي شخص ليس في عصبة عندما تبدأ الدروس سيُوضع في واحدة مؤلفة من بقايا الطلاب حسب تخصيص — حسناً، إما أنا أو الملازم باو حسب من لديه المناوبة. لا أُوصي بذلك». بدت سونغ وكأنها على وشك الكلام، لكن الرقيب رفع إصبعاً واقياً فانغلقت فمها. «تخصيص العصبة ليس دائماً»، تابع. «يمكنك في أي وقت طلب الانتقال إلى أخرى، وإذا قُبل الطلب من قِبل قبطانهم فستُضاف إلى قوائمهم طالما أن ذلك لا يرفع عددهم فوق سبعة». مال إلى الأمام. «العصب نفسها ليست دائمة»، تابع، «إذ لو حدث في أي وقت أن ضمّت العصبة أقل من أربعة أعضاء، فسيكون أمام قبطانها أربعة عشر يوم سيكولومانس للتجنيد وصولاً إلى أربعة. فإن فشلوا، تُحل العصبة ويُمنح أعضاؤها فترة سماح للانضمام إلى عصبة أخرى. وإذا فشلوا، سيُخصصون لعصبة من البقايا». توقف. «رين، أكان لديك ما تقولينه؟» «ننوي نحن الأربعة تشكيل عصبة»، أجابت سونغ. هز كتفيه. «تلك صلاحيتكم، وسأدونها، لكن يُلزم أولاً أن يعرف كل الطلاب حقوقهم»، قال الرقيب إيتورو. «لا داعي للقلق إن لم تعرفوا أحداً. ستبدأ الدروس في غضون يومين، ولكن غداً سيجتمع كل الطلاب الحاضرين في تولومونتيرا في ساحة البؤس ليتخالطوا ويشكلوا العصب كما يشاءون». حدّت نظراته الداكنة. «بغض النظر عما قيل لكم، حتى من قِبل راعٍ، لا يمكن إجبار أي طالب على أن يكون جزءاً من عصبة محددة وأي اتفاق كهذا مُبرم قبل المجيء إلى هنا — حتى وإن كان مُلزماً قانوناً — يُعد باطلاً ولاغياً»، قال. «إن الغرض من سيكولومانس هو تكوين جيل من أعضاء عصب استثنائيين، لا تلميع اسم الشلل خارج هذه الجدران». أخذ الرقيب إيتورو يحدق بهم. «مع معرفة هذا، أسأل الآن عما إذا كنتم تريدون نحن الأربعة تشكيل عصبة»، قال. أومأت سونغ، وتلتها مريم عن قرب، وبعد نبضة قلب سارت أنغاراد على نهجهما. وكان تريستان هو من أوقفهما. «قيل لي»، قال، «بأنه لو كان هناك شريط ضمن العصبة، فهم يُعتبرون القبطان افتراضياً؟» لم تكن النظرة التي رمتها به سونغ لطيفة لكن أنغاراد اعترفت بأنه سؤال وجيه. لقد ضمن افتراض نقص معين في الثقة، مسلماً به، لكن الاستفسار عن القواعد لم يكن اتهاماً صريحاً بالكامل. «هذا صحيح»، قال الرجل الصغير. «يُعتبر ذلك جزءاً من صفوفهم لكي يقودوك. ستحصلون على شرح أعمق لكيفية عمل العصب عندما تلتقون براعي مدرستكم، لكن يمكنني القول إن القيادة ليست دائمة بالضرورة. يمكن التصويت لإزاحة قائد غير كفء واستبداله». أومأ الرجل رمادي العينين. «حسن معرفة ذلك»، قال. «وأنا معكم أيضاً». أومأ الرقيب إيتورو، فاتحاً الدفتر الثاني أخيراً. «تُسجل كل العصب تحت رقم»، أخبرهم. «وسيُصدر لكم لوح فضي مُطْبَع بذلك الرقم، والذي يعمل كتعريف لكم والطريقة الوحيدة للوصول إلى أموال