إنّ ما يُميّز الضّعف هو أنّه يخلو تماماً ممّا يُجمله.كان الجميع في ساكرومونتي يعشقون حكايات الشطّار الجيّدة؛تلك القصص التي ينجو فيها أشخاصٌ سوقيّون ومشبوهو الأصل بفعلتهم أمام أسيادهم، ويحتالون على التّجار الجشعين ليسلبوهم ثرواتهم، ويخدعون النّساء المغرورات والنبلاء المتعجرفين ليذيقوهم مرارة الإهانة.ولم يكن هذا الشغف محصوراً في حدود الميرك أو حتى الحي القديم؛بل كان «الإنفانزون» يحبّون أغاني الجرذان وقصائدها كبقيّة أهل المدينة، غير أنّ ابتساماتهم كانت تكتنفها دائمًا مسحة خبيثة من السخرية.لأنّهم أدركوا أنّ تلك القصص ما هي إلا حكايات؛وحين ينتصر صعلوك ذكيّ في هذه الروايات لأنّ حياة الشوارع علّمته الدهاء، فما ذلك إلا لأنّ النّاس يودّون لو كان ذلك حقيقة.أمّا في العالم الذي يعيشون فيه، فالصعاليك الأذكياء يُقبض عليهم، وتُخترق رؤوسهم بالرصاص، وتُلقى جثثهم في القنوات المائيّة.لم يكن للفقر والجوع والخوف أيّ معنىً نبيل، ولا غايةٌ أسمى تُرتجى منها.لم يكن الضُّعف اختباراً في آخره مكافأة، بل كان ضعفاً فحسب.وكان تريستان ضعيفاً.ولن يهرب من تلك الحقيقة، ففعلُ ذلك لن يقودَه إلا إلى حُتفه.كان سيحتاج دوماً إلى ذلك السلاح الخفيّ: السّمّ والخنجر، الكذبة والخطوات الهادئة في العتمة.ظلّ دوماً ذلك الجرذ الذي يتسلّل بين أحذية الرِّجال.وكاد ينسى ذلك في غمرة هذه الاختبارات، بعدما حقّق انتصارات تافهة كثيرة، ونال قدراً مفرطاً من الاحترام في أعين الآخرين.غير أنّه استيقظ من ذلك الحلم، ورغم قسوة ذلك الاستيقاظ، إلا أنه كان ممتناً للملازم فاسانتي بسببه.لا شَبيه كمساومة المرء على تخفيف معاملته لتصبح تعذيباً ليذكّره بمكانه الحقيقيّ في مراتب هذا العالم.ومع ذلك، عاش تريستان، واشترى طريقه للخروج من القبر مرّة أخرى، وعليه الآن أن يضمن عدم إلقائه فيه مجدّداً متى ظفر أعداؤه بما يريدونه منه؛متى انتفى نفعه وزالت أسباب إبقائهم الأصبع بعيداً عن الزّناد.وفي العتمة التي سبقت استيقاظ البقية، وبعد قسط ضئيل من النّاموس اختطفه من جسده المكدود والموجوع، راح الجرذ يحفر خطّةً على جدران عقله.ماذا يريد؟أن يعيش.وأن يُبقي طاقمه حيّاً إن استطاع؛مريم أولاً، ثمّ البقيّة.تحت الضوء الشاحب، ربّما خجل من تلك الحقيقة القاسية، لكنّه، وحيداً في الظلام مع ألمه، لم يشعر بوخزة ذنب واحدة.سيؤجّل ذلك إلى أن يزول طعم الدّم من فمه.ثانياً، يجب أن تموت فاسانتي أو تُجبر على الخروج من اللعبة.ينبغي وضع تلك الملازم العجوز في موقف تَعجز فيه عن النيل منه بعد الآن، حتى لو حرقت كلّ مراكبها الأخيرة لتوجيه ضربة أخيرة إليه.لقد حاولت بالفعل قتله مرّتين، وكان كرهها لأبويلا سيعميها ويدفعها للمحاولة مجدّداً، حتى لو لم يساعدها تريستان بطريق غير مباشر على لِفّ حبل المشنقة حول رقبتها.طلبان اثنان كافيان.المزيد منهما سيكون طمعاً يشتّت تركيزه.إذن، ما الذي يعترض طريقه؟المَلِك الكامن في العمود.والملازم وين، الذي لن يتحمّل أيّ عنف ضد أصحاب العباءات السُّوداء ما لم يُرتكب بيد القانون.وفاسانتي نفسها التي لا بدّ ستخرب عليه إن استطاعت – إلى أن تجد ما هو أسوأ تفعله.ويون، الذي سينقلب عليه لو كان بيع جلد تريستان يضمن له الوصول إلى الاختبار الثالث وإبقاء زوجه حيّاً.مريم؟كلا، فمطالبها تأتي بعد اختبار الأعشاب.إنها عونٌ له.أمّا فرانشو فسيقتل كي ينجو، وربّما قتل للتّسلية أيضاً، غير أنّه كأغلب من عرفهم تريستان طوال حياته.على كل حال، سيغدو عقد العجوز أهمّ بكثير من بندقية يون ورُقى مريم.كانت هناك أهوال أعظم تلوح في الأفق؛الفم الأحمر وقسمه لوين وكل ما ينتظر وراء اختبار الأعشاب، لكن هذه لم تكن مهمّة.قبراً فقبراً.تقلّب تريستان في سريره، وعيناه الرماديتان مفتوحتان ترمقان الحجر فوقه.لم يكن وحيداً؛فورتونا التي كانت جالسة إلى جانبه قرب الجدار بفستانها المنسدل كبركة حرير عند قدميها، كانت تؤنسه في صمت.فكر، وهو يتأمّل ملامحها لمدّة نفس واحد، بعينيها الذهبيّتين تحت تاج ذهبي؛كلوحة تحولت إلى حقيقة.ثمّ عاد بصره إلى الحجر، بينما كانت المخالب داخل عقله تحك الجدران.بقي على تلك الحال مطوّلاً، وجسده ينبض بألم خافت، إلى أن تبدّت له بوضوح كيف تترابط القطع ببعضها.وحينها فقط أغلق الجرذ عينيه.«كي أنضمّ إلى بلاط القطط»، غنّى تريستان أبراسكال بهمس وهو يبتسم.وتسلّل النّاس إليه خلسةً.-- في ساعات الصباح الأولى، وقبل أن يستيقظ الآخرون، أُعطي تريستان كفاً صغيراً من السّمّ الأبيض الحليبيّ.لم يكن يبدو هكذا حين يُباع في الشوارع.فالشاي الأسود الذي تقدّمه العصابات في أوكارها كان داكناً على قدر ما يوحي به اسمه، أما صبغة سوكورو – ذلك العقار المعجزة المزعوم الذي يُزعم أنه يشفي كل شيء بدءاً من السعال وحتى العجز الجنسيّ – فكانت حمراء تميل إلى البنيّ.كان كلاهما ممزوجاً بمواد أخرى، لا سيما سوكورو، التي ادّعى كلّ دجال وساحر شوارع من الميرك وحتى البستان امتلاكه لوصفة عائليّة قوية خاصة بها.غير أن الأمر كان يعود في النهاية إلى نبات واحد: الخشخاش.رأى تريستان ثمار تلك البراعم وهي تُفرغ جوف الكثير من الرّجال لدرجة تجعله لا يثق بها أبداً، لكنّه أجبر نفسه على شرب المستخلص على أي حال.لم يترك الأوغاد سوى القليل من الآثار الظاهرة أثناء نقاشاته مع الملازم فاسانتي، إلا أنه تعرّض لضرب مبرح وما زال جسده يشعر بآثاره.وإذا أراد التحرك بالطريقة التي يتطلبها الأمر، فعليه معالجة هذا الألم.ومن هنا جاء مستخلص الخشخاش.صحيح أنه لن يعوّض الأرق الكامن خلف عينيه والذي يشد أفكاره يمنة ويسرة، لكنه سيتكفل بذلك بنفسه.تلك الساعات القليلة المتصلة والمتقطعة من النوم التي خطفها بعد وضع خططه ستكفيه حتى يتمكن من الانهيار.قال طبيب الحراسة، وهو يداعب لحيته الخفيفة: «أنا أُحذّرك من مزج الخشخاش بمواد صندوقك.رغم أنني أتوقع أنك أعلم بذلك».قال تريستان: «أنا أعلم».لم يَبقَ في الصندوق سوى صبغة القط الملتحي وتربنتين الطب على أي حال، ليس بعد وداع فانيسا الأخير.لقد نقل بالفعل القُوارير الأخيرة إلى حقيبته مع القليل من الإمدادات الطبية التي انتزعها بالحيلة من الحرس، متخلياً عن الصندوق نفسه باعتباره عبئاً ميتاً.ومَن يظن أنّه قبل أيام معدودة فقط قتل رجلاً من أجل كومة الخشب المكسور تلك.ما أسرع نفاد قيمة الأشياء، رغم أنه ما كان ينبغي لذلك أن يشكل مفاجأة.في ساكرومونتي، كانت الأرواح تُشترى دائماً بثمن بخس.أومأ طبيب الحراسة مودّعاً، ثم حزم عدته وغادر.حرك اللص كتفيه قليلاً متأوهاً من الإحساس، ثم التفت أخيراً ليقابل نظرة الرجل الآخر الحاضر؛الرجل الذي يحتاج لمسامراتته لكي يبدأ في رقع رقعة الشطرنج، ولحسن الحظ فهو نفسه من كان يود التحدث معه.من الأفضل البدء بذلك، ولو للاستزادة والمناورة.قال تريستان: «أردت كلمة؟».أجاب الملازم وين: «شيء من هذا القبيل».كان التيانكسي ذو الإطارات الذهبية لا يأكل لمرة واحدة.لربما عدّ ذلك نذير شؤون، لولا أن وين كان شؤماً بذاته بطبيعته.«إذن، أنا كلي آذان صاغية».تأمله وين مطولاً، ثم تنهد.وراح يعبث بجيب صدريته، مسحباً من داخله ساعة جيب برونزية قديمة مربوطة بسلسلة.كانت تحفة بسيطة لكنها جميلة، وما زالت تدق بديانة واجتهاد.سكن اللص في مكانه، فقد رأى هذه الساعة من قبل - وغالباً أثناء اختبار الخطوط.«تلك ساعة فانيسا».قال الملازم وين، وهو يرمي بها: «إنها هي».أصيب تريستان بالذعر، لكن حتى وهي مخدّرة، كانت ردود أفعاله أسرع من معظم الناس.التقط السلسلة ثم بقية الساعة، ورمى بنظرة داكنة باتجاه التيانكسي البدين.ولم يكن الحارس مهتماً على ما يبدو.قال الملازم وين: «إنها لك».عبس، باحثاً عن الفخ.«لماذا؟» أطلق الحارس نفخة استهزاء.قال وين: «لأن العجوز لا بد وأنها أفرغت مخازن أداوتك حين قتلت ذلكغشيم أزتلان.لقد مات ميتة سريعة وقبيحة».أخفى تريستان قلقه، رامساً الحيرة على وجهه عوضاً عن ذلك.«مخازني؟» تنهد الملازم، نازعاً نظاراته لينظفها بمنديل حريري ممزق أخرجه من كمه.قال وين بودّ: «كتاب (جرعات ألفارينو) قراءة إجبارية للمشفرين، أيها اللقيط المراوغ الصغير.أنا أعرف صندوق سمّ حين أراه».بلع تريستان ريقه.لم تكن هناك سوى أسباب معدودة ليدرك الملازم ذلك.«هل أنت...» سبق لوين أن تحدث بازدراء عن الأقنعة، لكن ربّما كان يفعل ذلك ليخفي آثاره.أجاب وين بامتتاع: «أتظنني مخبراً لو كنت من الكريبتيا؟» تنازل اللص عقليّاً معترفاً بأنها نقطة وجيهة.