«ليكن الملَكان شهدي» هكذا قال العمدة كريسبان بحزم: «ولكن إن أهرق أحدكم سيفاً، فسآمر بإطلاق النار عليكما».تضيق شفتا أنغاراد مستقيمتين، وتنتصب ظهرها بينما كانت ترمق الرجل باحتقار.لقد أدت قسمها بالفعل، فأي نوع من الكلاب عديمي الشرف تظنها؟عمدة كانتيكا، وهو رجل في منتصف العمر ذو لحية سوداء كثيفة تناقض فوضويتها نظافة سترته الصوفية الخضراء القديمة، لم يبد عليه التأثر بغضبها.«امرقِ كيفما شئتِ يا فتاة، لكنني أملك إذناً من القائد في ثري باينز للتخلص من أي منكم إن أثار الشغب»، قال الرجل.«أتظنين أنكِ أول الفتيان متمردي المزاج الذين مروا من هنا؟» قالت أنغاراد باختصار: «ليس لدي أي نية لنقث عهدي».حافظ كريسبان على نظراته تجاهها لحظة أخرى – كم كانت تبدو فارغة، فكرت، وكأنها بلا حياة تقريباً – قبل أن يصدر صخباً يمكن أن يكون موافقة أو رفضا.ثم انتقلت عيناه الداكنتان إلى أغوستو سيردان، الذي كان ما زال يبتسم.قال أغوستو: «ما مددت يدي لنصلِي إلا لأنني شعرت بالخطر، يا سيدي الفاضل.ولن أجسر أبداً على خرق قوانينكم».أمعن العمدة كريسبان النظر في الإنفانثون لحظة أخرى.قال العمدة أخيراً: «أنتم محظوظون لأننا لا نجلد أحداً على الغرور.اذهب وقف مع البقية».مسحت تلك الكلمات الابتسامة عن وجه أغوستو تماماً.أما العمدة، فقد داعب لحيته، وألقى نظرة أخيرة عليهم ثم انصرف.رفع حارسا البلدة اللذان كانا يشرفان على نقاشهما بندقيتيهما إلى كتفيهما.رجال يتحلون بكثير من الشجاعة، هكذا فكر البيردوريون.لم يكونوا سوى نفر قليل لحراسة خمسة أضعاف عددهم من المتقدمين للاختبار، لكنهم لم يظهروا في أي لحظة خوفاً من احتمال اندلاع قتال.افترضت أنغاراد أن العيش في هذا المكان الكابوسي لا بد أنه يصنع العجائب في بناء الشجاعة.ناد العمدة كريسبان: «أنتما، الوافدان الجديدان.أرسلا لي واحداً إلى الأمام.والبقية يذهبون مع الحشد».التفتت النميلة ذات البشرة الداكنة بدهشة: لم تكن قد لاحظت قدوم أحد.أطلقت أنغاراد صوت مفاجأة عندما وجدت: تريستان، يونغ، وساراي شاحبة البشرة.بدا أن الأخيرة هي الأفضل حالاً بين الثلاثة، على الأقل إلى أن لاحظت أنغاراد أصابعها المفقودة.بدا الآخرون وكأنهم تعرضوا للضرب بوحشية وكان يونغ مصاباً بطلق نار بوضوح، لكن الثلاثة كانوا بصحة تؤهلهم للحركة.وقد استقبلهم بقية رفقائهم بحرارة، ويونغ أكثر من البقية – فمعرفته بالليدي فيراندا واللورد زينزيلي تعود إلى زمن بعيد.كان تريستان هو من عرج نحو الأمام كما أُمِروا، والجزء الوحيد فيه الذي لم يبدو وكأنهم ألقوا به من منحدر جبلي هو قبعته الثلاثية الجلدية البالية على رأسه.كان الساكرومونتي يتمتع بذوق لا باس به في هذا الجانب، على الأقل.«تريديغار»، حياها الرمادي العينين بتعب، محركاً رأسه بإيماءة.قالت بسعادة: «تريستان.يسرني أنك اجتزت الأمر».قررت أن كيف فعل ذلك هو سؤال لوقت لاحق.لا بد أنه كان هناك مسار آخر عبر المتاهة، مسار يمكن فتحه بلا عشرة منتصرين.قال العمدة كريسبان، بخشونة لا تخلو من لطف: «يمكنكما إرجاء لمّ شملكما لوقت لاحق.تريستان، أهذا اسمك؟» أكد الساكرومونتي: «هذا اسمي».سأل الرجل: «هل ينبغي لنا توقع المزيد من الناجين؟تقول الفتاة هنا إن جميع الأشخاص الذين خاضت معهم الاختبار الثاني قد حُصي أمرهم».أجاب تريستان ووجهه يشتد بخفة: «رابعنا مات.على حد علمي، لم يبق آخرون».لم تستطع أنغاراد، في تلك اللحظة، تذكر اسم الرجل العجوز.فرانكو، فريشو؟لقد قيل لها في مرحلة ما، وكانت تعلم ذلك، وغمرها شعور طفيف بالخزي لإدراكها أنها لم تهتم بما يكفي لتتذكره.قال العمدة كريسبان: «جيد»، ثم توقف.كان تريستان يرمقه.كانت النظرة الرمادية مستقرة، تكاد تكون وديّة، لكن أنغاراد تحركت بعدم ارتياح لدى رؤيتها.لقد كان نوعاً مزعجاً من الهدوء – ذلك النوع الذي يأتي قبيل أن يحطم شخص كُوباً على رأسك أو يشهر سكيناً.صحح كريسبان: «ليس جيداً، ولكن أبسط بالنسبة لنا.إن كان الجميع هنا فيمكننا البدء باختبار الأعشاب».أمال تريستان رأسه إلى الجانب.وسأل: «أتحتاج مني شيئاً آخر؟» «لا»، تمتم العمدة، ثم رمقها بنظرة خاطفة.«والأمر سيان بالنسبة لكِ يا مالاني.يمكنك الانضمام للآخرين».أزالت أنغاراد إزعاجها من هذا الخطأ وانحنت برأسها اعترافاً، مرافقة المتقدم الآخر للاختبار في مسيرهما القصير.لم يُتبادل أي كلام، وكان صوتهما الوحيد هو طقطقتهما بالأحذية في الوحل الضحل.كانت سونغ في انتظار أنغاراد عندما عات، مشيرة لها بالاقتراب بينما اختفى تريستان وسط الحشد.همست التيانكسية في أذنها: «أعطت شاليني جثة إيشيان لهم.سيحرقونها غداً، بعد جمع الحطب».همست أنغاراد بالمثل، مندهشة بحق: «وافقت على التخلي عنه؟» أجابت سونغ: «لم يمنحوها خياراً.لن يسمحوا بجر جثة خوفاً من الأمراض».وهو ما اعترفت البيردورية بأنه قلق وجيه.غير أن إرغام يدها على هذا النحو يفسر سبب بدا السوميشوارية بمزاج عكر، إذ كانت تتجاهل محاولات زينزيلي لإشراكها في الحديث.وقفت فيراندا معهم، فقد ظلت الثلاثية متماسكة في المسير، وشعرت أنغاراد بوخز من الحسد.كل من اجتازت معهم الاختبار الأول باتوا اليوم موتى أو غرباء، باستثناء سونغ – حتى برون، الذي ظنت أنها على وفاق معه، بات يفضل الوقوف مع ياريتزي والحديث بهدوء بدلاً من تجديد معرفتهما.تنحنح العمدة كريسبان، قاطعاً الأحاديث الجانبية، فاتجهت كل الأعين إليه.قال الرجل ذو اللحية: «أولاً، وبما أنني سمعت أن الملاذ قد دُفن، فأسألكم أولاً: أيا كان هنا يريد الانسحاب من الاختبارات؟» انتظر لحظة، وسط صمت مطبق.