استيقظ تريستان على هدهدة السفينة اللطيفة. كان الداخل مظلماً، وقد التفّ فراشه حول جسده بإحكام اتقاءً لبرودة رياح البحر. ظلّت عيناه مغمضتين حتّى وهو يرهف سمعه، فكلّ صِرير يصدر عن السفينة الشراعيّة العتيقة كان يبقيه على أهبة الاستعداد: بدا الأمر كأنّ أحداً يمشِي على أرضية خشبيّة بالية. ورغم أن السفينة «المشاهد الجميلة» كانت ضخمة لدرجة أنه مُنح مقصورة خاصة بها قفل على بابها، إلّا أن تريستان قضى الجزء الأكبر من حياته في فتح الأقفال. لم تكن الأقفال دليلاً حقيقياً على الأمان. ولم يكن لديه سبب وجيه ليخاف على سلامته، فهو حارس مُعتمَد على متن سفينة تابعة للحراس ومتّجهة إلى مدرسة الحراس. غير أن هناك شيئاً ما في شبه الصّمت وظلمة المقصورة... وما كان ذلك الصوت صريراً خشبيّاً فحسب. حركة، هكذا فكر تريستان حين فتح عيناه على مصراعيهما وألقى بنفسه خارج السرير. أصاب خنجر مسند الرأس بصوت مكتوم حاد، على بعد نصف بوصة من وجهه، وحين ألقى بفراشه نحو المهاجم، مدّ اللص يده باحثاً عن الخنجر تحت وسادته. لم يكن هناك. اللعنة. انتزع تريستان الخنجر المغروس في مسند الرأس في اللحظة المناسبة تماماً ليتلقى ركلة في بطنه. تراجع متعثراً، وهو يتخبط بضربات عشوائية، وسمع شخيرًا حين أُمسِك بمعصمه. تحرك مع الحركة لكن معصمه لُوِيَ خلف ظهره. سدد ضربة بركبته في الخاصرة متجاهلاً المهاجم الذي أسقط قدميه من تحته. هبط إلى الأرض، فتدحرج وحمى أضلاعه من ركلة أخرى قبل أن يطعن جانب ساق مهاجمه. أصاب دماً، خارقاً طبقة رقيقة من القماش، لكن انتصاره انتهى حين وُضعت كعب قدم على حنجرته. وحين لم يُسحق حلقه ويُقتل فوراً، أدرك أن ثمة خطباً ما – ولم يكن لديه متسع من الوقت للتفكير، فدفع تلك القدم وضرب برأسه بين ساقي خصمه. امرأة، أدرك ذلك من الموضع الذي أصابه ومن الأنين الخافت للألم قبل أن يتلقى ركلة في وجهه ليرتد إلى الخلف. زحف مبتعداً، ونهض على قدميه و... وخانته ساقه. كانت أطرافه ترتجف، كأنه- قالت أَبويلا: «سمّ ملامس على مقبض الخنجر. تلك كانت غلطتك الأولى». حسنًا، هذا ما يفسر سبب عدم إيقاظ فورتونا له. كانت تتجنب أَبويلا فراراً من الطاعون. أجاب تريستان ببلاغة: «آه»، وهو يترنح ساقطاً على الأرض. كانت أطرافه في تمرد سافر، يا لهما من مشاكسين، وكان وجهه على وشك أن يتلون بالكدمات حتماً. أخرج صائباً: «أيّ سمّ؟» قالت: «سمّ المحار، وصفَتِي الخاصة. ستكون بخير خلال ساعة. باستثناء نوبة الإسهال، التي سنسمّيها ثمن التراخي». أطلق تريستان أنّة واهنة. الإسهال حقاً؟ لم تكن هناك خصوصية على متن سفينة، فسيسمع الجميع. وكان العقاب المهين سيشكل دليلاً قاطعاً على هوية من يواجهها حتى وإن لم يستطع تمييزها جيداً في الظلام. وحتى في غياب المصباح، لمح خيالها وهي جالسة على حافة سريره. كانت أَبويلا قصيرة القامة نوعاً ما، خمسة أقدام وبضع بوصات، لكنّ شعرها الأبيض الثلجيّ المهيب جعلها تبدو أطول – فقد بدا شعرها القصير المتموج أشبه بتاج مَلَكيّ. عظام وجنتين حمراوين حادتين، ووجنتان مشدودتان، وفكين بارزان، كل ذلك استكمل ملامح بطرياركة عائلة ساكرومونتي، وهي الملامح التي ساعدت عيناها العنابيتان الصارمتان في إبرازها. بدت أَبويلا واهنة، جُملةً من الجلد المتجعد والعظام، إلى أن تركل أحدهم في بطنه فيشعر كأنّه صُدم بعربة. قالت: «والآن، ما هي غلطتك الثانية؟» أجبر اللص نفسه على التفكير رغم ارتعاش أطرافه عبثاً، مستلقياً على جنبه وناظراً إلى معلمته. لا بد أن الجرعة كانت دقيقة للغاية لدرجة أنها أضعفت أطرافه وتركت لسانه يعمل بشكل جيد. أدرك بعد نبضة: «كان يجب أن أستغيث طلباً للمساعدة». وافقت أَبويلا: «نعم. أنت من الحراس الآن. عليك أن تتعلم كيف تستغل ذلك، وأن تتخلص من عادات الدُّجى». لم يفكر في الأمر قط. في موطنه، كان طلب المساعدة مغامرة في أفضل الأحوال، وحين تكون لصاً، فإن احتمالية أن يكون التعزيز في صفك تجعلها مغامرة لا يهتم بها سوى سيدة الاحتمالات البعيدة. أومأ تريستان ببطء. كان الآخرون، مريم وتريديغار وحتى سونغ، سيأتون لنجدته لو سمعوه. كان يعلم ذلك عقلياً. لكنه لم يكن غريزة بعد. قال: «كنتِ تقولين دائماً ألا نغرس جذوراً». تجنب توجيه السؤال بشكل مباشر. لم يكن قد أدى بشكل جيد بما يكفي في اختبارها ليحق له أن يسأل ما يشاء – فسوف يقبل بكل ما تلقيه في طريقه، لا أكثر. قالت له أَبويلا: «سيعلّمهم الآخرون في عهودهم أن العصابة شيء مقدّس. زمالة تفوق القانون والمنطق. وليست كذلك». مالت إلى