بيل ألايتس الفصل 136

اقرأ بيل ألايتس الفصل 136 باللغة العربية على مانجا تايم.

«هذا غير صحيح»، تنفدت أنجاراد بضجر. «أيُّ جزء؟» سَألت شاليني غويل بابتسامة عريضة. «أذلك الجزء الذي سرق فيه المنكوبون سفينة عبيد، أم الذي تستخدم فيه مريم أرواح الهالكين لامتصاص الرصاص، أم ذاك الذي قتلتم فيه زمرةً كاملةً ونجوتم بفعلتكم لأنهم لم يكونوا قد استلموا لوحاتهم بعد؟» لقد وصلت شاليني مبكرة بنصف ساعة إلى مقهى «التمساح»، مرتدية تحت عباءتها تنانير سوميشوارية جذابة بلون البرتقال باهت. وتكاملت مع بلوزة أنيقة بلون القشّ أُلقي فوقها قماش برتقالي متناسق، لتبدو الطلة شبيهة بفستان مفصّل وإن كان التحرك فيه أيسر غالباً. وممّا لا شك فيه أنه لفت الأنظار إلى ما أنعم به أجداد شاليني عليها من مفاتن وافرة، والتي جعل الجلوس والمرفقان على الطاولة من الصعب عدم ملاحظتها. وكانت أنجاراد قد أجبرت نفسها مسبقاً على عدم النظر مرتين. «لم تُرصَد سرقة أيّ سفينة»، أصرت أنجاراد. «ولم يُقتل أيّ طالب.» ارتفع حاجب شاليني وانحنت للأمام. بذلت الجاذبية قصارى جهدها لكن عيني أنجاراد حاربتا السحب بشجاعة. «أُلاحظ أنك لا تنكرين أمر أرواح الهالكين»، قالت شاليني بمتعة. ومع أنها كان بإمكانها إنكار جمع الأرواح، إلا أن أنجاراد أدركت أن ذلك سيكون بمنزلة تأكيد للبقية. وأما الليدي كايموف، فلم تستطع أنجاراد الجزم بأنها ليست هالكة – فهي لم تلقَ قطّ شرحاً شاملاً لماهية هوكس، بغضو النظر عن كونها روحاً وأخت مريم. وعلى حد علم أنجاراد، كان يمكن لهوكس تماماً أن تكون هالكة بفعل روح ما. «أتردد في الإדلاء بتصريحات في مسألة العلامات»، قالت عوضاً عن ذلك. «پيردوري»، نفخت شاليني ساخرة، ثم اعتدلت في جلستها. «كانت فيراندا تتشمّم الشائعات بشراسة منذ عودتها، لذا جعلتها تحسب هذه الوجبة من نفقات الفرقة طالما أجبتِني عن بضع أسئلة.» وحان دور أنجاراد لتستمتع. كم انحطّ دهاء رامايا التجاري، حتى تضطر شاليني إلى خداع قائدتها بما يكفي فقط لتغطية طعام الحانة وعصير التفاح الرديء. «على الرحب والسعة، اسألي ما شئتِ»، عرضت بلطف. «أصحيح أنكم أحررتم عبيداً؟» «لم تحرّرهم الحراسة رسمياً»، أشارت أنجاراد، «لكننا ساعدنا خمسة من أبناء وطن مريم على مغادرة العبودية لبيت موركانت.» الذي كان سليلُه غُلاماً حقيراً. يلقي بسلاحه ليدّعي أنه أعزل؛ وما التالي، يفرغ جيوبه ليدّعي أنه فقير؟ إنّ هذا النوع من الاحتيال السافر ليستهزئ بالقواعد ذاتها التي يستنجد بها طلباً للحماية. «هذا يغطي بالفعل معظم سؤالي الثاني»، قالت شاليني. «أهم حقاً من القارة الشمالية؟» أومأت أنجاراد برأسها. أجزاء مختلفة منها، حسب ما قيل لها، رغم أنهم جميعاً ينتمون لما تسميه مريم «الأراضي المنخفضة». التقطت رامية الرصاص أنفاسها بذهول. «لم أظن أنني سأرى إيضوريكياً آخر قط»، قالت شاليني. «فهُم ليسوا مشهداً مألوفاً حقاً، بغض النظر عن كايموف. أحسنت صنيعاً بإخراجهم.» طرفت أنجاراد عينيها. «لم أكن أعلم أنك من دعاة إلغاء الرق»، قالت. «سمعت أن الرامايين…» «يتاجرون باللحم البشري؟» أتمت شاليني. «هذا صحيح. ليس بقدر عصبة كانيش على ساحل الأبراج، لكن لرامایا أسواق عبيد في أكبر موانئها جميعاً. لقد عبرت بواحد منها وأنا فتاة، رفقة إشيان، وكان حفرة بؤس.» حنحنَتْ بحلقها، باديةً وكأنها تشعر ببعض الإحراج. «لا تفهميني خطأ، لست مثيرة للفتن»، قالت. «فإلغاء المتبتلين سيكون جنوناً، ومعظمهم لن يرغبوا في ذلك أصلاً، والعمل المستعبَد طريقة جيدة لتسوية الديون والجرائم الصغيرة. لكنْ، أكرانتا، ذلك النوع من العبودية حين يُشترى الرجال ويُباعون؟ إنه لآفة ويجب القضاء عليها.» المتبتلون؟ آه، لا بدّ أنها تقصد عبيد المعابد. كانت تلك خصلة سوميشوارية فريدة إذ إن نصف العبيد تقريباً في إمبراطوريتهم لم يكونوا ملكاً للبشر بل للمعابد. استرجعت أنجاراد بضبابية ما تُعُلّم إياه من أن عبيد المعابد لا يمكن بيعهم وأن حقوقهم محددة بمدونات قانونية صارمة لا يجرؤ حتى الملوك على خرقها – فهم، بطريقة ما، يُعتبرون عبيداً للروح الراعية لمعبددهم وبالتالي فإن ضرب أحدهم يُعد إهانة لتلك الروح. «نادراً ما أوليتُ الأمر تفكيراً يُذكر قبل لقاء مريم»، اعترفت أنجاراد. «إنه يُعد تجارة مستهجنة الانخراط فيها بالطبع، لكن ما عدا ذلك…» واسترجعت أنجاراد بشيء من الخزي أن التجارة كان يُنظر إليها باستهجان أكبر بكثير من امتلاك العبيد. فازدراء امتلاك عبد يعني ضمناً التشكيك في شرف مالكه بعد كل شيء، في حين يمكن وصف التجارة ذاتها بالفوضوية دون توجيه أصبع الاتهام لأحد بعينه. «المال هو ما يفسدنا»، قالت شاليني بلسان فلسفي. «حين يتوفر ما يكفي من الذهب ليُجنى في أمر ما، تصطفّ الأمم لتمتصّ من ذلك الضرع مهما كان الحليب خبيثاً.» شرقت أنجاراد للصورة المستحضرة، لتتلقى نظرة عابثة من السوميشوارية. «السؤال الأخير»، قالت شاليني. «وهذا