وقال: «الفرصة الأخيرة.إن سمعتم قواعد اختبار الأعشاب، فالطريقتان الوحيدتان لمغادرتكم هذه الجزيرة هما في تابوت أو رداء أسود».ظل الصمت سيد المكان.هز الرجل كتفيه.قال العمدة: «لا تقولوا إنني لم أنذركم.اتبعوني، سأعطيكم القواعد فور وصولنا إلى ساحة البلدة».لم يكن مسيراً طويلاً بالأسعار، رغم أن الشوارع الباهتة جعلته مزعجاً نوعاً ما.لقد التزموا بالجوانب قدر الإمكان، أقرب إلى الألواح الخشبية المتفرقة منها إلى الوحل في منتصف الشوارع.وبعد أربع دقائق من المرور بالمتاجر والبيوت ونزل كبير، أبطأ العمدة خطواته حين بلغوا وجهتهم.بدت الساحة غريبة تماماً مقارنة بضيق باقي أرجاء كانتيكا، حيث تحشر البيوت جميعها ضد جدران السياج بشوارع ضيقة وبيوت خشبية خشنة.وعلى النقيض من ذلك، كانت ساحة البلدة مساحة واسعة ومفتوحة مرصوفة بحجارة مربعة سميكة.وممتدة عبرها، مواجهة للمنتصف، ثلاثة أقفاص حديدية كبيرة.كان كل منها أطول من رجل وطويلاً بالقدر الذي يتيح لك المشي بداخله.تدلت أقفال على أبوابها المفتوحة.سرى تموج من عدم الارتياح عبر رفقتهم، وهو ما اعترفت أنغاراد بمشاركتهم إياه بحرية.إن كانت هناك وحوش في الأقفاص فقد ولّت الآن، وإن كانت مخصصة للبشر إذن...قال العمدة كريسبان: «ها قد وصلنا.اقتربوا الآن، وبلا ثرثرة.لن أكرر نفسي إن فاتكم شيء».بطاعة، تجمعت رفقتهم عند حافة الساحة المرصوفة بينما تقدم العمدة الملتحي ليقف بين الأقفاص.بصق كريسبان جانباً، في الوحل.وقال: «الآن، يُفترض بالحارس أن يلقي عليكم خطبة ما حول طبيعة الاختبار الثالث قبل إرسالكم في طريقنا.لكنني لست حارساً، ولم أسمع سوى شتات وقطعات من تلك الخطبة على مر السنين».هز كتفيه.«لذا سأعطيكم فهمي الخاص لها عوضاً عن ذلك».جال الرجل الملتحي ببصره عليهم.أعلن: «اختبار الخطوط هو اختبار للمهارة.إن لم تكن تملك خطة أو تتملق لمن يملكونها، وإن لم تكن تملك التدريب للوصول إلى الملاذ بهدوء أو القوة للشق طريقك قتالاً، فستنتهي جثة هامدة».تجهمت أنغاراد لصراحة كلماته، لكن كان فيها رنين الحقيقة.قال العمدة كريسبان: «أما اختبار الأطلال، فهو قِدر.يلقون بكم في الماء ويرفعون الحرارة ليروا ما تفعلونه عندما يبدأ بالغليان: أَتغدرون بحلفائكم، أَتنهارون أم تهربون أم ترتقون لمستوى التحدي؟» تُودلت النظرات هنا وهناك عند كلمات الرجل.اكتفى توپوك بابتسامة خبيثة، غير مبالٍ تماماً بالاتهامات غير المبروكة، وانهالت عليها نظرات مديح في الجزء الأخير.انتصبت أنغاراد في جلستها، سامحة لنفسها بقسط يسير من الفخر.ولم يدم ذلك طويلاً.قال العمدة بفظاظة: «ليس منكم الكثير هذا العام، لذا لابد أنكم لم تكونوا سباحين عظماء».فكرت أنغاراد أن في ذلك رنين الحقيقة أيضاً.لقد خرج نحو ثلاثة أمثال عددهم الحالي من البلوبيل.قال العمدة كريسبان: «أما اختبار الأعشاب، فليس كسابقيه.إن وصلتم إلى هنا، فأنتم جيدون أو محظوظون: وفي كلتا الحالتين، يستطيع الغربان الاستفادة منكم».ابتسم، مجرد امتداد ضحل للشفاه يخلو تماماً من المرح.«لا، هذا المكان يدور حول اقتلاع الأعشاب قبل أن تتغلغل في الحرس، إن جاز التعبير، وتُترك الغربلة لأيديكم».تموج آخر من عدم الارتياح.قال كريسبان: «لن نضع أياً منكم في هذه الأقفاص.أنتم من ستفعلون».لم يُعجب قلة منهم وقع ذلك الكلام.قال الرجل: «الليلة، في الوقت قبل أن تخلدوا إلى غرفكم، سيُستدعى كل منكم على حدة ويُطلب منه إعطاء ثلاثة أسماء.اسم لكل شخص ترون أنه يجب وضعه في أحد الأقفاص.والثلاثة الذين يُذكرون بأكبر عدد من المرات سيرافقهم حارس البلدة إلى قفصهم مع حلول الصباح».قطبت أنغاراد حاجبيها، ثم تنحنحت.فكسبت نظرة غير ودية من كريسبان.وسألت: «ماذا يحدث إن سُمي اثنان منا لعدد متساوٍ من المرات؟» فكرت أن الأمر لن يهم ما لم يكن المركز الثالث هو المشترك، ولكن إن حدث ذلك فمن المحتمل أن تكون هناك حاجة لتسوية تعادل.أجاب العمدة من دون أن يرمش له جفن: «ستتشاركان القفص».واعترفت أنغاراد صمتاً بأن ذلك كان عادلاً بقسوة.تابع العمدة كريسبان: «مع الصباح، ستتجمعون هنا مرة أخرى، وبعد دخول المختارين للأقفاص يحق لكم التصويت على من سيموت من الثلاثة».أجابت شاليني: «ألا تبزون الجد؟أتريدون منا أن نقتل بعضنا بعضاً؟» هز الرجل كتفيه.وقال: «أتخيل أنكم كنتم تقتلون بعضكم بعضاً بالفعل.والآن هو وقت مطالبة بعضكم بالمساءلة عن ذلك».ضحك بخفة.قال العمدة كريسبان: «لقد رأيت الابتسامة تسقط عن وجوه شتى أنواع الأذكياء، عندما استوعبوا أنهم قد يضطرون لدفع ثمن حيلهم الدموية في النهاية.وكما أرى، فإن هذا الاختبار مخصص لهم.فإن ألقيتم بحلفائكم للذئاب، حسناً، فمن الأفضل أن تكونوا أذكياء بالقدر الكافي لثنيهم عن شنقكم بعدها».هز العمدة كتفيه.«بأي فائدة سيحظى الحرس بكم عدا ذلك؟» تحدث نصف دزينة منهم في الوقت ذاته بينما اشتدت أصابع أنغاراد حول مقبض سيفها.هذا جنون، هكذا فكرت، كيف يُتوقع منهم أن – ارتفعت يد العمدة كريسبان، وعم الصمت من جديد.لم يرغب أحد في المخاطرة بتفويت جزء من القواعد.قال الرجل الملتحي: «لا ينتهي الأمر عند هذا الحد.بعد الفراغ من ذلك، سُيسأل كل منكم سؤالاً على انفراد: هل ينبغي خوض جولة أخرى؟» لكان بوسعك سماع سقوط إبرة.قال كريسبان: «كل ما يتطلبه الأمر هو نعم واحدة، لتكون هناك جولة أخرى».عض أغوستو على شفتيه: «هذا سخيف.كم منا سيموت لأجل أحقاد تافهة؟» فكرت أنغاراد أنه لمن المزعج أن تضطر لوضع توافق فيه مع هذا الرجل.قال العمدة بلا مبالاة: «بقدر ما يهمكم أن تقتلوا يا رفاق.