وتخلّص التيانكسي من الفكرة بتلويحة يد بعد نبضة قلب.قال وين: «لم أهتم يوماً بألعاب الخفاء والعباءات.أنا ابن بار للأرثاساسترا، نحن لا نشارك في تلك الصغائر».رف جفن تريستان ببطء.أكان يقصد جمعية الأرثاساسترا، حلقة الحراسة التي درّبت الدبلوماسيين؟قال، دون أن يخفى تشككه: «أنت لوري».أجاب الملازم وين بابتسامة تسلية: «مسار المؤرخين، لكي أكون دقيقاً.جمعيتنا تمتلك أوسع نطاق صلاحيات في الكلية بأكملها يا تريستان، نحن لسنا مجرد مترجمين ومفاوضين».بدا وين مطلعاً بشكل غير معتاد على تاريخ الحراسة.إلى ذلك، فحتى لو كان الرجل يكذب فلا أهمية تذكر لذلك.وحين انطبقت أصابعه حول الساعة، مستشعراً دقاتها الخافتة في الأسفل، حنى تريستان رأسه.قال: «شكراً لك».حدق الرجل الأكبر سنّاً مطولاً في وجهه.قال وين: «لقد ماتت ميتة حسنة.أحياناً يكون ذلك أقصى ما يمكنك أن تأمله».فكر تريستان: لا يوجد شيء اسمه ميتة حسنة.كلنا نتغوّط تحت أنفسنا ونُلقى في قناة مائيّة حين يبدأ العفن بالنتن.ليس هناك أي نبل في العفن يا وين؛إنه مجرد لحم كان بشراً يفسد.لكن فكرة ترك ساعة فانيسا في أيدي الغرباء بدت قلة أدب لسبب ما، لذا وضعها في جيبه الخاص.سيكون هناك وقت لربطها بشكل صحيح لاحقاً.أقر تريستان قائلاً: «لقد دهنتني بالزبد حقّاً.أفلنشرع في تناول الوجبة إذن؟» لاحظ وين بصوت يبدو مستمتعاً: «اختيار فقير للكلمات، في جزيرة لها تاريخ مع أكل لحوم البشر.لكن إن كنت مصرّاً».يا للآلهة، ألم يكن في هذه الجزيرة شيء لا يأكل البشر؟كان سيئاً بما يكفي أن يضطر تريستان للاعتماد على هذه الحقيقة من أجل خططه.وابتهاجاً منه بنظاراته التي بدت نظيفة إلى حد كبير حين بدأ في تنظيفها، أعاد وين إزلاقها على وجهه.جعلت عينيه تبدوان أبرد، بطريقة ما، لكونهما مؤطرتين بالذهب.سأل الملازم: «أما زلت تنوي المحاولة للصعود؟» صيغت كجملة استفهام، كخيار، لكن تريستان كان أعلم من ذلك.لم يمدّ له وين يد العون والحماية إلا مقابل تخريبه للآلة الأثيرية في الأعلى.وإذا تراجع عن كلمته الآن فستكون هناك عواقب.فكر قائلاً: المتاهة انتحار لنا على أية حال.لم يكن يون ومريم وفرانشو وهواة نفسه طاقماً جيداً بما يكفي للوصول عبرها حتى لو كانت لديهم فكرة ما عن طريق صالح للاستخدام.قال تريستان: «أفعل، لكن كلانا يعلم أن خطط فاسانتي الجديدة تعني وجوب تعديل خططي.لديّ هَمّ».الطعم.صرّح وين: «أنت تخشى أن تعثر على المصعد».أُخذ الطعم.فكر تريستان: أنا لا أخشى ذلك.إنها تظن أنها تملك الحل للبوابات الأمامية، وآخر ما تحتاجه هو المزيد من أصحاب العباءات السوداء القتلى.ستكون متدينة في التزامها بغرفة البلاط والمشي للخارج مباشرة.قال تريستان: «سيكون ذلك نهاية خططي.أحتاج لاتخاذ بعض الاحتياطات يا وين.ولكي أفعل ذلك، أحتاج إلى الوصول للعمود».عبس وين في وجهه.قال: «ليس هناك سوى مفتاحين من الحجر لذلك الباب، وفاسانتي تحتفظ بهما معها».ومن المستبعد أن تشاركهما حتى لو سُئلت بلطف.ولحسن حظهما، لم تكن هناك حاجة للتسول.صحّح تريستان: «هناك مفتاحان معروفان فقط للباب».لم يعثرا على الزر الحجري في حذائه.بِمَشِيش، رمش التيانكسي البدين، ثم أطلق ضحكة متفاجئة.استنتج قائلاً: «لديك مفتاح ثالث.إذن، ما الذي تحتاجه مني؟» قال تريستان: «للصعود إلى هناك دون أن يراني أحد.تنوي فاسانتي ضرب العمود مع إشراقة الصباح، لذا فمن المؤكد أنه تحت الحراسة الآن».وافق الملازم: «يمكنني تدبير ذلك.سأضع رجالي في أماكنهم، وأخبرهم بالنظر في اتجاه آخر».ثم ضيق عينيه من خلف تلك العدسات الزجاجية الرقيقة.وقال الملازم وين: «وسأفعل، إن أخبرتني بما ستفعله هناك يا فتى.لن أكون شريكاً في هجمات على رجال الحراسة».خط وين في الرمال.رافعة وين.«تعلّم ما يحبه الناس وستعرف كيف تحركهم»، همس صوت أبويلا في أذنه.كذب تريستان: «ليس لديّ ما يمكنني إيذاء الحرس به.أنوي فقط حشر القفل المكسور في الباب».تأمله الملازم، باحثاً عن الكذبة، ولن يجدها.كان عقل تريستان كباب بلا مفصلات؛كل شيء عابر يتلوى من خلاله، دون اعتبار للحاجة أو المنطق.وكأن التيانكسي كان يحاول قراءة دوامة مياه.قال وين: «منطقي.وماذا عن المَلِك في الداخل؟» ابتسم اللص بانتصار: «همّ آخر.وهو ما يقودني إلى طلبي الأخير».رفع الملازم وين حاجبًا فوق نظاراته.«يجب أن يكون هذا جيداً».قال تريستان: «أحتاج إلى...ساق بشريّة».وبالنظر إلى عدد الحرس الذين ماتوا وهم يقاتلون المَلِك قبل قليل، فعلى الأقل يمكنه الاعتماد على أن الإمداد سيتغلب على الطلب.-- رأت فورتونا: «كان يجب أن تطلب ذراعاً، لكان حملها أسهل».تجاهل تريستان كلامها بانتظام.لقد لمس الساق التي يحملها الآن ملفوفة بقماش في وقت سابق، ولاحظ أنها متفحمة نصف تفحّم، ومن المرجح أنها قُطعت من جثة على محرقة الجنازات الكبرى التي أقامها الحرس خارج القلعة القديمة - في نفس المكان الذي أُحرقت فيه إينيوني.لا بد أنهم لم يمتلكوا ما يكفي من الخشب لإبقائها مشتعلة لفترة طويل تحترق معها جميع الجثث لتصير رماداً.وحما كان أقرب الغابات مليئاً بعبدة الدماء المتعطشين، كان ذلك مفهوماً.ومع إعطاء وين بضع توجيهات، مُسح طريق اللص نحو سلم الحبال ولم يكن هناك من يحرس الدرج.جيد.لم يكن بوسعه تحمل أي شهود على هذا.فتح الزر الحجري الأخير الباب، وحالما انفتح أخذ المفتاح بسرعة قبل أن يحشوه في جيب.لم تسعَ أي أسنان لقضمه، لذا مضى تريستان قدماً في الجزء الأول من خطته: فرمى الساق داخل الغرفة.نادى: «العشاء جاهز».تمتمت فورتونا: «يا للهول، لقد صار هذا مظلماً حقاً».لقد أخبر وين أنه بحاجة إلى اللحم الميت لإخفاء رائحته وإبعاد المَلِك عنه.والحقيقة أنه كان يحتاجها لسبب عكسي تماماً: كان يحتاج المَلِك ليأتي، وكانت رائحة اللحم فرصته الأفضل لضمان ذلك.قال تريستان لفورتونا: «أحتاج منك مراقبة غرفة البلاط.اللحظة التي يقترب فيها، أخبريني».سيكون عليه إغلاق الباب في ومضة عندما يقترب المَلِك، إذ إنه شكّ في أن تقديم ساق سيمنع ذلك الكيان السماوي من محاولة التهامها.تأففت فورتونا: «لا أُريد البقاء وحدي في غرفة مع ساق ميتة».أكد لها تريستان بابتسامة فائزة: «لن تكوني وحدك.سيكون هناك أيضاً مَلِك قديم مرعب يحاول التهامنا».تشدقت سيدة الحظوظ الواهنة: «يا للغرابة، أتمنى فقط ألا يلطخ شيئاً على فستاني».فتح تريستان فمه، وهمّ بالسؤال عما إذا كان فستانها قابلاً للاتساخ حقاً – أو التنظيف – لكنه لمح وميضاً في عينيه وأغلق فمه بسرعة.كانت تحاول فقط استفزازه.ولا يعني ذلك أنها توقفت بعد ذلك، إذ تذمرت من كل شيء بدءاً من الإضاءة غير الجذابة وحتى الساق التي تواجه الاتجاه الخاطئ، لكنها على الأقل راقبت كما طلب منها.مرت الدقائق، الواحدة تلو الأخرى، وتوتّرت كتفاه.إذا لم يستطع التحدث إلى المَلِك، إذا لم يستطع الانضمام إلى بلاط ذلك القط...ولكن بعد مرور أكثر من نصف ساعة، قامت الساق بما وُضعت من أجله.حذرت فورتونا: «هناك صحبة»، ثم أمالت رأسها جانباً.«أوه، هذا يبدو شنيعاً».هربت إلى الجدار لحظة بعد ذلك، بينما كان الظلام يتسلل إلى الغرفة على خطوات هادئة.دفع تريستان الباب حتى أصبح على بعد عرض إصبع واحد من الانغلاق.شعر وكأنّه طفل يغلق باب الخزانة ليبقي الوحش بعيداً، لكن الوحش هنا لم يكن من صنعه؛فمن خلال الطول النحيل المتروك مفتوحاً، لمح المَلِك وهو يتحرك، كلّه حراشف داكنة لزجة تمر متجاورة عبر وميض من عيون صفراء.كانت الأسنان هي ما جعله يرتجف اشمئزازاً، رغم أنها كانت شبيهة بالبشر بشكل مذهل رغم أن حجم كل سن كان بحجم الكفّ.التهم المَلِك الساق الميتة دون صوت يُذكر.همست في أذنه: «لقد فقد ساقاً.لابد أنها كانت ذخائر ملحية، إنها لا تشفى».ومهما كان همسها طفيفاً، فقد سُمع مع ذلك.ضحك المَلِك بسخرية: «لقد تعلّمت الحشرات حيلًا غير متوقعة».كان صوته ناعماً وجميلاً، يكاد يشبه صوت مطرب.جعلك ترغب في الانحناء، في الاستماع بتمعن.صر تريستان على أسنانه.لم يُصنع الفم الأحمر وجبة منه، ولن يفعل هذا الكيان الأصغر أيضاً.جمع اللص نفسه، زافراً الهواء ومستقراً بظهره.قال بابتسامة: «يا مَلِك الأرض، أحييك».ضحك المَلِك - ذلك الكيان الزاحف البغيض - ضحكة كأنفانزونا رأت لتوّها قرداً صغيراً يقوم بحيلة ذكية.ترنم المَلِك: «آه يا تريستان، أتيت لاختبار، أم مثل تلك التي تقدمها الوحوش المقيّدة في الأسفل لتلك الأرواح الضائعة؟» اقترب، حتى صار نفَسُه الرطب والمنتن كهمسٍ عبر الشقّ.