لم تواجه مريم أيّ عناء في الحصول على الخرائط البحرية للمياه الواقعة غرب ميناء ألايزي، وهي الخريطة ذاتها التي استعملتها حين أبحرت صوب خليج رودون، لذا لم يخطر ببالها قطّ أن الحصول على نظيراتها للمياه الشرقية قد يكون أمراً عسيراً.ولكن ما إن طلبت تلك الخرائط عند بوابة الحراسة، حتى وجدت نفسها مجبرة على الخوض في دوامة من التواقيع والمستندات، فضلاً عن أداء قسَمٍ غليظ أمام شهود بعدم تداول الأوراق المُقدّمة أو نسخها.ومع ذلك كله، راودها ظنّ راسخ بأنه لولا استعانة العقيد أزوكار بالفيلق الثالث ككشّافة، لكان استصدار تلك الخرائط أمراً يتطلب أيّاماً لا بعد ظهر طويل واحد.وظلت حائرة في سبب ذلك، إلى أن ذكرت الأمر لترِستان على العشاء.قال لها وهو يغرز شوكته في جزر مسلوق: «الخاصرة الغربية للمدينة فخّ موت.فعلى الجواسيس الأجانب إمّا النزول قرب الأعشاش أو على أطراف غابة الضباب.والخيار الوحيد الآخر يقع تحت تلة فلورِت، وهو باختصار تقديم رعاياك وجبةً لطائر الهيبوغريف.أمّا الشرق؟فهناك أمكنة لا حصر لها لإنزال صامت».قالت مريم: «آلة الأجرام الفلكية تجعل إخفاء سفينة مقبلة أمراً مستحيلاً.يا ترِستان، البحر هنا ليس كالبحر في عرض المحيط، فليس ثمة مخبأ».أجابها: «لا حاجة بالسفينة للاقتراب من الجزيرة، يكفي أن تدنو بالقدر الذي يتيح لها إنزال قارب تجديف يضجّ بالجواسيس، مع توقّع تامّ بقدرتهم على بلوغ الشاحل».حدّثت مريم نفسها: «آه».لقد بدا ذلك منطقياً بصورة ملتوية.وإن كنت تقترب على متن قارب تجديف، فلا بد لك حتماً من إلقاء نظرة على الخرائط البحرية، وإلا عرضت نفسك لخطر الارتطام بالشعاب الحادة أو التيارات الجارفة، موتاً عاجلاً كان أم آجلاً.وما إن صارت الخرائط بين يديها حتى شرعت في رسم مسار يلتفّ حول شبه الجزيرة الشرقية القريبة.كانت التيارات هناك أشدّ وأقسى مقارنةً بتلك التي في الغرب.ولهذا السبب انهار سور البحر على طول قطاع واسع من ساحل ألايزي الشرقي، بينما ظل نظيره صامداً على الجانب الآخر.لقد نحت البحر شاطئ المدينة الشرقي مخلّفاً وراءه أطلالاً بالية.وكان الوضع أشد سوءاً أيام السبت؛إذ إن مياه الأمطار المتدفقة كانت تتسبب أحياناً في تشكّل دوّامات مائية صغيرة.سيكون من الأفضل والأكثر أماناً ترك مسافة واسعة بينها وبين الساحل إلى أن يبلغوا ارتفاع فناء الملوك؛ذلك القصر الساحلي المهيب الذي انتقل إليه حكام مملكة سولوجير وعقدوا فيه بلاطهم بعد أن ضاق بهم القصر الأصغر الواقع فيما يُعرف اليوم بساحة البؤس.وحينها، سيكون بمقدور مريم أن تعدّل مسارها غرباً باتجاه القنوات الجديدة والقلعة المنتصبة عند مصبّاتها.دُعيت تلك بقلعة شيبا، ويُقال إن بوابة المياه المفتوحة حديثاً، والتي ستفضي إلى البحيرة الكابعة تحت معهد شولومانس، تقع على جانبها الشرقي.ولن يكون العثور عليها أمراً عسيراً، على أقل تقدير.أمّا دخولها فقد يروي قصة أخرى، لاسيما إذا كان فتح بوابة المياه قد تسبب في تيارات خبيثة وسط المياه الضيقة المتاخمة للقلعة.كانت مريم تثق بسفينتها وطاقمها في التعامل مع هذا التحدي، لكنها لم تكن لتخوض أي مخاطرة غير محسوبة.لذا، فإن رحلة استكشافية أولى لإلقاء نظرة عن كثب تبدو خطوة حكيمة، مع حرصها المسبق على الجلوس مع آل أوريل لمناقشة الأمر.وقد شعر أولئك بارتياح عارم لدى سماعهم بعدم وجود أيّ رصد لوشائج بحرية عملاقة في المياه، بينما بدا قلقهم أكبر حين علموا أن الثالث عشر قد لمح شيئاً ما في البحيرة الجوفية.سأل بوليك: «أصحيح أن السفينة ستتسلّح قريباً؟» أجابت مريم: «حصلت سونغ على مدفع من العقيد أزوكار مقابل اصطحاب ضباط الحراسة في جولتنا الأولى.بيد أنه يكاد يكون خردة، وإيزل منكصب حالياً على معالجة مسألة أكثر إلحاحاً».علّت أصوات موافقة.فقد كان إيزل يحظى بحظوة طيبة لدى آل أوريل، نظراً لبشاشته وكونه حدّاداً بدرجة أو أخرى — وهي مهنة محترمة بحسب نظرة إيزفوريك المعهودة.وأيّدها كوفال العجوز قائلاً: «مصباح جيّد خير من مدفع لا يحسن أحدنا إطلاق النار منه».أدارت مريم في خلدها فكرة وجوب إصلاح هذا الخلل لاحقاً.فسيتعلم طاقم الثالث عشر استخدام مدفع أيضاً، غير أن الطاقم الأساسي سيظل هو المتولّي الأكبر لتشغيله.وعرض بولتافا المساعدة قائلاً: «يمكنني مدُّ يد العون في إصلاح المدفع».فقالت: «سأنقل عرضك إليهم».الحقيقة أنها لم تكن واثقة تماماً من أن إيزل سيتولّى تلك الإصلاحات بنفسه، فهو لم يكن يحب العمل بالأسلحة.على ألا ننسى أن إسناد تلك الإصلاحات لشخص آخر قد يكون مكلفاً بالقدر الذي سيدفع سونغ لحتّ إيزل على تقديم تنازلات.لقد كان هبة أنهار د لمالاني حدّاداً محليّاً لإصلاح سيفها أمراً، والاعتذار عن أعمال الفيلق من دون سبب وجيه أمرٌ آخر تماماً.واقترب منها العجوز كوفال على انفراد ليرجوها ألا يصطحبوا ابنه حين يبحر الثالث عشر مجتازاً البوابة.وفاجأها أنه تجشّم طلب ذلك.فأكدت له قائلة: «لم تكن لديّ أيّ نية لاصطحابه».تنحنح كوفال وقال: «لقدفاتحت القبطان وين لترتيب أموره في حال قُضِيَ نحبي.أُعلمك بالأمر الآن لئلا يكون مفاجأة إن حلّ الأسوأ».لقد كان خياراً صائباً.فوين دوان كان وغداً حتى الصميم، لكنه لم يكن من النوع الذي يبصق على وصية أخيرة من أجل المزاح.وكان خياراً موفقاً لإيداعه تلك الأوراق، وأخبرت كوفال بذلك، فبدا وكأن جبلاً قد انزاح عن صدروه.انطلقوا في رحلتهم الأولى في وقت مبكر من بعد ظهر اليوم الخامس، ومغادرين الميناء بطاقم خفيف.آل أوريل بطبيعة الحال، ومن الثالث عشر لم يكن هناك سوى سونغ، وأنجهاراد، ومريم نفسها.أما إيزل فقد اختفى داخل الورشة لصنع مصباحه، بينما كان ترِستان طليقاً يطارد ذيل كاو كما لو أنه لطمه شخصياً على وجهه.