ينتهي اختبار الأعشاب حين يكون رفض الجولة الأخرى إجماعاً.بعدها سنمنحكم مؤناً جديدة لتعرجوا شمالاً نحو ثري باينز للانضمام إلى الحرس».ورغم أن أنغاراد شعرت بسخط يوشك على الانفجار، إلا أن رفقتهم حافظت على الصمت لفترة أطول قليلاً.لقد أحب كريسبان العبث بهم.وقد ثبتت صحة صمتهم، إذ ضحك العمدة بعد نبضات قلب قليلة.وقال: «شيء أخخير.هناك قاعدة أخيرة، وهي سر سيتعين عليكم اكتشافه بأنفسكم.طريقة تمكن شخصاً في الأقفاص من ألا يموت حتى لو جرى اختياره.انقبوا عنها كيفما شئتم، طالما تذكرتم القواعد: لا عنف ضد قومي، ولا ضد بعضكم».أومأ العمدة كريسبان لهم بإيماءة.وقال: «هذا هو مجمل الأمر.سيجدكم قومي ليسألوا عن الأسماء، فلا تحاولوا النوم قبل أن يُؤذن لكم».سار مباشرة وسط حشدهم، مرغماً إياهم على التفسح وكأن ليثبت نقطة ما، ولمحطات قلب قليلة تلى ذلك صمت مطبق.ثم انطلق الفوضى صارخة.-- أول ما حدث هو أن توپوك شيكال مضى مبتعداً.بلا كلمة، متجاهلاً صيحات الاستهزاء من فيراندا وزينزيلي.فتشت أنغاراد وجهه بحثاً عن الخوف وهو يمر بجانبها، بحثاً عن الندم، فلم تجد شيئاً.بدا، لمفاجأتها، مفكراً.إنه يعلم أنه مرسل لا محالة إلى قفص، هكذا فكرت، لذا فهو يمضي في البحث عن القاعدة الخفية التي قد تنقذ حياته.لابد أنه حسم ذلك القرار حتى قبل أن ينتهي العمدة من الكلام.كان إبداء الإعجاب برباطة جأش توپوك أمراً معذباً – فهو لم يكن بحاجة لأن يكون رصيناً، بعد كل شيء، لو لم يكن خائناً فاشلاً.كل ما كان مثيراً للإعجاب فيه كان متشابكاً مع أسوأ السجايا.بطريقة ما، جعلت خصاله من الأسهل احتقاره، فكرت أنغاراد، فتوپوك كان قادراً على التصرف بشرف متى أراد.لقد كانت تسيطر عليه المهارة والتبصر.كان خياراً بالنسبة له أن يكون بغيضاً.قالت ياريتزي: «يجب أن نتفق جميعاً الآن على من سنرسلهم إلى الأقفاص.الاختبار يزدهر بانعدام الثقة، أفلا يجدر بنا ببساطة الانفتاح...» قاطعها لان عرضاً: «كيف سنعرف إن كان أحدهم يكذب؟سنعطي أسماءنا سراً، وقد كان العمدة واضحاً بشأن ذلك».التفتت ياريتزي بنظرة ثاقبة نحو المرأة الأكبر سناً، ولم تلاحظ أنغاراد إلا حينها أن أحد قرطيها الفيروزيين قد فُقد.لابد أنه سقط أثناء هربهم إلى كانتيكا.بدأت ياريتزي قائلة: «الثقة»، لكن ضحكة ساخرة قطعت الجملة.قاطعه زينزيلي، الذي كان هو من ضحك: «لا يزال هناك قاتل بيننا.يجب ألا يتحدث أحد عن الثقة، يا ياريتزي».أبدت سونغ رأيها: «الفوضى لا تصب في صالح أحد.فشبه اتفاق ما لا يسعه إلا أن يساعد».قال زينزيلي دوما بجمود: «أنتِ تخفين أسراراً أكثر من أي شخص هنا، أيتها التيانكسية، وبعضها أحدث عهداً من غيره.لن أقتحم خصوصيتك بالضغط، لكن امتنعي عن اعتبارنا حمقى.لن أكون أداة لمخططاتك».قابلت سونغ عينيه بنظرتها الفضية الثابتة، وتصلب وجهه.ارتفع حاجب أنغاراد توتراً.كان ذلك ادعاء قوياً، لكن سيداً من مالان قد تفوه به لذا فلا بد أنه لا يتبناه ككذب.وفوق ذلك فهو يملك عقداً يتيح له استنشاق الأسرار، هكذا فكرت.لقد رأى زينزيلي قسمها الانتقامي، رغم أنه لم يكن يعلم ما هو.والآن يقول إن ما تحبسه سونغ لنفسها يفوق حتى ذلك.فكرة تصدع الرأس.ومع ذلك، لم يكن الكتمان جديراً بالاحتقار: ألم تخبر أنغاراد الجميع بأن قتلة يلاحقونها؟لا، ولا حتى عندما خشيت بحماقة أن يكون زينزيلي دوما وعشيقته قتلة أرسلهم عدوها بلا اسم.قالت أنغاراد: «هناك دمار في أعقابنا جميعاً، لورد زينزيلي.ملاحقة ظلال بعضنا هي لعبة بلا منتصر».ثبت النميلة ذو البشرة الداكنة – الأطول منها حتى وقبعته في يده، وإن لم يكن بالكثير – بصره عليها بنظرة ثابتة.لكزته فيراندا بمرفقها، فعندئذ منح أنغاراد إيماءة مقتضبة ونزع نظراته عنها.بدت سونغ كأنها مستعدة للكلام من جديد، لكن شخصاً آخر بادر بالتقدم أولاً.لم يستعد نبض السيد كوزمي أفلور قط تعافيه تماماً بعد فقدان قبعته، لكن الرجل الأكبر سناً ظل يمثل مظهراً محترماً بشاربه ولحيته المهذبين بدقة.والجروح التي أصيب بها على طريق الرسوم الجمركية لم تزدد إلا وجاهة، فالضمائر حول ذراعه تضفي عليه مظهر محارب جريح.وبيده على مقبض سيفه – بارتخاء، مستنداً وغير مهدد – تقدم ليقف أمام الجميع.قال كوزمي أفلور بفظاظة: «لقد ارتكبت أخطاء.وأنا أقر بذلك».انفجار من ضحكة حادة ومستهزئة.قال أغوستو سيردان: «يا مانس اللذيذة.أن أرى اليوم الذي تثني فيه تلك العنق المتصلبة بما يكفي لتستجدي حياتك يا كوزمي.لقد كانت الرحلة تستحق العناء لمجرد ذلك».رمقه الرجل الأكبر سناً بنظرة اشمئزاز، ثم تجاهله.قال كوزمي: «حاولت الحفاظ على عهودي لآل سيردان بما يتجاوز الحكمة، لكني ما أشهرت قط سيفاً بوجه أحدكم، ولا انتقمت لاستخدام عقد ضدي بلا استفزاز».أُلقيت نظرة ذات مغزى على شاليني هناك، التي كشرت في وجهه رداً.ردت السوميشوارية: «إن شعرت بأن الجو قد أصبح بارداً في الخارج، فعلينا أن تفكر مرتين قبل الخروج».تنحنح برون.قال الرجل ذو الشعر الفاتح: «لا يترك المرء خدمة الإنفانثون بخفة.التمرد لا يخلو من تكاليف للساكرومونتيين، شاليني غويل».رمقته الشوميشوارية القصيرة بنظرة دهشة، وشيء من الخجل لتذكيرها بأنها أتت هنا كمرافقة مقربة وموثوقة لنبيل بينما كان كوزمي مجرد تابع.أما أنغاراد، رغم أنها كانت تراقب المحادثات، فكانت تقيس الأمور في عقلها.كان توپوك متجهاً نحو القفص، هذا مؤكد تماماً.لقد صنع الكثير من الأعداء.وكان السؤال الوحيد الجدير بالطرح هو من سيتجه إلى هناك أيضاً.قال تريستان بجمود: «دعونا لا نتظاهر بأن كون المرء جندياً لبيت تحت الستة مباشرة يشبه كونه جرذاً.