«اقترب وسأمنحك لعبة، أعدك بذلك».وكان الصوت، والطريقة التي تحدث بها، تجعله يبدو مغرياً رغم أنه كان جنوناً مطلقاً سينتهي حتماً بموته.قال تريستان: «أعترف أنني أكره لعب ألعاب الآخرين.ما جئت من أجله هو صفقة».ابتسامة تهكمية لم يلمح سوى لمحة منها، صفوف من الأسنان البيضاء فوق شفاه حمراء أكثر من اللازم.قال المَلِك بنعومة: «ما عليك إلا الاقتراب، وستحصل على كل ما تحتاجه».أخرجت فورتونا رأسها من الحدار.قالت بمدد نافع: «إنه يكذب، إنه سيكلك».تنهد تريستان.أجاب: «شكراً لكِ يا فورتونا».قالت بزهو: «فقط أحرص عليك».ظنّ أنه لو كان لديها ما يكفي من مدى لربت على ظهرها في ذلك الفستان لفعلت.لقد اقترب المَلِك أثناء ذلك التشتت القصير، ودس نفسه داخل الغرفة.بدأ بإغلاق الباب فتجمد.أهكذا إذن، إنه يريد التحدث حقاً.على الأقل طالما كان أكله عندما يزلّ على الطاولة.قال تريستان: «ليس لديّ اسم لأناديك به.هل تود تدارك هذا يا مَلِك الأرض؟» مط المَلِك شفتيه: «يا للأدب.يمكنك مناداتي بوريا».تلك الكلمة، ذلك الاسم، تَموج تردّد.وصَدَح.وحين سمعها تريستان، كل ما فكر فيه هو أنه ينبغي له الخروج.كان المَلِك يخدعه، لكنه كان جريحاً.ضعيفاً.ألم يتغلب من قبل على احتمالات أقسى من هذه؟سيكون التفاوض أسهل من هناك، وإذا انقلب عليه فستكون فطنته كافية لـ...انغرست الأظافر في راحته بينما كان اللص يتنفس ضحلاً.يكفي.أكفي؟هل امتلك يوماً في حياته ما يكفي في يده ليأتي النصر رخيصاً؟التفت إلى الداخل، وشحذ نفسه.قال: «أنت...مَلِك الغرور».راحت فورتونا تروح وتجيء بالمروحة، مسندة ظهرها إلى الجدار بجانبه، وبدت مستخفة.قالت: «النوع الذي يودي بك للهلاك.محدد للغاية».ضحك بوريا: «أمر مضحك، قادم من أمثالك».تأففت الملكة كقطة غاضبة.قال تريستان على عجلة قبل أن تتشاجر: «دعنا لا نغرق في الأعشاب.لست متأكداً تماماً من أن لديك وقتاً לכך يا بوريا.لديك مشاكل».سخر المَلِك: «ولا حتى لمس الوهج يمكنه تهدئتي للأبد.سأعود بكامل بهائي وآخذ ثأري ممن تجرؤوا على جرحي».قال تريستان: «آه، لكن من المرجح أن يأتي الحرس إليك أولاً.لقد اكتشفوا بعض أسرار هذا المكان».استخف بوريا: «وما ذلك بالنسبة لي؟» لم يجب اللص على ذلك فوراً.فكر أولاً في أنه بحاجة لكسر القشرة.تماماً كأكل السّرطان.قال تريستان: «ظننت أنك ربّما كنت الفم الأحمر لفترة، أم كنت كذلك؟بسبب لسانك وحلقك المخيف ذاك.لم أعرف يقيناً أنه غير صحيح إلا حين عدت البارحة وسمعت أن الحرس قد طردوك».لا شيء مخيف كالـمَوّ يمكن طرده ببندقياتي، بغض النظر عن كمية الملح المحشوة بها.وقد تأكد ذلك لاحقاً عندما رأى إسقاط الآلة على الجانب الآخر من العمود ومدى ضخامة ذلك الكيان.حذر بوريا: «أنت تختبر صبري».تابع تريستان، وهو غير مبالٍ: «لذا تساءلت منذ ذلك الحين...عن سبب وجودك هنا إطلاقاً».لم يجب المَلِك.قال تريستان: «أنت لست مقيداً بالنور الذهبي وقواعده وأنت في العمود، هذا صحيح.لكنك لست هنا بمحض إرادتك أيضاً، أليس كذلك؟أنت تتضور جوعاً يا بوريا.لا بد أنني كنت أول قطعة لحم طازجة تراها منذ قرون».صمت.حدق المَلِك به بصبر، بانتظار ثغرة.طريق لالتهامه.قال اللص: «الشياطين وضعتك هنا.بعد أن عبثوا بقواعد الآلة الذهبية، تقطعت به السبل داخلك في العمود وأغلقوا الأبواب، وهم يعلمون أنك ستكون جائعاً كلعنة للحم الطازج لدرجة أنك ستهاجم أي شخص يدخل ككلب حراسة جيد».فكر تريستان: تحول هذا الجبل بأسره إلى حفرة رمل للفم الأحمر.لقد خلقت الشياطين خختماً مؤقتاً بتكديس الملوك فوق المَوّ وإجبارهم على التغذية عليه من خلال القواعد التي فرضها النور الذهبي، وعندما طردهم الحرس من الجزيرة أغلقوا الأبواب خلفهم حتى لا يتمكن أصحاب العباءات السوداء عن طريق الخطأ من إلغاء ختمهم بالعبث بالآلة الأثيرية.ثم فقط ليتأكدوا من عدم تسلل أي جرذ محتال لإحداث المشاكل، رموا بملك جائع في الداخل ليأكل كل ما ينجح في العبور.سكن تريستان بينما تدفق الظلام، ليمتلئ الغرفة بأكملها على الجانب الآخر من الباب حتى لم يبق شيء البتة سوى الظلام وعين صفراء سمّية كبيرة لا ترمش.كان قريباً، قريباً جداً لدرجة أنه كاد يغلق الباب في نوبة خوف.سيطر على نفسه في اللحظة الأخيرة.قال تريستان: «ويخطر ببالي...أن هؤلاء الشياطين كانوا دقيقين.بل مرتابين تقريباً».التقى بتلك النظرة المرعبة التي لا ترمش.وقال: «وربّما فعلوا ذلك بحيث تكون هناك عقوبة للحارس في حال سُرقت الكنوز التي في الداخل».طوق لكلب الحراسة، إن جاز التعبير.جعل اللص ابتسامته ساطعة وعريضة.وقال: «لكن لا تقلق يا صديقي، فقد جئت لأساوم من طيب خاطر لمساعدتك على تجنب مثل هذا المصير البشع».خف الظلام.سأل بوريا: «ولماذا...يكون ذلك؟» كان يتنفس للداخل، كما لو كان يتذوق الهواء.قال تريستان: «قائدة أولئك الذين يخترقون العمود هي امرأة تريد موتي.أود ردّ الجميل».خف الظلام أكثر فأكثر، حتى رأى اللص مرة أخرى المخلوق الرهيب أمامه.أمر المَلِك: «تحدث».-- أغلق الباب، ولم يبق حتى أدنى شق مفتوح بينه وبين بوريا.سمح تريستان لنفسه بالترنح مستنداً إلى الحائط، مرتجفاً كمن في البرد، وأغمض عينيه بينما كان يجبر تنفسه على الاستقرار.سألت فورتونا بفضول: «والآن ماذا؟» شهيق زفير، حتى عاد الهدوء.مرت عشرة أنفاس أخرى قبل أن يفارقه أسوأ الخوف، وقبل أن يشعر بأنه مستعد للكلام.أجاب: «الآن نمشي نحو وين مرة أخرى، لكي توضع القطعة الأخيرة في مكانها».-- كانت الخديعة لجعل شخص ما يمنحك شيئاً مقابل لا شيء هي جعله يرى أن كل قرار آخر هو الأسوأ.لم تكن حيلة مضمونة بالطبع، فما المضمون؟أحياناً كان الهدف يرفض عناداً أو يتخذ قراراً أسوأ بسبب الخوف أو الغضب.لم يكن البشر هم الآليين في القصص، حيث يتخذون كل قرار بدقة ساعة ويختارون تخفيف الضرر بدلاً من غرس سكين في عدوهم في طريقه للنزول.ومع ذلك، فقد احتك تريستان بالملازم وين بما يكفي ليأخذ قراءة لائقة عن الرجل.كان الرجل السمين روحاً عملية، مهتماً بالنتائج أكثر من الوسائل، وكانت بوصلته الأخلاقية عشائرية كبوصلة أي رجل عصابة: هناك الحرس، ثم الجميع الباقون.لقد عبر تريستان ذلك الخط في الرمال، لذا حرص على الكذب على الرجل.زمجر وين: «ينبغي أن أمر بإطلاق النار عليك».في خبرته، كان امتلاك كذبة مقرفة كالحقيقة تقريباً يساعد كثيراً.عندما تقول لرجل إنك قتلت زوجته، فإنه لا يفكر عادة في التساؤل عما إذا كنت قد قتلت أطفاله عوضاً عن ذلك.هز اللص كتفيه: «لن يجدِ ذلك نفعاً.وهي فرصة، أليست كذلك؟لتفعل ذلك بشروطك الخاصة».كان التيانكسي ذو النظارات غاضباً لكنهما كانا يعلمان أن لا شيء يمكن فعله.أو بالأحرى أنه يمكن فعل أشياء كثيرة، لكنّها جميعاً بلا قيمة.وتريستان، رغم أنه قابل للإعدام بامتياز، كان لا يزال أكثر نفعاً حياً منه ميتاً.لقد كان ذلك كافياً.سخر وين: «فرصة لتنظيف فوضاك.الآن أحتاج للتحدث مع مانديسا».قال تريستان، وهو يعبث بكسل بساعة فانيسا: «لا تدعني أُبقيك».وأضاف بعد أن فتح الغطاء: «الساعة الخامسة والنصف».أغلقها بعناية.وأضاف اللص: «إذا غبت طويلاً، فقد تكون هذه آخر محادثة بيننا».سخر الملازم.وسأل: «أتمنحني وداعك الحلو أيها الجرذ؟لقد تأثرت».أومأ تريستان، لمفشأة الرجل الواضحة.قال اللص: «لا يمكنني القول إن لقاءك كان سروراً، لكنه لم يكن نحساً.لتكن أحوالك حسنة في السنوات القادمة».وكان يعني ذلك حقاً.كان الملازم وين وغداً وشبيهاً بالمتنمرين، لكن قسوته كانت أضحل من إحساسه بالواجب.ولو كان تريستان جزءاً من قبيلته، والأرواح التي تهم الرجل، لربما نما حبه له أيضاً.كلب الحراسة يحبه البيت، لا الشارع.رد وين بفظاظة: «لم تكن سوى كومة مشاكل.الجرذان دائماً هكذا، يستغرقنا سنوات لضرب الميرك من عظامها».ثم تنهد.قال الملازم: «مع ذلك، فأنت لست غير مناسب للعباءة، سأمنحك هذا.وعملك اليوم سيفرض خيراً، لذا أرهف سمعك».رفع تريستان حاجبًا، وبدا فضوله ظاهراً.تابع وين: «عندما تجد طريقك عبره، فكن حذراً إذا خرجت على جانب الجبل».«مشكلة؟» قال وين: «الكهوف على الجزيرة مقسمة إلى قبائل.أولئك الذين يسكنون الجبال هم أسوأ متعصبي العين الحمراء: يقتلون عند الرؤية وقد جمعوا حتى بعض البنادق مع البارود المناسب لها».والذي لا بد أنهم أخذوه من الحرس.بالقوة، إذ لم يكن أصحاب العباءات السوداء يتاجرون بالأسلحة للكهوف.أطلق تريستان صفيرة خافتة.قال تريستان: «بجاحة».غمغم التيانكسي: «أنت لا تعرف نصفها.