لقد طلب مبالغ طائلة من أموال الفيلق لشراء معلومات لدرجة اضطرت معها سونغ لرفضه، وظنّت مريم أن التغيير الوحيد الماثل هو أن تلك النقود باتت تُدفع من جيشه الخاص.ومهما يكن ما يبحث عنه، فإنه لم يترك حجراً إلا قلبه، فضلاً عن وجود مسحة غريبة في تلك الاستعجال مؤخراً، وكأن الأمر صار شخصياً بدلاً من كون لمجرّد عمل لتغطية ظهور المنحوسين.استغرقت الرحلة ساعة ونصف الساعة، حافظت خلالها مريم على سرعة هادئة كي لا يفوتهما أي تفصيل يستحق الذكر.وكان عليها رصد مسارهم بعناية فائقة نظراً لشدة التيارات المتقاتلة، غير أن آلة الأجرام الفلكية ظلت، كعادتها، مناراً رائعاً للاسترشاد به.ولا عجب في أن سولوجير كانت مملكة بحرية مهابة العود قبل أن يطويها لوسيفر: فلابد أن هذه أيسر مياه للإبحار في بحر تريبيا بأكمله.وما إن تجاوزوا شبه الجزيرة الواقعة في الجنوب الشرقي، حيث تقوم المستشفى ومقر الكلية، حتى تحولت المدينة إلى خراب موحش.شوارع بالية وخاوية لأبنية منهارة تتراص خلف الأنقاض المصقولة للساحل.وخلفها ترامت ظلال أشجار نيتلوود السامقة، لترقد في حضنها أضواء مدينة الخردة.غير أن عينيها سرعان ما انجذبتا نحو فناء الملوك، الذي – ورغم خرابه – ظل مشهداً يستحق التأمل.لقد انهار جزء من سور البحر المحيط بالعقّار، ممّا أتاح تشكل برك من المياه المالحة تأتي وتذهب مع المدّ، غير أن معظم الأراضي استعادتها الحدائق التي كانت مروضة يوماً لملوك سولوجير.وهناك أبراج ابتلعتها أزهار زرقاء باهتة، وأشجار بطول اثني عشر رجلاً اخترقت الجدران لتلامس السماء، بينما تدفقت الأضواء المرعبة على السطوح من أطياف هائمة وبلاط عتيق يعكس وميض آلة الأجرام الفلكية.كان هوكس في الطابق العلوي داخل العش يتحدث مع كوفال الأصغر، لكن مريم لم تكن وحدها وهي تتأمل تلك المناظر.قالت لها أنجهاراد وهي تتكئ على عتبة المقصورة وتشير إلى فناء الملوك: «تسري شائعة بين السكيريتيين عن وجود تنين يتخذ من هناك وكراً له.إنها أحاديث قديمة ترجع لآخر مرة فُتح فيها شولومانس».فأجابت مريم: «إن وُجد حقاً، فلا بد أنه هالك منذ أمد بعيد.لكنّا لاحظنا وحشاً بهذا الحجم يطير فوق المدينة».تأملت أنجهاراد الأمر وقالت: «ربما كان نائماً!ولو استيقظ، فلربما ننال شرف القضاء عليه!».أدارت مريم عينيها بضجر.ما بال المحاربين وهيامهم الدائم بقتل التنين؟لقد تفاخر أمامها نصف فتيان فينتِرسورن بأنهم سيغدوون يوماً قتلة تنانين، رغم أن تلك الوحوش لم تكن بمثل تلك الكثرة في موطنهم.والكائنات الوحيدة الشبيهة بالتنانين في الأراضي الساحلية هي الزماج؛وهي ليمورات مائية تظهر عندما تتغذى الروح الشبحية بما يكفي لتتشرنق وتتحول إلى هيئة تنينية حقيقية، وهي نادرة للغاية، ويعود الفضل في ذلك للمحاربين بشكل رئيسي.ففي الأيام الخوالي، لطالما صنع اليوناك أسماءهم عبر القضاء على تلك الوحوش – وجنوا ثرواتهم بامتلاك الكنوز التي يكنزها الزماج في قاع الأنهار والبحيرات.أجابت ببرود: «أو لربما لا يوجد هناك شيء على الإطلاق.فمعظم صانعي صيد التنانين الذين قابلتهم لم يكونوا سوى تجار يحاولون تصريف عظام حيتان منحوتة».علّت ضحكة مكتومة من خلف الباب المفتوح، حيث كان العجوز هورفات ينظف الصاري.لابد أنه كان واقفاً على مقربة تكفي لتسمع حديثهما.سألت مريم: «ما المضحك في الأمر؟» ردّ العجوز هورفات: «أنتِ لم تعاصري أسوأ ما فيها يا أميرتي.لقد مضى زمن كان فيه صيادو الحيتان يجنون من عظام الحيتان أموالاً أزيد من تلك التي يجنونها من الزيت.وقبل نصف عقد من ولادتك، قُتل زماج حقيقي قرب الأراضي الغارقة، وما إن انتشرت القصة حتى أصبحت هوساً في بلاطات شتى أنحاء البلاد للحصول على عظام هذا الوحش وعرضها».ثمّ نخّر باحتقار: «بناءً على الكميات المُباعة، لابد أن ذلك الوحش كان مصنوعاً بأكمله من العظام».سعلت مريم في كفّها.لكانت تودّ لو تزعم أن غورات خايموف كان أدهى من أن يقع في فخّ دجال كهذا، لكنها تذكرت بوضوح أن أباها كان يملك كؤوساً مزخرفة حُفّت حافتها بما يُزعم أنها أنياب زماج موجهة نحو الأسفل.وكان فخوراً بها أشد الفخر.أعفاها الاقتراب من الطرف الشمالي لفناء الملوك من اضطرارها لمشاركة ذلك التفصيل، فبدأت مريم ببطء تعدل مسارها غرباً بينما تنقل بصرها بين صفحة الماء وخريطتها.وهناك بركة كبيرة على شاطئ فناء الملوك نقطتها أشكال مبهمة؛مستعمرة من فقمات ناعقة تتدلى على رؤوسها أكياس مثانية الشكل، غير أن ما أثار قلقها حقاً كان تلك الأشكال السابحة في أعقاب الزورق.كانت نحيلة لدرجة تكفي لتُظنّ دلافين، غير أن هذه الزاوية من بحر تريبيا تضم سلالة من الليمور تُعرف بخنازير البحر؛وتلك تتظاهر بأنها دلافين لتنقضّ على البحّارة الذين ينحنون فوق السور لحيّتها وتغرقهم.صاحت عبر الباب مذكرةً إياهم بألا يقتربوا كثيراً، ودفعت بالعتلة من وضع الثبات إلى وضع الارتفاع، ليزأر محرك الأثير من تحت قدميها.ومع تزايد السرعة، تخلفت الكائنات المذكورة وراءهم بعد دقائق معدودة – فالزورق كان أسرع منها ولا يعتريه التعب.وتخلف آخرها في اللحظة المناسبة تماماً لتوجيه بصرها صوب قلعة شيبا بينما بدت القلعة تلوح في الأفق.لم يكن المنظر جميلاً؛فأسوار الجرانيت العتيقة المقامة فوق نتوء جزري صخري كانت كلها زوايا حادة، والأبراج المربعة خلفها لم تكن أكثر لطافة للعين.فقال أوريل بوليك: «إنها قلعة محكمة البناء».كانت أنجهاراد قد ذهبت لتفقد المظلات البحرية بناءً على طلبها، وحلّ القرصان السابق محلها.وحين رفعت حاجبها استهجاناً: كان بوليك يحذر جانبها منذ أن أقصت فكرة التمرد علانية.ولم يكن ليتجنبها تماماً، لكنه حافظ على مسافة بينهما.ورأى هوكس أنه يخشى أن يسلموه للحراسة، لكن مريم ظنته أدهى من ذلك.فقد كان يراقب أين تستقر النرد، والآن بعد أن ظنّ أنه عرف الأرقام بات يتحرك مجدداً.