العصبة». قد يناسب الثلاثة أو الحادي عشر، فكرت أنغاراد، رغم أن الآمال تبددت بسرعة. «الأرقام من واحد إلى خمسعين صُنعت مسبقاً، لكن معظم الطلاب وصلوا قبل أسابيع لذا فالخيارات شحيحة المتبقية»، قال إيتورو. «يمكنك طلب صنع أي رقم تحت المائة لم يُؤخذ بعد كلوحة، لكن ذلك قد يستغرق أياما قليلة». وبالنظر إلى التحذير الذي تلقاه تريستان من معلمه الغامض، بدا لأنغاراد أنهما سيضطران لكشط قاع البرميل. «أي الأرقام باقية؟» سألت، مائلة إلى الأمام. أصدر الرجل الصغير طنيناً، مقلبًا صفحات دفاتره. بدأ من الصفحة الأخيرة، رأت أنغاراد، لكن كل الخطوط كانت مشطوبة عليها. وعلى الثانية وُجد واحد شاغر. «أربعة وأربعون»، عرض الرقيب إيتورو. ساد صمت. «لا»، قالت سونغ بقطعية. فزعت أنغاراد مفاجأة من صرامة الرفض. مالت أكثر نحو مريم. «لماذا؟» همست. شخرت تريغال. «خرافة تيانشي»، قالت. «أربعة تبدو كـ...» «الموت»، قالت سونغ بحِدّة. «إنها تشبه كلمة الكاثايانية للموت. حظ سيء للغاية. أذناي تعملان بشكل جيد يا كلاكما، وأقول لكم الآن إنني أرفض أن أكون قبطانة لواء الموت المزدوج». في الحقيقة، رأت أنغاراد أن «لواء الموت المزدوج» بدا مخيفاً باحترام، لكنها شككت في أن هذا الرأي سيُقابل بالترحيب. «لا بد أنه توجد لوحة أخرى باقية»، قالت بدلاً من ذلك، مبتسمة للحارس. كان المالاني يقلب صفحات سجله أثناء حديثهم وأومأ عند كلماتها. «واحدة أخرى»، أكد. «ستكون أربعة، أليس كذلك؟» ابتسم تريستان. «لا»، قال الرقيب إيتورو. «هذه أُخذت». رمشت سونغ بذهول. «أُخذت؟» تتبع الحارس الخط بإصبعه، متبعاً إياه إلى القائمة المطابقة في الصفحة المقابلة. «نعم. لقد طالبت بها القبطانة توبوك شيكال»، قال الرقيب إيتورو. تبعت ذلك جوقة من الأنات، ولم تكن أناتها أقلها شأناً. «حسناً»، لاحظت مريم، «على الأقل الرجل يعرف ما يفعله». «معارف؟» سأل الرقيب، بفضول سافر. «خضنا محاكمات دومينيون الأضائع الضائعة معاً»، أجابت سونغ. أطلق الرقيب إيتورو صفارة منخفضة. «سمعت أن هذا العام كان فوضى دموية حقاً»، قال. «أحسنتم صنعاً يا صغار. سيجهزكم ذلك لهذا المكان بشكل أفضل من أي شيء صنعه أمراء الشركات الحرة أصحاب الملاعق الفضية». تنحنح. «ومع ذلك، هناك سبب لكون هذه هي الباقية الأخرى»، قال الرقيب إيتورو وهو يعرض عليهم الدفتر. متبعة إصبعه، رأت أنه الرقم ثلاثة عشر. آه، تذكرت أن لييرغاني يعتقدون أن هذا الرقم سيئ الحظ. شيء يتعلق بسقوط الإمبراطورية الثانية. «إذن إنه الموت المزدوج»، قال تريستان. رمقته سونغ بنظرة. «الثلاثة عشر رقم قمار جيد»، قالت له. «ما ذنبك ضده؟» «أولاً وقبل كل شيء، ليس هناك ما يُسمى برقم قمار جيد»، رد بحزم. «وثانياً إنه أسوأ حظ ممكن، يا سونغ. قد نسمي