الأمام. قالت العجوز: «لا ترفّه بحسبان تلك الكذبة يا تريستان أبراسكال. أنت مُقدَّر لتكون قناعاً. مخلوقاً من زوايا وأكاذيب، الابن غير الشرعيّ للضرورة. تُحتقر الكريبتايا من قِبل العهود الأخرى لأننا، في الحقيقة، رقيب عليهم بقدر ما نحن رقيب على أعداء الحراس». لم يستطع رؤية ذلك بوضوح، لكنه شعر بابتسامة أَبويلا. قالت: «اهتمّ لأمرهم، إن شئت. لكن لا تنسَ أبداً أنه إن خانوا الحراس، فأنت من سيُدعى لوضع السُمّ في شاي صباحهم». تمرد جزء منه عند ذلك، ليس بسبب القتل بل بسبب الظلم فيه – فحسب أن يحظى الجميع بمنزل بينما هو لن يملك سوى غرفة واحدة – لكن جزءاً آخر تقبل الأمر دون أن يرمش له جفن. بالطبع سيكون الأمر كذلك. علّمته أَبويلا طوال حياته كيف يستغل الحشد دون أن يكون جزءاً منه، وما هذا إلّا امتداد لدرس قديم. لم تكن المرأة التي تضع تعاليمها استثناءات، وحتى الحراس لم يحصلوا على معاملة تفضيلية. كان في ذلك عزاء حاد، راحة تشبه نصل خنجر. بعض الأشياء لا تتغير. تابعت أَبويلا: «أداؤك ليلة البضاعة كان متواضعاً فحسب، لكني وعدتك بإجابات قبل أن أرسلك في طريق السيادة. لك أن تسأل». ابتلع تريستان ريقه، بينما زاحمت مئات الفضوليات حلقه حتى كاد ينفجر. قال لنفسه إنه يجب أن يختار بعناية، فهي لن تبتسم للأبد. شيئاً مهماً، سراً مفيداً. ومع ذلك، كان ما أفلت عبر شفتيه نقيض ذلك تماماً. قال: «دربتِني لهذا. طوال هذا الوقت، كنتِ تعدّينني للحراس». أجابت أَبويلا ببساطة: «نعم». «لماذا؟» تساءلت: «لماذا توضع السكين على حجر المسنّ، والمحراث على الأرض؟ لأن تلك هي غايتهما وطبيعتهما. حين وجدتك يا تريستان، كان صيدنا منقوشاً في عظامك بالفعل. والآن ستطاردهم بالمهارة فضلاً عن الكراهية، هذا كل ما غيرته». أطبق على فكيه. كان في الأمر رنين الحقيقة. ألحّ قائلاً: «المدرسة المظلمة. هناك طرق أخرى للانضمام للحراس، أو حتى لتلك المدرسة. لماذا ترسلينني إلى سيادة الأشياء الضائعة؟» اعترفت أَبويلا عرضاً: «كان يمكن تسجيلك بكلمتي وحدها، لكنك كنت ستفقد فرصتك في كوزمي أفلور. اسم على قائمتك الصغيرة، أليس كذلك؟» هسّ تريستان: «نعم». مرت أسابيع ومع ذلك ما زال يستمتع بذكرى خنجره وهو يقطع ذلك الحلق كأشهى وجبة. لم يكن الأخوان سيردان سوى فوائد لدين قديم. أما كوزمي أفلور، فقد كان الخامس من توازن يتطلب التسوية. سألت أَبويلا: «وماذا تعلمت منه؟» قال تريستان: «ما زال اللورد لورنت يدير بيت الرعب الخاص بهم. إنه في مكان ما في بحر تريبيان لكن طاقم العمل قد يكون تغير. تُستخدم البروفيسورة سيريت كمربية أطفال، من بين كل الأمور». صك على أسنانه. وقال: «وأنا أعرف الملك الآن. سماه كوزمي مانح الصدقات». وقفة متأملة. قالت أَبويلا: «اسم لا أعرفه. لقب، أظن، إذ كان سيكون من الحماقة استخدام اسمه الحقيقي. مع ذلك، تلك معلومات مفيدة. لقد أديت بشكل جيد». وهكذا انطبقت القطع مكانها، هكذا ببساطة. قال تريستان: «لقد استخدمتِني للوصول إليهم. بطريقة لا يمكن تعقبها حتى لو كان لآل سيردان أتباع بين الحراس. لم يكن الأمر متعلقاً بي وحدي، بل بما يمكنني الحصول عليه لأجل الكريبتايا». ابتسمت العجوز: «وأنت جلبت لنا اسماً يا عزيزي. لم تخب ظني». وسأل ببرود: «والليثي تيفاسانتي، أكانت عصفوراً آخر تُصطاد بحجر واحد؟ لقد كرهتني منذ اللحظة التي علمت فيها أنكِ درّبتِني، نيري». ضاقتا عيناه. «إن كان هذا اسمك حقاً». تأملته أَبويلا لفترة طويلة. قالت له: «ليس الاسم الذي ولدت به. ومع ذلك فهو الاسم الذي احتفظت به لأطول مدة وأفضله، لأنه اكتُسب ولم يُمنح». تحداها تريستان: «نعتتكِ بالرجس». ضحكت، وبدَت راضية تقريباً. أجابت أَبويلا: «أنا آخر خدام الملك المتغير الخمسين، آكل اسمه. لهذا أتى الرجال ليدعونني نيري آكلة الأسماء، متوجين إياي برئيسة البدعة. في يوم ما ستتعلم معنى تلك الكلمة يا تريستان، وتفهم أن الخوف هو أقل ما تستحقه». ورغم أنه لم يدرِ لمَ بعث همس المقاطع في الهواء – رئيسة البدعة، ملك في البدعة – قشعريرة في عموده الفقري. كأن الكلمة ذاتها كانت شيئاً رهيباً، سامة باللمس. تابعت أَبويلا عرضاً: «سعت تيفاسانتي كولانو إلى التنقيب عن أمور كان من الأفضل دفنها فوُبّخت ثلاث مرات – مرتين من قِبلي، ومرة من أحد زملائك الطلاب. ولم تتلق الدرس بشكل جيد». قال تريستان بهدوء: «لم تقومي بالإجابة عن سؤالي. هل أوقعتِ بي لأقتلها نيابة عنكِ؟» ابتسمت أَبويلا. «ما رأيك؟» ردّ اللص: «أظن أنكِ ستتذرعين بأنكِ تركتِ الأمر للصدفة. لكنكِ تعرفين كيف أنا وتعرفين كيف كانت هي، لذا لم تكن الصدفة جزءاً من الأمر على الإطلاق. لقد نظفتِ فوضاها من أجلي». قالت أَبويلا: «لم تزهق روحها بنفسك». فقال: «ولا أنتِ. لكن ليس هكذا علمتِني أن أفعل لأن هكذا لا يعمل القناع، أليس كذلك؟ لقد أسديت لك معروفاً. هذا يعني أنكِ مدينة لي». قالت: «جريء. لكنك لا تنكرين ذلك. وفيما ستستخدم معروفاً؟» كشر. وقال: «هناك رجل في ساكرومونتي. كان متزوجاً من إحدى مجربات الاختبارات...» قالت: «بيترو راغون. زوج قاتلة الجنرالات المتمرد. هارب بأموال هوخا روجا، على ما أظن». لم يفاجأ حتى بكونها على علم. بالسيادة، لقد عرفت أَبويلا أكثر مما عرف هو – فلم يكن يعرف اللقب العائلي لزوج يونغ أو حتى أنه متزوج. قال تريستان: «نعم. كان يونغ في لعبة حمراء، بشروط أنه إن وصل إلى الاختبار الثالث فسوف يشطبون القرض ويعفونه. لقد وصل إلى هناك، ولكن...» قالت أَبويلا: «تريد مني التأكد». وقال: «وأن تخبريه بما فعله يونغ. سأفعل بنفسي يوماً ما، لكني أدرك أنني قد لا أستطيع العودة إلى ساكرومونتي لفترة من الوقت». قالت: «إنه معروف ضائع. فالشِلل تراعي بدقة جميع شروط الألعاب الحمراء». قطب تريستان حاجبيه. قال بتشكك: «إنهم هوخا روجا. سيخدعون أمهاتهم من أجل ثمن شراب». قالت أَبويلا: «صحيح. ومع ذلك لم أكذب». آه، درس لغز. لغز يجب أن يجد قطعه ويجمعها بطرح الأسئلة الصحيحة. قال اللص: «الألعاب الحمراء نفسها هراء. ومع ذلك فإن الكثير من أكبر الشِلل تمارسها. ما الذي يجنونه منها؟» قالت أَبويلا: «إنها قمار». أشار تريستان: «نوع بلا مبرر. فمن المكلف شراء المقاعد وهم لا يرون حتى حالات الموت. يبدو دفع ثمن طائل مقابل التقارير لعبة سيئة. لماذا لا يتركون من عليهم ديون يقاتلون حتى الموت في حفرة، إن كانت تلك هي رغبتهم؟» قالت أَبويلا: «لماذا فعلاً». أمال رأسه. لقد كان ينظر للأمر بالطريقة الخاطئة متسائلاً عن سبب صحوة ضمير الروجا المفاجئة. لم يفعلوا. كان الأمر ببساطة أن الخيار لم يكن لهم ليصنعوه. وقال: «هم لا يقامرون مع بعضهم البعض. هناك ملك ضالع في الأمر». ابتسمت أَبويلا. قالت العجوز: «تراهن الشِلل على طرق الموت، وإن توقعن بشكل صحيح فهن يكسبن نِعمًا من راعيهن». طرف بعينيه. قال ببطء: «هذه تضحية طقوسية، أو ما يقرب منها. محظورة بموجب اتفاقيات إسخاريوط». قالت أَبويلا: «تحدث الوفيات على أراضي الحراس، وتحت رعايتهم. إنه خيط رفيع، لكنهم يمشون عليه – كما فعلوا لأكثر من قرن الآن». ودع الحراس الأمر يحدث، فكر تريستان، ليكون هناك المزيد من الوفيات لتغذية الملوك التي استخدُمَت للحفاظ على الفك الأحمر محواءً. ألعاب حمراء، أقدار حمراء وأيدٍ حمراء في كل مكان. بالسيادة، لقد كان أمراً قبيحاً. لكن مريم حطمت الآلة وكان من المفترض أن يضع ذلك حدّاً له. لم يعد هناك ختم لتقويزه، ولا حاجة لمذبح. كان ذلك شيئاً يذكر. تأمل اللص: «إذن بيترو راغون بأمان لأنه إن نكثوا بشروط الرهان فسيغضب الملك على الشِلل. لكن هذا يعني فقط أن الدين قد شُطب. قد يظل الرجل في ورطة». قالت أَبويلا: «مشاكل طفيفة. تستحق استهلاك معروف فيها؟» تنهد تريستان. قال بأسف: «نعم. أرجوكِ رتبي الأمر من أجلي». لمفاجأته، بدت العجوز موافقة. قالت: «ربط جميع أطرافك السائبة بشكل صحيح هو سمة المحترف. قرار حكيم، يستحق مكافأة تحذير». ابتلع ريقه. قال تريستان: «أنا أسمع». قالت أَبويلا: «أنت رجل مطلوب. وُضِع سعر على رأسك – حياً». لم يخفِ مفاجأته. سأل: «آل سيردان؟» لا ينبغي أن يعرفوا عنه شيئاً، على الأقل ليس بما يكفي لوضع عملات معدنية مقابل موته. كان قتله لريموند سيردان لا يسرّه سوى مريم وامرأة ميتة. قالت أَبويلا: «لا. إنه من داخل الحراس، شخص لديه معارف. المدرسة المظلمة لن تكون آمنة». «يُسمح للطلاب بالقتال فيما بينهم؟» كان يظن أن اختبارات السيادة حالة شاذة وليست القاعدة. «نعم. ليس للقتل، ولكن أي شيء تقريباً دون ذلك»، قالت العجوز. «خطفك وبيعك لن يكون ضد القواعد، بمعناها الحرفي». لكان فرك جسر أنفه لو استطاع. لم يرسا بعد على تلك الجزيرة اللعينة وكان طلاب آخرون يضمرون له الشر. حاول قائلاً: «لا أظن أن هناك ما يمكنك فعله؟» قالت أَبويلا: «لا تقلق بشأن أي أيدٍ سوى أيدي الطلاب الآخرين. هذا ما فعلته». أومأ شاكراً ببطء. كانت تعرقل أي شخص يقف وراء هذا إذن، لكنها لم تستطيع التدخل في شؤون المدرسة المظلمة أكثر مما يستطيع عدوه الغامض. لم تكن تسوية مرضية، لكنه سيعايشها. كان عليه ذلك. مالت أَبويلا إلى