سألت مريم بشك: «أحقاً؟تبدو وكأنها مستطيل غليظ وضُربت حوله أبراج».لم تكن تتوقع الأسوار المستديرة لقلعة بنيت في عصر المدافع – فالسجلات تشير إلى أن القلعة بُنيت في أواخر العصر الفولاذي، حين كانت الأسلحة النارية الوحيدة المتاحة هي رماح تيانكسي النارية – ولكن حتى بمقاييس أقدم بدت لها غريبة البناء.فقد كانت طويلة للغاية، وهو أمر لا يُحبّذ عادة في القلاع لأنه يعني تطلبها رجالاً أكثر للدفاع عن الأسوار.أشار بوليك بإصبعه قائلاً: «أترين حيث تملأ القنوات؟تلك هي الأماكن التي انهارت فيها الجسور.وكومة الأنقاض أكبر من أن تكون ناتجة عن جسر واحد، لابد أنها جسران على الأقل».قالت مريم: «هذا أسوأ بكثير.القناة هي خندقهم.ووضع جسور حجرية فوقها هو بمثابة طلب صريح لاقتحام بوابة الحراسة».فأجاب: «بالنسبة لقلعة برية، هذا صحيح.لكن هذا الحصن وُجد في الغالب لمنع السفن المعادية من الإبحار في القنوات.وغرضه الثاني لم يكن حربياً: فقد كانت القلعة تقع جوار الجسور التي تربط البوابات الشرقية ببقية المدينة: لقد كانت محطة لفرض الرسوم».أمالت رأسها جانباً، متبعة إشارة إصبعه، وحاولت تخيله في مخيلتها.لقد بدا...ممكناً.ومن الواضح أن القلعة بُنيت في ذات وقت شق القنوات الجديدة، التي اخترقت طول المدينة لتربط المياه الشرقية هنا بخليج رودون في الغرب.غير أن الطرق الأفضل عند البوابات الشرقية تعني أن معظم حركة المرور البرية مرت عبرها، لذا كان منطقياً مضاعفة حماية القناة الجديدة بمحطة رسوم مربحة.لقد بُنيت ثروة أبيها على رسوم الطريق السريع، ويمكن للمملكة أن تُدرّ أرباحاً جائلة بفضل عوائد كهذه إذا وُضعت في المكان الصحيح.قالت مريم: «إذن لنأمل ألا يفرضوا علينا رسوماً للعبور».رماها بوليك بنظرة تقيّم حالتها المزاجية، ثمّ ابتسم وتراجع.ليس بعيداً جداً، وهذا عين العقل.فإن اضطرت للصعود إلى السطح لتقصّي الإشارات، فسيكون هو المكلف بتوجيه الدفة.لم يبحروا مقتربين كثيراً من القلعة، بل بالقدر الذي أتاح لهم رؤية البوابة المفتوحة والمياه المحيطة بها حتى من دون استخدام المنظار.فمياه القناتين المعروفتين بالقنوات الجديدة، إحداهما شمال القلعة والأخرى في الجنوب، ما زالتا تجريان حتى منتصف طول القلعة تقريباً.وقد انهارت الجسور هناك، كما أشار بوليك لها، وتراكمت الحطام خلال العام المنصرم.وقد أغلق ذلك القنوات وفسّر سبب جفافها تماماً حين تمر تلك القنوات ذاتها أمام مدخل شولومانس.لم تكن مريم ترغب في الرسوّ على ذلك الشاطئ الركامي، فسيكون عبارة عن فوضى من الصخور الحادة والمياه الضحلة، لكن المياه أمام قلعة شيبا بدت هادئة إلى حد كبير.كانت القنوات القديمة تضم أعمال بوابات سكاكين ذكية للغاية، قادرة على رفع أو خفض منسوب قطاعات مختلفة، لكن هذه كانت مجرد بوابة مياه عادية: ترتفع لتتيح الدخول إلى نوع من الكهوف المحفورة في النتوء الذي بُنيت فوقه قلعة شيبا.ولم يكن هناك أيّ تيار يكاد يُذكر، ممّا جعل مريم تقطب حاجبيها.فالمجرى المائي المتجه نحو الأسفل ينبغي أن يملك قوة سحب ظاهرة، لكنه لم يفعل.«لابد من وجود عائق في الداخل».فطلبت من بوليك استدعاء سونغ.فقالت لسونغ: «سنحتاج إلى مزيد من المدافع.تخمني أننا سنحتاج لفتح بوابة مياه ثانية في الداخل قبل أن نتمكن من التقدم نحو شولومانس، ولا توجد طريقة لمعرفة ما ينتظرنا داخل الكهف».قطّبت سونغ حاجبيها قائلة: «أتظنين أن شولومانس تخبئ لنا شيئاً ما؟» أجابت مريم: «الأمر أبسط من ذلك: كهف رطب ومحميّ من أضواء الأجرام الفلكية سيضم كائنات حية.ولسبب ما أشك في أن تكون ودودة».نحفت شفتا سونغ وقالت مقرّة: «بعد الخندق، قلّ الراغبون في المغامرة معنا».مررت مريم يداً متعبة على شعرها.أجل، لقد كانت تلك مشكلة حقيقية.بدا أن لا الفيلق الرابع ولا الحادي عشر يلوّحان باللوم على الثالث عشر بسبب خسائرم في الغور، لكن إيماني لانجا على الأقل أوضحت جلياً أنهم لن يخرجوا معاً مرة أخرى.وهو أمر لن ترمي مريم الحجارة بشأنه: فلربما كانت لانجا ساحرة طاعنة في الظهور، لكنها كانت أيضاً قبطانة خسرت اثنين من المنجمين في غضون بضعة أشهر.كان عليها التباطؤ وإلا انتهى أمر الحادي عشر.أمّا توپوك، فحسناً، بدا توپوك مستعداً للمضي قدماً، لكن قراءة مريم للرابع كانت أنهم لو فعلوا فسيتراجعون.فقبطان فرقة حرب مثل توپوك لا يحتفظ بقيادته إلا طالما كان أشد رعباً مما يقود محاربيه نحوه، وهي توازن دقيق يتعين الحفاظ عليه.تمتمت قائلة: «سمعتنا في وضع عجيب».لقد حطم المنحوسون الجمود في الغور بعد أن كانوا مفتاح ذلك في الصيد، ممّا أعاد أسماءهم إلى ألسنة الجميع مجدداً.بيد أن الحديث هذه المرة ظل يحوم حول كيف أن كل من يعمل معهم ينتهي به الأمر بخسائر بينما يخرجون هم سالمين.وهناك قصة تسري بأن هذا من صنع ترِستان، وأن ملوكه تسرق حظ الآخرين لحماية الثالث عشر.وتلك القصة كانت محددة للغاية، ممّا يلمح إلى أن أحدهم كان يحاول النيل من سمعتهم.بدأت سونغ قائلة: «بينما لم أتمكن من معرفة من بدأ في تشويه سيرتنا...» قاطعتها مريم بصرامة: «لاهيري.إنه لاهيري حتماً، لقد أغضبناه ويحتاج لتبرير سبب عجزهم عن هزيمتنا».قالت سونغ: «إنها نظرية جميلة لا نملك أيّ دليل لتدعيمها.ولكن، وكما كنت أقول، بغض النظر عن من بدأ الحديث، فمن الواضح أن العقيد كاو يُؤجّج النار بنشاط.إنها محاولة لإخراجنا من الغور عبر لوجستيات وحشية».وبعبارة أخرى، بما أن المنحوسين يملكون الزورق لتقدّم الجزء التالي من الغور وبدعم كافٍ من أزوكار لا يمكن إقصاؤهم تماماً بشأنه، فإن العقيد كان يحاول إخراجهم من السباق عبر جعلهم يفتقرون للأسلحة اللازمة للاستمرار في الدفع.ومن منظور كاو، فإما أن يتراجع الثالث عشر ويتم تجاوزهم من قبل منجمين "أكفاء"، أو يتهورون ويتكبدون خسائر.