أنفسنا فقط "أولئك اللُّعناء المنحوسين"». تنحنحت مريم دلالة. «يمكن للنساء أن كنّ لُعناء أيضاً، يا مريم»، أخبرها الرجل رمادي العينين بلطف. «إنك تخذلنا جميعاً يا تريستان»، قالت مريم. «فقط شد حزامك وادعوني بالعاهرة». «لن أهبط إلى هذا الحد»، أجاب. تراجعت تريغال، ملتقطة نظرة سونغ. «سونغ، صوتي على الثالثة عشرة». ساد صمت مشحون بينما ضيّق الساكرومونتي عينيه على صديقته. «هل يُحسب إن فعلتها في داخلي؟» سأل تريستان في النهاية. قطبت أنغاراد حاجبيها نحوه. «يُحسب قطعاً»، قالت بصرامة. «سأصوت للثلاثة عشر أيضاً، يا سونغ». ألقى عليها تريستان نظرة خيانة لكنه كان عقاباً مستحقاً. لا ينبغي لرجل نبيل أن يشير إلى سيدة بمثل ذلك الأسلوب، ولا حتى في أفكاره أو إن لم تكن سيدة حقاً على الإطلاق. بدا الرقيب إيتورو، مع أنهما كانا يضيعان وقته، مستمتاً أكثر من أن يوبخهما على ذلك. «يمكنكم طلب صنع لوحة»، ذكّرهم. «أي شيء تحت المائة». «لن تكون هناك حاجة لذلك»، ابتسمت سونغ. «سنأخذ الرقم ثلاثة عشر. شكراً لصبرك أيها الرقيب». «إما هذا وإلا إعداد الجداول، لذا تفضلوا بالاستمرار في النقاش»، هز كتفيه المالاني. «إن لم تكن هناك اعتراضات أخرى، فسأسجلكم في اللواء الثالث عشر». بدت على المالاني نظرة الأمل بنقاش آخر، لكن تريستان تنهد واستسلم. للمرة الثانية تسمع أنغاراد أحدهم يُطلق على العصبة اسم لواء، مما يعني أنه لم يكن صدفة. «إن سمحت»، قالت، «لماذا تشير إلى العصبة على أنها لواء؟ ظننت أنها...» «لا تستخدم الحراسة كلمة "لواء" اسماً لتشكيل عسكري كما تفعل مملكة مالان»، قاطعها الرقيب إيتورو. «لدينا رتبتا بريجادير وبريجادير-جنرال لكن الأولى رتبة إدارية والثانية تقود فرقة، لا لواءً». «يبدو ذلك...» توقف كلام أنغاراد، باحثة عن كلمة مهذبة. «معقداً بلا مبرر»، اقترح تريستان. أرسلت إليه نظرة استهجان على الفظاظة، مهما كانت دقيقة. ضحك المالاني الصغير. «الحراسة مبنية من عظام وحوش أقدم يا بني»، قال الرقيب إيتورو. «فبعد سقوط الإمبراطورية الثانية، أطلقت عصابات الغربان الهائمة على نفسها اسم ألوية. وعندما بدأت الحراسة تبتلعهم جائت الكلمة معهم، رغم أنها اليوم لأصحاب المواثيق حصراً». غمس ريشته في محبرته وبدأ يكتب أسمائهم، متوقفاً عند — مالت أنغاراد إلى الأمام. أسمها؟ «تريديغار»، تمتم، ثم تراجع بكرسيه إلى الوراء. «سوبس»، نادى. «انظري في صندوق المراسلات. أليس لدينا شيئاً يخص تريديغار؟» «قم وتحقق بنفسك»، نادت امرأة من المكتب الخلفي. «ما هذا يا سوبس؟» تأمل الرقيب إيتورو. «مناوبات منتصف النهار ومنتصف الليل حتى نهاية الأزمان، تقولين؟» أجابته شتائم مبتكرة بعض الشيء. سُمع صوت شخص يفتح صندوقاً ثم بعض الخشخشة. بعد دقيقة