الشفقة أمر جيد يا برون، لكن كوزمي أفلور لم يعبأ أبداً بأحد سوى من يتولى رعايتهم حتى احترق ذلك الجسر تماماً».تحدى برون: «أينبغي أن يُقتل لأجل ذلك؟» ضحكة حادة.قال يونغ: «سيتعين عليك مسامحة تريستان.لقد اعتاد على تقرير من يعيش ومن يموت».كسب الاثنان نظرات تفحصية – كان ذلك انفصالاً واضحاً في علاقة ودية سابقة – لكن أنغاراد كانت لا تزال تستعرض القائمة.لم يصنع أحد، فكرت، أعداء أكثر من أغوستو سيردان وكوزمي أفلور.كان من شبه المؤكد أن يتجه اثناهما إلى الأقفاص مع توپوك.ولم تكن ياريتزي وحدها، التي حاربت توپوك واتهمتها شاليني، لتكاد تقترب من ذلك حتى.قال لان ببلادة: «كل من يحمل بندقية يملك تلك القوة ذاتها يا يونغ، وأنا أرى أنك تحمل اثنتين».همس أغوستو بصوت عالٍ: «لا أعتقد أن الأمور تسير على ما يرام بالنسبة لك يا كوزمي.ربما عليك أن...تسير مع التيار يا صديقي القديم.سيكون ذلك أسرع».كادت أنغاراد أن تكفهر وجهها – ولم يكن هناك "تكاد" للأمر بالنسبة للرجل الأكبر سناً – وهي تتذكر متى سمعت تلك الجملة لآخر مرة.أشارت أنغاراد: «إحالة أحدهم إلى الأقفاص لا تعني الموت.علامة عارٍ ربما، وليست قسماً بإرساله إلى القبر».تمتم يونغ: «قيل بحق.قيل لي إنني قد أنزف حتى الموت، لذا سأبحث عن طبيب.لكني مع ذلك سأترككم بهذه: توپوك، أغوستو، تريستان.افعلوا بذلك ما شئتم».ثم بدأ يعرج مبتعداً بعد ذلك.وتبادلت ساراي، التي كان وجهها متورداً زهرياً من الإرهاق، نظرة وإيماءة مع تريستان قبل أن تنسل من الحشد لمساعدة يونغ على العرج للأمام.بدا المحارب العجوز كمن يريد الرفض، لكنه رضخ بعد لحظة ولف ذراعاً حول كتفها بينما اختفيا في البلدة.تذمر أغوستو: «كان ذلك غير مبرر بتاتاً.بالكاد تحدثت مع الرجل».أجابت أنغاراد بهدوء: «بالكاد لا بد أنها كانت كافية».منحها الإصبع الأوسط بمرح، مبدياً عدم اكتراثه رغم تأكد ربطه إلى قفص.أهذا تهريج، أم أنه حقاً بلا خوف؟تنحنح كوزمي، الذي انحرف خطابه بسبب مشتتات شتى، واستحوذ على الانتباه مرة أخرى.قال الرجل الأكبر سناً: «لقد قلت ما عندي.وليس بوسعي الآن سوى الثقة بعدالة الحاضرين هنا».تأمل أغوستو بصوت أنفي: «لقد أخطأت التعبير حقاً عندما دعوتك ديكاً.كيف لك أن تكون كذلك بينما تملك هذه الموهبة في الفيلاتو؟» ضحك الإنفانثون بخفة.وكرر بنبرة أنفية: «أثق بعدالة الحاضرين هنا.على الأقل اركع على ركبتيك أولاً، إن كنت ستعمل بجد هكذا».احمرت وجنتا كوزمي غضباً وهو يمد يده نحو سيفه، دون أن يجره تماماً، وشعرت حتى أنغاراد بتصلب فكها من بذاءة الأمر.لقد أصبح أغوستو مقيتاً أكثر فأكثر منذ طريق الرسوم، ولم يعد يعبأ بكبح سمومه داخل صدره.ومن خلال تعابير وجوه من حوله، لم يكن ذلك يسدي له أي خدمة.لكن مع ذلك لكان متجهاً إلى القفص حتى لو تحول رقاقاً كالعسل، فكرت أنغاراد.وكما قال العمدة كريسبان، كان اختبار الأعشاب حساباً للآخرين.قالت شاليني: «الحديث هنا عقيم.نصفنا لا يثق بالآخر ولا يمكن إجراء حديث جاد وحياتنا ملفوفة بالأفاعي».قالت الليدي فيراندا: «إنها على حق.وكذلك كان يونغ، على طريقته الخاصة».توقفت.«توپوك، أغوستو، كوزمي».قال أغوستو بهدوء: «سأعالج الأمر مع الفياثور، عندما أعود إلى المدينة».رفعت الإنفانثونا ذات الشعر الفاتح حاجباً.وقالت: «سيكون ذلك خدعة رائعة، بلا رأس»، ومضت متراجعة.ومضت شاليني معها، وألقى زينزيلي نظرة خاطفة عليهما قبل أن يتنحنح.قال المالاني: «اعتبروا توپوك أمراً مفروغاً منه.والباقي يستحق التفكر».ثم أمال رأسه نحوهما بأدب وأسرع للحاق بالبخرات.كان ما يزال الكثير منهم باقياً، كما رأت أنغاراد.فمن أصل الأربعة عشر ظل ثمانية واقفين هنا في الساحة.لكن في اللحظة التي غادرت فيها شاليني والأخريات انطفأ احتمال إبقاء الأمر سافراً في العلن.ورغم وجود أعداد كافية هنا للحسم إن أرادوا، إلا أن وهم الوحدة قد تحطم.سيعقد الجميع صفقاتهم الخاصة، وكأن الأمر بلاط الملكة العالية.التقت عينا أنغاراد بعيني سونغ وتبادلتا إيماءة خفيفة.لقد انقضى أمرهما هنا، واتفقتا، وفي غضون دقيقة غادرتا.-- ومهما كانت الألواح الخشبية على جانبي الشارع ضيقة، فإنها كانت أفضل من المشي في الوحل.حتى وإن جعلت التحدث أثناء الحركة أمراً محرجا نوعاً ما.أخبرتها سونغ: «لدي دراية بمعرفة ساراي.سأبحث عنها وأعرف ما جرى عندما افترقنا عن شركتنا».استطاعت أنغاراد القراءة بين السطور.كانت المرأتان على معرفة، لكن التريغلاوية لم تكن مولعة بالمالاني.أمر مفهوم، وإن كان غير مبرر تماماً – لم تمتلك أنغاراد عبداً قط ولم تتاجر بهم.كانت محادثتهما الأولى بعد كشف أصولها...أقل من ماهرة، سلماً، لذا لم تقل البيردورية شيئاً في الموضوع.واعترفت أنغاراد: «أنا فضولية بعض الشيء بشأن النفق الذي وجدوه للهروب.لابد أنه كان مجهولاً حتى للحرس».قالت سونغ: «إنهم جماعة محنكة.أتوقع أنها ستكون حكاية ممتعة».أومأت أنغاراد برأسها، ثم تنحنحت باحراج.وقالت: «أتوقع أن علي التحدث مع اللورد زينزيلي أولاً».لم تذكر بدقة أن مواطنها قد أظهر بغضاً واضحاً لسونغ.رمقتها التيانكسية بعينيها المذكورتين من الجانب.قالت المرأة ذات العينين الفضيتين: «إنه ليس مخطئاً.أنا أخفي قدراً عظيماً من الأسرار».أبقت أنغاراد كتفيها: «عيناك تقيدانك لمثل هذا المصير».كان، إن صح القول، مما يبعث على الاطمئنان أن سونغ لم تكن مولعة بالبوح بالكثير من الأمور الخفية التي كانت عيناها تكشفانها ببساطة بمجرد التواجد في حضرتها.