الأمام، حانية على كتفه. قالت: «كلمة نصيحة أخيرة: لا تنتظر حتى تُصنع اللوحات. خذ كل ما لديهم في المتناول». رغم أنه لم تكن لديه فكرة عن ماهية اللوحة، فقد حفظ تريستان النصيحة. إذا عُنِيَت بتقديمها فالأمر يستحق الانتباه. ومع ذلك، كان الغموض يستحق التنقيب. قال بفخر إلى حد ما بالمعنى المزدوج: «مبهم». حتى في الظلام، استطاع أن يشعر بنظرة عدم الإعجاب التي وُجِّهت إليه. تنهدت أَبويلا: «لم يكن ذلك مضحكاً منذ قرن على الأقل». لكان تريستان قام بحركة بذيئة رداً على ذلك، لكن أطرافه كانت لا تزال مترهلة. كان عليه حقاً أن يسألها عن تلك الوصفة في المرة القادمة التي يلتقيان فيها، فقد فكر في كل أنواع الاستخدامات لها. نهضت العجوز، نافضة وبرة من القميص الفضفاض الذي كانت ترتديه. لاحظ قائلاً: إنها نفس القمصان والسروايل التي يرتديها معظم البحارة. ولم يخطر بباله إلا حينها أن «المشاهد الجميلة» كانت على بعد أيام من أي يابس ولم تبطئ بما يكفي لترسو سفينة أخرى. سأل تريستان: «هل كنتِ على متن السفينة طوال الوقت؟» تأملت أَبويلا: «أكنتُ؟ أتساءل. قد تعرف لو رأيتني أغادر». ألقى اللص نظرة على أطرافه العديمة الفائدة وتنهد. «أيمكنكِ إخباري بمكان خنجري، على الأقل؟» وافقت العجوز: «نعم». لم يفاجأ حين مشت دون كلمة أخرى، فاكة إغلاق قفله ومغلقة الباب بهدوء خلفها. تدحرج تريستان على ظهره، محركاً مؤخرته ليرى إن كان سيتمكن من الجلوس لكنه هبط بدلاً من ذلك ووجهه ملتصق بالأرض. قالت فورتونا: «للسجود السليم يفترض أن تكون على ركبتيك ويداك خلف رأسك. مع ذلك، سأمنحك نقاطاً على المحاولة». قالت بسخرية: «شكراً للمساعدة، كالعادة. أكان سيقتلك إعطائي تنبيهاً قبل الهرب؟» كذبت سيدة الاحتمالات البعيدة: «لم أهرب. كنت مشغولاً بأمور أخرى فحسب». قال تريستان: «من المضحك أنكِ تكونين مشغولَة دائماً حين تأتي للزيارة». رفضت فورتونا: «مجرد صدفة». تدحرج مجدداً، ناظراً لأعلى ليجد فورتونا جالسة فوق الصندوق الذي يحوي أغراضه. كانت قد غيرت طراز فستانها مرة أخرى – ورغم أنه لا يزال أحمر قانيًا، إلا أنه بات يحمل ياقة عالية وشالاً شاحباً قبل أن ينحدر إلى أكمام منفوخة. كانت التنانير مقصوصة بشكل أضيق، وما زالت تخفي قدميها لكنها لم تعد تجر خلفها. لقد بالغت في المجوهرات أكثر من المعتاد أيضاً: كان الحزام الفضفاض حول خصرها حبلاً من الذهب مرصعاً بالعقيق الأحمر وفوق شالها ارتدت طوقاً ذهبياً يتناوب بين الياقوت واللآلئ. لاحظ: «لقد تغير مزاجك. هل أنتِ خائفة إلى هذا الحد من ملكها؟» لم يكن متأكداً تماماً من أن أَبويلا لديها عقد، لكنه افترض ذلك دائماً. لم يكن الأمر سوى ذلك أو أنها كانت نصف شبح، قادرة على الظهور والاختفاء حسب الرغبة. حدقت فورتونا فيه بغضب. أصرّت ملوكه: «أنا لا أخاف شيئاً. إنها متنافرة يا تريستان. إنه... تخيل أسوأ صوت تعرفه، محولاً إلى أغنية». كرر اللص: «متنافرة. في مقابل متجانسة؟» الكلمة التي استخدمتها لتعني أن تصبح قديساً. نظرت فورتونا بعيداً دون إجابة، وهو ما عُدّ بمثابة تأكيد. فما هو عكس القداسة إذن؟ ربما امتلاك روح معادية للألوهية لدرجة تؤلم الملوك وجودها في حضرتها. تاق تريستان لمعرفة ما تعنيه رئيسة البدعة، لكن بدا الأمر كنوع من الأسئلة الخطيرة التي لا يُسأل عنها. كان عليه أن يكون حذراً، ويقيس الأخطار ويضع عالماً في دينه. تأمل تريستان: «أبدأ أتطلع شوقاً للمدرسة المظلمة. تبدو مكاناً مليئاً بالفرص». وأعداء، لكن أين لا يكون ذلك صحيحاً؟ قرقرت معدة اللص بشكل ينذر بالسوء. آه، الآثار الجانبية لسم المحار التي حذرته منها أَبويلا. حاول تريستان تحريك يديه فاهتزت بعض أصابعه. الآن سيكتشف أيهما سيأتي أولاً: الأطراف العاملة أم نوبة الإسهال. -- كان الإفطار على متن «المشاهد الجميلة» غريباً. كانت السفينة الشراعية أكبر سفينة ركبها تريستان على الإطلاق، لكن الكابتن كراك – لا تحاول المزاح، حذره الضابط الأول، فقد سمعت كل تلك المزاح ولديها مزاج حاد – قد رتبت الأمور بحيث يتناولون طعامهم بين نوبات عمل البحارة. كان الأربعة منهم بمفردهم عادة في الغرفة المشتركة، وهو شعور غريب على متن سفينة تبدو مزدحمة حتى حين تعمل بطاقم هيكلي. كان طاهي الصباح عجوزاً ساكرومونتياً لقيطاً يفتقر إلى عين ومعظم أسنانه، التي استبدلها بفضة مزيفة بوضوح. لقد انسجم هو وتريستان فوراً، شامينّ رائحة الفئران من بعضهما، ونتيجة لذلك اكتفى العجوز برفع حاجبيه بدل الاستفسار عن عينه السوداء أو... بليته