وكلا الأمرين فوز بالنسبة لها.ذكّرت مريم قبطانتها: «لن نلعب لعبة الغور مجدداً.بوسعنا الاستعانة بأشخاص من خارج تلك الصفوف إن أردنا».تنهدت سونغ وقالت: «قائمة الراغبين ليست بالحجم الذي تتخيلينه، لكنني سأرى ما يمكنني فعله».-- استيقظت مريم مبكراً، لكنها لم تستطع التذمر حقاً حين استيقظ الجميع كذلك.فقد كان ذلك ضرورياً ليس فقط لتثبيت مصباح إيزل على الزورق، بل والإشراف على نقل ضوء الوهج من الورشة إلى الميناء.لقد بحثوا إمكانية تقريب السفينة من ورش صانعي الأدوات بدلاً من ذلك، غير أن مريم وجدت الساحل هناك إمّا وعراً أكثر من اللازم، أو منحدرأً شاهقاً، أو مسدوداً بسور البحر.واستفسرت سونغ غير أنهم لم يستطيعوا تفجير جزء من السور لتوفير مساحة.لقد «أعرب القائد بوار عن بعض القلق» لمجرد طرحهم السؤال في المقام الأول.لا، بل نهضوا مبكراً لنقل الجهاز إلى الميناء بواسطة عربة – جميعهم باستثناء سونغ التي كان لها شأن آخر.لم يكن الجهاز ليبدو ذا شأن، فهو يشبه عمود ضوء مقوساً ومقسماً إلى أجزاء ومصنوعاً من الحديد والبرونز.وتدلى من نهاية القوس مصباح مخروطي الشكل ثُبّت في قاعه وعاء حديدي غريب الصنع بمسمار.وكان إيزل يحمل وعاءين آخرين من هذا النوع، وكان مسروراً جداً بشرح ما تفعله حين وُجّه إليه سؤال فاتر حيالها.فقال: «يحوي قفل المباح قطعة محبوسة من الوهج، لكنها لن تحترق بساطع كافٍ بمفردها.غاز فحم الكوك يُقويها، ويمكن تعديل معدل الإطلاق حسب احتياجاتنا.وينبغي أن يمنحنا حوالي ساعتين لكل وعاء».أقرت مريم: «أنا منبهرة لنجاحك في صنع شيء بهذا الحجم بالميزانية التي منحتك إياها سونغ».أجاب إيزل: «معظم هذا من خردة الحديد.ولهذا اضطررت لجعل العمود مقسماً إلى أجزاء، فلم أستطيع الحصول على قطع موثوقة بحجم كافٍ.لقد أمضيت وقتاً في التفتيش بين عربات ساحة الخردة الأخيرة يقارب ما قضيته في الورشة».هزّت مريم كتفيها قائلة: «لست صانعة أدوات، لكنه يبدو جيّداً.وأتطلع لرؤيته يشتعل».توقعت أن يستغرق تركيبه وقتاً، لكنها كانت تستهين بإيزل.لقد أمضى وقتاً في صيانة السفينة أطول مما فعلت هي، وراقبته مريم بعينين منبهرتين بوضوح وهو يثبت قاعدة العمود في البرج الفارغ في أقل من عشر دقائق بمساعدة ترِستان شبه النائم.حتى إن صانع الأدوات دعا أنجهاراد لركل العمود بأقصى قوة تستطيعها لاختبار الثبات، وهو ما فعلته بعد بعض التردد.تأرجح المصباح ذهاباً وإياباً على خطاف لكنه ثبت بقوة، وانثنى العمود كقصبة بدلاً من أن ينكسر.ومنحت مريم الجهاز احتمالات لائقة بالبقاء في مكانه حتى لو صدمت الزورق بالجدار.انتهوا في الوقت المناسب تماماً ليصل مساعد سونغ، ولم يكن وحده.نادت شاليني غويل ببهجة وهي تلوح: «صباح الخير أيها الثالث عشر!».ولوحت زينزي الوقفة بجانبها بصورة خافتة أكثر.أمّا رونغ ما فلم تفعل، واكتفت فيرندا فيلازور ذات الوجه الهادئ بالحديث بهدوء مع سونغ مع إيماءة مقتضبة.وكشفت نظرة نحو أنجهاراد عن مفاجأة مكشوفة، لذا لم يكن هذا من صنيعها.لقد عقدت سونغ صفقة مع فيرندا.وجزء منها سيكون رشوة القبطانة لشاليني وزينزي بعد هفواتها هناك، لكن ثمة ما هو أبعد من ذلك.فلن تُشرك فيلازور الحادي والثلاثين من دون غاية.خطت مريم للأمام للترحيب برفاقهم الجدد على متن السفينة، وأمسكت بذراع سونغ لكبحها.وخفضت صوتها قائلة: «كم كلفنا ذلك؟» ردت سونغ بشفتين نحيلتين: «أقل مما خشيت، وأكثر مما أود.وسيحين دورنا قريباً لنغرز أعناقنا لأجلهم».علّقت هوكس، وقد أخرجت رأسها من كتف مريم فقط لتُدلي برأيها: «ينذر بالسوء».فنقرت سونغ أنفها، مما قوبل بصيחתة استهجان رغم مرورها عبرها، واحتجت أختها: «يا مريم، افعلِي شيئاً!».وافقت مريم قائلة: «أنتِ على حق، يجب أن أُفعل»، ونقرت أنفها هي الأخرى.وتبادلت نظرة تفاهم مع سونغ.فلم يكن تنمراً إن فعلته بأختك الصغرى.ورغم أن إجابة سونغ كانت مشؤومة، فلم تكن مشكلة لليوم.فالزوج المقبل كان: ضابطا الحامية اللذان كانا ينتظران على مقربة وقدما للصعود حين اتضح وجود الجميع.وتبعت ذلك جولة تعريفات مع نفسها والقبطانات، وعلمت مريم أنه رغم كون الاثنتين ملاحَتَيْن فلم تكن بحاجة سوى للاهتمام بواحدة منهما – الملازم غولاب، وهي امرأة نحيلة من سوميشواري تعمل طيارة وستقوم بمتابعتها.كانت غولاب مؤدبة، لكنها حذرة بوضوح من هذه النزهة الصغيرة لهم.قالت الملازم غولاب: «سأبقى في مقصورة القبطان معك، إن لم يكن في الأمر مشكلة».فقالت مريم: «لا مشكلة، طالما ابتعدتِ عن طريقنا».أثارت كلمة "طريقنا" نظرة غير مفهومة، على الأقل حتى أخرجت هوكس رأسها من أعلى جمجمة مريم وابتسمت بابتسامة شبحية.فانكمشت الملازم، وتمتمت بما يشبه صلاة، وأومأت بغضب يكاد يكون تعويضاً عن الانكماش.وتركتها مريم وشأنها: فلديها سفينة لتُبحر بها.وقد عادوا إلى الشرق في أقل من نصف الوقت الذي استغرقتها رحلة الأمس، إذ شعرت هذه المرة بثقة كافية في تلك المياه لزيادة سرعتهم بنحو عشر عقد بحرية جيدة.وكان هناك عدد أقل من الكائنات في هذا الوقت المبكر، رغم أن مستعمرة الفقمة استيقظت على مرآهم وبدأت جوقة من التحديات الناعقة.ولم تتخذ الأمور منحىً آخر إلا عند بوابة المياه.كانت هناك تيارات دوامية في الماء، وتشكّل دوامة تماماً إلى يسار البوابة.نقرت بلسانها عند رؤية ذلك.عادة لم يكن هذا ليشكل مشكلة، ولكن نظراً لعدم درايتها بما ينتظرهم داخل قلعة شيبا خلف بوابة المياه تلك، فسيتعين عليها إبطاء الزورق تفادياً لخطر الاصطدام بشيء ما.وهي مشكلة لأنها تعني أن تلك الدوامة شبه الكاملة قد تملك القوة لسحبهم عن مسارهم.أغمضت عينيها لحظة، مكررة الجداول التي درّستها إياهما البروفيسورة سيبيا.وقالت لأختها: «أحتاج منكِ التحقق من سرعتنا.