بيننا فقط.» انحنت للأمام مجدداً، خافضة صوتها. «ما هي احتمالات أن يتعثر ناثي موركانت قريباً في برميل مملوء بالسكاكين وأن نحزن جميعاً بعمق لاستنزاف دمائه بينما تُرى الفرقة الثالثة بأكملها تتناول الطعام في مكان عام؟» آه، لم تستطع أنجاراد حتى أن تشعر بالإهانة من التلميح. لكانت مريم قد قتلت ناثي موركانت شبه مؤكد لو ظنت أنها ستنجو بفعلتها، والسبب الرئيسي وراء عدم إيمان أنجاراد بنجاحها هو أن تريستان حتماً سيغاله أولاً ليضمن عدم توجيه أي تهمة إليها. لم تكن أنجاراد غبية: كان لديها تخمين مرجح للغاية حول سبب مناولة اللص لأحد ضباط دار البوابة بضع قطع فضية بالأمس. فدار البوابة هي حيث تُحفظ السجلات المتعلقة بالأماكن التي يُخصّص فيها للطلاب الجدد غرف للنوم فيها. «حذّر القائد بوار سونغ من أن أمراً كهذا سيُقابل باستهجان شديد»، شاركتها أنجاراد. أرادت سونغ تجنب هجوم الحامية عليهم، ومقابل تلك اليقظة كانت أنجاراد ممتنة. لكنها ظلّت تتمنى لو أمكن إعادة النظر في إصرار قائدتهم على أن نكوسيناتي موركانت لا يمكن استدراجه إلى نزال حماسي تُفقأ عيناه صدفةً. لم يقتصر الأمر على إهانة اللقيط لمريم بقسوة في العلن، بل حاول ضربها أيضاً. وإن مبارزة شرف لأقلّ ما يستحقه. وإذا تصرف نبيل بهذه الطريقة بلا عواقب، فمن واجب أقرانه ردعه. «إذن موركانت باقٍ هنا لفترة إذن»، كشرت شاليني. «تباً. أتعلميين أنه كان يسأل عن الفرقة الثالثة، أليس كذلك؟» «توقعنا ذلك»، قالت أنجاراد. «مؤسف تدخل ضباط الحامية»، تفكرت السوميشوارية بصوت عالٍ. «لكان سيكون بياناً مدوياً لو أنكم أطحتم بفرقتين تاسعتين واربعين على التوالي.» توقفت أنجاراد. «عفواً؟» «ألم تسمعي؟» سألت شاليني باديةً بمظهر المندهش. «صديقك هو الآن القائد نكوسيناتي موركانت من الفرقة التاسعة والأربعين. لديه بالفعل زمرتان مصطفّتان، إحداهما من طلاب السنة الأولى السكريتاي. الجميع يتحدثون عن ذلك.» «لم يكن لدي الكثير من الوقت للشؤون الاجتماعية»، قالت أنجاراد. «لقد أمضينا يوم أمس في تسكين أبناء وطن مريم ولم يُترك لنا وقت لأي شيء آخر.» ليس هي شخصياً. وبالنظر إلى اتساع عيني الصبي الصغير كوفال هلعاً لدى رؤيتها، لم تكن أنجاراد لتلوم مريم أبداً لاقتراحها ألا تكون من بين الزمرة المصاحبة لهم. مهما كانت الكلمات التي وجهتها صديقتها لهم في ريكنيغفور بعد التعارف، فقد خففت بعض الشيء من حدة التوتر هناك، لكنهم ظلّوا حذرين. لقد كان كرماد على لسانها أن تعلم أن سلوك بيت موركانت في الخارج قد يلوّث سمعة بيريضور بأكملها بهذه الدرجة. لقد اختفت سونغ في المعرض ليلة البض وعادت هذا الصباح فقط، منقبة عن سيلة تتيح للإيضوريكيين البقاء، وذكرت على الإفطار أنها كانت تلتقي بضباط الحامية لتتبع خيط ما. وفي نفس الوقت تطوعت إيزل بالأمس للذهاب مع عمال الميناء لجلب سفينة مريم من حيث أرستها الحامية، ومن المتوقع عودتها ظهيرة اليوم، وقد ترك هذا الغياب المزدوج تريستان ومريم للتعامل مع آل أوريلا. إرشادهم في الشوارع المسموح لهم بالتجوال فيها ثم التأكد من إطعامهم وكسوتهم وراحتهم. وهذا بدوره ترك لأنجاراد مهمة التعامل مع الأمور التي اعتادت سونغ وتريستان إدارتها، شاغلة معظم ظهر أمس وهذا الصباح. لقاء القائد وين، شراء المؤن وسحب الأموال من الخزنة. بل وأضافت أسطراً إلى دفتر حسابات فرقة الثالثة، وهو ما بدا تدنيساً مقدساً نوعاً ما نظراً لأن خط سونغ الأنيق وحده هو من ملأ الكتاب حتى ذلك الحين. والمسافات الواجب قطعها استغرقت وقتاً بقدر التزامات، فوّجت، ذلك الذهاب والعودة المؤسف بين البلدة والكوخ. وهناك سبب لامتلاك الثالثة غرفة في البلدة، رغم أنه لو لم يقدّموا لمالك عصفور المطر بضعة خدمات العام الماضي للحصول على تخفيض كبير لكانت تلك رفاهية باهظة الثمن حقاً. «الاجتماعيات هي ما وُضعت ليلة اليوم لأجله على أي حال»، هزت شاليني كتفيها. «ساحة البؤس ليست سوى مرجل كبير للتباهي والاحتكاك بالأكواع. وستكون أسوأ هذا العام حتى، فالطلاب الجدد سيضخمون الكتلة القائمة ويبدأون كتلهم الخاصة.» «أنا أتطلع بشوق لذلك»، اعترفت أنجاراد. «لم يتسنَّ لنا الحضور العام الماضي.» «ستحصلين على الكثير من طلاب السنة الأولى المتحمسين للاستفسار عن أصفوديل»، تنبأت رامية الرصاص. «ليس وكأنك ما كنت لتبرزي على أي حال: ذكرت فيراندا أن الكولونيل كاو سيضع لوحة خشبية عليها تقييمات فرق الشرائط. أخذكم أنتم المنكوبين المركز الثالث دون أن تكونوا أمراء الحراسة سيجعل الناس يتحدثون.» «لم أظن أن الأمر سيصل إلى هذا الحد قط»، تفكرت أنجاراد، «لكنني أؤمن أنني ربما بدأت أتعب من رواية قصص حرب أصفوديل.» إنه ليوم حزين حين لا تعود حتى فكرة إبهار النساء الجميلات بأفعالك كافية لجعل سرد القصة أقل مللاً. قهقهت شاليني، متخامسة الإغماء وضغطت نفسها ضد أنجاراد. «أه، الليدي تريديغار، حدثيني أرجوك عن كيف حاربت