الليلية. خرج تريستان بخطى متثاقلة يحمل طبقه وكوبه، مؤمئاً بالشكر، ليتعرض لكمين فوري من طاقمه. سألت مريم، وتختلج شفتاه: «هل خسرت شجاراً مع إطار سريرك بطريقة ما؟» رمقها بنظرة خاوية بلا حماس. فبعد أن تخلت عن أي مظاهر للتنكر، بدت المرأة شاحبة الجلد كسونغ مرتدية ملابس الحراس السوداء بالكامل. سترة ذات ياقة وأزرار فضية تمتد لتتجاوز ركبتيها، وسراويل سوداء مدسوسة داخل جزمات جلدية طويلة. ومع عصابة رأس سوداء لتبعد غرتها، بدت تماماً كمرتدية عباءة سوداء التي كانت عليها منذ التقيا لأول مرة. كما بدت مستمتعة، لأن تريستان لُعن بأن يحاط بنساء يستمتعن بألمه. وشك أحياناً في أنه ربما أغضب ملكاً عظيماً للأنوثة في دورة سابقة من الدائرة. أجاب تريستان بصوت خشن وهو يضع طبقه: «تلقيت زيارة البارحة ليلاً». استحوذ على المكان الفارغ بجوار سونغ، مواجهاً مريم وتريديغار – التي اكتفت بالإيماء له، منقضية على وجبتها بحماس مهذب. ولدهشته المستمرة، بدت النبيلة مستمتعة بطعام السفن. أكثر منه على أي حال: فقد اعتاد على السمك والجبن، لكنه كان ليتخلى عن الجعة بكل سرور. لسوء الحظ، قامت الكابتن كراك بتقنين مياه الشرب حتى هطول المطر التالي، لذا تُرك ليشرب تلك المخمرة بغض النظر عن تفضيله. مطت سونغ قائلة: «بسبب الإسهال، على ما أسمع. يبدو أن الطاقم ظن أنك تعرضت للهجوم». كانت سونغ ترتدي ما يشبه ملابس مريم إلى حد بعيد، رغم أنها على عكس التريجلاوية كانت ترتدي العباية السوداء المصاحبة حتى وهي في الداخل. وبحسب المظهر، يبدو أنها أعادت للتو جدل تلك الضديرة الطويلة الممتدة على ظهرها. سألت تريديغار بنبرة متعاطفة: «أكانت البسكويتات المغطسة؟ لقد رأيت بعض أفراد الطاقم يعرضون عليك بعضاً منها، لكن تلك تجارة محفوفة بالمخاطر. قالت أمي دائماً يجب ألا تكل طعام سفينة لم تر الطاهي يتذوقه». في الحقيقة بدا ذلك نصيحة سليمة للغاية، كمعظم النصائح التي نسبتها أنهارد تريديغار لأمها. قيل له إنها نوع من المستكشفات المالانيات الشهيرات، لكن «سيزاني ماراير» لم تعنِ له شيئاً. قبل شهر لربما ظن قلق تريديغار زائفة، ربما خنجراً لفظياً يُلتوى، لكن تريستان تعلم خيراً من ذلك. كانت النبيلة جادة بشكل مؤلم، وهو ما جعل الأمر أسوأ بطريقة ما. كان الوقت مبكراً بعض الشيء ليحاصر الرجل من كل جانب بمثل هذه الطريقة، لكن تريستان كان يعلم منذ زمن أن الحياة مليئة بالظلم. جمع تريستان آخر بقايا كبريائه وقال: «لقد تعرضت للهجوم فعلاً. جاءت أَبويلا في الليل، ضربتني وسممتني ثم تركت وراءها فتات معلومات». استقامت أنهارد تريديغار على المقعد، وقست عيناها. وقالت: «نحن ضيوف على متن هذه السفينة، تحت حماية الحراس. مهاجمتك هي...» قاطعها تريستان، مندهشاً لإدراك أنه يعني ذلك في الغالب: «أقدر القلق، لكن الأمر كان هكذا دائماً معها. إنها معلمة قاسية لكنها ليست ظالمة». أومأت المرأة داكنة الجلد: «آه، درس. أنا أُدرك». رمقها اللص بنظرة فاحصة. عادة ما كان الناس لا يصدقونه حين يذكر أساليب أَبويلا – فقد ظن أحد قناني الأرثوذكسية أنها قوادة تضربه، وهو أمر لم تدعه فورتونا يمر لأشهر – لذا كان عليه الاعتراف بقلق طفيف حيال غياب قلق تريديغار. على أية حال، حاول والداها إطعام البيريدوري لوحش مرة كل عام منذ أن كانت في الثامنة من عمرها، لذا ربما كانت معاييرها منحرفة قليلاً. ملأت مريم جسدها فوق الطاولة، مقطبة حاجبيها نحوه، واستقرت تدريجياً بإصبع على جسر أنفه. حول عينيه إلى أحول محاولاً النظر إلى ما تفعله حتى سحبت إصبعها. وقالت: «أنت لا تشع بأي اختلاف في الأثير. لا مفترض أن تكون ملعوناً. على حد علمي، على الأقل – ليست اختصاصي. وبينما أود السخرية منك لتعرضك للضرب من قبل عجوز أخرى، إلا أنني عالقة إلى حد ما في تفصيل أن هذه الأَبويلا الخاصة بك ظهرت على ما يبدو على سفينتنا في عرض البحر». هز تريستان كتفيه. وقال: «إنها أَبويلا». أعلمته مريم: «هذا ليس تفسيراً». أجاب تريستان بصدق: «امنح الأمر بضع سنوات، وسيكون كذلك». لقد كان صدمة كطفل أن يدرك أن العجوز اللطيفة التي ضاعت بوضوح في الدُّجى وكانت بحاجة للتحذير من أولاد مينور مانو – الخارجين لسرقتها وبيعها لطاقم خندق – لم تكن في خطر على الإطلاق. بل كانت، إن وُجد، هي الخطر. حنحنت سونغ. وسألت: «ذكرت معلومات؟» تمتمت مريم من عبر الطاولة: «هذا لم ينتهِ بعد». تمتم اللص رداً: «تشووب بيلي تانغ»، هراء بليغ بما يكفي لتظن أنها فشلت في قراءة شفتيه بشكل صحيح. كانت سونغ ترفع حاجبها نحوه حين نظر إليها مجددا. فقال: «يبدو أن هناك سعراً على رأسي. قد يلاحقني بعض الناس في المدرسة المظلمة». وقفة. ووضح: «كسجين. ليس جثة». مضغت مريم جبنها وقالت متأملة: «بالفعل؟ لعلها رقم قياسي ما يا تريستان. عصابتنا تحطم أرقاماً جديدة بالفعل». قالت سونغ بنبرة مستوية: «خذ الأمر بجدية يا مريم». بدت تريديغار غير متأثرة بفكرة المزيد من الأعداء بينما بدت سونغ منزعجة علانية. لم يكن تريستان والتيانكسية على وفاق تام – فأن تكون النبيلة في طاقمهم أسهل تعاملاً من الجمهورية كان مفاجأة غير مرغوب فيها – رغم أنه اعترف بأن كراهيتها لم تلون طريقة معاملتها له. كانت محترفة، وهو ما استطاع احترامه. تنهدت سونغ: «تتراكم الصعاب. يا تريستان، تفضل بالتحقيق في الأمر بعد أن نرصو لكي نتمكن من تقرير كيف يمكن حله بأفضل شكل». هز تريستان كتفيه: «كان ذلك نيتي بالفعل». من الأفضل الذهاب إلى خاطفيه المحتملين قبل أن يذهبوا إليه، حيث اختيار الأرضية الأرجح ألا ينتهي به مقيداً في جوف سفينة ما. وقال: «نصحت أيضاً بأخذ أي لوحات متوفرة بدلاً من انتظار صنع لوحات جديدة. رغم أنني لست متأكداً مما يعنيه ذلك». لم يظهر وجه مريم أي تلميح لأفكارها وبدت تريديغار منتبهة بأدب، وهو ما لم يتوقف عن كونها... مقلقة. كانت سونغ هي من امتلك الإجابات. قالت: «حين تُسجل عصابتنا في قوائم المدرسة، سنُمنح تمويلاً ولوحات تعريف للوصول إليها. أنا لا أعرف سوى القليل عن المدرسة المظلمة، لذا لا يمكنني إخبارك بأكثر من ذلك». همهم تريستان. سأل: «كيف تعلمين الكثير عن المدرسة المظلمة على أي حال؟ مريم لا تبدو كذلك». ألقى نظرة خاطفة على المرأة شاحبة الجلد، فهزت كتفيها. وقالت: «أنا لا أعرف. الملاح الذي رشحني لم يكن في هذا الجنوب منذ سنوات وقبل أن يُعرض علي الترشيح كنت أعيش في إحدى بؤر النقابة الاستعمارية. ليست المكان الذي تُتداول فيه الشסיات المثيرة». لم تكن مريم، بالطبع، عضواً في نقابة أكيلاري. فمثل سونغ كانت عضواً في الرتب والملفات للحامية، رغم أن مريم جُندت من قبل ملاح ولم تقم إلا في بؤر تحت سلطة نقابة أكيلاري. كان من الواضح أنهما كانتا تعدانها للعهد قبل عرض اختصار الانضمام بالتخرج من المدرسة المظلمة. اعترفت سونغ: «مثلكم جميعاً، لدي صلة بالحراس. أرملة عمتي، عضو في الأكاديمية. هو من رشحني». ألحّ تريستان: «وهو صلة ما بالمدرسة المظلمة؟» قالت التيانكسية: «إنه برتبة كافية لمعرفة بعض الأمور، لكن ليس الكثير. المدرسة نوع من الإقطاعية الخاصة داخل الحراس». قالت تريديغار: «ذكر عمي لقائي في المدرسة المظلمة في أقرب وقت ممكن. يمكنني سؤاله عن هذا». آه، نعم، العم أوسياني الشهير. ذاك الذي يملك أموالاً غير محدودة على ما يبدو ورشاوى مبهجة. وجد تريستان الأمر أغرب من المعتاد في أن ضابط بيريدوري سيكون مستعداً لغرق ثروة في مساعدة ابنة أخت لم يراها على ما يبدو سوى مرتين، لكن ربما كان اليتيم بداخله هو من يتكلم. قال تريستان: «إن كنا سنُسجل فسيكون غالباً في نفس اليوم الذي نرصو فيه. ما لم يكن هناك ويتركك بانتظار فلنضطر لاتخاذ القرار عمياء». أقرت تريديغار بالرد بإيماءة. لاحظت سونغ: «سيكون من الحماقة تجاهل تحذير من عضو رفيع المستوى من الأقنعة. لنأخذه بعين الاعتبار إن استطعنا». اقترحت مريم: «يمكننا سؤال فيراندا والآخرين إن كانوا يعرفون شيئاً. يفترض أن يصلوا هناك قبلنا بنحو أسبوع». حظ عاثر بمعظمه من جانبهم. بينما قبلت الليدي فيراندا فيلازور عرض الترشيح للمدرسة المظلمة من الأكاديمية، قيل لها إن أفضل طريقة لإنهاء الشكليات في الوقت المناسب هي المرور عبر روكاري. ونتيجة لذلك، وبينما غادرت فيراندا والاثنتان اللتان تنوي تشكيل عصابة معهما – شاليني غويل واللورد زينزيلي دوما – على متن «بلوبيل» قبل أيام من الوصول المتوقع لسفينة «المشاهد الجميلة»، كان يجب أن يصل الأربعة منهم إلى المدرسة المظلمة قبل فترة طويلة من وصول الآخرين. إلّا أن سفينة «المشاهد الجميلة» كانت متأخرة بأسبوع ونصف، مع فقدان ثلث طاقمها حين رصت في ثري باينز. لقد واجهوا عاصفة غلوم، من بين كل سوء الحظ. لو لم يكن لديهم ملاح ماهر لكانت العاصفة أخذت كل روح على متنها على الأرجح. كان هناك سبب يجعل تريستان والآخرين يحصلون على مقصورات فردية بدلاً من الاضطرار للمشاركة. قالت سونغ: «أوافق على التواصل من حيث المبدأ، لكن قد يكون من الصعب العثور عليهم من الناحية العملية. يجب أن يكون عدد الطلاب الحاضرين أعلى بقليل من أربعمائة». أطلق تريستان صفيرة