سيتعين علينا تمرير الخيط عبر ثقب الإبرة».أومأت هوكس قبل أن تختفي قائلة: «سأخبر آل أوريل بتحضير المظلات احتياطياً».راحوا يترددون ذهاباً وإياباً، مدققين زخم الزورق حتى بلغوا الحافة ذاتها التي اعتقدت مريم أنها ستسمح لهم بالعبور.عدّلت مسارها، وزفرت مطردةً وقادتهم نحو فم البوابة.قبضت يد مريم على الدفة بقوة جعلت مفاصلها تصطك.تمايلت السفينة كرجل سكران، والمصباح الذي أشعله إيزل حديثاً يتأرجح بنعومة ذهاباً وإياباً، لكن ما إن تجاوزوا حافة الدوامة حتى شقّ الزورق الماء بنعومة.انزلقوا عبر بوابة المياه المفتوحة، والظلام الفاغر فاهه، وأبقت مريم المحرك يزحف ببطء في وضع الثبات.ووحده وميض خافت من الطاقة أبقاهم مستمرين بينما كان وهج المصباح يلعق محيطهم، كاشفاً عن مجرى مائي عريض مع رصيف على اليمين.واستمر في العمق، في جوف القلعة.شق الزورق طريقه للأمام شبه صامت وقسّمت مريم انتباهها بين الظلام في الأمام والرصيف على الجانب.كان حجراً منحوتاً بخشونة، وخالياً: الغبار، والقاذورات، وبرك الرطوبة مبعثرة على امتداده.كانت أحجار الإرساء متضررة، وكأنها مقضوضة، ولم تكن مريم حمقاء لتربط سفينتها في مكان كهذا.حصل جلبة على السطح.همست شاليني بصوت خفيض: «تبّاً.وحوش على السقف».حدث ارتعاش في النشاط – وكما اتفق، غطس آل أوريل فوراً تحت السطح باستثناء بوليك – لكن كان هناك سبب لخفض رامية الرصاص صوتها.فالمعلقون في السقف كالثمار على شجرة كانوا نحو اثني عشر كائنًا ملفوفين بأجنحتهم الجلدية.لقد بدوا كخفافيش، لو أن تلك المخلوقات نمت لتصبح بحجم خيول، لكن رؤوسها كانت بالغة الكضاضة وشبيهة بالكلاب تقريباً.خفض إيزل على عجالة مدخل الغاز في مصباحه، متراجعاً بالوهج حتى لم يُظهر سوى الحافة الشاحبة لرؤوس المخلوقات، وانتظروا جميعاً في صمت مشدود بينما مرّ الزورق من أسفل الكائنات.سواء أكانت نائمة أم ميتة، لم تتحرك الوحوش.ومع ذلك، كانت تلك مشكلة طاقم السطح، بينما كانت مشكلة مريم مختلفة: مع تقليل ضوء المصباح، بالكاد استطاعت الرؤية في الأمام لذا كان عليها إرسال أختها لاستشعار المكان.ولحسن فعلها، ففي خلال دقيقة تلقت ذعراً وإحساساً شبه واضح بجدار في الأمام.أوقفت المحرك فوراً، ضاربة بالعتلة للأسفل.فنادت: «ألقوا بالمظلات خلف المؤخرة.حالاً».شكراً للآلهة أن الثالث عشر قد تعلموا معنى تلك الكلمات، لأنه لولا آل أوريل هنا لكانوا يعانون من نقص في البحارة.هبّت ترِستان وأنجهاراد للعمل بعد هنيهة، ملقيتين بالحجارة المربوطة من مؤخرة الزورق واحدة تلو الأخرى.أبطأ ذلك السفينة لتزحف على بعد عشرين قدماً فقط من نهاية القناة، وكشف المصباح عن بوابة مياه أخرى أمامهم – وكانت هذه مغلقة.لم تكن تلك المشكلة الحقيقية، وهي كلمة تخص الصندل شبه الغارق الذي اصطدم بالبوابة.كومة من الخشب المتعفن والطحالب، بدا وكأنها سُسمّرت في الشيء اللعين.أدى أمر لأنجهاراد وترِستان إلى ربط المظلات مجدداً، بيد أن هذه المرة بمساعدة أيدٍ أخرى.وهو أمر جيد، فإخراجها كان أسهل بكثير من سحبها.نادت سونغ: «أخرجوا ممر المشاة.لن نذهب إلى أي مكان حتى تُفتح تلك البوابة».ورربما ليس حتى حينها، فكرت مريم.تلك السفينة كانت مصدر إزعاج.وعن يمينهم، على الرصيف، كان هناك نفق عريض مع سلالم شحيحة تتجه صعوداً نحو القلعة نفسها.والأهم من ذلك، بجوار مدخل ذلك النفق كانت هناك غرفة تروس تشرف على البوابة.وكان هناك، نأمل، حيث توجد عتلة رفعها وخفضها.لم تتطوع مريم للانضمام إلى المجموعة المنطلقة، رغم أنها خرجت من المقصورة لينضم إليها هوكس.ومعاً تمشطتا الأثير المحلي، بحثاً عن أخطار.أبدت هوكس رأيها: «هذا المكان ميت.حتى تلك الكائنات الخفافيش هناك بالكاد تبث شيئاً في الأثير.لولا أننا رأيناها، فلست متأكدة أننا لكنا التقطنا حضورها».قالت مريم: «قد تكون شتوية.أو، ما هو مصطلح علم المسوخ مجدداً...» أمدّتها زينزي بالكلمة، منضمة إليهما على السطح: «إبيزون.تخضع لإبيزون، بدقة».صحيح، من جذور اللهجة التريبية لكلمتي «النجاة من الخطر» و«النوم».وكانت الكلمة التي تعبر عن توقّف المخلوقات، المحرومة من الفرائس لتتغذى عليها وغير القادرة على الانتقال لمكان آخر، عن الحركة وإدخال نفسها في نوع من الغيبوبة تعتاش فيها جزئياً على الغلوم.والرهان هو أن بيئتها ستكون قد امتلأت بحلول وقت خروجها من الإبيزون.ولم يكن البقاء على قيد الحياة لسنوات كهذه أمراً غير مألوف، وبعض السلالات استطاعت إدارتها لأكثر من عقد.أجابت مريم: «شكراً.على أي حال، هذا المجرى المائي خالٍ بشكل غير معتاد.أخمن أن كل ما يكمن على الجانب الآخر من تلك البوابة طرد كل شيء آخر».قالت زينزي: «فكرة تصدع الصدر.رغم أنني أجد غريباً أن يفتح شولومانس البوابة الخارجية لهذا الحصن لا الداخلية.كيف تجاوز الخطوة الوسيطة؟» كان ذلك...سؤالاً وجيهاً في الواقع.كان إيزل خارجاً مع طاقم الشاطئ، لكن كان هناك صانع أدوات آخر قريب.نادت مريم مهموسة بصوت عالٍ رونغ ما، الذي رفع رأسه من حيث كان جاثياً لدراسة مصباح إيزل.قالت مريم لهما: «أحتاج لعينيكما.تعالا».معاً انتقلا إلى مقدمة السفينة، لأقرب نظرة يمكنهما الحصول عليها للبوابة – والصندل الاصطدم بها.أمدت زينزي مصباحاً على عصا بينما تفحصا الأمر عن كثب.«إذن؟» قال رونغ ما ببطء: «تلك السفينة تحطمت منذ عقود، لكنها اصطدمت بالبوابة مؤخراً فقط.بعض تلك الكسور حديثة للغاية، تعود لأيام معدودة».لعنت.سألت زينزي بنبرة قلقة: «مريم؟» أخبرته: «كنت على حق.لم يكن ينبغي لشولومانس أن يكون قادراً على فتح بوابة المياه الأولى وحدها، لقد ربحنا دخولاً كاملاً بهزيمة الخندق.وقد فتحت البوابة هنا بالفعل، بالقدر الذي جذب فيه التيار هذا الحطام».كست وجهها تكشيرة.«مما يعني أن شيئاً آخر أغلق البوابة بعدها».