الكاهن الأكبر مجدداً»، مازحتها. «لقد كنت شجاعة للغاية.» راحت تداعب عضلات أنجاراد مازحة، وترمش بعينيها، ووبخت البيريضورارية نفسها لملاحظة كيف كان ثديَا صديقتها يضغطان ضد ذراعها وعيناها مخطوطتان بجاذبية بالكحل. كانت شاليني أرملة ثكلى، وليست معجبة. مع ذلك، ربما لن يضر التذكير بكيفية إساءة فهم ودودتها. «إذا كنتِ مصرّة جداً على تحسس ذراعي، سيدتي، فيمكن ترتيب عرض خاص»، ماطلت بصوت متثاقل، ناظرة إلى الأصابع التي ما زالت على عضلة ذراعها. همهمت شاليني، قريبة بما يكفي لتكاد أنجاراد تشعر بالاهتزاز على خدها مثل حرارة أنفاسها. «وكيف للمرء أن يشرع في الحصول على ذلك العرض؟» سألت شاليني غويل بنبرة متهدجة. تجمّدت أنجاراد. انتظري. انتظري. أكانت حقاً- اصطدم إناء خشبي بسطح الطاولة، ممتلئاً بالبطاطس المسلوقة وشرائح سميكة من لحم الضأن. ابتعدت أنجاراد كمن مسّتها النار، مسعلة في قبضتها لتجد أن سالفادور يقف في الجانب الآخر من الطاولة بملامح وجه راضية. «أدوات مائدة»، بصق بكلمات خشنة عليها. «سأعود.» ثم انتقل بصره إلى جانب أنجاراد، وما وجده هناك جعله شاحباً. «سالفادور»، قالت شاليني ببرود قارس. «ألاحظ أنك مبكر بخمسة عشر دقيقة عوضاً عن، لنقل، متأخر خمسة عشر دقيقة.» أشار الساكرومونتاني إلى إنائه. «تيرنايسكو»، قال. «من أجل لحم الضأن؟» زمجرت شاليني. «تيرنايسكو»، أجاب سالفادور مدافعاً عن نفسه، مشيراً إليه مجدداً. «نصف السعر. تيرنايسكو.» تنحنحت أنجاراد، ناهضة على قدميها. «أشعر بشيء من الجوع أنا الأخرى»، قالت. «سأجلب إناءً. شاليني؟» حدقت بها السوميشوارية للحظة، ثم انكمشت. «أرجوك»، قالت. عادت أنجاراد بعد بضع دقائق بإناءين وبنبض قد تباطأ. يمكنها فك رموز ذلك الإدراك المفاجئ لاحقاً، فلم يكن ذلك سبب طلبها من الاثنين الآخرين اللقاء في البلدة. «انتشرت الأخبار بشأن لحم الضأن»، أخبرتهما. «كنتَ حكيماً بقدومك مبكراً يا سالفادور، فأي تأخير لكنتم قد نفدتم.» كان هناك الكثير من الساكرومونتانيين هنا لدرجة تجعلك تظن أن مستعمرة تُؤسس، وفي أي لحظة الآن توقعت أنجاراد أن يطل تريستان من زاوية مظلمة ما ليطالب بإنائه الخاص. أطلق سالفادور، الذي كان يمضغ قطعة دهنية، صوتاً موافقاً. مُرّرت الأواني وكما يقتضي اللباقة انتظرت أنجاراد حتى شارك الجميع لبرهة قبل طرح الأمر الذي دعتهما من أجله إلى هنا. اعتدلت في جلستها ومدت يدها نحو دفترين ومخطوطات عديدة جلبتها، مما جعل شاليني ترفع حاجبها. «آه، هكذا إذن تخبريننا الآن لماذا لديك ما يكفي من ملاحظات صيد الوحوش لفريقين حربيين من القفر»، قالت رامية الرصاص. «كنت أتساءل.» ويبدو أنها كانت تتلصص في الأوراق حين لم تكن أنجاراد تنظر، على ما يبدو. تنحنحت البيريضورارية. «لقد التمستُ، طوال فترة الاستراحة، سُبُلاً لقتل الليمورات الثلاثة والعشرين المدرجة حالياً على اللائحة الفولاذية ونلتها بمعظمها»، قالت. كان خمسة منها إلى حد كبير «تجميع براميل البارود قرب مخرج القفص وإطلاق النار عليها حين يكون الوحش قريباً»، لكن ذلك لم يكن إلا سبباً إضافياً للبحث عن عيون جديدة. على أي حال، لم تكن أنجاراد قادرة على الحصول على ما يكفي من البارود لخمس عمليات قتل كهذه. اثنتين على الأكثر، إن كانت مقتصدة في الشحنات. «أمضت فرقتي إستراحتها في ساكرومونتي لحضور عيد المشاعل والسكر لمدة شهر»، أشارت شاليني، «لكن لكل امرئ ما يناسبه.» عبس سالفادور، جادباً ندب الصليب على ذقنه. «لماذا؟» «الوقت ينفد أمام الأرواح في الأكالار»، قالت أنجاراد. «إن لم تُتخذ الترتيبات، فمن المؤكد تقريباً أن بعضها سيموت ويعبر إلى الموت. أخشى أن يزداد الأمر سوءاً حين يجتاز طلاب السنة الأولى تصفيتهم.» إن الدفعة الجديدة من الوفيات في الحصيلة ستجعل طلاب السنة الثانية أكثر تردداً في المخاطر بأنفسهم. وأي شخص يموت هناك سيبقى عالقاً خلف وفيات العام الماضي القديمة ودفعة هذا العام الجديدة قبل أن يُفتدى من براثن الأكالار.وبالنظر إلى أن عامهم لم ينجح حتى في مسح صحنهم الخاص عندما لم يكن أحد يضيف وجبات جديدة، لم تكن تلك الاحتمالات جميلة. استمر سالفادور في العبوس، ولم يقل شيئاً. «سألقي نظرة على هذه»، قالت شاليني ببطء، ويدها مستقرة فوق الدفاتر، «وإن حصلنا على زاوية جيدة ورابع راسخ للطاقم فأنا منفتحة على خوض محاولة مع اللائحة الفولاذية. لكن شتان ما بين ذلك وبين مطاردة الموت وحشاً تلو الآخر، يا أنجاراد.» «لن أموت لأجل الموتى»، بصق سالفادور بخشونة. «لا أطلب منكم تولي كل هذه»، أكدت لهما أنجاراد. «بل أود، عوضاً عن ذلك، دعمكم في تتبع جميع فرق القتل. أود أن نخوض حرباً على تلك اللائحة عوضاً عن مهاجمتها قطعة بقطعة. هذه الفرق التي أنشأناها، لا وجود لها إلا لأننا نريدها أن توجد. ليس ثمة ما يمنعنا من مطابقة أفضل المقاتلين، وأفضل العقود والأسلحة، مع كل عملية صيد على تلك اللائحة.» استطاعت أنجاراد أن