واحدة فقط، خرجت تيانشي طويلة القامة نوعاً ما — أطول من سونغ برأس، ولم تكن سونغ قصيرة — ضفائرها مبعثرة وخط وردي على وجهها كأنها كانت تسند خدها على طاولة. كانت تحمل رسالة صغيرة تحمل ختماً أحمر مع ثعبان ذي ذيلين لآل تريديغار، ممّا أنعش أنغاراد. «إلى الآسة أنغاراد تريديغار»، قالت «سوبس»، ممررة الرسالة للرقيب. «أي شيء آخر؟» «لوحات للواء الثالث عشر»، قال الرقيب إيتورو. «أربع منها». دبّت المرأة بقدميها عائدة من خلال الباب إلى الغرفة الخلفية لكن أنغاراد لم تعر ذلك اهتماماً. ناولها الرجل الصغير الرسالة، التي فضت ختمها. لم تكن شيئاً يُذكر، سوى بضع أسطر. «يؤكد عمي أنه في طريقه إلى تولومونتيرا»، أخبرت البقية. «كما أرسل لي هدية تهنئة لبقائي على قيد الحياة في الدومينيون، والتي عهد بها إلى الحامية المحلية. وما عليّ سوى الذهاب إلى المستودع المناسب وإظهار هذه الرسالة لجمعها». «ستحتاجين إلى لوحتك أيضاً»، أبلغها الرقيب إيتورو. «يجب أن تكون في مستودع فاراغو حتى لو كانت حراسة عمك — في الطرف الأيسر من شارع النُزُل، المبنى المصنوع من طوب الأفران قبيل المنعطف مباشرة». أثنت أنغاراد رأسها شاكرة. عادت «سوبس» دابة بقدميها من الغرفة الخلفية، عائدة بكيس قماشي ألقته على الطاولة بجانب دفاتر الرقيب. «طلبت أربع لوحات فقط»، قال الرقيب إيتورو. «لذا ذهبت إلى أبعد من ذلك، لو شئت القول»، ابتسمت التيانشي. انسحبت، بادية بحالة مزاجية أفضل الآن. تنهد الرجل الصغير. «خذوا لوحاتكم»، أمرهم وهو يمد يده لكتابه الثالث. «سأرى ما يمكنني فعله بشأن المساكن». كانت يدا تريستان هما الأسرع، إذ فك العقدة التي تبقي الكيس مغلقاً بما لا يمكن لأنغاراد إلا أن تسميه خفة مريبة، وأبقاه مفتوحاً لبقيتهم. مدت سونغ يدها إلى الداخل، مسحبة وميضاً من الفضة، وكانت أنغاراد الثانية. انطبقت أصابعها على ختم مستدير، أخرجته وراحت تدرسه عن كثب بينما مضت مريم تصطاد. كان الفضة خشناً أكثر منه مصقولاً؛ على أحد الجانبين أحيط الرقم ثلاثة عشر بتنين نائم يشبه الثعبان بينما كان شريط سميك يجري على حافة الدائرة مع كلمات محفورة فيما لا بد أنه كانتار — اللغة الأم لأنتيغوا، التي لا ينطق بها الآن سوى العلماء. أطلقت نظرة فضولية إلى سونغ، التي تحاشت الجواب. «إنها كانتار من فترة الاتحاد، والتي لا أستطيع قراءتها بشكل مثالي»، حذرت التيانشي. «تلك لا تزال كانتاراً أكثر ممّا يستطيع أي شخص آخر هنا قراءته»، أشارت أنغاراد. بادية بالسرور، قلبت سونغ لوحتها لتدرس الخلف. «هكذا»، بدأت تترجم ببطء، «نحن — هم؟ — تعلمنا... السر، الغموض؟ اللغة، ربما. لأشياء تتنفس ولا تفعل، ولكن مع اللاحقة الخاصة بـ "الكائن" الملحقة. والبقية أرقام، ولكنها ليست رقماً». «هكذا تعلمت لغة جميع الكائنات الحية؛ اسمها العنف»، اقتبس الرقيب إيتورو بهدوء. «هكذا تكلم حصاد الدمار، قاهر العروش». اختنق تريستان وبدت سونغ متفاجئة. رسم الرقيب دائرة على الطاولة، وهي خرافة أرثوذكسية تهدف إلى تبديد الحظ السيء. «كلمات مدرستنا»، قالت التيانشي ببطء، «تأتي من لوسيفر؟» من مَنْ؟ الملك النائم، لا يمكن أن تكون جادة. لسبب ما بدا أن الرجل وجد ذلك مضحكاً للغاية، ضاحكاً بملء فمه قبل أن يمسح عينيه. «آه، الشباب»، قال الرقيب إيتورو، ولم يجرؤ أحد تماماً على طلب المزيد. جامعة نفسها، رأت أنغاراد أن كتابه الثالث كان مفتوحاً وبدا وكأنه قد دوّن بعض الملاحظات في الهوامش بينما كانوا ينظرون إلى الأختام. «ستُسكنون في نزل مطر العصفور»، أخبرهم. «غرفة مفردة بستة أسرة. الحمامات أسفل الشارع، إن أردتم ذلك، وكل الحانات الثلاث على الشارع ستخدمكم إن أظهرتم لوحتكم». وقبل أن يتمكن أي منهم من الاستفسار عن الضرورة البحتة للدفع، أوضح المالاني. «كل شيء مجاني حتى تبدأ الدروس»، قال، «لكن الحانات تحافظ على حصيلة مشروبات لكل لواء وستحملكم التكلفة إن أصبحتم باهظي التكلفة». «وبعد أن تبدأ الدروس؟» سألت أنغاراد. هز كتفيه. «ستُخصصون لراعٍ، وسيطلعكم على عمليات الحياة في ميناء ألازي»، قال الرقيب إيتورو. أومأت أنغاراد، مستاءة من التجاهل لكنها تدرك أنها ليست في موضع يتيح لها تقديم المطالب. «نُصحت بالبحث عن غرف في الخزائن الزمردية»، قالت سونغ. «أيمكن ترتيب شيء ما؟» شخر الرجل الصغير. «أنت وكل شخص آخر يا رين، إلا أنهم وصلوا قبل أسابيع»، قال. «لقد امتلأت منذ عشرة أيام. لا غرف مفردة لطيفة مع شرفة وحمام لك». وا أسفاه، استاءت أنغاراد. محرومة من وسائل الراحة الحضارية مرة أخرى، رغم أن سونغ على الأقل بذلت محاولة باسلة نيابة عنهم. خط الرقيب إيتورو بضع كلمات على ورقة وسلمها إلى التيانشي ذات العينين الفضيتين، مشيراً إليها للمرة الأولى بالقاتن القبطان سونغ. «حظاً سعيداً»، أخبرهم الرقيب إيتورو، وهكذا أُقيلوا. غادروا المكتب، عائدين إلى الشارع، لكن أنغاراد تجمدت عند العتبة. ظنت للحظة أنها قد جُنت، فالعالم بدا كحلم محموم، لكنها لم تكن كذلك: كان كل شيء مكللاً بالأخضر حقاً. النجم المزيف بالأعلى الذي كان يطلي العالم بلونه مر ببطء فوقهم، تاركاً وراءه ضوءاً مشوباً بالذهب. بلعت أنغاراد ريقها. لقد كان مظهر القبة الفلكية العظيمة باهتاً منذ غادروا السفينة، وكأنهم تحت وهج مباشر، لدرجة أنها نسيت تماماً أنهم لم يكونوا تحت حفرة. «سيستغرق ذلك بعض الاعتياد»، تمتمت مريم. «إنه شعور مختلف حتى في الأثير». متعثرين بواحدة وجميعاً، أضافوا حيوية إلى خطواتهم. ورغم أنه لم يُخبروا بالموقع الدقيق لنزل مطر العصفور، فقد