سكتت هنيهة.قال زينزي: «يجب إعلام طاقم الشاطئ».وافقت بصوت مشدود: «سيكون ذلك حكيماً.ما، أحتاج منك أن...» «مريم».التفت رأسها حيث كانت أختها تشير.وهو، بما يثير القلق، عند مقدمة السفينة.وقفت امرأة هناك، ذات جمال بشعر داكن في ثوب رثّ.وكانت عيناها حمراوين، كأنها كانت تبكي لتوها.لقد كانت أروع شيء رأته مريم قط، ويجب حمايتها.كانت تتأزى، و- وهناك طعنة باردة عبرت عقل الحامل حيث لطمت أختها راحتها ضد الحجاب.ركّزي، صرخت هوكس.قالت المرأة: «المساعدة.أرجوكِ ساعديني...» تألمت مريم، لأن الكلمة الأخيرة تموجت كصوت الرعد.وللحظة ظننت أنها لمحت حبلاً باهتاً حول قدمي المرأة، نازلاً إلى الماء، لكن الغريبة جذبت فجأة إلى الماء.حدث طرطشة خفيفة وتركت لترمش بذهول.ثم جاءت الصرخة الأولى من خلفهم حيث بدأت الخفافيش تستيقظ.فزّت زاعقة: «تبّاً لي.الأسلحة للخارج، ارفعوا الأضواء!وليفتح أحدهم تلك البوابة وإلا متنا جميعاً!» كان زجاج مقصورتها ترفاً ممتعاً، أغلب الأوقات، لكنه بدا في تلك اللحظة قابلاً للكسر للغاية.وبدلاً من التقاعد هناك، بقت على السطح وسحبت مسدسها.لم تندفع المخلوقات نحوهم، وهذا هو السبب الوحيد لبقائهم فرصة للخروج من هذا أحياء.كشف ضوء إيزل المشتعل الآن أنها كانت مترنحة، وبدت تكارع لاستعادة توازنها: وبدت الصرخات معبرة عن ذلك القدر الذي تعبر به عن الجوع والاستياء.انقضت الأولى في غضون دقيقة، ضبابية من المخالب والأسنان والعيون المفرطة الكبر.أطلق ترِستان النار لكن طلقته ذهبت بعيداً، ضائعة في الظلام، لترشقها زينزي في الصدر.لم تبالِ، سوى بالصراخ وجعاً.وألغت انقضاضها، هابطة على السطح كطائر عملاق، ورسمت مريم عصف الريح حتى بينماغذّتها هوكس بالغلوم المفروزة.وما بين الاثنين، كانتا أسرع في السحب بأسلحة تالاسيك حتى من أليخاندرا.انطلق تيار من الظلام الأسود الزيتي كعمود ماء وأطاح بالخفاش عن السطح، دافعاً به إلى الماء – حيث هوى بضربة مدوية وصرخة.تعاظم خفقان الأجنحة، ولم يُخمد إلا لحظة حين رمى رونغ ما كرة مستديرة الشكل فانفجرت بضوء ساطع.فكرت: لا نستطيع إمساكهم.وربما لا حتى لو عاد طاقم الشاطئ.وحتى لو فعلوا، فلن يكون ذلك بلا خسائر.جذبت انتباهها أصوات قرقعة عالية، وسلسلة تتمزق حرة عن الماء وترتفع بينما بدأت بوابة المياه تفتح ببطء.وأخيراً، اللعنة.أطلقت مريم النار بعشوائية على خفقان الأجنحة قبل الغطس في المقصورة، مانحة نفسها لحظة للصهاخ فحسب.«السفينة تتحرك.اركضوا!» دافعة بالملازم غولاب جانباً – التي، لشرفها، شحب وجهها لكنها لم تكن ت جبن - أمسكت بالدفة وعدّلت المسار لتبتعد بزاوية عن الرصيف.ابتلعت البوابة الفتحة الحطام نصف ابتلاع، جارفة إياه أعمق، ولكن بينما سقطت قطع ضخمة واختفت في الظلام امتص الباقي تماماً تحت البوابة المفتوحة، حيث علق.صرخات بالأعلى.أخبرتها نظرة جانبية أن طاقم الشاطئ يركض عائداً إلى السفينة.لقد كان هذا أقصى ما تستطيع توفيره من وقت.صفعت مريم العتلة صعوداً، شاعرة والمحرك يطن أسفلها.تلعثم مرة واحدة للعمل المفاجئ المطلوب منه، ولكن بعد تلك النبضة المتخلفة صعد بسلاسة للمهمة.انطلقت الطلقات من السطح، وصرخة ألم تشق الهواء، وبدأ الزورق يتقدم.ألقت نظرة خاطفة على الجدار في نهاية القناة، ثم على ممر المشاة الممتد حتى الرصيف.كان آخر طاقم الشاطئ يركضون على طول الشاطئ، متسلقين عليه واحداً تلو الآخر.وبينما ابتلع الظلام نصف الحطام، ظل النصف الآخر حاضراً وبقوة في منتصف البوابة المفتوحة.صاحت مريم: «استعدوا للاصطدام!»، ورغم نفسها شعرت بقشعريرة إثارة.لم يبقَ على الرصيف سوى اثنين، لكنهما كانا يفتقران للمساحة.كاد إيزل يسقط عن ممر المشاة لكن فيرندا سحبته للأعلى بينما واصلت أنجهاراد الركض على جانب الرصيف حتى اقترب الجدار و...احتاجت مريم للنظر أمامها، نحو الاصطدام السريع الاقتراب، لكن عينها بقيت على هيئة أنجهاراد الرشيقة القافزة على ممر المشاة قبل نبضة قلب من اصطدام نهايته بالجدار، محطمة بصوت طحن مرعب، ورامية نفسها بجانب السفينة لتمسك بها بالكاد.كان إيزل هناك لرفعها، ونظرت مريم أمامها في الوقت المناسب تماماً لتلمع مقدمة زورقها وهي تتمزق داخل الحطام.حدث انفجار ضوضائي، طقطقة مدوية وتطايرت الشظايا في كل مكان بينما تناثرت القصبات الرطبة على واجهة المقصورة.وجهت مريم سفينتها نحو الظلام، شاعرة بالماء يفسح، وشقت الصندل القديم كالسكين في الزبد.سمعت ضحكة برية ومرحة ولم تدرك أنها تخصها إلا حين بدأ وجهها يؤلمها من الابتسام.وخلفهم صرخت الخفافيش، مخفقة ومنقضضة، ولكن حتى بينما تسارعت سفينتها في القناة المظلمة تراجعت.ومهما يكن ما كان هنا، فقد كانوا أخشى منه مقارنة بمدى جوعهم.-- اتسعت المياه مجدداً بعد فترة قصيرة لم تتجاوز الدقيقة.كاد الزورق يغني وهو يشق السطح، لكن إحساس الحركة تباطأ تدريجياً.لابد أن المكان الذي انتهوا إليه كان البحيرة الجوفية، أو مكاناً يؤدي إليها، لكن تعذر الجزم بذلك.وكل ما أمكنهم رؤيته كان ظلاماً سرمداً في كل اتجاه، بينما كانت فقاعة ضوئهم المشتعلة الصغيرة تجر نفسها عبر ماء ساكن وعميق لدرجة بدت كمرآة سوداء.أراحت مريم المحرك، منزلة إياه إلى احتراق أبطأ ثم على وضع الثبات، لكن بدا وكأنهم ما عادوا يتحركون.كانوا يتحركون مع ذلك، غير أن ضخامة مكانهم جعلت الأمر يبدو وكأن حتى ميلاً واحداً كان نصف خطوة.تفقدت بوصلتها، وارتفع حاجباها عند ما وجدته.نادت: «بوليك، خذ الدفة».صفعت ظهره في طريقها وانضمت إلى سونغ في مقدمة الزورق، واقفة عند المقدمة.وكان فكا قبطانتها منطبقين بإحكام.سألت مريم بهدوء: «لا يمكنك الرؤية أمامك، أليس كذلك؟» قالت سونغ: «أصبح الغلوم كثيفاً جداً، وكأننا ننظر إلى دخان».