تشعر بتردد الاثنين الآخرين. «كان أمراً آخر أن نتنافس حين كان كل ما يُراهن عليه هو سلامتنا وحدنا»، تابعت أنجاراد، «لكن الآن، رفض التكاتف يعني تسليم رفاقنا للموت مقابل لا شيء سوى ماذا – حقوق التفاخر، والتصنيفات والأوسمة التي بالكاد تهم الآن ولن تعني شيئاً بعد بضع سنوات؟» رفعت شاليني يديها مهتدئة. «ليس الأمر أنني أعتقد أنك لا تقولين شيئاً منطقياً»، قالت. «أنا أتفق معك. لكن كل هذه الخطط-» نقرت بإصبعها فوق الدفاتر المتراكمة. «- تعني هباءً إن لم نجلب فرق القتل الأخرى معنا»، تابعت شاليني. «ولكي أكون صريحة، لست متأكدة من قدرتنا على إشراك فرق القتل الأخرى.» شبكت أنجاراد ذراعيها. «لكنك توافقين، من حيث المبدأ، على النهב»، ضغطت. نظرت شاليني عابرة نحو سالفادور، الذي هز كتفيه. «نعم»، قالت، وحين نظرت إلى الساكرومونتاني أومأ صامتاً. «إذن لدينا بداية»، قالت أنجاراد. وما زال أمامها الكثير من الكلام لتقوغه. لحسن الحظ، لن تكون هناك حاجة للركض في أنَّزاي محاولةً العثور على السكريتاي الآخرين: ففي غضون بضع ساعات سيجتمعون جميعاً في ساحة البؤس. -- «إنه مريض»، أخبرها تريستان، داحرجاً عينيه. لم يكن على اللص أن يدحرج عينيه أثناء قول «مريض» لتعلم أن أنجاراد كانت أقل دقة عند ادعاء ذلك، لكنها قدرت الالتزام بالاستهزاء. لقد أصيب الحرفي ظاهرياً بحالة شديدة من محاولة تجنب خطيبته السابقة قبل فترة وجيزة من انطلاق المنكوبين في الكوخ نحو البلدة، مما ترك بقية الفرقة متوجهة إلى ساحة البؤس دونه. «قد يجنبنا ذلك معركة صراخ أمام معظم جسم الطلاب تقريباً»، قالت سونغ، «لذا يحظى مرضه بتأييد الكامل. يمكنه تسوية شؤونه الخاصة في الخفاء.» عبست أنجاراد. «ياوتل أكاتل أميرة»، قالت. «بالتأكيد هي أعقل من أن تقوم بمثل هذا.» أطلقت مريم شخير ساخر. منحت البيريضورارية صديقتها نظرة عابرة، كاتمةً تكشيرة عند رؤيتها: بدت مريم كايموف مرهقة للغاية بثلاث طرق على الأقل، وكأن قماشها يُسحب بشدة لدرجة أنه بدأ بالتنسل. نأمل أن يساعدها نوم هادئ ليلاً، لكن أنجاراد كانت تراودها الشكوك. فبعض أنواع التعب لا يفعل النوم القليل لإصلاحه. «الفتيات الوديعات لا ينضممن إلى مدارس الحراسة سيئة السيت للموت سعياً وراء خطيبهن بعد التخلي عنهن»، قالت مريم. «والشيء الوحيد الذي يحبه الإزكاليون أكثر من الحديث عن الهلاك هو قيام أحدهم بافتعال جلبة.» منحتها أنجاراد نظرة متشككة، لكنها لم تجادل. لم تكن تعرف الكثير من الإزكاليين، ولا طريقتهم، بينما كان مرشد مريم من تلك الأرض. وضعت تنحنحة من قائدتهم حدا للحديث على أي حال. «دبوس زينتك منحرف»، قالت سونغ لمريم. «عدليه لطفاً.» تفقدت تلك النظرة الفضية الجميعَ، وأخذت أنجاراد بعض الفخر في الإيماءة الموافقة التي تلقتها وبعض المتعة في الطريقة التي فتحت بها سونغ فمها مرتين لتقول شيئاً عن تريستان قبل أن تتنهد ببساطة وتصمت. دفاعاً عن اللص، كان زيه الرسمي نظيفاً وقد اغتسل قبل ساعات فقط. ولم يكن من المفترض أن تبدو ملابسه متجعّدة هكذا، ومع ذلك ها هم أولئك. وتلك كانت قبعة مثلثة الشكل ممتازة جداً يرتديها، حتى وإن كانت تُرتدى في الغالب لإخفاء الخصلة الذهبية في شعره. ومع رضا سونغ عن مظهرهم بالقدر الذي ستصل إليه، انطلقوا في الشطر الأخير من الطريق نحو ساحة البؤس. لم تكن مسيرة مزعجة، ومعظمها في الجزء الأجمل من ميناء أنَّزاي. ساروا صعوداً نحو حراسة المعابد لوهلة، عابرين المتاجر وبصحبة عدد غير قليل من الطلاب المتجولين بمفردهم أو في حشود، ثم توجهوا شمالاً مباشرة عبر شوارع ضيقة متجاوزين نهاية المثلث. هناك تقع النهاية الخلفية لجادة آرساي، ليس وكأنهم سيصلون إليها نظراً لأنه قبيل النهاية الجنوبية لتلك الجادة تنتظرهم ساحة كبيرة: ساحة البؤس. لم تسبق لأنجاراد زيارتها، وفي الحقيقة أقرب ما اقتربت منها كان في طبقة ما. عادةً عند التوجه إلى جادة آرساي من البلدة، كان الأسرع سلوك طريق الهلال، الذي ينحني قبالة الطرف الشمالي لجادة ريغانت. من حيث المبدأ، كانت مسيرة أطول، لكن الحarrison استخدم الهلال لتحريك الدوريات نحو جادة آرساي لذا كانت الأراضي خالية من الأرواح ومعبدة جيداً. عملياً، جعل ذلك الطريق الأقصر والأكثر أماناً. لذا فبشيء من الترقب انحت أنجاراد بعد أن انعطفوا في الزاوية، كاشفة عن مساحة من- وابتلعت ريقها، فما رأته تحدى الوصف السهل. كان ينبغي أن يكون الحديث عنه بسيطاً. ساحة مفتوحة كبيرة من أحجار الرصف البالية، محاطة بمعبدين مهدمين جزئياً وما كان قصراً لملوك سولوغيه القدماء قبل أن تحطمه حربان ونجم الصباح. وكان ذلك كذلك، لكن كانت هناك… آفة، في هذا المكان. لقد أُكل الحجر بما يبدو كالجذام، إن كان لمثل هذا المرض أن يصيب الحجارة، وكان هناك حضور كئيب يلف ساحة البؤس. كانت الظلال تركض عميقة وطويلة هنا، جوع قديم يلوح في الفراغات بين أضواء الفوانيس. ظنت أنها تستطيع رؤية