إنهم يعلمون أنهم يستطيعون الذوبان مرة أخرى في مسارات الجبل بعد ذلك، لذا فقد هاجموا حتى القلعة التي تكوت كملاذ على الجانب الآخر.لقد اجتيحت منذ حوالي عقد من الزمان، وفُقدت كل الأيدي.أمر الكبار ببناء قبو تحتها ليكون هناك مكان للتراجع إليه إذا حدث ذلك مرة أخرى».أجاب اللص بجدية: «سأتأكد من مراقبة الأمور إذن.شكراً على التحذير».قال الملازم وين: «لا أُحتاج إلى شكر.أحتاج إلى كسر تلك الآلة.امضِ إليها أيها الجرذ».-- كان من المثير للسخرية السوداوية أن أتباع الملازم فاسانتي - البالغ عددهم أحد عشر حارساً فقط - تناولوا الإفطار مبكراً وكانوا يتلقون أوامر لضمان عدم السماح له بالاقتراب من قدر العصيدة المشترك.إرث فانيسا، هكذا تفكّر.كان ينبغي لملازم سوميشواري أن تعلم أنه لم يبقَ تقريباً أي شيء في خزانة سُمومها، بما أنها أمرت بتفتيشه، لذا فقد كان من الممتع بطريقة ما أنها لا تزال لا تسمح لتريستان بالاقتراب من أي مكان يوجد فيه طعام ستأكله هي.كم يجب أن تظنّه بارعاً، لتتحفظ من صنعه للسموم من العدم.بحلول الوقت الذي أنهى فيه طاقم فاسانتي طعامهم، كان طاقمه قد استيقظ واستعد.حجز الأربعة منهم طاولة على الجانب الآخر من المطبخ، وشغلوا أنفسهم بحديث متكلف وأكواب من شاي الأعشاب حتى ذهب أصحاب العباءات السوداء وأُذن لهم أخيراً بملء أوانيهم الخاصة بالمغرفة.أجبر تريستان نفسه على تناول وعائين، لكونه يعلم أنه سيحتاج إلى الحيوية.ورغم أن أصحاب العباءات السوداء هم من سيأخذون المقدمة، إلا أنه لم يتوقع طريقاً سهلاً.وحين وضع ملعقته بعد الوعاء الثاني كسر يون الصمت.قال التيانكسي: «حسناً، سأكون أنا من يسأل بما أن أحداً غيري لا يتقدم.بحق الجحيم الذي حدث الليلة الماضية يا تريستان؟» لخص باستهانة: «حاولت فاسانتي اتخاذي ككبش فداء لخطئها في العمود.فشلت في إقناع الحرس بشنقي، لذا اضطرت للاكتفاء بالاستجواب».بدا الاستجواب أفضل من التعذيب.عادة ما يعني نفس الشيء في خبرته، لكنه بدا أفضل.رفعت مريم حاجبها.«والذي أسفر عن؟» تنحنح تريستان.قال الجرذ: «سرق اللعين ريموند سيردان العلامة وأخفاها قبل محاولة تلفيق هذه الجريمة الشنيعة لي.وحالما اتضح هذا، استكشفا الملازم فاسانتي وأنا مكان الخفاء معاً ومسحنا اسمي».ابتسم فرانشو بلا أسنان، وهو يهز رأسه ويقهقه.قال الأستاذ العجوز: «يا له من وغد فظيع، ذلك الفتى.وماذا لو أعلن هذا الشخص البغيض براءته؟» قال تريستان: «سيكون ذلك خدعة كبيرة، إذ رأيت قطعة فولاذ صدئة عرضها بوصتان تخترق حلقه البارحة تماماً».كان من المستبعد جداً أن يكون أحد قد رآه يتخلص من سيردان، لكنه لم يكن مستحيلاً، لذا فقد جهز كذبة ثانية تحسّباً لأي طارئ.لقد نجا ريموند من جرحه في طريق النزول لكنه عجز عن المشي، لذا فقد طالب تريستان بحمله.وحين رُفض طلبه، حاول الإنفانزون إجباره تحت تهديد المسدس.وحين حاول تريستان المسكين انتزاعه منه، انطلقت رصاصة في العراك، لتضع حداً لحياة ريموند.كان ريموند سيردان نبيلًا، لذا كان من الطبيعي أن يرتجف تريستان من العواقب حتى لو كان موتاً عرضياً أثناء الدفاع عن النفس.وكان هذا هو السبب الوحيد لكذبه.على الجانب الآخر من الطاولة، كانت عيناك مريم الزرقاوان تفهمان ما يدور.قالت: «الأنفاق بعد غرفة العجلة، أليست كذلك؟سمعت أن تريديجار كاد يُقطع أيضاً، يبدو أنهم بنفس خطورة الاختبار».تحت ضوء الفانوس، بدا وجه مريم القاسي وخصلاتها الطويلة وكأنها نُحْتَت بفأس، لتكاد تقطع أي يد تجرؤ على ضرب تلك الوجنتين.فكر تريستان أنها كانت مرضية للعين، بالطريقة التي تكون بها السكين الجيدة: تظلّ ذاتها تماماً حتى وهي ساكنة، سكين حتى قبل أن تقطع.كان هناك شيء مريح وغريب في ذلك، في أن يكون لديك تلك الححدة الهادئة في صفك.في صفه.كان أمراً صغيراً، فكر، ما فعلته للتو.مساعدته في بيع كذبة لم يكن للاهتمام بها سوى القليل.لكنه كان دون طلب، بلا مساومة أو عرض، وقد فعلته دون أن يرف لها جفن.كان أمراً صغيراً لكنها لم تجنِ شيئاً من فعله – بل إنه تورط بلا داعٍ لو قيل الحق – وهذا يعني أنه لم يكن أمراً صغيراً على الإطلاق.أبعد تريستان نظره، متنحنحاً.قال: «تمت تسوية خلافي مع الملازم الفاضلة.علاوة على ذلك، فهي تقدم الآن فرصة: وبما أن فاسانتي تؤمن بقدرتها على فتح البوابة الأمامية، فيمكننا القيام بحركتنا الخاصة بينما تنطلق هي عبرها مع طاقمها».وافق فرانشو: «قد تجذب الحملة انتباه المَلِك وتخلي طريقنا».ستفعل.لقد حرص تريستان على ذلك.فاجأ اللص بعض الشيء أنه كان الأستاذ العجوز وليس يون من تحدث عن التشتت.وحين التفت وجد عيني التيانكسي الداكنتين ضيقتين ومستقرتين عليه.قال يون: «ضع يدك بين كتفيك يا تريستان».أصبح وجه اللص فارغاً.جاءت الأكاذيب على لسانه غنية ووفرة، لكن لم تكن هناك واحدة منها ليصدقوها.مرت ثلاث ثوان، ثم تنهد التيانكسي.قال: «لا يمكنك، أليس كذلك؟» قال تريستان: «كنت أستطيع، وهو صحيح.لكنني أُفضّل ألا أفعل».وكان ذلك أصحّ.لقد أزال حليب الخشخاش الحدّة، لكنه كان ما زال يعمل بجد.قال يون: «لقد ضربوك حتى كدت تصبح بلا فائدة.يجب أن ننتظر حتى الغد للقيام بهذا».انقبض فكه.لاحظ الآخرون ذلك.يا للهول، سيكون هذا الإرهاق اللعين سبباً في مِيتتي، كأن أحدهم كان يرسم كل فكرة على كمّي.قال تريستان: «لقد قمت بترتيبات تتطلب توقيتاً دقيقاً.لقد أُعطيت شيئاً للألم يا يون، ولن أبطئنا».كرر التيانكسي بجمود: «ترتيبات».فكر تريستان: لا يمكنني إخبارك.ستخونني.لقد أخبره يون بذلك عندما رسم خطوطه الخاصة في الرمال.عائق آخر للالتفاف حوله.كان مغرياً القول إنه سيکشف الحقيقة قريباً، لكن ذلك كان حديثاً عاطفياً.وحتى هذا القدر قد يسمح ليون بالاستنتاج أن فاسانتي متورطة، وأن يقرر أن هناك ما يستحق البيع هناك.وسترغب في الانقلاب عليّ لو اكتشفت ذلك، مثلما فعلت مع الإنفانزون.لذا لم يعط شيئاً.اكتفى بالقول: «ترتيبات».تصلّب وجه الرجل الأكبر سنّاً بعدم رضى والتفت إلى بقية الطاولة طلباً للدعم.انقبض بطن تريستان، على الأقل حتى هزت مريم رأسها.قاطع سعال مفاجئ فرانشو قبل أن يستأنف: «كنت سأقلق أكثر لو...لو لم يكن يخطط لشيء ما يا يون».ضاقت شفتا التيانكسي بعدم رضى، لكنه كان وحيداً في الرغبة في دفع الأمر قدماً.ولم يمتلك النفوذ لفرضه، ليس عندما كان خياره الوحيد لو انسحب هو محاولة المتاهة وحده.لم يُسعد تريستان أن يراقب الرجل الأكبر يدرك أنه في زاوية وليس هناك الكثير مما يمكنه فعله حيال ذلك.قال يون بحدة: «إرسال الجنود للخارج دون إخبارهم بأوامر المسير سيؤدي حتماً إلى مقتل شخص ما.عليك أن تتعلم هذا الدرس عاجلاً أم آجلاً يا تريستان».فكر اللص: كان الجميع يحاولون تعليمه الدروس، هذه الأيام.لقد بات الأمر متعباً حقاً.قال تريستان: «لن أقطع وعوداً فارغة».قيل القليل بعد ذلك.كان عقله في مكان آخر على أي حال: الآن لم يتبق سوى انتظار فاسانتي لتبدأ الرقصة.-- في غضون عشر دقائق من اختفاء أصحاب العباءات السوداء في العمود، صدر صوت نقر عالٍ، وكأن أحدهم كان يعمل بجهد على قفل عملاق.في الواقع، كان ذلك تماماً ما يفعله حراس الملازم فاسانتي.تجمع معظم حامية القلعة التي لا تزال في القلعة القديمة في الفناء أمام البوابة الحديدية، أو على جدار يمكنهم رؤيتها منه، وانضم الأربعة إلى الحشد.بدأت البلاطات المعدنية على البوابة تدور الواحدة تلو الأخرى بترتيب متسلسل، مطابقة على الأرجح للبلاطات التي جرى تنشيطها داخل العمود، وبدأت الآليات من حولها تتحرك.ضخت ودارت ودقّت، حتى حدث طنين مصمّم وأضيئت الأنوار على طول الحلقة الخارجية للبوابة.شظايا ضوء صغيرة بدأت تدور ببطء.وكأنها يراعات ذهبية تحوم، منتزعة همهمات إعجاب من الحراس.بدأت البلاطات بالدوران مرة أخرى، ولكن ببطء أكبر.وكأن تركيبة ما كانت تُستشعر بدلاً من أن تُعرف عن ظهر قلب.قال فرانشو: «كانت فانيسا، لتسترح ملوك روحها، مقتنعة بأن البلاطات كانت طريقة للتحكم بآلة أثيرية مخفية في البوابة.يبدو أنها كانت على حق».انقبض قلب تريستان.أجبر نفسه على الإيماء.هز يون كتفيه: «أضوار جميلة.وما فائدتها؟» بدلاً من الدوران البطيء والكسول باتجاه عقارب الساعة، كانت الياقوتات الذهبية الآن تتحرك ذهاباً وإياباً في كلا الاتجاهين بمسافات عشوائية.قالت مريم بهدوء: «إنها ليست أضواء.إنها نجوم.إنها نفس النمط الموجود فوق رؤوسنا».رمش اللص بدهشة.