شدت مريم رداءها حولها أكثر.كان الهواء بارداً، هنا بالأسفل، لكنه...راكد، بطريقة ما.لم يمتلك أياً من ملوحة الأعلى وبدا غريباً وفارغاً عند سقف فمها.قالت: «نحن على البحيرة الآن.ما دعاه ترِستان مهد الملك».سألت سونغ: «أستتكنين من إعادتنا صعوداً عبر المجرى المائي ذاته؟» ألقت مريم نظرة للخلف.كان الفاصل الوحيد في الظلام الذي ابتلعهم هو نجمة واحدة في البعيد: قطرة الضوء من الأعلى التي كانت فم بوابة المياه التي عبروا منها.أجابت: «سيكون الزورق بخير.وستستطيع السفن الشراعية الكبيرة فعل ذلك أيضاً، مع بعض العرق.بيد أنني لن أنزل بسفينة شراعية كاملة هنا».لم يكن الكهف بالأعلى ليوسع سفينة شراعية على أي حال، ناهيك عن سفينة حربية.السقف كان منخفضاً جداً.ومن حفر هذا اعتمد على القوارب والصناج، لا الشواخص.قالت سونغ: «إذن المسار صالح ومهمتنا هي العثور على مرسى.ويفضل أن يكون الشاحل في نهاية الخندق».حذرت مريم: «قد يكون ذلك أشق مما يُتوقع».أخرجت البوصلة التي أحضرتها معها.وانحنت سونغ لتجد ذات ما وجدته: إبرة الحجر المغناطيسي كانت تتحرك بعنف في كل مكان، كأنها لا تستطيع تحديد الاتجاه الشمالي.خفضت سونغ صوتها.«ما احتمالية ضياعنا هنا؟» قالت مريم: «منخفضة للغاية، طالما لم تُغلق بوابة المياه.وإذا أردنا نصيحة أزوكار بشيء، فينبغي أن يكون السيطرة على مرسى الكهف ذاك وإبقاء غطاء محكم على عتلات البوابة».أومأت قبطانتها.«أثمة جدوى من اتخاذ مسار آخر؟طالما عجزنا عن التيقّن من الاتجاه الذي نسلكه فعلياً...» وافقت مريم: «إنه جهد ضائع.الأفضل محاولة معرفة حدود هذا المكان، على الأقل لرحلة أولى.ما زال مصباح إيزل يملك نحو أربع ساعات من الاحتراق، لذا أقترح الإبحار للأمام لساعة ونصف قبل أن نعود أدراجنا».ألقت سونغ نظرة خلفهم، ولم تحتاج مريم للتحقق لتعلم تعني من.فرغم حكمة المسار المقترح، كان ترِستان يفقد صبره يوماً بعد يوم.وصلب وجه سونغ.قالت القبطانة ذات العينين الفضيتين: «إذن هذا ما سنفعله.فنحن نعرف القليل جداً عن هذا المكان لنخاطر».تركتها سونغ عند المقدمة بعد ذلك، متجهة لتفقد الطاقم، وتنفست مريم بعمق هواء الفراغ.خرجت أختها من الظلام، ويدها على الصاري بينما تطلعتا معاً إلى العدم.شهيق، زفير.كادت تشعر بالمد ينبض متوافقاً مع الدم في عروقها، وكأنه يندمج مع قلبها.همست هوكس: «ثمّة أمر ما حيال هذا المكان، أليس كذلك؟» أومأت.قالت مريم: «الغلوم هنا، ليس كالدير، ليس وديعاً تماماً، لكن...» أتمت هوكس: «وليس برّياً أيضاً.يبدو ليس كثيفاً بل ثقيلاً، ربما؟» ثقيل كانت الكلمة المناسبة، فكرت مريم.وكأنهم ما زالوا يستطيعون تحريكه لكنهم سيتعين عليهم بذل الجهد.مررن أثيرهن عليه كأصبع تتتبع الماء، وبالكاد يجدن متسعاً إلا إن دفعن.قالت مريم: «كان ترِستان محقاً، هذه ليست بحيرة بسيطة.إنه مكان قوة».قالت هوكس: «حلم ملك باسمه هنا.وما زالت هناك آثار له».ترددت أختها.«أظن أنني أستطيع استخدامها».قطبت مريم جبينها: «استخدامها؟» قالت: «لأصنع لنفسي اسماً خاصاً.غير الذي أعطيتني إياه».اسماً لا يعرضها للخطر بمجرد النطق به.هناك كيانات خارجاً يمكنها تحريف كائن عبر معرفة اسمها، والملاحون هم أقلهم شأناً.سألت مريم: «أمتأكدة أنتِ؟اختيار اسم يتعامل به الغرباء أمر.وما تتحدثين عنه سـ...» عضت على شفتها.كانت هناك حكايات للحرف عن كيانات لها اسم يُنادى به واسم حقيقي لربطها، لكنها كانت أرواحاً وملوك قديمة.لم تكن متأكدة مما قد يفعله هذا بهوكس، التي ستكون أهش بكثير، أو بالنسبة لها – المرتبطة بأختها، روحاً بروح.تمتمت هوكس: «لقد مللتُ من كون مجرد خايموف، أو أختك.واستخدام اسم ليس حقاً لي، أظن أنه سـ...يتآكلني، ببطء وثبات.ويجعل نموي نحو ذاتي أصعب».لذا أرادت وضع اسم جديد كقناع، اسماً يناديها الناس به دون معرفة النواة في قلبها.قالت مريم أخيراً: «سنحتاج للعثور على حيث استيقظ الملك».استرختا كتفا هوكس لعدم وجود رفض أو تجاهل.قالت هوكس: «لا أظن أن لدينا خياراً سوى الاتجاه هناك.هناك شيء في قلب هذا الظلام وينتظرنا».إذن هناك شيء، فكرت مريم.استطاعت استشعاره مثل أختها تماماً،...الانتباه.شيء كان ينتظر، يراقب.الشيء ذاته الذي جذب الخفافيش إليهم بالعلوي لدفعهم للفرار إلى هذه المياه بالذات.بقيا هناك لفترة أطول قليلاً، ومصباح إيزل يسطع في الخلف، حتى مدت مريم جسدها بأنين.كان الأفضل لها استعادة الدفة.دفعت الصاري مبتعدة فقط ليتعثر خطوها بينما تسللت أختها داخلها وأيقظت عينها الميتة.بوهن، استطاعتا تمييز شكل في البعيد.جزيرة، فكرت مريم في البداية، لكنه لم يكن شيئاً طبيعياً.كان نصف كرة مائل مع برشام على الحافة، ولابد أنه بحجم قصر ليكون الظل مرئياً من مسافة بعيدة.وكان هناك شيء مغمور جزئياً بالقاعدة، قمة نصف كرة أخرى مع الفراغ يواجه الاتجاه المعاكس.ولكن بخلاف الأخرى، التي برزت من الماء، اختفى هذا بمعظمه في الأعماق.قالب، فكرت مريم.هذا قالب.وفي منتصف الطريق بينه وبين الزورق كان هناك ظل شاحب، امرأة في ثوب رثّ.كانت فوق الماء كأنها تقف عليه.هذه المرة، مع ذلك، كانت مريم جاهزة لها.شعرت بالتموج في الأثير، دافعة للخوار.وأبقت الحب المفاجئ والحاجة لحماية هذا ا
لشرك بعيداً عن رأسها.صرخت: «وحش!إنه يستهدف عقولكم، لا تدعوه!» بالصراخ، لكن كان هناك ما هو أسوأ: شعر أثيرها باندفاع حركة عبر الأثير، كأن أحدهم لطم سطح بحر الأشكال.تموجت موجة غير مرئية، ثم أخرى بينما هاجم الكائن الأثير بقسوة مجدداً.وهو ما لم تكن مريم لتبالي به – فلن يتأثر سوى الملاحين – لو لم تكن هناك عواقب مادية جداً لتلك التموجات: تيارات من الغلوم، عريضة لكن قوية، بدأت تتناثر حولها.المزيد مع كل ضربة، حتى استطاعت حتى العين المجردة رؤية أمواج الظلام من حولهم التي انقسمت على الضوء الباهت الذي ألقاه مصباح إيزل.في الوقت الحالي، على أي حال.سيستسلم الضوء قبل الظلام.