تفضل أنغاراد ألف مرة أن يحمل ذلك الميثاق امرأة تميل إلى الكتمان على ثرثارة.نظرت سونغ بعيداً، عابرة للظل الذي تلقيه مصابيح الشوارع في الأعلى.وقالت: «أكثر من مجرد ذلك النوع.لقد انضممت للاختبارات في الدومينيون لغاية معينة، يا أنغاراد، ورغم أنني ما زلت مقيدة بعدم الحديث عنها إلا أن الوقت يقترب لأتمكن من إخب بذلك».أكدت لها: «هذا ليس ضرورياً.أنا لا أحمل ضغينة للكتمان، إلا إن كان يسبب أذى».أجابت سونغ ويبدو عليها التسلية تقريباً: «إنه ضروري.أنوي أن أعرض عليك عرضاً حين نصل إلى ثري باينز، وحين أفعل ألا تظني أن معرفتنا برمتها كانت حيلة».قدرت البيردورية ذلك، حقاً.كل هذا التخطيط والكذب، كم أصبح مرهقاً.غربلة كل جملة بحثاً عن عشرة معانٍ، كل يد ممدودة تبدو فخاً.حتى أقرب ما وجدته أنغاراد لتسلية لطيفة كان...تشنج فكها عند تذكر كيف بدت إيزابيل، ووجهها خراباً أحمر.كان اعتراف سونغ المفتوح بأنها تخفي أسراراً وستقدم صفقة أمراً منعشاً، خطاً مرسوماً بوضوح في الرمال.كان بإمكانها تحمل المزيد من ذلك في حياتها.قالت أنغاراد: «لقد أنقذت حياتي في أكثر من مناسبة يا سونغ.ومهما يكن ما قد يحدث بيننا، فكوني على ثقة بأنني سأصغي دائماً لأي عرض تودين تقديمه».درستها الأخرى للحظات تمتد، وتلعثمت خطواتها على الألواح، وطرأ على بال أنغاراد أن سونغ كانت في الواقع ملفتة للغاية.عيون فضية مستقرة في وجه من الذهب الشاحب، وقصة جسدها النحيل والأنيق.وحاملة لضدية مجدولة وقبعة جلدية مطوية، بدت كصيادة من الأساطير تقريباً.فكرة عابرة، شبه سخيفة.ما كانت أي صيادة من أسطورة لتكون حريصة لدرجة تقطيع مؤنها بدقة لتنتهي بشرائح رفيعة كالخيوط لا تأكلها أبداً.ذلك فضلاً عن أنها كانت تشخر، رغم أن الضجيج كان رقيقاً بشكل مسلٍ.قالت سونغ أخيرًا: «كلمات تجدر تذكرها».وتوقفتا عند ذلك.-- كان النزل الذي مروا به سابقاً يسمى «الراحة الأخيرة».كانت الكلمات محفورة فوق الباب بلغة أنتيغوا المخدوشة، وبدا أن أهل البلدة غير مبالين بفكرة تعليق لافتة.ولولا المصاريع الواسعة والمفتوحة لما عرفت المكان على حقيقته من الخارج.كان الطابق الأرضي غرفة مشتركة مليئة بالطاولات الطويلة، مع مدفأة في الخلف ومنصة بار.ومن خلف تلك المنصة يؤدي باب إلى ما يبدو مطبخاً، بينما تؤدي سلالم متداعية قليلاً إلى طابق ثانٍ.كانت سونغ قد عبرت الشارع، حيث كان طبيب البلدة وحفار القبور – وهو مزيج فعال، هكذا فكرت أنغاراد – يفحص جروح يونغ على ما يُزعم.وكانت ساراي تنتظره، فوقت مناسب تماماً للحديث.أما الأرواح الثلاثة التي كانت تبحث عنها، فكانت في الغرفة المشتركة لـ «الراحة الأخيرة».إذ حجزوا نهاية الطاولة قرب المدفأة، وكانوا جالسين يتناولون وجبات دافئة وما بدا أنه أكواب جعة.وهي تقترب منهم، لاحظت أنغاراد أن شاليني بدا وكأنها استحوذت على إحدى نقانق زينزيلي وفي المقابل تخلت عن جعتها.أما فيراندا فلم تتبادل شيئاً، لكنها كانت تنخس بازلاءها بحماس معدوم تماماً.ولم تستطع أنغاراد لومها، فقد كانت وجبة شائعة بغيضَة.كانت فيراندا فيلاثور أول من رآها مقبلة، وعندما أشارت أنغاراد نحو المساحة المفتوحة بجانب زينزيلي بحاجب مرفوع، ردت الإنفانثونا بإيماءة كتفين مرخيين.أذن كافٍ، قررت النميلة.فكت حزام سيفها، ونزعته ووضعته جانباً قبل أن تنزلق لتجلس على المقعد بجانب اللورد زينزيلي.ابتلاع الرجل المعني شرابه، ثم ابتسم في وجهها.وقال: «الليدي أنغاراد.أتيتِ للحصول على وجبة منهم أيضاً؟» اعترفت: «لا أمانع.أهي مكلفة؟» لم يبق معها الكثير من المال، وبصدق فإن فكرة المال أصابتها ببعض الدوار.كم مر منذ آخر مرة دفعت فيها ثمن شيء؟ليس حتى أسبوعين، وبدا الأمر كأنه عالم كامل بعيد.«بلا تكلفة».توترت أنغاراد للصوت القادم من الخلف: لم تسمع أحداً يقترب.وحين التفتت، وجدت شاباً مذهل الشباب لا يزيد عمره عن السابعة عشرة يرمقها بملل خفيف.كان يرتدي مئزراً جلدياً فوق قميص قطني بني خشن – تونيك طويل الأكمام بأسلوب قديم – وشعره الأسود الأشعث يصل إلى كتفيه.لابد أنه لييرغاني، من سحنته، لكنها لم تستطع تحديد لهجته.قال الرجل: «كجزء من ميثاقنا مع الحرس، نقدم المأوى والطعام لجميع المتقدمين للاختبار فضلاً عن إدارة اختبار الأعشاب.أتريدين وجبة؟» أومأت أنغاراد ببطء.وسألت: «ما المتاح؟» أجاب الرجل بجفاف: «الوجبة.مع الجعة أو بدونها».أخبرها زينزيلي: «إنها جعة شعير يا تريديغار.أشياء إجرامية».لم يبدو أن ذلك يعيقه عن الشروع في الكأس الثانية.أجابت بمرح: «جعة الذرة هوس مالاني يا دوما.شعبي يصنع نبيذ الشعير كالبشر المتحضرين».بدا الساقي كأنه أي شيء سوى مهتم، فقال: «أنا متأكد من أنك تظنين نفسك مثيرة للاهتمام، لكني ما زلت أنتظر إجابة».طلبت أنغاراد وجبة بلا جعة، ثم تنحنحت.وسألت: «ما هو الترتيب للغرف؟» أشار الرجل بمهبشه نحو السلالم قرب المنصة: «عادة ما نقسمكم بين هنا و"النعش الدافئ" عبر البلدة، لكن لا يكاد يوجد منكم أحد هذا العام لذا ستصعدون جميعاً للأعلى.خذي أي غرفة تريدين، ثم عودي واطلبي مني المفتاح.توجد أرقام على الأبواب».أومأت أنغاراد: «شكراً لك».أطلق الساقي هحرة، ثم مضى.تساءلت بجفاف: «لا أظن أن مالك "النعش الدافئ" سيكون أكثر أدبا؟» قالت شاليني بعد أن ابتلعت لقمة كبيرة: «لقد أُغلق.سألت فيراندا حين سمعنا عن الوجبة».قالت أنغاراد: «يبدو صغيراً لإدارة نزل.حتى بالنسبة لبلدة حدودية».أجابت فيراندا: «لم نسأل عن ذلك.ومع ذلك، أجزم بأن للأمر صلة بالعباد المصلوبين أمام البوابات.تبدو البلدة برمتها على حافة، وربما تعرضوا لهجوم مؤخراً».