لقد اعتاد لدرجة كبيرة على النور الذهبي للآلة الأثيرية في الأعلى لدرجة أنه نسي ما كانت تلك الآلة عليه في الواقع: فلكية، تمثّل حركة نجوم الفلك.ولهذا السبب كانت لدى فاسانتي معدات فلكية في معقلها.وسأل: «وكيف يفتح ذلك القفل؟» قالت مريم: «النجوم ليست في محاذاة في الأعلى وعلى البوابة.لكن انظر إلى ما يحدث مع البلاطات – فاسانتي تعدلها لتتقارب».تذكر تريستان فجأة أن فانيسا قد أخبرته بأنها لا تستطيع معرفة ما تفعله الآلة على البوابة لأنها لم تكن مثل الساعة، ولم تستخدم وحدة قياس ثابتة.وصلت أصابعه إلى الساعة في جيبه، قابضة على البرونز.فكر: لأن حركة النجوم أكثر تعقيداً من سهام الساعة.لكننا نستخدمها لمعرفة الوقت أيضاً، أليس كذلك؟النجوم تحدد تقويماتنا، في الأيام الخوالي.تنفس تريستان خارجاً: «إنه قفل زمني.قبل أن تحطمه الشياطين وتغلقه، لابد أنه كان مضبوطاً ليفتح في فترات زمنية ثابتة».همهمت مريم: «أيام السنة، كما تُقاس بحركة النجوم.أعجوبة عظيمة، جميلة، ومعقدة بلا جدوى».قال فرانشو بجفاف، ثم سعى بسعالة في قبضته: «عمل عتيق في جملة واحدة».استغرق الأمر نصف ساعة أخرى لتطابق طاقم الحراسة بين الأعلى والأسفل، لكن حين فعلا أخيراً، انطفأت الأضواء وصمت الفناء بأسره – وكأن كل روح تنفست دفعة واحدة.بدأت الآليات بين البلاطات والحلقة الخارجية تتحرك مرة أخرى، لكن الأصوات السائدة كانت للمكابس وهي تنكمش، والمزاليج وهي تنفك.وكأن صديرية تُفك أزرارها، انشقت البوابة الحديدية من المنتصف وبدأت ببطء في الانفتتاح.فقط لينفجر صوت طحن مروع.شيء ما منع البوابات من الانفتاح لأكثر من قدم وزيادة عرضاً، قضبان فولاذية ملحومة تقاوم قوة آلية الفتح حتى بدأت العجلات والمسننات تتطاير وانحنى المعدن.كانت الأصوات مصممة، وحين غطى أذنيه رأى تريستان البلاطات تبدأ بالدوران مرة أخرى.كانت فاسانتي تتدخل.توقفت البوابات عن الانفتاح، وبقيت عالقة بمساحة قدم واحدة فقط للضغط من خلالها.توقف الصخب.سأل يون بهدوء: «عمل الشياطين، أتظن؟» قال فرانشو: «يبدو مرجحاً.هم من أرادوا إبقاء هذا المكان مختوماً إلى الأبد».إن كان الأمر كذلك، فقد فشل تدبيرهم الأخير.رغم أن المساحة الصغيرة ستمنع الحراس من إحضار أشياء مثل قطع المدفعية إلى الداخل، إلا أن أصحاب العباءات السوداء أنفسهم سيحطمون المرور بشكل جيد.فكر تريستان: إلا إذا كانت تلك هي الخطة دائماً.لجعل الدخول متاحاً لقوة صغيرة فقط، صغيرة بما يكفي ليتمكن ملكهم الجائع من التهامهم دون مشاكل.وذكر نفسه قائلاً: لا يمكن أن يأتي سوى الجنون من تخمين نوايا الشياطين.قال تريستان: «سيكون قريباً الآن.علينا إخراجكم عن الأنظار قبل أن تعود».-- جاءت الملازم فاسانتي لتتفاخر.فاجأه ذلك.ليس لأنه ظن الأمر فوق العجوز، بل لأنه كان ليراهن على اهتمامها الأكبر باستكشاف دواخل العمود كما أرادت لسنوات بدلاً من توبيخ جرذ.لم يكن مخطئاً، بل كان مخطئاً قليلاً: بدا أن لدى فاسانتي بعض الوقت لتضييعه قبل أن يصبح حراسها جاهزين للغوص، لذا قررت قضاءه في الاستعلاء عليه.قالت: «ولا أثر للملك الذي جرحناه.لابد أنه ما زال يلعق جرحه».ابتسامة سطحية من سوميشواري المتوردة.«أحياناً كل ما يتطلبه الأمر هو درس قاسٍ قبل أن يتعرفوا على مكانتهم، ألا توافق؟» لم يبتسم اللص الرمادي العينين بوقاحة ويرد بكلمة ماكرة، أو يذكّرها بأن السبب الوحيد لقدرتها على الوصول إلى أي مكان هو مبادلته العلامة لها.حتى كصبي لكان أعلم من ذلك.بل مدّ ذراعه بحذر حتى لا يضطر للتظاهر بوخزة الألم على وجهه وأبعد نظره وكأنها ضربته.لم يجب.أبرزت فاسانتي: «لا شيء للقول؟أأذهب وأسأل أصدقاءك الصغار؟» لم يستطع السماح بذلك.لقد طلب منهم الخروج عن الأنظار في المقام الأول حتى لا تتمكن فاسانتي وأتباعها من رؤية مجموعتهم وهي تستعد للذهاب إلى العمود.في الوقت الحالي ستفترض أنه ينوي متابعة أعقاب حملتها الاستكشافية، غير مدركة أنه لا يزال يمتلك مفتاحاً للمدخل الآخر.لكن إذا انتبهت...من الأفضل منحها شيئاً لتتطاول عليه عوضاً عن ذلك.الكبرياء هو أرخص العطايا.جعل تريستان صوته يبدو حانقاً: «أنا مندهش من أنك تملكين الوقت لتضييعه عليّ.ألست على وشك قيادة طاقمك إلى المجهول العظيم؟» ابتسمت الملازم فاسانتي: «وكذا أنا.وسيكون العثور على القرن – آلة أثيرية بهذا المستوى، لم تُمس لقرون ومع ذلك لا تزال تعمل؟هناك أمم ستخوض حروباً لاقتناء شيء كهذا».أجبر نفسه على الانكماش مرة أخرى، كمن يتألم لانتصارها بدل كونه يتألم فحسب.قالت فاسانتي: «لكنك محق.ليس لديّ مزيد من الوقت لأضيعه على أمثالك».توقفت.تابعت الملازم: «باستثناء، ربما لتعطيك تحذيراً.كن حذراً عندما تتبعنا إلى الأسفل يا تريستان.الحوادث تقع بسهولة بالغة عند استكشاف الأماكن الخطرة».وابتسمت ابتسامة رضا أخيرة وابتعدت، تاركة إياه ليتأمل ظهرها بنظرة باردة.لو كان ينوي اتباع أثرها، لكان ذلك قد أقلقه بما يكفي لتنحرف حسابات بعض المخاطر نحو اتجاه مختلف.فكر تريستان: لم تكن فاسانتي امرأة تُظهر الرحمة في النصر.لم يكن خطأً عدّها عدوة.وما كان أكثر إثارة لاهتمامه هو أنها تنوي التوجه إلى الأسفل.كشفت النظرة السريعة التي ألقاها خلف البوابات الحديدية عن مجموعتين من السلالم، واحدة تنحني لأعلى والأخرى لأسفل، وقد افترض أنها ستستهدف الأعلى.قرر: ليست مشكلتي.انتظر هناك حتى تجاوزت فاسانتي أتباعها الأحد عشر عبر البوابة، مختفية في الأسفل، ثم انضم أخيراً إلى البقية قرب مستودع الأسلحة.كان الجميع مسلحين حتى الأسنان، حتى فرانشو الذي حمل الآن مسدساً – وهو بالكاد يعرف كيف يستخدمه، لكن يمكنه على الأقل إطلاق النار في الاتجاه الصحيح إذا وصل الأمر إلى ذلك.حمل يون ومريم أشرطة ذخيرة وُفرت لهما بناءً على طلب وين، كما تم المساومة: خراطيش ورقية تحتوي على مسحوق وذخائر ملحية، وكرات مسدس مليئة بالملح المشبع بالوهج.آفة الملوك.استقرت ثلاث أزواج من العيون عليه.قال تريستان: «أرجو ألا تكونوا بانتظار خطاب.يون هو الضابط الوحيد هنا».تطوع فرانشو، وهو يسعل في قبضته: «ألقيت بعض خطابات سنوية في ريف.أأجرب؟» توقف اللص، وهو يعلم أن هذا مضيعة للوقت لكنه كان شديد الف
ضول لدرجة تمنعه من الرفض.حسمت مريم الأمر له: «بكل سرور».أدار يون عينيه نحوهما.تنحنح فرانشو.قال: «طلابي الشباب الأحرار، أشارككم اليوم أهم درس في مسيرتي الطويلة».استقام بظهره، وعيناه العجوزتان الذابلتان تتلألأان بالحكمة.أخبرهم فرانشو: «التثبيت هو الشيء الوحيد الذي يهم.متى امتلكت ذلك يمكنك فعل ما تشاء: لا يمكنهم التخلص منك دون أغلبية الثلثين من الأساتذة وهذا يشبه رعي القطط، لو استطاعت القطط التنازع لعشرين سنة حول التصاريف المتغيرة للأفعال غير المنتظمة في كانتار».رفعت مريم يدها بينما بدأ يسعل.أقر فرانشو بعد مروره: «نعم».
سألت بأدب: «ألديك أي دروس تنطبق على مغامرتنا القادمة بأي شكل؟» عض تريستان على داخل خده كي لا يضحك، وبدى يون محرجاً بشكل خافت لأنه عرفهما يوماً، واعتبر فرانشو السؤال بجدية.أجاب الأستاذ العجوز أخيراً: «لا تؤكل من قبل الوحوش».أجاب تريستان بجدية، وشفتيه ترتجفان بلا سيطرة: «غاية نطمح إليها جميعاً».مشى يون مبتعداً، متمتماً بشيء تحت سِفره حول «ماء القناة» و«حمى الدماغ».كان عليهما الإسراع واللحاق حين اتضح أن التيانكسي لن يبطئ سرعتهم في الواقع.وهكذا بدأت مغامرتهم الجريئة نحو المجهول.-- لم تكن هناك حاجة للمراقبة بحثاً عن أصحاب العباءات السوداء، إذ لم يكن هناك أحد: في غضون دقائق من اختفاء فاسانتي وأتباعها، استدعى وين الحامية بأكملها إليه، كما توقع تريستان أن يفعل.كان لديهم طريق واضح لسلم الحبال، ثم عبر الغرفة حيث لا يزال السلم المعدني المطوي الذي لم يتمكن أحد من تشغيله راكداً.أخذ تريستان المقدمة قرب الباب المقفل المؤدي إلى غرفة البلاط، مشيراً بصمت لفورتونا لإلقاء نظرة في الأمام.تأففت الملكة ذات العينين الذهبيتين، لكنها ألقت نظرة على الجانب الآخر.أطلقت رأسها، ورأسها فقط، عبر الباب للإشارة إلى عدم وجود أي أثر لبوريا.وكأنّه كان بحاجة إلى صداع فوق كل شيء آخر.أظهر اللص مسرحية لفتح الباب جزئياً فقط بعد أن فتحه بالزر الحجري، «مخاطراً» بنظرة ثم مغامرة بالدخول إلى الغرفة.نادى للخلف بأن الجو خالٍ بعد ذلك، وتبع الثلاثة الآخرون بأسلحتهم مشهرة.لم يسبق لأحد منهم المجيء إلى هنا من قبل، لذا تجولت أعينهم – غالباً نحو الجدار الممتلئ بالبلاطات المنقوشة برموز والتي استخدمها طاقم فاسانتي سابقاً.