عظام ملقاة هناك في الظلام، ووجوه شبحية تنظر إليهم من زوايا فارغة. «سونغ؟» تمكنت من إخراجها. لم تكن التيانكسي هي من أجابت، رغم أن عينيها الفضيتين كانتا تتلألؤان يمنة ويسرى. «إنه الغسق»، قالت مريم. «الغسق القديم، مثل…» ابتلاع ريق. «مثل موجة اجتاحت هذا المكان وخلفت وراءها بركاً من الموت»، أتمت المدققة. «وما زالوا بحاجة للجفاف.» صدقت أنجاراد ذلك بكامل قلبها. بقايا المعبدين حملت فوانيس ضخمة وضعتها الحراسة وهناك بين القصر المهدم وقف جهاز مرآة عظيم كان بمثابة منارة صغيرة، لكن كانت هناك أزقة مظلمة تنحني بين المساحات المضيئة بدت وكأنها عميقة قليلاً، سوداء للغاية. ليس مجرد ظلام. «ساكاس فعل هذا»، قال تريستان ببطء. الكاهن الأجوف الذي التقى به تريستان في الطبقة، نفس الشخص الذي سلّم الكوخ لحراستهم. ليست بفكرة مريحة، أن يناموا تحت سقف واحد مع شخص قادر على ترك ندبة كهذه في مدينة. «من كان، على أي حال؟» سألت أنجاراد. «لم أسمع الاسم قط قبل أن يخبرنا به تريستان لأول مرة.» «نادراً ما يُذكر في التاريخ»، قالت سونغ. «ساكاس المحاضر، هكذا كان يُدعى، واعتقد المؤرخون أنه لم يكن سوى باحث قبل سقوط أنَّزاي. قيل إنه كان أحد أوائل عبّاد البيت بلا شمس، لكنه عُرف في الغالب كمعلم لأسماء أكثر شهرة.» ما كان لرجل من البيت بلا شمس أن يُوصف بالبريء، فكرت أنجاراد. قد تكون كاردينالاتهم قد اشتهرت بالممالك المجوفة التي نحتوها من الظلام الذي جلبوه على الإمبراطورية الثانية، لكن قيل إن الطائفة نشرت بدعها عبر الإمبراطورية خفية لعقود من قبل – فمقابل كل كاردينال مشهور يخنق عجائب ما قبل الطوفان، كان هناك ألف خائن هادئ ينخرون لييرغان من الداخل. «إنه مكان كئيب لإقامة سهرة فيه، ساحة البؤس هذه»، قالت أنجاراد أخيراً. «مناسب، أود القول»، أجابت مريم. «تذكير جيد بأن في العالم ما يتجاوز مشاحناتنا التافهة.» شعور استطاعت أنجاراد تقبله، بالنظر لما تنويه لعملها في الأمسية. سرعان ما وجدوا مكاناً للوقوف، عابرين وسط بدايات الحشد. كانت الكتلتان العظيمتان للقوة قد أقامتا بالفعل على طرفي الساحة المتقابلين. إلى اليسار الفرقة الأولى، بقيادة الودود فيفيك لاهيري، وإلى اليمين التاسعة بقيادة المستبد سيباستيان كامارون. وحشد حلفاؤهم الأقرب حولهم، فرق اكتظت صفوفها بكثافة لصالح الحراسة أو الشركات الحرة واختارت جانباً وفقاً لذلك. تجنبت الثالثة الاثنتين، قادمة للوقوف بجانب الأعمدة المكسورة لمعبد قديم صدفةً أن جلس مقابل عمودين خشبيين يحملان لوحة. لقد عرضت تصنيفات الشرائط، كما أقرها الكولونيل كاو. لم تكن الوحيدة التي أطلقت لسونغ نظرة مسلية لاختيار الموضع. وقبل أن تتمكن أنجاراد حتى من الشروع في تمييز السكريتاي الذين قصدت التحدث إليهم، وُجهت الدعوة إليهم. حرصت القائدة نينيتل تشابول من الفرقة الثالثة على التوقف لإجراء دردشة مع زمرتها. كانت أنجاراد تعرف اثنين من الثلاثة بالفعل – أحدهما من السكريتاي، جزء من طاقم أليزيا سالاس، بينما كان أونكي بوكانغ مشهداً مألوفاً من تجمعات نبلاء مالاني. أما رابعهم، وهو مدقق سوميشواري، فلم يمنح أكثر من كلمات معدودة لمريم. تفرقا بود بعد بضعة دقائق، وكان تصريح القائدة نينيتل جلياً للجميع: فرقتها على علاقة طيبة بالثالثة، وعلى عكس الأولى والتاسعة لم تكن متعجرفة للغاية بحيث لا تسعى لحلفاء بدلاً من انتظار مجئيهم إليها. ويبدو أنها لم تتخلى عن طموحاتها في إزاحة الفرقة التاسعة كمحطة للطلاب المنتمين للحراسة رغم احتلال الثالثة المركز العاشر فقط وفقاً لتصنيفات الشرائط. «إذن لم يتواصل موركانت مع الثالثة»، قالت سونغ بهدوء. «ستكون إما الأولى أو التاسعة.» «يمكنني تقصّي أمر التاسعة»، عرضت أنجاراد. «ليس بسرعة كبيرة»، قالت قائدتها. «وإلا فسيبدو الأمر وكأننا قلقون – أو الأسوأ، نختار جانباً.» ولا يزال ذلك إذناناً، وهو ما يلبي احتياجات أنجاراد على أي حال. كان موسى شانغي أحد قادة الطواقم الذين تحتاجهم لكن سيكون خطأ الاقتراب منه مبكراً. انلت أنجاراد جانباً وبحثت أولاً عن بضعة وجوه عرفتها. بيبك الطويل من الفرقة الثامنة، ثم أليزيا سالاس من الثانية. كان الاثنان مستعدين للجلوس معها قبل بدء الحصص لمناقشة اللائحة الفولاذية وإحضار طواقمهما معهما، مما يجب أن يمنح أنجاراد نفوذاً كافياً للانتقال الآن إلى الأسماء التي ستكون مائلة للرفض. عادت إلى الثالثة لتجد أن تريستان قد اختفى، ومريم كانت تستند إلى عمود بينما تبدو ساكنة وصلبة بشكل مثير للريبة وغطاؤها منخفض، وسسونغ كانت تتحدث مع أليخاندرا توريرو. «طلاب السنة الأولى بالكاد يصلون الآن»، أشارت أليخاندرا. «أراهن أن رعاتهم أخبروهم بالحضور في السابعة عوضاً عن السسته، لنمنح وقتاً أطول بدون الوجوه الجديدة.» «بعض فرق العام الماضي تفككت خلال الإستراحة»، قالت أنجاراد. «احتاجوا للوقت لتجميع أخرى جديدة معا.» شكلت الحراسة الفرق