أدركت برعب أن الوحش أدنى كان يثير عاصفة غلوم.ليست حقيقية، فتلك أضخم وأقوى من أن تكون عمل أي كائن، بل عاصفة في زجاجة لإغراقهم.وتفاقمت التيارات في الظلام حتى بينما بدأت السفينة تتمايل من جانب لآخر.وتعالت الأمواج واشتدت حتى بينما تناثر الغلوم في خطوط.صاحت: «بوليك، أعدنا إلى البوابة».فضلت مريم وضع يدها على الدفة، لكنها كانت ملاحَة وكان عمل الملاحين حاضراً.خرجت إلى السطح، وما زالت أختها تركبها، وزفرتا.كانت تيارات الهواء الثقيلة تنحني، لكن مريم تدربت على عواصف أعظم من هذه.ذهبتا إلى الطرف الأقصى للمقدمة، واقفتين باستقامة، ورفعتا يداً.فجذبت خيطاً من الغلوم، تماماً كما درّسوهما، وبدأتا الإخماد.بوسع سيد حِرفته تكوين كرة غياب في العاصفة بالإرادة والتحكم وحدهما، لكن ذلك تطلب عقوداً للإتقان.وللنمو فيه.لكن الإخماد؟كان الإخماد يُتعلم صغيراً، ومسألة مهارة بحتة.لم تخفيا الخيط عن البقية، فلن يفعل ذلك شيئاً.لا يمكنك إيقاف الأمواج بتفريغ البحر بدلو في كل مرة.لا، بل ما فعلتاه هو تدوير الخيط، وإرساله في دائرة حول السفينة.وتابعتا الجذب، وتابعتا التدوير، تشكيل العاصفة ببطء وثبات.أخذ عمل الوحش ونسجه في حلقة دائرية من الغلوم حول السفينة، تاركتين وزن الغلوم الدائر يجذب المزيد منه إلى الدوران.وقريب بما يكفي لم تكونا نساجين بل مكوكاً يغذّي المزيد من الخيوط في الحلقة، تاركتين التيار ذاته يحني الغلوم لهما.استطاعت الشعور بالوحش يطرق التيار، محاولاً تعطيله، لكنه لم يتحكم في الغلوم.ليس كما فعلتا.وكل ما استطاعه كان تحريكه، كأحدهم يهز داخل قدر.لم يستطع تشكيله، بل جعله يتحرك بقوة عمياء، ولن يكون ذلك كافياً.تغذى تيار الغلوم من نفسه، وغذى نفسه، حتى نسج آل خايموف حول الزورق حلقة دائرية دفعت محاولات الوحش للطرق عليها.وحين بلغ ذروته، حين كان سريعاً وقوياً وقابلاً للتشكيل بشكل مدهش، كل ما كان على مريم فعله كان تخفيف خيط عن تلك الحلقة وإرساله صعوداً.وتركت الدوران يغذّي المزيد والمزيد من الغلوم في ذلك المهرب، ذلك العمود المنتفخ الذي أرسلته للسماء، حتى لم تبقَ قطرة واحدة وبلغت شوكة الظلام المتمزقة نحو القبة ذروتها وبدأت تخبو.مخلفة وحدها هدوء العدم الصامت بينما انتهى الإخماد.شهقت مريم، بجلد محموم، وسقطت على ركبتيها.لقد كان ذلك...وحشياً.ساعدها ترِستان على النهوض، مقترباً دون أن تلاحظه أبداً.بصوت أجش، قالت مريم: «لن يكون قادراً على تدبر ذلك مجدداً.ينبغي لنا...» همس ترِستان: «ملوك».انقض رأسها حيث كان ينظر، والشعور الغائر في بطنها كان صدى لكلمته.كان رأس يعتلي الماء خلف السفينة، رأس بحجم الزورق ذاته تقريباً: وكان يشبه الخنزير في الشكل، لكنه مطول.الجلد أجرد كالحاح الحيتان والخطم كشف عن بعض الأنياب إلى جانب لسان متشعب كالأفعى.ارتفع الوحش، وواصل الارتفاع، وواصل الارتفاع حتى كشف عن جسده الهائل.وامتلك مجسات تشبه الشعر نازلة على ظهره، المئات منها، مع قلة تحمل صوراً بشرية في النهاية كدمى مجنونة.نطقت مريم: «كيتوس.هذا كيتوس».تشكى ترِستان: «هذه ليست مياه مالحة حتى!إنها كائنات بحرية!» هربا.لم يحتاج بوليك لمناداته بتشغيل المحرك بينما اتجه الزورق نحو البوابة البعيدة، لكن الكيتوس طاردهما.الملوك، لم يكن سريعاً لكنه كان ضخماً للدرجة التي تكفي ليكون كذلك.ومع كل جذبة للأمام أرسل أمواجاً جعلت الزورق يتمايل يميناً ويساراً، مبطئاً إياه، وأدركت مريم برعب أنه كان يلحق بهما.توجه نصف الطاقم إلى مؤخرة السفينة، مطلقين كل بندقية وبندقية صيد في متناول اليد، لكن حتى مع قصر المسافة فشل الكيتوس في الاعتراف بالإصابات.وكأنه لم يلاحظها حتى.حصلت سونغ على طلقة في عينه ببندقيته، وبغض النظر عن رمش ذلك الجفن العديم الجفون لم يُظهر الكائنات أي إشارة ألم.رمى إيزل قنبلة، لكنها ارتدت عن الخطم وسقطت في الأعماق – فانفجرت قبل اصطدامها بالماء بقليل، لكن الحرارة الحارقة والضوء فشلا في منحه وقفة.لاحظ ترِستان بحيادية: «لا شيء أقل من مدفع سيقوم بأكثر من خدشه».أجابت مريم: «مدفع، أو أنا».استدار بنظرة قلقة.«لقد تعمقت بالفعل اليوم».أجابت: «لست بخطر الاحتراق بعد.وحتى لو كنت، فأفضل ذلك على أن أُلتهم».أو أُضيف إلى مجموعة الدمى على ظهره، إن كان شكها بشأن أصولها صحيحاً.لم يكلفا أنفسهما عناء أي شيء فاخر حين وصلا إلى مؤخرة السفينة.شكّل الاثنان سهماً دائرياً كبيراً قدر الإمكان وضرباه في أنف الكائن.عض الغلوم في الجلد، ليصل أخيراً إلى اللحم تحته، وأطلق الكيتوس نفساً أعلى من صرخة – تناثر الضباب والبلل كسخّان ماء، مغطياً إياهما جميعاً.وبحلول وقت تشتته كان الوحش يغرق في الماء، لكن مريم لم تُخدع.لقد أقلع للتو عن المطاردة من السطح.«أختي؟» قالت هوكس: «في الأمر»، وغاصت في الأرضية.أسرعت مريم إلى المقصورة، دافعة بوليك جانباً تماماً حين رصدت أختها الأفكار والخوف ضد الحجاب.انعطفت حاداً فوراً لليمين، محرفة السفينة تماماً حين انفتح الفم من الماء – انقض الكيتوس من اليسار، مفجراً صرخات من الخلف حين مر خلف السفينة وهبط في طرطشة أمواج هائلة.لكن الزورق، بفضل الملوك اللعينة، كان أسرع من الأمواج.لقد هربا منه حتى بينما صوبت مريم نحو نجمتهم المرشدة، ضوء البوابة في البعيد.وبقي الكيتوس على السطح، معرباً عن استيائه عبر صرخات عشرات الدمى المعذبة المختلفة.الملوك، ذلك النحيب.وما زالت مريم تطلق زفرة ارتياح، لأنه لن يكلف نفسه عناء البغض إن كان ما زال ينوي المطاردة.وكل ما احتاجوا لفعله الآن كان تجاوز الخفافيش مجدداً، لإعلام رؤسائهم باحتمال وجود تجاعيد طفيفة في خطة الوصول إلى المستودع.