أولى تريستان نفسه القليل من الاهتمام لذلك، متوجهاً بدلاً من ذلك نحو الباب ذي القفل المكسور الذي كاد يكلفه حياته.تبعه يون عن كثب، وكان مسدسه جاهزاً بالفعل ومحمّلاً بذخائر ملحية.قال تريستان: «المصعد في هذا الاتجاه.بهدوء الآن، الممر هو المكان الذي قابلت فيه المَلِك لأول مرة».دخلا الممر، خطوة بخطوة، حتى وجدا باب الزجاج الأخضر الشفاف الذي جاءا من أجله.همس يون بخشوع: «اللعنة.إنه مصعد حقاً».من خلال الزجاج، استطاعا رؤية الحبال والبكرات – وكلها معدنية، باهتة وشاحبة – والتي ستسحب المنصّة الفولاذية الصغيرة المقاومة للصدأ على الجانب الآخر من الباب.لم تكن هناك أدوات تحكم واضحة لذلك، لكنها ربما كانت مخفية عن المكان الذي بدا فيه هذا الجانب من الباب.كان المقبض سهل الإيجاد بدرجة كافية: مقبض بسيط منقوش في الزجاج، يسمح للّص بسحب الباب داخل الجدار.اختبر تريستان المنصة بقدمه ووجدها متينة، ثم خطا عليها.أدت نظرة سريعة حول المكان إلى العثور على ما كان يبحث عنه.قال: «ها هو».شريط عمودي من الرموز المشفرة المنقوشة في الجدار، وإلى جواره وُضعت ثلاثة رموز دائرية من الذهب في الحجر.يون، الذي انحنى لداخل المكان، أومأ وتراجع.مشيراً للأستاذ، قال: «فرانشو».غادرا الاثنان لمنح الرجل العجوز الوقت والخصوصية لاستخدام عقده وتعلم كيفية تشغيل المصعد.مشيا أبعد بقليل إلى الأمام، متمسكين بالجدران ومراقبين كلا جانبي الممر.كانت مريم تحرس الباب ذي القفل المكسور تحسّباً لأي شخص من القلعة القديمة ينوي تتبعهما للداخل.اعترف يون: «ظننت أن المَلِك سيكون كامناً لانتظارنا بالتأكيد.نحن الهدف الأسهل».حينها حان وقت إخباره، تَبَعاً للخطة، لكن اللص ما زال متردداً.لم يمر ذلك دون ملاحظة.قال يون ببطء: «تريستان، ماذا فعلت؟» كان عليه إخبار يون الآن، وكان يعلم.كان سيتعين عليه طلب الانتظار هنا من الطاقم، ولن يوافقوا على ذلك ما لم يعطهم سبباً وجيهاً.فكر اللص: لقد فات الأوان لتبيعني على أي حال.لن يفيدك ذلك بشيء.فاسانتي بعيدة جداً ونهاية هذا الاختبار قريبة جداً.ينبغي أن يرجح ذلك الكفة لصالحه.قال تريستان: «إنه ليس هنا، لأنني أخبرت المَلِك بالوقت الذي ستعبر فيه فاسانتي البوابة الأمامية».سكن التيانكسي، كما لو أنه صُفِع، لكن تريستان لم يشعر بندم.حتى مع وجود يون، كان شبه مؤكد أنهم سيموتون لو حاربوا المَلِك.لذلك ضمن تريستان أن يكون بوريا في مكان آخر.قال يون بهدوء: «سيقتلك وين.ببطء.سيطاردك حتى أطراف هذه الجزيرة إن اضطر».كانت الكلمات متأخرة، مقارنة بنظرة خيبة الأمل في عيني الرجل.كأنه أساء تقدير تريستان.كان اللص يعلم أن ذلك قادم: لقد غادر يون الإنفانزون حين اعتقد أنهم يستخدمون البقايا كطعم، أثناء اختبار الخطوط.والآن فعل تريستان ما هو أسوأ، إذ لم يترك الأمر للصدفة.وافق تريستان: «كان وين سيمثل مشكلة.لذا كذبت عليه، وأخبرته أن المَلِك حاصرني وأنني اضطررت لمقايضة تلك المعلومات ليسمح لي بالمغادرة.إنه يستعد لكمين لكمين الكمين بينما نتحدث».كان وين غاضباً لتعريض حياة الحرس للخطر بالطبع، لكنه أدرك أن فاسانتي ورجالها كان ليتعرضوا للهجوم على أي حال.وكل ما فعله تريستان هو تحذير المَلِك مسبقاً، وتعويضاً عن ذلك أعطى وين شيئاً أراده الرجل: سبباً لعزل الملازم فاسانتي عن القيادة.بعد أن يطرد الملازم السمين المَلِك بكمين مضاد، سيكون قادراً على وصف فاسانتي بالمتهورة والقول إنها خرجت عن السيطرة.تعريض حياة الحرس للخطر من أجل كبريائها.سيكون قادراً بعد ذلك على سحب الحامية بأكملها من القلعة القديمة، وإخراجهم من خط النيران قبل أن يحطم تريستان الآلة الأثيرية الذهبية لتتحرر ملوك المتاهة من القواعد التي تبقيهم مقيدين بمعابدهم – وغير قادرين على إيذاء البشر خارج الاختبارات.لكن توقيت كل ذلك سيكون حساساً، ولهذا السبب كان يخبر يون بهذا في المقام الأول وسرعان ما سيخبر البقية.قال المخضرم: «لقد عقدت صفقة مع وين».قال تريستان: «فعلت.وهي تتضمن انتظار ركوب المصعد حتى...» انحنت مريم من خلال المدخل.نادت: «طلقات نارية.يمكنني سماع صدى لها من الأسفل، عبر غرفة العجلة حيث كاد تريستان يموت.أظن أن الحرس واجهوا المَلِك».أنهى حديثه: «ذلك.الانتظار حتى ذلك الحين».فكر: في غضون لحظات، سينقذ الملازم وين الحراس الآخرين ويطرد بوريا.نادى: «فرانشو، كيف حالنا؟» كانت وصلة سعال طويلة إجابته الأولى.وكانت الثانية أكثر وعداً.قال الرجل العجوز: «أحتاج من ساراي صنع علامة، لكني أؤمن أنني وجدت إجابتنا».لم يحتاج حتى للإشارة لمريم لتأتي مجرية، فقد كانت تستمع بالداخل.وقفوا جميعاً على المنصة المصنوعة من الفولاذ المقاوم للصدأ، بينما كان فرانشو يتمتم بتعليماته للمرأة شاحبة البشرة وهي تكشر برموز الذهب.قالت مريم بابتسامة عرضية: «كانت هناك طقات نارية بالأسفل أكثر بكثير مما ينبغي بالنظر لعدد الأشخاص الذين أخذتهم فاسانتي معها».أجاب تريستان: «سؤال سأجيب عليه فور إشغالم للمصعد بالحركة».قالت: «حسناً، إذا كنت مصرّاً».رسمت إصبعها فوق الرمز العلوي، وكانت أسنانها مكشورة وهي تفعل ذلك، وتلألأ خط خافت من الظلام أينما لامس الجلد الذهب.سحبت يدها لحظة الانتهاء، كأنها احترقت، وتصاعد دخان أسود من الذهب.ومن طرف إصبعها أيضاً، حتى مسحته على سترتها.بدأ يون: «هل...» وانغلق فمه حين اهتزت المنصة تحت أقدامه.بدأت بالصعود بعد ذلك، بلا صوت تام وبما بدا هرولة سريعة.كان الحجر من حولهم أملساً ومطابقاً، مع ذلك، لذا لم تكن هناك طريقة لمعرفة السرعة التي كانوا يتحركون بها حقاً.حثت مريم: «الإجابات».أعطاها تريستان إياها، مثلما فعل مع يون.ما قاله للمَلِك، وما قالها لوين.لم يبدُ أي منهما منزعجاً من تكتيكاته – بل بدا فرانشو مسروراً إن وُجد شيء من ذلك.بعد ذلك، أخبر الطاقم بما طلبه وين مقابل ذخائر الملح.قال تريستان: «إنه يريد منا تحطيم الآلة الأثيرية.بهذه الطريقة سيُجبر الحرس على محاولة قتل الفم الأحمر بدلاً من الاستمرار في الاختبارات».من زاوية عينه التقط أول كسر في الجدران الحجرية.بوابة من الزجاج الأخضر تؤدي إلى غرفة مضاءة جيداً، ولمحة استمرت ثانية بالكاد.تمتم يون: «هذا جنون.قد تفشل المتاهة، لكنها لا تزال الشيء الوحيد الذي يبقي المَوّ طائعاً.ماذا لو انتشر بلا سيطرة؟» قال فرانشو: «لقد أمضى قروناً ولم ينتشر لأكثر من ميل أو ميلين في قاع البحر.حتى لو التهم كل بقعة حياة على السيادة، فإنى إلى أين يمكنه الذهاب حقاً؟سيكون ببساطة واحدة من مئات الجزر المحاصرة في بحر تريبيان».كسر آخر، هذه المرة لجانب آخر، ورأى يون ذلك أيضاً.تقاسما نظرة، وكلاهما يتساءل عما إذا كان علامة على اقترابهما من القمة.سألت مريم ببدو دهش: «أتظن أن الحرس سيسجعه جوعاً؟» هز فرانشو كتفيه: «لن تكون المرة الأولى التي يُجبرون فيها على التعامل مع ملك بهذه الطريقة.همّي هو أنه إذا تصرفنا باكراً جداً فقد تهاجم ملوك المتاهة القلعة القديمة بينما لا يزال الحرس فيها.سيكسبنا ذلك قبراً سطحياً».ذكّره تريستان: «سينقذهم وين للخارج».لاحظ يون: «لو استطاع إقناع الآخرين بالوقوف معه ضد فاسانتي.إنه محق، ليس ذلك أمراً مؤكداً».قال اللص: «الانتظار لفترة طويلة سيكون خطيراً.أياً كان ما جعل المَلِك مستميتاً لمهاجمة الدخلاء سيجعله ينقلب ضدنا حين يدرك أننا نتجه نحو القمة.لدينا بعض الوقت، لكن لا يمكننا تحمل...» انفجر الزجاج الأخضر من خلفه متناثرا على معطفه، وكل ما رأه تريستان وهو يستدير كان وميضاً من اللون الأحمر.عموده الفقري، كان على وشك أن يصطدم بـ...اصطدم اللص بالأرض، ورش دافئ يتناثر في كل وجهه، وكان هناك صراخ.صراخ امرأة.دفعت مريم به للأسفل، وكانت اليد التي فعلت ذلك لا تزال على وركه.وتفتقد أصبعين.انسحب لسان بوريا بصرخة رطبة قبل أن يتمكن صعود المصعد من قطعه.قال تريستان: «اللعنة، مريم، أحتاج أن...» صاح يون، مطلقاً النار من مسدسه متجاوزاً إياهما: «تحركي».اصطدم تريستان بسطح السفينة بينما انفجر الزجاج الأخضر مرة أخرى، وأطلق المَلِك صرخة كره حين أصابت طلقة ملح يون اللحم.راح يتخبط على الأرض عبر شظايا الزجاج حتى أمسك بحقيبته، ممزقاً الضمادات.قال التيانكسي بهدوء: «أعيد التلقيح.غطِ جدارك».هس تريستان: «مريم، أعطيني يدك.ستنزفين حتى الموت».لعنت: «تباً»، وصفعت العضو المبتور في حجره بينما كانت تعبث بمسدسها.