كما تشاء من أولئك الذين لم ينضموا إلى فرقة بحلول وقت بدء الحصص، لكن خلال العام السابق وجد أعضاء تلك الفرق المفروضة إلى حد كبير طلاباً آخرين يفضلون العمل معهم لعامهم الثاني. أولئك النفر التعساء الذين لم يجدوا فرقة مرة أخرى كانوا يستميتون للعثور على واحدة الليلة. سيكون موتاً لسمعتهم أن يُعينوا في إحدى «الفرق المتبقية» مرتين على التوالي. «هل اقترب منا أحد؟» سألت أنجاراد بفضول. يمكن للفرقة أن تضم ما يصل إلى سبعة أعضاء بعد كل شيء، ولم تكن الثالثة تضم سوى خمسة. هزت سونغ رأسها وضحكت أليخاندرا، وكان صوت الضحكة قاسياً. «ربما قرب نهاية الليل ستحصلين على بضعة»، قالت بعدها. «لكن ليس قبله. أنتم المنكوبين تعيشون بقسوة وصخب مبالغ فيهما لأجل ذلك.» القادمة ممن كان قائدها توبوك شيكال كان ذلك مسيئاً نوعاً ما، لكن سونغ لم تبدِ أي إهانة ظاهرة لذا تركتها أنجاراد تمر. أجرت حديثاً مهذباً لفترة، متفقة على أن طلاب السنة الأولى المتدفقين الآن يبدون أصغر من أن يُحتملوا ثم عادت لتجوس خلال الحشد. الأفضل البدء بأسهل الاثنين، حسبت. تجاهلها موسى شانغي حين حاولت خطف نظرتها والتحرك لحديث خاص، مما أجبرها على زيارة الفرقة التاسعة علناً والمعاناة عبر الاستعراض الذي صنعه سيباستيان كامارون لودهم المزعوم. على الأقل يمكنها التيقن من أن موركانت لم يصل إلى التاسعة، لأن كامارون لم يكن ليقدمها بافتخار للكثير من حلفائه لو كانوا أعداء الآن. مضت عشر دقائق قبل أن تتمكن من الوصول إلى موسى، وعلى الأقل كان مبارز السيوف مستمتعاً بما يكفي بحرجها سيئ الخفاء ليبدو بمزاج أفضل ملحوظ. ليس وكأن ذلك استمر. «ما الحاجة لمناقشة أي شيء؟» عبس حين طرحت المحادثات. «سنقتل ما نستطيع، هذا كل ما في الأمر.» «مشاركة الأساليب، ومشاركة المعلومات وحتى الأسلحة، يمكن أن تحدث فرقاً كبيراً لنا جميعاً»، قالت أنجاراد، ثم سمحت لثانية بالمرور. «وافق بيبك وأليزيا.» حدق بها متأملاً. «ولكن ليس لينديوي»، قال موسى. كان أمراً مبالغاً فيه الأمل في ألا يلاحظ ذلك. يمكن القول إن لينديوي سارو تقود الطاقم الأكثر نجاحاً، لذا فإن غياب اسمها سيُبرز أكثر بوجود كافة الأسماء اللاهثة خلف كعبها. «لم أسألها بعد»، أجابت أنجاراد من خلال أسنان مصطكة. «لأنني إن وافقتُ، فلديك كل الفرق القيادية باستثناء فريقها»، أشار موسى شانغي. «ستبدو كحمقاء لرفضها، بما أن جعل البقية يوافقون سيكون كافياً بالفعل لجهور معظم المقاتلين بدون طاقم معتاد بالحضور.» دقت شفتاها ولم تجب. كان على حق، بالطبع، واستمتع علناً بكيفية إجبارها نفسها على عدم التململ أمام التشريح الدقيق لمكائدها. «حسناً»، قال موسى أخيراً. «سيأتي طاقمي. لكن هذا معروف مدين به، تريديغار.» بامتعاض، أمالت رأسها موافقة. بدا سيئاً لها أن يتطلب التجمع من أجل قضية إنقاذ أنفسهم تبادل المعروف، لكنها لن تنكر أن ترتيب تحالف كهذا بنجاح سيمنحها بعد ذلك قدراً عظيماً من النفوذ بين دفعتهم. بالكاد تخلصت من التاسعة بحلول الوقت الذي باغتتها فيه لينديوي سارو، غير منتظرة أن يُبحث عنها. وضعت المالانية في زيها الرسمي مفصل التفصيل نفسها مباشرة في طريقها، مما أجبر أنجاراد إما على التوقف لها أو صدمها. كادت تصدمها كرهاً تافهاً. «سمعت أنك كنت ترتضين لعقد الصفقات يا تريديغار»، قالت لينديوي. «من كانت أذناه ملتصقتين بالأرض سيسمع الغبار في الغالب»، أجابت أنجاراد بسهولة. كانت تقتبس مثلاً، مما أعفاها من الحاجة للدقة. جلب لها الهجوم نظرة متعجرفة، ولكن بلا رد ساخر. «إذن ما قصة اجتماع فرق القتل هذه؟» سألت لينديوي. «أظن أنك قد تحتاجين المساعدة، لكن ليس من شيمتك الطلب.» تساءلت أنجاراد عما إذا كان بيبك الطويل أو أليزيا هما من تحدثا. حسناً، بالكاد يهم الأمر. بموافقة موسى أصبح لديها الآن الثقل لإجبار يد لينديوي على أي حال. «مشاركة للوسائل والإستراتيجية لتطهير اللائحة الفولاذية»، قالت. «أود أن أنظم عامنا ونشرع في الأمر بالشكل الصحيح.» التوى وجه لينديوي بغرابة – وكأنها تحاول التهكم لكنها لا تكاد تتمكن من إحضار نفسها للقيام بذلك. «هذا حكيم»، قالت، باصقة الكلمات. «سألتزم بكل سرور بطاقمي الخاص لمثل هذه المناقشة.» أتوافق بصدق، أم لأنها رأت أن أنجاراد عادت للتو من محادثات مع موسى وكل ما يعنيه ذلك؟ قد يكون الاثنان معاً. بدا أن لينديوي مصممة على استعادة رفيقها الساقط إن استطاعت، وهو أحد الجوانب الأكثر احتراماً في شخصية المرأة الأخرى. «إذن سأرسل رسالة حين يُستقر على موعد ومكان»، أجابت أنجاراد. تبادلتا الإيماءات وترددت لينديوي قبل أن تنحني للأمام. «احرسي ظهرك يا تريديغار»، قالت، خافضة صوتها. «تلك الأميرة الإزكالية التي ستصبح واحدة منا؟ لقد كانت تطرح العديد من الأسئلة حول المنكوبين.» لم تستطع أنجاراد إخفاء مفاجأتها تماماً، مما جلب تهكم لينديوي. «لا تقرئي الكثير في هذا»، قالت. «السماح للقادم الجديد بالدوس على سمعة طالب سنة ثانية سيقلل شأننا جميعاً في أعينهم.» «بطبيعة الحال»، أجابت أنجاراد، بنبرة جافة جداً. «شكري للتحذير.» إذن اكتشفت ياوتل أكاتل الفرقة التي ينتمي إليها إيزل كوياك. كان تريستان قد حفر بالفعل مسبقاً أنها ستكون سكريتاية وكانت الزيارة المتوقعة متوقعة حسب الأصول، لكنها كانت أخباراً طازجة أن الأميرة وضعت الثالثة في مرماها بالفعل. كان بإمكان سونغ استخدام التحذير بأن الزيارة تكاد تكون مؤكدة الليلة. عادت لتكتشف أن تريستان ليس وحده ما زال غائباً بل إن مريم قد اختفت هي الأخرى. «آكيلار ينقرون في قطعة قديمة من الغسق ويتجادلون»، أخبرتها سونغ. «جُنّدت مريم للمساهمة، شيئاً عن "حساسية الشعارات".» «وتريستان؟» سألت أنجاراد. لقد غاب لنصف ساعة على الأقل الآن. «لست متأكدة»، اعترفت سونغ. «آخر مرة رأيته كان يتحدث مع ذلك الأبمق الوندي من الفرقة التاسعة. قد يكون شأناً يخص الأقنعة – فقد بدا وكأنهما يساومان على شيء ما.» ربما كان الأفضل عدم معرفة ذلك، تفكرت أنجاراد. سيخبرهم تريستان إن كان سيعنيهم في أي وقت. وميض حركة قادمة في طريقهم لفت انتباهها، وما بدأ لنظرة جانبية تحول لنظرة كاملة. فلم يكن هناك خطأ فيمن كان يزحف نحوهما بعد كل شيء: كانت الأميرة ياوتل أكاتل واحدة من أكثر النساء لفتًا للانتباه اللاتي رأتهن أنجاراد قط، وحتى في ملابس الحراسة السوداء المفصلة ببساطة كانت تبرز. طويلة وممشوقة القوام، توازن على حافة الشفرة بين الممتلئة والمشدودة، بشعر أسود طويل ينسدل منسياً بلمحة مائلة للحمرة تقريباً. كان وجهها مطلياً بطريقة بسيطة لكنها لافتة للنظر: جبهتها حمراء، بخط غير مطلي في المنتصف، وخطين أفقيين سميكين عبر وجهها بارتفاع الأنف والذقن. كانت عيناها محاطتين بحذر بالأسود، مما جعل لون بنيهما يبرز. مشت برشاقة كسولة لقطة صيد، وكانت يداها خشنة كقاتل. كان صراعاً عدم التحديق، لكنها سيطرت على نفسها. غالباً. «الأميرة قادمة»، لاحظت أنجاراد. «أستطيع رؤية ذلك، نعم»، أجابت سونغ من خلال أسنان مصطكة. النساء بمظهر كهذا سيأمرن بالاهتمام حتى وإن لم يكنّ أميرات أيضاً، لذا لم يكن مفاجئاً أن يتبع الكثير من النظرات مسيرة ياوتل نحوهما. أيّ شيء سيأتي لن يمر دون تعليق. «على الأرجح سترغب في مناقشة إيزل»، قالت أنجاراد. «أنا على دراية»، هسترت قائدتها. بينما كانت تغريها بشدة إضافة «الجميع ينظرون إلينا»، شكت أنجاراد في أن ذلك قد يكون دفعاً لحظها. كانت لدى سونغ رين الكثير من وسائل الانتقام التافهة تحت تصرفها لتُعادى بغرض الترفيه الخفيف. عوضاً عن ذلك وضعت أنجاراد نظرة غامضة على وجهها وتوسعت ببراعة ضد العمود، ويداهما معلقتان في حزامها. وإن حدث وكان ذلك بطريقة تلفت الانتباه لكل من سيفها وطول ساقيها، حسناً، فهذه الأمور تحدث. نظرت إليها سونغ، ممسكة بالنظرة طويلاً بما يكفي للتعبير عن الاشمئزاز التام. رفعت أنجاراد ذقنها بتعجرف للخلف. لم يعد إيزل يعتبرهما مخطوبين، الأميرة غير مرتبطة. وأيضاً فوقهما، اعتباراً من الآن. «مساء الخير»، حيتهما ياوتل أكاتل، مائلة رأسها. «هل أنا محقة في فهم أنكم من الفرقة الثالثة عشرة؟» أمالت سونغ رأسها للخلف. «القائدة سونغ رين»، قالت. «الأكاديمية.» انتظرت أنجاراد حتى وجدت نظرة الجميلة إياها قبل إمالة خاصتها، متكبرة. «أنجهاراد تريديغار»، قالت. «نقابة السكريتاي.» هوت نظرة ياوتل إلى كمّها – الخاطئ، مع ذلك – لذا لا بد أن سمعتها سبقتها. «ياوتل أكاتل»، عرفت الأميرة بنفسها. «أوصي بي لنقابة السكريتاي أيضاً.» لم تكن تمتلك الثآلول الصحيحة للرماح، فكرت أنجاراد. في الوقت الحالي لم يكن لدى الأميرة سوى سكين على خصرها، إلك من تلك القطع السميكة ذات الحدين على الطريقة الإزكالية، لكن أنجاراد راهنت على تفضيلها للسيف أو الفأس على الدبوس. لقد كان ذلك في طريقة تحركها، وزوايا ذراعيها – لقد اعتادت النحت، لا التحطيم. الزوايا لم تكن نفسها. «لقد سررت بلقائك»، أجابت سونغ. ثم لم تقل شيئاً. أخذت أنجاراد لحظة لتُعجب بمناورة محاولة جعل مواصلة المحادثة التي جاءت الأميرة لإجرائها محرجة للغاية. ويا للأسف، تفوق الذكاء الملكي على الحيل الثورية. «سمعت أنك قائدة إيزل كوياك»، انطلقت ياوتل إلى الأمام. «ابن أوكسومو كوياك، بارون كوكويا.» أه، مثير للاهتمام. كانت هذه هي المرة الأولى التي تسمع فيها أنجاراد الاسم الأول لوالد إيزل، الذي طالما سمعت مناداته بلقبه «رأس الكلب» كوياك. «أنا كذلك»، قالت سونغ. انتظرت ياوتل المزيد، لكن لم يأتِ شيء. واصلت المناورة، فكرت أنجاراد بمتعة. لا يُقال إن سونغ رين استسلمت بعد تحطيم مجرد متراس أول. «أرى»، قالت ياوتل، متنحنحة بحلقها. نظرت إلى أنجاراد، التي رفعت رأسها إلى الجانب وردت بنظرة باردة. تنقلت عينا الأميرة صعوداً وهبوطاً عليها، رغم أنهما للأسف استقرتا على سيفها أكثر من ساقيها. «أرى»، كررت ياوتل أكاتل، ثم