بدا ذلك منطقياً للغاية، فكرت.مع انهيار التربة الذي دفن حامية الحرس قرب الجبل، ربما اعتبرت طائفة العين الحمراء الأمر فرصة مواتية لمحاولة غارة على كانتيكا.وهذا يفسر أيضاً قلة الناس الذين رأوهم في الشوارع.عاد الساقي بوجبتها: نقانق، وبازلاء، وشرائح لوز.شكرت الرجل، سالتة عن اسمه، فرفع حاجبها كرد وحيد.قال زينزيلي بجفاف: «جربت ذلك أيضاً.ليس من ألطف الرفاق، هذا».أطلقت شاليني، التي أنهت صحنها بالكامل وشرعت ترمق صحن جيرانها، نخرة.قالت السوميشوارية: «قد لا يرى جدوى من التودد حين يكون الاختبار قادراً على قتل أي منا».استخدمت فيراندا شوكتها الخشبية بتكتم لتفرغ غالبية بازلائها في صحن شاليني، مبتسمة بفوز للمرأة الأخرى حين التفتت شاليني لترفع حاجبها، لكن المزاج الكئيب الذي أثاره تذكير اختبار الأعشاب لم يتبدد بهذه السهولة.وافقت أنغاراد: «إنه أمر دموي».قال اللورد زينزيلي: «وهو ما يأتيبنا الآن إلى شواطئنا لتعلمي من سنسمي».قالت: «هذا ذو أهمية ما، لكن همي الأكبر هو التأكد من أين سنقف».نظرات مفاجئة.قالت أنغاراد: «باستثناء مفاجأة أو معجزة، سيموت توپوك شيكال مع الصباح.وسؤالي لكم هو هذا: أسيستمر الاختبار إلى أبعد من ذلك؟» تبادل الثلاثة النظرات، وشعرت مجدداً بوخز الحسد لمدى تقاربهم الآن.قبل أيام قليلة كانوا غرباء.قال زينزيلي ببطء: «ظننت...أنك ستتمنين جولة ثانية فقط ليتمكن اللورد أغوستو من السير في أعقاب شيكال».هزت أنغاراد رأسها.قالت بجمود: «يمكنني قتل من أشاء بنفسي.لست بحاجة لاختبار ليفعل ذلك عني».كان القسم الذي أمدته للعمدة كريسبان مباشراً: ألا ترتكب أي عنف ضد المتقدمين أو أهل البلدة أثناء ضيافتها في كانتيكا، ما لم تهاجم أولاً.واللحظة التي يغادرون فيها البلدة فلن يكون الإنفانثون محصناً بعد الآن.قالت الليدي فيراندا بتردد: «هذا...لشرفك».قالت شاليني: «لست وحدك من لديه أحقاد لتتم تسويتها يا تريديغار.وضع رأس توپوك على رمح لا يحتاج لبيع، وأغوستو يمكنه أن ينال إلغاء حقوقه في التنفس، لكن ما زال هناك قاتل طليق وأريد أن أرى وجهها ينال العدالة».تصلبت أنغاراد.وسألت: «هي؟» قالت شاليني: «حاولت ياريتزي قتل إيشيان في الطريق إلى قلعة المعبد.قد لا تصدقينني، لكني رأيت ما رأيت.أود وضعها في قفص لأجل ذلك، ثم في قبر».سألت أنغاراد: «ألديك دليل على أنها قتلت جون وأينيس؟» أقرت شاليني: «لا، لكن كم أفعى يمكن أن تتواجد بيننا حقاً؟» تنهدت فيراندا.قالت المرأة ذات الشعر الفاتح: «أنا لا أوافق، ولم أصوت وفقاً لذلك.ما زلت مقتنعة بأن آخر كان وراء الوفيات، متمثلاً بدمى متحركة.لقد سمعت...إشاعات عن ياريتزي، ومع ذلك، تثير الريبة».قالت إيزابيل إن «ياريتزي» كانت أقصر بقدم مما يفترض بها أن تكون.لم تبدُ فيراندا معولة بقوة على كلمات الإنفانثونا الأخرى، لكنها لم ترفضها أيضاً.رفعت أنغاراد حاجباً في وجه زينزيلي، تاركة السؤال ضمنياً.أقر زينزيلي: «بالنظر للوراء، أجد بعض سلوكياتها أثناء اختبار الخطوط غير معتادة.كانت معتادة جداً على الخشونة بالنسبة لدبلوماسية، ورغم أنها نسجت صداقة مع أياندا إلا أنها أظهرت أسفاً ضئيلاً عندما أخذها العباد».ألفت شاليني نظرها بعيداً عند ذلك.كانت هي وإيشيان قد رفضتا مطاردة فرقة الحرب لاستعادة عشيقة زينزيلي، حسبما علمت أنغاراد.لربما كان ذلك القرار الأسلم، لكن بدا أن المعرفة المتنامية بزينزيلي دوما كانت تضفي ظلالاً من الفروق الدقيقة على ذلك القرار بأثر رجعي.فسألت: «أأنتما الاثنان مصممان إذن على متابعة إعدام ياريتزي عبر جولة ثانية؟» أومأت شاليني بحسم.وتابع زينزيلي الحذو بعدها بنبضة قلب.ذكرت بهدوء: «سيكون هناك موت في كل جولة، وثلاثة منا في الأقفاص في كل مرة.قد لا تجدان الدعم الذي تبحثان عنه قبل أن تتراكم جثث كثيرة».همهمت فيراندا.وقالت: «سؤال من الأفضل إعادة زيارته غداً.بمجرد أن يموت توپوك، يمكننا تقرير إلى أي مدى سيُدفع الأمر».بدت شاليني متمردة لكنها صمتت.وبتوافق غير معلن تحولتا إلى حديث أخف بينما كانت أنغاراد تلتهم وجبتها، متخمة الطعام الباهت.كان الجوع أفضل توابل.وانزلق آخرون للداخل كما فعلت، فرادى أو مثنى.وجد كوزمي، المغطى بالضمائر حديثاً، طريقه إلى الطاولة ليشاركهم نبأ شحذ يونغ – فقد كان برصاصة في ظهره يجب إزالتها – وقد لا يكون منتصباً غداً.ووقت أن أنهت أنغاراد وجبتها، كانت حالات الغياب أكثر لفتة للانتباه من الحضور.فباستثناء يونغ، كان ثلاثة غائبين فقط.توپوك، لان، وأغوستو.بالانفصال عن الثلاثة، التقطت أنغاراد سيفها وصعدت للأعلى لاختيار غرفة.أدت السلالم إلى ممر صغير يشكل حرف L عريضاً، فوجدت أن طوله الأكبر يواجه الشارع.وبين الجانبين كان هناك نحو عشرين باباً مرسوماً عليها رقم وكلها مفتوحة باستثناء الثلاثة الأقرب للسلالم.ظنت البيردورية أن هذه ستكون مغلقة أيضاً، لكنها لم تتحقق.بل نظرت حولها بحثاً عن الغرفة الأكثر راحة، آملة في مرتبة قد لا تكون محشوة بالقش.ولم تكن الوحيدة التي تراودها مثل هذه الفكرة.سأل برون، وما زالت شفتاه ترتعشان بابتسامة: «نقارن الغرف، أليس كذلك؟» بدا الساكرومونتي الأشقر متعباً، ممسكاً بحقيبته برתخاء، لكنه ظل ثابتاً على قدميه.اعتاد الأمر على هذا النحو معه.اعتراف أنغاراد: «القش في كل مكان، حتى الآن.أوجدتم شيئاً؟» وقال: «المراتب ذاتها، وأتوقع أن علينا التخلي عن الأمل بشأن ذلك.لا نوافذ في أي مكان، لكن الغرف الثلاث في الزاوية تضم خزانة ملابس إضافة إلى طاولة بجانب السرير.يبدو ذلك قمة الرفاهية هنا».تنهدت أنغاراد.