أطلقت النار على الزجاج لحظة قبل انفجاره، ومخلب ضخمة تخدش الأرضية المصنوعة من الفولاذ المقاوم للصدأ وتحاول سحب فرانشو – الذي رمى نفسه جانباً، صارخاً بينما شظايا الزجاج تخترق جلده.أجبر تريستان يد مريم للأعلى وربط ضامداً على الأصابع.لقد فقدت إصبعها الصغير والبنصر وصولاً إلى السلاميات السفلى.لإنقاذ حياته.كيف يمكن لأحد تسوية دين كهذا؟زمجر يون: «يا فرانشو، صوب بندقيتك اللعينة.ليس هذا وقت الانهيار».رأى تريستان حين نهض أن الرجل العجوز كان يرتجف بشدة لدرجة أنه لم يستطع رفع البندقية.سحب مسدسه الخاص، مساعداً مريم، وصّر على أسنانه.نفس الجدران الحجرية التي كانت تبدو كملاذ بدت الآن شؤماً، كمقدمة مسدس.لم تكن هناك طريقة لمعرفة متى سيضرب بوريا، أو من أين.كيف يكاد يواكبنا حتى؟انفجر الزجاج من خلفهم.زمجر المَلِك: «الحشرات».أطلق تريستان النار، لكنه أخطأ وانزلق فرانشو على الزجاج بينما كان يحاول الهرب من أيدي بوريا الباحثة.أُمسكت قدما الرجل العجوز ولعن تريستان وهو يرمي مسدسه عديم الفائدة على المَلِك، ليصيبه لمفاجأته التامة في العين مباشرة – فأطلق عواءً، محرراً فرانشو، وحين سدد يون طلقة لطرده سحب تريستان الرجل العجوز للخلف.لهث الأستاذ العجوز: «مسدسي.خذ مسدسي، لا أستطيع...» أخذ اللص المسدسة، مفقوداً الشجاعة للاعتراف بأنه قد يكون أسوأ تصويباً من الرجل العجوز.على الأقل يمكنه حمله بالطريقة الصحيحة.وقف الأربعة معاً، متجمعين وخائفين، بينما استمر المصعد في الصعود.مرت خمسة أنفاس، ثم عشرة، ثم عشرون.حين مرّ الثلاثون، تحدث أحدهم.قال يون: «تريستان.أجننت، أم أنني رأيتك ترمي مسدسك عليه؟» أجاب مدافعاً عن نفسه: «كنت أرتجل».سقط جبين مريم على ظهره، وصديقته تضحك بشنج.سأل تريستان: «كيف تشعرين؟» شخرت، وصوتها ما زال مشدوداً بالضحك: «كأن ملكاً أكل إصبعين مني».لاحظ فرانشو: «خلافاً للنصيحة الوحيدة التي قدمتها لك».مرت نبضة قلب، ثم كانوا يعوون جميعاً من الضحك.لم يكن الأمر مضحكاً إلى هذا الحد.لقد كان مجرد تفريغ للتوتر، رغم أن أياً منهم لم يجسر على رفع عينه عن جداره.وحين بدأت الضحكات الأخيرة تخفت، اهتزت المنصة بينهما مرة أخرى.قال تريستان، يكاد لا يصدق: «إنها تباطأ.هل نحن...» قال يون: «يجب أن نكون».لم يحاول الرجل الأكبر حتى إخفاء ارتياحه.«تريستان».اكتسحت نظرته المكان ووجد مصدر الهمس: فورتونا، تقف في زاوية.أشارت بحذر.رفع حاجباً.سأل فرانشو: «تريستان؟» قال، مخفضاً صوته: «ليس الآن.إلى ماذا تشيرين؟» حركت فورتونا ذقنها بطريقة غريبة مجدداً.تذكر، كانت تشير إلى الأعلى بحذر قدر الإمكان.متجاهلاً نظرة القلق من فرانشو، رمى بنظرة لبقة للأعلى قدر استطاع.رأى قمة المصعد، أدرك.حيث سينتهي صعودهما.كان هناك حتى باب زجاجي.لكن لماذا كانت فورتونا...باباً ثانياً، هذا مفتوحاً.يؤدي إلى غرفة بلا ضوء، لذا ظنها جزءاً من الجدار الحجري للوهلة الأولى.التقى بعيني فورتونا الذهبيتين، رافعاً حاجبًا.أومأت بالمثل.بلع لعنة، وهو يعلم أنه لو قال شيئاً فسيسمعه بوريا.كان سمعها حاداً.كان يون ينظر إليه كأنه مجنون، لكن البقية أخبروا – أو استنتجوا – أنه كان يتحدث مع ملكه.وضع تريستان إصبعاً على شفته، ثم أشار إلى الباب المظلم للأعلى.استغرق الأمر ثلاث نبضات قلب لجعل نفسه مفهوماً بتمثيل صامت لا يمكن رؤيته بسهولة من الأعلى، وكانا على وشك إنهاء رحلتهما حين صر اللص على أسنانه وأطلق النار نحو الظلام.ومض الضوء، كاشفاً عن عيون صفراء سامة متأهبة عليهما، وقفز المَلِك للأفل قبل أن يتمكن المصعد من الرسو في مكانه.سمع أحدهم يصرخ – هو، يون؟– وهناك طلقة أخرى، لكن بوريا كان ضخماً وثقيلاً للغاية.هبط وسطهم، وتعرض تريستان للارتطام بالحائط مصطدماً برأسه في الحجر.مترنحاً، رمش بينما سمع صياحاً حين شهر يون سيفه.صرخ فرانشو، مختنقاً بسעالة، وطُيرت مريم مباشرة عبر الباب الزجاجي بنفضة من ذيل المَلِك.سبح بصره، وتدمعت عيناه بينما كان كل ما ظهر في بؤرته عيوناً ذهبية.فورتونا، لا تزال تواجهه.ممسكة بعملة ذهبية واحدة في يدها.بحشرجة قال: «الكل في»، وكانت ضحكتها أجمل شيء سمعه بحياته.رأى وميض الذهب يصعد، دائراً، والخيط في مؤخرة عقله يشد لأبعد مدى وصل إليه على الإطلاق.لم تدق الساعة، هذه المرة.كلا، كان الدين أكبر من ذلك.بدا الأمر كنبضة قلب لتيتان قديم، مباشرة قرب أذنه.كالرعد المتدحرج، وشد الخيط بعيداً للوراء حتى دار بكامله.الحظ والنحس في ضربة واحدة: تحت أقدامه، انكسرت المنصة.صرخ بوريا: «لا».تخبط المَلِك بالحائط، وسقط تريستان على ظهره.تشبث بالحراشف اللزجة بينما كان المَلِك يكافح لشق طريقه عبر الباب، لكن يون كان قد رمى بنفسه عبر الباب الزجاجي المكسور ومريم معه، مسحبين فرانشو.وجه التيانكسي مسدسه للأسفل نحو المَلِك، متردداً حين هبطت نظراته إلى تريستان.صاح: «افعلها».كانت يداه تنزلقان بالفعل ضد الحراشف.صر يون على أسنانه وأطلق النار مباشرة في يد المَلِك، كاسراً قبضته.سقط.وكذا فعل تريستان، حتى اصطدم ظهره بكرة من الغلوم الصلبة.متخبطاً بيأس لكيلا يسقط، عانق اللص الانحناءات بينما سقط المَلِك متجاوزاً إياه بعواءات وحشية من الغضب.هست مريم: «أسرعي، حبل، لا أستطيع...» لكن لم يكن لديهم حبل.بدلاً من ذلك، انحنى فرانشو فوق الحافة، ممسكاً بساقيه من قبل يون، وحين ارتجف الرجل العجوز قفز تريستان عبر الفجوة – غرقت أصابعه في ملابس الأستاذ، ممزقاً القماش، وصرخ خوفاً لكن الياقة ثبتت ثم قام كل من يون ومريم بسحبهما لأعلى.أعلى، أعلى، بينما استمرت ملابس فرانشو في التمزق حول الياقة وقبل أن تنزع تماماً أمسكه يون من...وسحبه فوق الحافة.سقطا في كومة، نازفين ومجروحين ويلهثان بصوت عالٍ لدرجة أنهما بالكاد استطاعا تمييز عواء المَلِك حتى توقف عن إحداث أي صوت تماماً.-- كانت قمة العمود قاعة كهفية واحدة.تعثروا للأمام بتردد، مذهولين بحجمها ومنزعجين من مدى فراغها التام.لم يكن هناك شيء بالداخل باستثناء حلقة واسعة من المقاعد الحجرية، كلها تواجه مركز الغرفة، وحفرة ضحلة في المنتصف لا يمكن أن تكون أوسع من خمسة أقدام ومثلها عمقاً.سأل يون، وبدا مَنهَكاً حتى العظم: «أهذا هو المكان الخطأ؟» قالت مريم: «لا.هناك...شيء هنا.الأثير كثيف جداً».كان فرانشو هو من وجد الإجابة بفضل كونه أول من لمس أحد المقاعد الحجرية.اشتعلت الأضواء، متدفقة من الحفرة كنههر معكوس ومتوسعة في شغب هائل من الألوان والأشكال.بلع تريستان ريقه، رامشاً لتخفيف الصداع الذي كان يحصل عليه فقط من النظر إليه.أخبر الرجل العجوز: «سأترك ذلك لك.سأجد لنا مخرجاً».لم يكن تحقيق ذلك صعباً للغاية، الآن بعد أن طاردت الأضواء المتوهجة الظلال خارج الغرفة.كانت هناك فتحتان ملمستان في الحجر.تبادل تريستان نظرة مع يون بينما انضمت مريم إلى فرانشو قرب الأضواء، واقسم الاثنان العمل.انتهى أمر اللص بطريق مسدود: لقد وجد لتسلية الخفيفة أنه مرحاض.مرحاض واسع بشكل سخيف مع أحواض لغسل اليدين، لكنه مرحاض مع ذلك.يبدو أن حتى Antediluvians شعروا باحتياجات معينة.تبين أن يون هو المحظوظ.ناداه التيانكسي وقد عاد أدراجه: «أظن أن هذا يؤدي للخارج».عبر تريستان الغرفة للانضمام إليه، متجاهلاً الأضواء المتحركة والحديث المثير من الاثنين الآخرين.لاحظ أن فرانشو كان يقترب من أحد المقاعد الحجرية مرة أخرى.لم يكن بإمكانه سوى الموافقة على استخدام عقد الرجل العجوز كاختصار.وجد ممرًا طويلاً خافت الإضاءة حين انضم إلى يون.بالذهاب في خط مستقيم، بدا أنه يستمر لفترة طويلة كافية بحيث بدا خارج الجبل الوجهة الوحيدة الممكنة.وافق تريستان: «هذا رهاننا».وأضاف يون مشيراً إلى الجانب: «وهناك ذلك».ضيّق اللص عينيه، متبينًا ما كان الرجل يشير إليه بعد لحظة.باب زجاجي أخضر آخر.سأل: «مصعد آخر؟» هز التيانكسي كتفيه: «لقد رأينا الزجاج الأخضر على تلك فقط».استند المخضرم للخوار على الجدار، ماداً يده داخل حقيبته ومنتجاً قارورة صفيح صغيرة.وبخّه: «يا يون.حقاً؟» أجاب بميوعة: «أرسلت رجالاً ونساءً أقسموا على حماية المَلِك مباشرة إلى فكي ملك لخطة لم تنجح حتى.أغلق فمك اللعين يا تريستان.سأشرب إذا بدا لي ذلك».تراجع اللص، مجروحاً لكنه رافض لإظهار ذلك.لم يكن ذلك بلا مقابل، كما كان يعلم.لقد كان هو من كسر الثقة أولاً.لذا بدلاً من الرد الحاد على طرف لسانه، مشى بعيداً.سيكون هناك وقت لرأب ذلك الجسر لاحقاً، إن عاشا كلاهما طوال الليل.تمنى ذلك.