خافتة. وقال: «هذا كثير من الناس الخطيرين». ربما كان بعض الذين دخلوا عبر المعارف أكثر نعومة، لكن أي شخص يبلغ قطع المدرسة المظلمة لابد أن تكون لديه حدة. قالت التيانكسية: «قد تكون المدرسة نفسها خطيرة بقدر المنافسة. يجب أن نكون حذرين للغاية حين نصل. مواقفنا... تأتي بالفعل مع أعداء، لا يمكننا تحمل خلق أجداد جدد». حنحنت تريديغار، مما نالها حاجب مرفوع بحب من سونغ. «نعم؟» «إذن يجب أن نتذكر أن توبوك سيكون قد أمضى أسابيع هناك لتجنيد بعض الأتباع. لن يكون وحده بعد الآن». غادر توبوك شيكال قبل «بلوبيل» بيوم، كان ذلك صحيحاً. لقد انسجم الأستلاني جيداً مع عصابة خلال معركة كانتيكا وأصر أحد الأعضاء على أن يبحر توبوك معهم. أشار تريستان: «يفترض أن يمروا عبر روكاري أيضاً. قد يصل في نفس وقت مجموعة فيراندا، لكن ليس قبل ذلك بكثير. بالتأكيد ليس أسابيع». هزت تريديغار رأسها. ولمفاجأته، فعلت مريم المثل. سألت البيريدورية: «ألم تنظر إلى هيكل سفينتهم؟» هز تريستان رأسه. لقد ابتعد عن الأرصفة في ثري باينز، حذراً من جذب انتباه العصابة قبل مغادرتها. إن كان أحدهم قناعاً، فقد يشعرون بالفضول بشأن التفاصيل الغريبة المحيطة بوفاة كوزمي. أفادت سونغ: «كان معدنياً. لقد رأيت غيره من قبل، رغم ندرته وفقط وهو يحمل أعلام الحراس». قالت تريديغار: «إنها سفن توميكية. أي أن الهيكل مصنوع من سبيكة توميكية. قد تعرف مثل هذه السفن بشكل أفضل باسم "المتزحلقات"». طرف اللص بعينيه. لقد سمع هذا الاسم من قبل. قال بتشكك: «كالسفن السحرية التي لا تضيع طريقها أبداً ويمكنها الطيران؟» قالت النبيلة، وبدت محبطة قليلاً: «إنها لا تطير حقاً. لكن المعدن سبيكة من ما قبل الطوفان لها خصائص غريبة تخترق الغلوم والأثير. إنها "تتزحلق" على السطح، ومن هنا جاء الاسم». لاحظت مريم: «هذا صحيح في الغالب فقط». تلقَت نظرة قاسية من تريديغار على تلك العبارة، فابتسمت ببراءة في المقابل. كان الاثنان يتعاملان مع بعضهما أسوأ منه ومن سونغ، ولم يكن متأكدًا حتى مما إذا كان بإمكانه إلقاء اللوم بالكامل على النبيلة في ذلك. حين أغضبت مريم، كان ذلك عن طريق الخطأ عادة. وكانت مريم تفعل ذلك عمداً بكل تأكيد. تابعت المرأة ذات العينين الزرقاوتين: «يمكن أن تمتلك سفينة توميكية ليست متزحلقة. معظمها ليس كذلك. هناك بعضها لا يصنع الهيكل بأكمله بالسبيكة، بل العارضة فقط. ولهذا يمكنك جني الثروات من غزو أطلال الإمبراطورية الأولى وعدم العثور على قطع أثرية: حتى إطار باب مصنوع من سبيكة توميكية سيساوي ثروة إن قمت بنزعه وبيعه». من المثير للاهتمام أنه لم يسمع قط عن ذلك حول الأرصفة، لكن هذا النوع من التجارة كان ليكون أغنى بقليل بالنسبة لدمه. سأل تريستان: «كانت السفينة في الميناء إحداهن؟» أومأت مريم. وقالت: «كانت تمتلك الهيكل المعدني فقط. تذكر، إنها لا تزال أسرع من أي شيء مصنوع من الخشب». أضافت تريديغار بلطف: «باستثناء خشب حديد مالاني». بدت راضية إلى حد ما لأنها استطاعت تصحيح مريم بدورها. قلبت التريجلاوية عينيها. وافقت مريم: «باستثناء الخشب السحر الذي لا يبيعه المالانيون لأحد، نعم. لكي تكون السفينة متزحلقة، مع ذلك، فهي لا تحتاج فقط إلى هيكل توميكي بل محرك أثيري. ذلك أندر بكثير، ورغم أنها تتفوق على أي شيء آخر في الخدمة إلا أن أحداً لم يعد يصنع المتزحلقات». سألت سونغ، وبدت مندهشة: «أمحركات صعبة الصنع إلى هذا الحد؟» كم هي تيانكسية، فكر تريستان بتسلية. كأنه لا مشكلة في صنع حتى نسخ رديئة من عجائب ما قبل الطوفان. كان نصف الستة على قمة الترتيب الطبقي للإنفانزون أساساً لأنهم وضعوا أيديهم على بعض كنز الإمبراطورية الأولى واستطاعوا العمل به بشكل جيد بما يكفي. قالت مريم: «يمكنني التخمين فقط، لكني أقول إن الأمر يتعلق بالعملات. محركات الأثير التي يمكننا صنعها ليست جيدة بأي حال لتلك الموروثة من الإمبراطورية الأولى أو حتى الثانية، لذا فإن أكبر السفن التي يمكننا صنعها لا تزال أصغر من القِلاع». لم يكن تريستان بحاراً، لكنه عمل حول الرصيف لفترة طويلة بما يكفي لتعلم شيئاً أو اثنين عن سفن التجارة. كانت القِلاع معروفة بأنها أنيقة، سريعة وتحتاج فقط إلى طاقم صغير لكنها كانت رؤية نادرة في بحر تريبيان لأن القلعة لا تستطيع حمل الكثير من البضائع أيضاً. كانت السفن الضخمة، القارقات والسفن الشراعية أكثر ربحية للتشغيل ما لم تكن بضائعك صغيرة وتحتاج إلى النقل بسرعة. كانت القِلاع في الغالب سفناً مالانية ورامايانية، مخصصة للاستكشاف عبر بحار مظلمة وبعيدة. لخص تريستان: «إذن المتزحلقات التي يمكننا صنعها مكلفة أيضاً، وصغيرة جداً على الحرب ومكلفة جداً للمخاطرة في الاستكشاف». قالت مريم: «إنها تحتاج أيضاً إلى حوض بناء سفن مخصص على أراضٍ خاصة ومواد المحرك نادرة ومكلفة تقريباً مثل السبائك التوميكية. القوى العظمى قادرة على بناء بعض المتزحلقات ربما، لكن لأجل ماذا؟ القديمة تحتفظ بحالها جيداً، لذا تمتلك معظم الدول سفناً قديمة لا تزال في الخدمة تجعل أي شيء يمكنها بناؤه يبدو كألعاب أطفال». لاحظت سونغ: «قد تشتري الجمهوريات منها. أغلب أسطول زمن مملكة كاثاي غُرق أو سُرق». قالت تريديغار بلا لئم: «لن يبيع أحد سفناً للجمهوريات. التيانكسيون مشاكسون جداً في البحر بالفعل، ولن ترغب أي قوة أخرى في تعزيز موقعهم». غص تريستان. كان ذلك مسلياً أكثر بقليل قادمًا من بيريدورية، من بين كل الأشياء. كانت مملكة مالان سيئة السمعة ليس فقط لإنتاج قراصنة أكثر من جميع القوى الكبرى مجتمعة بل أيضاً لميلها إلى رسو أساطيل حرب على بعد قصف أي دولة صغيرة أرادت إقامة تجارة معها. كانت نكتة بحار قديمة أن أي أرض تكتشفها سفن الملكة العليا ستضطر قريباً لأخذ ذهبها أو رصاصها. أجابت سونغ بهدوء، كمعاتبة رقيقة: «شاركت تيانكسيا في العديد من المشاطر في البحر، أنا متأكدة. بغض النظر فقد حِنا عن محادثتنا الأصلية. أفترض أن نقطتك هي أن توبوك سيصل على متن سفينة كهذه قبلنا بفترة طويلة، أو مجموعة فيراندا في ذلك الصدد؟» أومأت تريديغار. قالت البيريدورية: «سيشكل عصابة، أو يأخذ واحدة. يجب أن نكون مستعدين لمواجهته». قال تريستان: «إنه صاحب شريط، لذا الوحيد منا الذي يجب أن يشارك الصفوف معه هو سونغ». هزت التيانكسية رأسها. وقالت: «نصف الدروس فقط ستتولاه عهودنا. ستكون هناك دروس عامة أيضاً، حيث قد نلتقي به». مما يعني أنهم سيفعلون، لأن توبوك لن يكون قادراً على مقاومة نكز أصدقائه القدامى من السيادة. قال تريستان: «قيل لي إنه لا يُسمح لنا بقتل طلاب المدرسة المظلمة الآخرين. ولكن أيضاً أن القليل جداً دون ذلك غير مسموح». انتشت تريديغار، وتحولت نظرتها إلى سونغ. «إن قطعتُ جميع أطرافه، أترين أنها ستنمو مجدداً؟» ابتلع اللص بهدوء، وقد جف فمه. كانت النبرة مفعمة بالأمل، كصبي صغير ظن أنه قد يحصل على خروف للعشاء. كأنها لا تتحدث عرضاً عن قطع ذراعي الرجل وساقيه. بالسيادة، كلما ظن أنه اعتاد عليها. أجابت سونغ بلطف: «ربما يمكننا تجربة الدبلوماسية أولاً. على أية حال، بخلاف مجموعة فيراندا، من الأفضل تجنبه إن أمكن. أتوقع أنه سيجد أن زملاءه الطلاب لديهم صبر أقل بكثير على حماقاته مما أجبرتنا الظروف على الحفاظ عليه في السيادة». همهم تريستان. وقال: «نحن ندور في حلقات مفرغة. لا فائدة من وضع خطة إن لم نكن نعرف تخطيط الأرض التي نحن متجهون إليها». أقرت سونغ بتردد: «هذا... ليس غير صحيح». قالت تريديغار: «لن يكون الأوان فاتاً للقرر بمجرد وصولنا للمدرسة المظلمة». نهضت من المقعد، والتقطت الطبق الذي أفرغته قبل أي شخص آخر على الطاولة. وأعلمتهم: «وُعدت بمبارزة من أحد الضباط ولا أريد التأخير. إن غفرتم لي، يجب أن أغادر». قالت سونغ: «ربما أرافقك. لقد انتهيت من الكتاب الذي أعارتني إياه الكابتن كراك، ويجب أن أعيده قبل طلب آخر». لوّح هو ومريم لهما، وما زالت وجبتاهما غير منتهيتين. بعد أن غادرا لإعادة طبقيهما إلى الطاهي، تاركين الاثنين بمفردهما، رفع حاجبيه نحو صديقته. قال ممهداً: «أنتِ تعرفين الكثير عن المتزحلقات». أجابت مريم، بعرضية مفرطة بعض الشيء: «الملاح مطلوب لتشغيلها بشكل صحيح. ويفضل مصلح من فرع الأثير أيضاً، ولكن دائماً عضواً في نقابة أكيلاري». لم يقل شيئاً، مكتفياً بقضم سمكته المملحة. واعترفت: «وقد يكون لدي مصلحة شخصية فيها». أمال اللص ذو العينين الرماديين رأسه. «أيمكنني السؤال لماذا؟» تأملته مريم لفترة طويلة، ثم تنهدت. وقالت: «هناك مكان يجب أن أذهب إليه. وأعتقد أنه النوع الوحيد من السفن الذي يمكنه إيصالي إلى هناك». سأل باسترخاء: «هذا المكان الخاص بك – خطير؟» «جداً». «سري؟» «لا توجد خرائط موجودة». «وأفترض أنه محظور؟» وافقت: «من قبل الملوك والرجال». تأمل تريستان أبراسكال: «يبدو... مكاناً مثيراً للاهتمام للزيارة، في أحد الأيام». عيون زرقاء على رمادية. مرت لحظة، ثم ارتخت كتفاها. ابتسمت مريم خايموف: «ربما يمكن إقناعي بإحضارك معي».
بيل ألايتس الفصل 48
اقرأ بيل ألايتس الفصل 48 باللغة العربية على مانجا تايم.