تبيّن أنه غير ضروري. لم يكن شارع النُزُل طويلاً إلى هذا الحد، مجرد عشرة مبانٍ — ثلاث حانات، ومستودعان وخمسة نُزُل للمسافرين أكبر بكثير مما فرضه القانون المالاني للبناء على جانب الطرق الملكية. وكانت حجارة أيضاً، والواجهة المكللة حرفياً بتماثيل العصافير تلمح بقوة إلى وجهتهم. بالاتفاق الضمني قرروا أولاً المطالبة بغرفتهم ووضع حقائبهم هناك بدلاً من التجوال مثقلين. كان نزل مطر العصفور كتلة قديمة من الجرانيت البالي بارتفاع ثلاثة طوابق، تتباهى واجهته الأمامية باثنتي عشرة نافذة مزدوجة كبيرة تواجه الشارع. وبين كل منها تمثال لصقر — يعشش، يطير، يخلب في الخفي — ثُبّت، معظمها في حالة ممتازة. وكانت الأبواب مفتوحة على مصراعيها، مؤدية إلى دهليز متبلّط تُرِك فارغاً باستثناء مكتب كتابة ضيق يجلس خلفه حارس أسود العباءة يشعر بالملام وأمامه سجل ضخم. سلمت سونغ الورقة التي خطها الرقيب إيتورو وقوبلت بحاجب مرفوع. «لا بد أن إيتورو يُحبكم، ليطالب بستة أسرة نيابة عنكم»، قالت الحارسة. «أظن أننا ما زلنا نملك الغرفة — يمكنكم أخذ سبعة وعشرين». سجلت أسماءهم وعصبتهم في سجلها، وطلبت إظهار لوحاتهم وعندها فقط راحت تنبش داخل مكتبها لتخرج مفتاحين حديديين صغيرين. «الطابق الثاني»، قالت. «الطرف الأيمن من الرواق. أوه، وهناك شيء أخير». فتحت كتابها على الصفحة الأخيرة، غير المميزة، لكن بضع رسائل كانت مدسوسة هناك. راحت الحارسة تتتبعها بلا مبالاة قبل أن تستولي على إحداها. «تريديغار»، قالت. «أنت محظوظة، لقد وصلتِ في الوقت المناسب». أخذت أنغاراد الرسالة المعروضة، رامشة بذهول. «تبدين مطلوبة جداً»، قالت مريم. جعلت النبرة من الغامض ما إذا كان ذلك إهانة أم لا، لذا نحلت شفتا أنغاراد بينما فتحت الرسالة. غير مختومة، ويمكنها رؤية السبب. لم تكن مراسلات خاصة، بالمعنى الدقيق للكلمة. إلى الآسة أنغاراد تريديغار، أنت مدعوة بحرارة إلى أمسية في المسرح القديم في الثامن والعشرين من الثاني عشر، للمرطبات الخفيفة والرفقة غير الرسمية. نحن... تفرست بقية السطور، شادات شفتيها عندما وجدت الأخيرة. رافعة نظرتها بعد ذلك، رأت نظرات متوقعة تنتظر. «لقد دُعيت إلى أمسية في المسرح القديم»، قالت. «يبدو أنه نوع من الحفلات». «إذن لماذا»، قالت مريم، «تبدين كأن شخصاً ما لكمك للتو في معدتك؟» مباشرة بعد نهاية الفقرة، الجزء الذي يذكر أنها شجعت على إحضار ضيف معها، كانت أسماء أولئك الذين دعوها. القبطان نينيتل، ذهبت واحدة. لكن الأخرى ذهبت اللورد ثاندو. اسم مالاني. اسم نبيل مالاني. «معذرة، يا سونغ»، قالت أنغاراد. «يبدو أن لدي أعداء ينتظرونني هنا أيضاً».
بيل ألايتس الفصل 50
اقرأ بيل ألايتس الفصل 50 باللغة العربية على مانجا تايم.