بالعودة إلى القاعة الكبرى، توقف بدهشة خالصة عما كان يقف أمامه الآن.ما كان قاعة فارغة إلى حد كبير امتلأ الآن بمسلات طويلة ترتفع من الأرض، والمزيد منها يبرز أو يتحرك إلى الجانب بينما كانت مريم تشد حبالاً من الضوء الفضي المتجه إلى فوضى الأضواء في قلب الغرفة.والتي لم تكن فوضوية جداً الآن.برزت الأشكال بوضوح، محددة الجزيرة فقط منفصلة في مناطق ذات لون مختلف متصلة بأخاديد حمراء.نادى فرانشو: «تريستان»، ثم سعى في سعال.«لقد اكتشفناه».سأل بحذر: «اكتشفتم ماذا؟» قالت مريم: «ما كان Antediluvians يفعلونه هنا.أو شيئاً قريباً منه».أشرق وجه فرانشو، وكانت عيناه العجوزتان الذابلتان ساطعتين.قال الأستاذ العجوز: «نقل الفم الأحمر الأثير الخام.قبل قرون، قسمت الجزيرة إلى مناطق حيث وُضعت نباتات وحيوانات معينة...» قاطعت مريم: «ولهذا السبب يمكن العثور على العديد من الليمور من مختلف أنحاء العالم هنا.لقد استمدوا من الحيوانات والنباتات من كل مكان...» قاطعها فرانشو مباشرة: «ومن ثم كان الكيان الذي أصبح الفم الأحمر سيطلق الأثير في تلك المناطق المحددة، يُفترض لكي يتمكن Antediluvians من دراسة التأثيرات.يُفترض أن كانت هناك منشأة أخرى مخصصة للدراسة، لكني أؤمن أن هذه كانت مخصصة للتحكم بالفم الأحمر نفسه.مريم، أما زلتِ؟» شدت الأوتار الفضية، فارتفعت المسلات وسقطت بينما انشق الأرض كالماء وتغيرت الأضواء.ظهرت صورة جديدة بوضوح.فكر تريستان أنها كانت نسخة أروع بكثير من المشهد الذي كشفته الآلة الصغيرة التي تمكنوا من تشغيلها بالأسفل.رؤية شفافة للجزيرة من الجانب، فقط هذه المرة حددت أيضاً العمود الذي وقفوا فيه: لقد كان رمحاً ضخماً يشير للأسفل، مع خيوط رفيعة تنتشر قرب قمة العمود في جميع أنحاء قمة الجبل.بدا أن أحدها، لاحظ تريستان، كان الممر الذي وجده يون.أدرك بحماسة: «إنه يؤدي للخارج».ثم تحولت نظرته إلى الفم الأحمر وتلاشى الحماس.كانت قمة الرمح مباشرة فوق عش ضخم من الخطوط الحمراء وعقدة سميكة في القلب كان يجب أن تكون قلب الملك.قال فرانشو: «أرأيت؟لا يمكن أن يكون مصادفة وصول المنشأة إلى هناك بالضبط.أتوقع أن هناك طريقة لإجبار الفم الأحمر على البدء بتغذية الأثير للمناطق مرة أخرى بدلاً من اكتنازه، ربما باستخدام نفس الظاهرة التي فرضت القواعد على المتاهة.لو استطعنا فقط...» جاءت الطلقة مفاجأة تامة وكاملة.سقط على الأرض، وتفرق الاثنان الآخران للاحتماء خلف المسلات، لكن لم يكونا هما من أُطلِق عليهما النار.عوضاً عن ذلك، استدار تريستان ليجد أن يون سقط على الأرض، وأن ظلا ًملطخاً بالدماء كان يتقدم متجاوزاً إياه مباشرة.عباءة سوداء ممزقة لشرائط ووجه ملطخ بالدماء، رفعت الملازم فاسانتي مسدساً ثانياً.زمجرت: «لا تتحرك، أيها الجرذ الصغير.وأنت، يا صاحبة العلامات – ابتعدي عن الأضواء وإلا تلقى الفتى ثقباً جديداً في رأسه».بلع تريستان، ماداً يده نحو الحظ، لكن أصابعه انقبضت على لا شيء.استطاع الشعور بأي شيء، استعارة أي شيء.يا للآلهة، أهذه فورتونا رأيتها منذ جعلت المصعد يسقط؟لم يستطع التذكر.أحرقت حظي؟رفع يديه، غير مجسر على التحرك بوصة واحدة تحت نظرة فاسانتي الثابتة.قالت مريم: «ملازم، لا أعرف ما الذي أغضبك هكذا، لكن ليس هناك...» قاطعت فاسانتي: «اخرسي، أيتها الفتاة.أتظنين أنني لا أستطيع رؤية ذلك؟وين جاء تماماً في الوقت الذي فعله، كأنه كان محذراً مسبقاً.لقد خططتم للأمر معاً، ولن أُطلق النار من قبل ذلك الأحمق في ثلاث صنوبرات بينما يأكل ذلك المغرور الأبرز معجنات لعينّة».تحركت عيناها تريستان متجاوزة صاحبة العباءة السوداء، باحثة عن يون.أكان حياً؟لم يستطع التمييز من هنا، لكن التيانكسي لم يكن يتحرك.كيف وصلت حتى...تنفس اللص بصعوبة: «لقد صعدتم بمصعد.الآخر».ضحكت فاسانتي: «كنت محقة، كالعادة.أقصر طريقة للصعود كانت بالأسفل، غرفة صيانة.ضغطت بعد أن غادر الجبناء، وأثبت نقطتي.عمل جميل ذلك المصعد، لم يصدر صوتاً – وكان السكير مشغولاً جداً بالشرب بحيث لم يسمع قدومي على أي حال».وذهب المرح.قالت الملازم: «وقلت لكِ أن تبتعدي عن الأضواء اللعينة أيتها الفتاة.لا تدرين ما تعبثين به.أتظنين أن الشياطين تركت كل ذلك لملك واحد؟هناك دائماً زاوية أخرى مع سلالة لوسيفر».من زاوية عينه، رأى تريستان فرانشو يختبئ خلف مسلة ويسحب سكيناً بيده.حاول بحذر هز رأسه، لكن الرجل العجوز تجاهله.سعى تريستان بإلحاح نحو عيني مريم وبعد نبضة قلب التقى بهما.ثم اندلع الهرج والمرج.خرج فرانشو من خلف المسلة، رامياً سكينه نحو فاسانتي، التي انحنت متفادية وصوبت مباشرة نحو تريستان.رمى بنفسه جانباً، لاعناً حين رأى في منتصف الحركة أنه فعل ذلك باكراً جداً – كان مسدسها يتبعه.ثم انتزعت مريم يديها عن الأضواء بعد إشارة قصيرة.أُغلقت الأضواء بينما أطلقت فاسانتي النار، وميض الضوء والطلقة تمر بجانبه.تنهدت العجوز سوميشواري: «أه، أيتها الفتاة الحمقاء.لقد أغلقتِ الأمر بأسره، ستطلقين...» رغم العتمة، استطاع تريستان تمييز ما حدث بالضبط: انفجرت كل مسلة في نبضة القلب التالية.أُخمد صرخ الصراخ لفرانشو واصطدم اللص بالأرض مرة أخرى.ارتعشت الأرض، وأنهار أثيرية غير مرئية تملؤها، وثانية بعد ذلك ملأت أضواء باهتة الغرفة مرة أخرى – باهتة لدرجة أنه بالكاد استطاع تبين الأشكال.رقدت مريم منبطحة على الأرض، بلا حركة.بحث عن فرانشو ولم يجده، حتى أدرك أنه فعل.خيوط اللحم الدامية المحروقة على الأرض كانت كل ما بقي من الرجل.بالعاً ريقه، مدّ تريستان يده نحو سسكنه بينما كانت عيناه تبحثان عن فاسانتي – لكنه لم يجد النّصل ولا صاحبة العباءة السوداء.مع ذلك، لا تزال هراوته مستقرة بجانب ضلعه.أمسك بها.أكانت الملازم ميتة أيضاً؟أكانت...سبح بصره حين اصطدم مؤخرة رأسه دافعاً به للأمام.التفت، ضارباً بعشوائية خلفه، لكن فاسانتي خرجت ببرود من الضربة وضربته بقبضة مسدسه مرة أخرى.تراجع للخلف، وأسنان تصر.قالت الملازم: «أولئك الأوغاد الأطفال.لقد حذرتها من أن الشياطين ستترك الشيء الملعون محاصراً في حال عبث أحدهم بعملهم.قد تكون الآلة بأكملها محطمة الآن».نهض تريستان، شاعرًا بالدوار، ورفع هراوته.سخرت فاسانتي.قالت العجوز: «كنت أقتل الرجال حين كنت في مهادك يا فتى.كنت سأسقطك في أفضل حالاتك – والآن سأجعل الأمر بطيئاً».حدث وميض مفاجئ من الضوء، شيء يبرز من الحفرة خلفهما، وفي تلك النبضة تحرك تريستان.لقد فاجأها: فقد انطلقت للمناورة، حامية وجهها بينما هبط بضربة على معصمها وأجبرها على إسقاط المسدس.طعنت للأمام وتراجع، لكنها فعلت بعد ذلك شيئاً غريباً بقدميها – متقدمة ومتراجعة، متذبذبة تقريباً – وحين خدعها هبطت بضربة على فكه.بصق دماً، ضارباً نحو صدغها، لكنها أمسكت بمعصمه وقلبته.اصطدم ظهره بالأرض وضربته في بطنه، جالسة على معدته بينما كان يحمّي وجهه بيأس من ضربة أخرى.كسرت دفاعه وضربته مرة أخرى، كاشفة عن أسنان دامية.زمجرت فاسانتي: «قلت لك...إنني سأجعل الأمر...» اخترق النصل حلقها.انتُزع بنفضة من المعصم، والعجوز تمد يدها نحو الجرح المفتوح بوجه شبيه بالمفاجأة.رُكلت جانباً وسقطت، متخبطة.بعد ثلاث نبضات قلب كانت ميتة.هس يون، واقفا فوق جثتها الباردة: «أخطأت العمود الفقري.وماذا تعلمين - السّم السيئ يصنع مسكناً جيداً للألم».عرض التيانكسي عليه يداً للنهوض فأخذها تريستان، متأوهاً من الجهد.قال اللص: «علينا الخروج من هنا.سأحمل مريم».سأل يون: «وفرانشو؟» هز اللص رأسه.اهتزت الأرض تحت أقدامهما مرة أخرى.قال الرجل الآخر: «أسرع.لا يعجبني كيف تواصل الأرض الاهتزاز».كانت مريم فاقدة للوعي وأثقل مما اعتقد، لكنه دلى بها عبر ظهره.وفقط حين حاول اللحاق بيون فكر تريستان في النظر إلى انفجار الضوء الذي كاد يسمح له بقلب الأمور على فاسانتي.كانت الأشكال عظاماً عارية، كلها باللون الأصفر الشاحب، لكن لم يكن هناك خطأ فيما كان ينظر إليه.لقد كان العمود الذي يقف فيه، الرمح المشير إلى قلب الفم الأحمر.كل ما يبقيه مقيداً بقمة الجبل المتموج كان ينهار، كأنه خُرّب.كانت فاسانتي محقة.لقد تركت الشياطين فخاً أخيراً.لو تجرأ البشر على العبث بختمهم، حسناً، فالهيكل الذي يحافظ عليه كان له غرض أخير: سيتحول إلى رمح عملاق ليغرس مباشرة في قلب الفم الأحمر على أمل قتله.وإن لم يكن ذلك كافياً، حسناً، فسيدفن الملك تحت جبل كامل.يجب أن يبطئ ذلك الأمر بعض الشيء، بالتأكيد.أقسم تريستان أبراسكال: «اللعنة»، وبدأ بالركض.