أفضل من لا شيء، افترضت.شق الاثنان طريقهما عائدين متخطيين السلالم، منعطفين عند زاوية حرف L إلى الجزء الأصغر من الممر.وبينما ترددت هي، سبقت برون باحتلال الغرفة الوسطى من الغرف الثلاث وألقى حقيبته على السرير.منزعجة قليلاً، مرت بجانبه وأخذت الغرفة في أقصى نهاية الممر.كُتب الرقم إحدى وعشرين باللون الأبيض على الباب، وهو المفتاح الذي ستحتاج لمطالبته.كان برون في انتظارها بالممر عندما خرجت.وسأل: «أأكلتِ بعد؟» أومأت.قال برون: «عار.أكان طعماً جيداً؟» سألت بجفاف: «أتحب البازلاء؟» أجاب الرجل الأشقر بمرح: «أكثر من حبي للمجاعة».فأخبرته أنغاراد: «إذن أتوقع أن تشبع بما يكفي».لم تستطع إجبار نفسها على مدح أفضل، إذ لكان ذلك قريباً بشكل خطير من الكذب.عادا نازلين معاً، مصادفين ياريتزي صاعدة في تلك الأثناء.وبما أن السلالم كانت أضيق من أن تحتمل اثنين، فقد تراجعت الإيسكالية ببساطة لتفسح المجال، بينما صعد برون مجدداً ليفسح لها المرور بدورها.شكرت أنغاراد المرأة الأخرى بإيماءة، لا أكثر.نظراً لاحتمال أن تكون «ياريتزي» محتالة ما، فمن الأفضل الحفاظ على مسافة.وحين طلبت مفتاحها من الساقي، كانت امرأة سوداء الشعر في الثلاثينيات من عمرها – وملابسها عتيقة كالشاب – في انتظارها.فعرفت نفسها: «أليكس.أنا أدير شؤون العمدة كريسبان.أنتِ أنغاراد تريديغار، أليس كذلك؟» أومأت أنغاراد مؤكدة.قالت أليكس، ملقطة طباشير ولوحاً: «إذن أحتاج لثلاثة أسماء منكِ».بعد ومضة تردد، أعطتهم إياه.توپوك شيكال، أغوستو سيردان، وكوزمي أفلور.بعد الجولة الأولى وموت توپوك لم ترَ أنغاراد حاجة لمواصلة هذا الاختبار الشرير، لكن ذلك لم يكن في وسعها لتحديده.ربما أمكن إجراء محادثات غداً، بعد الإعدام.وبعد صعودها لإغلاق بابها، وعند عودتها للغرفة المشتركة وجدت أن سونغ كانت جالسة مع ساراي وفيراندا التي بدا عليها التردد – وهو أمر قررت أنغاراد ألا شأن لها به.فانطلقت نحو الشوارع عوضاً عن ذلك، وكانت قدماها تحكان للحركة رغم إرهاقها.فلن يُسمح لهم بالخلود إلى غرفهم حتى يعطي الجميع الأسماء الثلاثة على أي حال.كانت كانتيكا أصغر مما ظنت.فنزلان كبيران، «الراحة الأخيرة» و«النعش الدافئ»، ابتلعا جزءاً لا بأس به من الغرفة داخل المنطقة المحاطة بالسور وحلقة المصابيح.وباقي الأماكن كانت بيوتاً خشبية خشنة – وكل مصاريعها مغلقة، ولم ترَ أنغاراد سوى القليل من أهل البلدة في الشوارع – وحفنة من المتاجر.كان أهل كانتيكا مهذبين لكنهم بعيدون، وأغلبهم لم يكلف نفسه عناء الرد على التحية بأكثر من إيماءة مقتضبة.ولم تكن المتاجر تستحق النظر كثيراً أيضاً.متجر عام شبه فارغ وحدادة كانا متداخلين، بينما صانع خبز وخباز أسفلا الشارع شكلا بقية «الشارع الرئيسي» للبلدة.وجدت أنغاراد لان جالسة في الزقاق قرب المخبز، متكئة على صندوق وهي تمزق رغيف خبز أسود.وعلى حين غرة، سعت نحو المرأة الأخرى.قالت أنغاراد: «توجد وجبات دافئة في الراحة الأخيرة، كما تعلمين».ابتسمت التيانكسية زرقاء الشفاه.وقالت: «لكنك لا تستطيعين التحرك أثناء أكل تلك.وهناك الكثير لرؤيته في مكان كهذا».رفعت أنغاراد حاجبها بشيء من التشكك.«أهناك حقاً؟» همهمت لان.وسألت: «كم عدد الناس الذين تظنينهم يعيشون في بلدة بهذا الحجم؟» رمشت أنغاراد.وخمست: «حوالي مئتين أو ثلاثمائة».قالت لان: «أرجح قرب الأربعمائة أو الخمسماة.لكنك في النطاق الصحيح.كم عدد هؤلاء الذين رأيتهم في الشوارع؟» استرجعت أنغاراد ذكرياتها، عابسة بقطبة.وقالت: «أقل من خمسين.ولا أطفال».قالت لان: «من البديهي إبقاء أطفالك بالداخل حين يكون لديك دزينة من المجانين المدججين بالسلاح طلقاء، لكن لماذا قل من هم خارج المنازل والتجوال هو ما يثير فضولي.أظن أن الأمر يتعلق بالمصابيح».رمشت البيردورية، واضعة القطع ببعضها.وسألت مذهولة: «أتظنين أن المجوفين يعيشون هنا؟» قالت لان، قاطعة قضمة من الخبز ومبتلعة قطعة منه: «أظن أن بشراً يعيشون هنا، وأنهم يحتفظون بعبيد مجوفين.أتعرفين الكثير من المزارعين الذين سيخرجون إلى هناك لحراثة حقل حين يكون العباد طلقاء؟يرجح أنهم يستخدمون من يسهل الاستغناء عنهم.والحرس يتيح ذلك، لأنه إن كانت كانتيكا تحقق ربحاً فيمكنهم جني أموال ضرائب من هذا المكان».ابتلعت أنغاراد لعابها.وقالت: «والآن بعد أن أُضيئت المصابيح، يبقى المجوفون بالداخل حتى لا يؤذيهم لمس التوهج».أومأت المرأة الأخرى.اعترفت لان: «مجرد تخمين.لكني أجد مثيراً للاهتمام حقاً أنه بالكاد يوجد منزل في هذه البلدة مصاريعه مفتوحة سوى المتاجر – الأجزاء الغنية، الأشخاص الذين يملكون المال – وهي مفتوحة وملاكها متواجدون.إنها ترسم صورة».لقد فعلت، فكرت أنغاراد بتجهم.لم يكن الحرس يمارس العبودية، لكن كانتيكا لم تكن عُش الغربان.لقد كانت مستعمرة بميثاق، وإن كانت القوانين متشابهة لتلك في مالان فستكون هذه البلدة أشبه بدولة تابعة تدفع الجزية.ليست، بدقة الكلام، جزءاً من الحرس أو أراضيه.عضت أنغاراد: «ألم يكن هناك جزء واحد من هذه الجزيرة المنحوسة لا يعج بالأسرار الشريرة حتى حافته».رمقتها لان، ويبدو عليها التسلية: «إذن لن تهمك ما سمعته صدفة وأنا أراقب صديقنا أغوستو».رمشت أنغاراد.وسألت ببطء: «لماذا كنتِ تتبعين أغوستو؟» أجابت لان بمرح: «لأن توپوك قال إنه سيقتلني ويجعل الأمر يبدو كحادث.لقد أضعت أثره بشارعين، قرب متجر الجزار».تأملت أنغاراد المرأة الأخرى وهي تواصل تمزيق رغيف الخبز، منقسمة إلى حد ما.فمن جهة، كانت لان خفية تطلع على شؤون الجميع الخاصة وتعبث بحقائبهم لدى أدنى عذر.ومن جهة أخرى، كانت واضحة جداً بشأن ذلك وبشبيبتها المرتزقة عموماً لدرجة جعلت أنغاراد تعجز عن اعتبارها خفية حقاً.إن أخبرتك أفعى أنها أفعى وأنها ستعقك، ثم شرعت في عقك بالطريقة ذاتها التي أخبرتك بها، أيمكن اعتبار ذلك خيانة بحق؟تنحنحت أنغاراد.وقالت: «أرجوك، أما لي أن أسمع ما كان يفعله أغوستو؟» إن كانت المرأة الأخرى قد أثارت الأمر، فإنه يستحق السماع.قالت لان بسهولة: «بلا مقابل، بما أنك طيبة.لقد كان فتاننا يتحدث مع حراس البلدة قبل قليل، سائلاً عن بوابات كانتيكا.وأكثر دقة عما إذا كانت هناك طرق أخرى للدخول أو الخروج من هذا المكان».ضاقت عينا أنغاراد.«أهناك طرق؟» قالت لان: «لم أسمع إجابة الحارس.لكنني أظن أن سيادته قد رأى الكتابة على الجدار بالنسبة لاختبار الأعشاب، والآن يريد الفرار قبل أن يفقد رأسه».فكرت أنغاراد بقسوة أن ذلك كان مرجحاً بش
كل مقيت من جانب الرجل.قالت بجمود: «ربما يجدر بي إلقاء نظرة على مكانه إذن».قالت لان، عاضة الخبز: «حظاً سعيداً في ذلك.وأنا أعنيها.يمكنك شم الجنون على ذلك الفتى، وليس حتى النوع الممتلئ بالتسلية».ولكونها غير متأكدة تماماً من كيفية الرد على ذلك، أبقت النميلة وجهها خالياً من التعابير وقدمت أكثر وداتها تأدباً.ولم تبدُ لان إلا أكثر تسلية، رغم أن عينيها كانتا بعيدتين بالفعل.استطاعت أنغاراد التمييز بأن التيانكسية لم تنتهِ من استنشاق أسرار كانتيكا بعد.-- لم تجد أغوستو في الوقت المناسب.لقد جعل الإنفانثون نفسه شحيح الوجود، ولم يكن توپوك بجانب متجر الجزار حين مرت بالقرب.
في الحقيقة لم يكن لديها وقت طويل للتجوال، إذ اعترضها حارس للبلدة في الشارع وأمرها بالعودة إلى الراحة الأخيرة.قالت أنغاراد بأدب: «أيمكنني السؤال لماذا؟» أجابت المرأة: «الأصوات قد اكتملت.الأسماء والأرقام موجودة على اللوح بجانب الباب.وما إن يراها الجميع حتى يُسمح لكم جميعاً بالخلود للنوم».ورغم أن أنغاراد اعتقدت أنها تعرف النتائج سلفاً، إلا أنها ظنت أنه لا ضرر من إلقاء نظرة قبل الانطلاق للبحث عن أغوستو مجدداً.وفوق ذلك، قد يكون من الممتع رؤية الأرقام.شكرت الحارس وخطت بجدية عائدة، فوجدت أغلب رفقتهم في الشارع يتأملون لوحاً بارتفاع ستة أقدام.كانت الكتابة بذات خط مساعدة العمدة – أليكس، أكان كذلك؟تخطت أنغاراد زينزيلي لتقترب من اللوح، ملاحظة من طرف عينها أن سونغ كانت هناك وبدت قلق.لماذا؟كشفت نظرتها إلى اللوح أن أحد عشر من أصل أربعة عشر قد سموا توپوك، واضعين إياه في صدارة القائمة.وكان ذلك، في الحقيقة، أقل مما توقعته.وكان أغوستو ثانياً وقد سُمي عشر مرات، وهو ما بدا معقولاً لها.ورأت اسم كوزمي في المركز الثالث، لكنها رمشت هنا.خمس مرات.لم يُسمّ إلا خمس مرات.والاسم تحته كان «أنغاراد» مخطوطاً بخط مشوه وإلى جانبه أربعة.أدركت البيردورية بوهن أنها كانت على بُوت صوت واحد من الانتهاء في قفص.طوال هذا الوقت في الحديث مع الآخرين ولم تلاحظ أبداً أنها كانت تستقر على حد السكين.وتحتها كان تريستان قد سُمي أربع مرات أيضاً، وهو ظلم آخر، ثم وبشكل مفاجئ سُمي برون ثلاث مرات.وكون ياريتزي مسمات ثلاث مرات كان أقل إذهالاً، لكنها تفاجأت بأن الاسم الأخير في القائمة كان سونغ – مسمات مرتين.ربما كان على أنغاراد محاولة مطابقة الأصوات بالوجوه، لجمع الأمر ببعضه، لكن عينيها ظلتا تعودان إلى اسمها مباشرة تحت اسم كوزمي ومدى اقترابها من إرسالها إلى القفص عوضاً عنه.وشعراً بالنظرات العالقة على ظهرها، احمرت البيردورية خجلاً.أربعة أصوات، يا ملك النوم.أغوستو وتوپوك كان بإمكانها فهمهما، لكن من أساءت إليه آخر ليستحق مثل هذا التقليل؟أكان كوزمي بوجهين ليتوسل رحمتها وفي نفس النفس يحاول حشرها في قفص؟تشنج فك البيردورية.ربما كان كذلك.وما زال ذلك يترك واحداً آخر بين الأربعة عشر أراد وضعها للعرض كحيوان بري، دون أن ينطق بكلمة في وجهها.وتعكر مزاجها بشكل ملحوظ، فتجاهلت صراخ سونغ منادية إياها ومضت متباعدة.فغياب الرفقة سيفيدها بحق.دقيقة أو دقتان من التجوال بتجهم يكفي ليفسح أهل البلدة لها مجالاً واسعاً هدأ من روعها، بما يكفي أنه حين لمحت ظلاً مألوفاً لم تتجنبه.فتريستان، بعد كل شيء، كان يحمل أيضاً أربعة أصوات لاسمه.ولم تكن تؤمن بأنه يستحق تشهيراً أكثر منها.كان الرجل الأشعث متكئاً على جانب منزل، رأت أنغاراد عندما اقتربت، وناظراً إلى أحد مصابيح الشوارع الشاحبة التي كانت تطوق البلدة بأكملها لتبعد الليمور وتزرع الخوف في قلوب الظلاميين.ألقى الرجل نظرة خاطفة عليها وهي تقترب، مقدماً إيماءة مهذبة ردتها له.فسألت: «أتفتقد الديار؟لابد أنه كان تغييراً هائلاً، مغادرة ساكرومونتي للمرة الأولى».أجاب تريستان: «توجد مصابيح أقل في أجزاء مدينتي مما تظنين.لكني أقر بأن في الأمر شيئاً يحن للماضي».تضايقت شفتاه.«هذه هي ذاتها بالضبط مصابيح الشوارع التي يستخدمونها في الميرك».لم تكن أنغاراد طويلة المقام في ساكرومونتي، لكنها طوية بالقدر الكافي لسماع شيء عن هذا الميرك.عشوائيات المدينة، رغم وجود إشاعات برية وملونة عما يدور هناك.رفعت حاجبها للرجل، إذ لم يبدو هذا تفصيلاً يستحق التحديق.قالت أنغاراد: «أتخيل أنهم يستوردونها من ساكرومونتي.فهي المدينة الأقرب للجزيرة وللحرس روابط عتيقة بها».أوافق تريستان الرأي: «ظننت ذلك أيضاً.فقط، يا تريديغار، تلك المصابيح في حالة بكر تماماً.توهجها مثالي».فسألت أنغاراد: «وماذا يعني ذلك؟» قال تريستان بهدوء: «إما لا شيء على الإطلاق، أو أننا في ورطة خطيرة للغاية».