عدلت كتفيها. «فيما يخص هذا الأمر، يرجى فصل إيزل كوياك من الفرقة الثالثة عشرة.» استقامت أنجاراد فوراً، مستقرة في وضعية صحيحة حتى حين تحولت عينا سونغ إلى جليد. «ولماذا»، سألت قائدتهما، «أفعل ذلك؟» «إنه أمر شخصي»، قالت ياوتل. عبست أنجاراد. لقد كفّ عن كون ذلك بمجرد توريط ضابط إيزل الأبرز فيه. «متاعبك مع إيزل كوياك من الأفضل تركها وراءك في إزكالي»، نصحت أنجاراد. «إذن أخبرك حقاً من أكون»، قالت الأميرة بخفة. «يسعدني أن أرى أن لديه ما يكفي من الشجاعة لذلك.» تبادلت أنجاراد نظرة مع سونغ، مسعلة في قبضتها بعد ذلك. وبينما كرهن حديثها السيئ عن رفيقهما، لم تكن ياوتل مخطئة في أن تجنب إيزل إياها لم يكن جديراً بالمدح تماماً. «خطبتكم السابقة-» بدأت سونغ. «نحن»، قاطعت ياوتل بحدة، «ما زلنا مخطوبين. لقد ضغط بيتي على الكهنة لتعليق الخطوبة بدل حلها. بعد إقامة المراسم المناسبة، ستستأنف بالكامل.» «إن كنتِ لا تزالين تنوين الزواج منه»، عبست أنجاراد، «فلمَ تطلبين فصله من الثالثة عشرة؟ ليس هناك ضمان بأنه سينضم لزمرتك.» إن سُمح بمثل هذا الأمر أصلاً بين طلاب من سنوات مختلفة، وهو ما شككت فيه. «لا أريده أن يكون في أي زمرة»، أجابت الأميرة بجهامة. فهمت سونغ قبل أن تفهم أنجاراد بنبضة قلب. «أنت تحاولين طرده من شولومانس»، قالت قائدتها. «لكنه سيظل في الحراسة إن حدث ذلك، يا أكاتل.» «لكنه لن يكون عهديّاً بعد الآن»، قالت ياوتل بهدوء. «مقابل تعويض مناسب، يمكن ترتيب تقاعد من صفوف المنتظمين.» أثارت النبرة الهادئة المؤكدة هواجس أنجاراد بطريقة مزعجة للغاية. «إنه لا يريد العودة إلى إزكالي»، قالت بجهامة للأميرة. «لم أرد أن أتعرض للإهانة أمام العاصمة بأسرها»، قالت ياوتل. «أو أُمنع من مجتمع اليغور. وبالتأكيد لم أرد الدخول في محادثات خطوبة مع أخيه. لكن الرغبة هباء والعجلة تدور.» كانت نظرتها لا تزال جامدة وتحت تلك القشرة من الهدوء، استطاعت أنجاراد أن تشعر بغضب يغلي. مثل بركان على بعد ركلة واحدة من الانفجار. «سيعود إيزل إلى تسكاتلان، حيث يكفر أمام الملوك ويرد كل ما أخذه مني»، أخبرتهما ياوتل أكاتل، وكأن ذلك مكتوب عبر السماء ليكون كذلك. «وما إذا حدث هذا دون تحطيم مسيرتكم المهنية في العملية هو الجزء الوحيد من هذه الرحلة المجهول حتى الآن.» شبكت أنجاراد ذراعيها، غير متأثرة. «أنت لست الأولى التي تهددنا»، قالت سونغ بهدوء مساوٍ. «سأكون الأخيرة»، أجابت الأميرة. «لكنني لا أريد محاربتكم، القائدة سونغ، كما أبذل جهداً لتوضيحه. سمِّي ثمناً معقولاً للمعروف الذي أطلبه، وسأدفعه.» بسطت يديها. «لست ابنة الخط الرئيسي لأكاتل»، قالت، «لكنني لست في غير رضا مع دمي. ذهب، كتب، أسلحة – يمكن الحصول على الكثير بإرسال رسالة واحدة إلى إزكالي.» لو لم تكن أنجاراد على معرفة طويلة بسسونغ، لما لاحظت التوتر الطفيف في الكتفين حين ذُكرت الكتب.أكانت سونغ تحتاج إلى مجلد نادر؟ لم تقل شيئاً من هذا القبيل، لكن حينئذ بالكاد أتيحت لهما لحظة للتحدث منذ أن عادت إلى أنَّزاي. «ابعدي»، قالت لها سونغ. «واعتبري هذا الموضوع مغلقاً.» حدقت الأميرة بهما معاً، بلا طريف. «ليس لدي عداوة معك»، قالت. «لكن إن تقاطعتم بيني وبين إيزل كوياك، فقد يكون هناك ضرر ذو طبيعة جانبية.» «تهدديننا بالخرق»، استهزأت أنجاراد. «أعدك، يا أكاتل، أنه لو ألحقت بك ضرراً فلن يكون ذرة منه جانبياً. إيزل كوياك رفيق: لن أمدح أفعاله السيئة، لكنني لن أسمح لك بتدميره عناداً.» تحركت عينا ياوتل إلى الجانب. «القائدة سونغ؟» حثّت الأميرة. «لا أقبل رشاوى»، قالت سونغ رين بلطف، «وسيكون أفضل لو لم أضطر لإخبارك بالابتعاد للمرة الثالثة.» حدقت ياوتل بهما لحظة، ثم أومأت. «مؤسف»، قالت. «أستطيع احترام النزاهة، إن لم يكن الغرض الموظفة لأجله. آمل أن يتم جلب هذا الأمر للنهاية دون إلحاق إصابة بالغة بكم.» ودون كلمة أخرى التفتت وابتعدت. لم تستطع أنجاراد حتى إحضار نفسها للاستمتاع بالمنظر وهي تتابع مغادرتها مع سونغ، في صمت، حتى أطلقت شخرة فجأة. «ما الأمر؟» سألت سونغ، متنهدة بالفعل. «نحن مشهورات حقاً الآن»، قالت أنجاراد، مسرورة تقريباً. «الآن لا داعي حتى لصنع أعداء، فهم يأتون إلينا بأنفسهم.» حدقت بها عينا فضيتان بعدم تصديق لوهلة طويلة وقابلتهما دون أن تطرف. ثم تشظّت قناع سونغ وانفجرت ضاحكة، لتضحك أنجاراد هي الأخرى أيضاً. بعد تلك الجولة الأخيرة من التوتر، بدا الأمر وكأنه يشق ديملاً. وضعت يداً على كتف صديقتها، مبتسمة، رغم أن قبضتها اشتدت دهشة حين قطع الظل الضوء. للحظة فقط، والتفتت متوقعة رؤية بعض طلاب السنة الأولى يقفون أمام جهاز المرآة في القصر صدفة – لتكتشف أنه لم يكن بشراً إطلاقاً. من الجثة المحطمة لعرير ملك قديم ارتفعت ثلاثة قرون منحنية عظيمة، كل منها أطول من رجل ومثبتة على رأس عظيم لما قد تدعوه أنجاراد حصناً رمادياً لولا جلده الوعر المغطى بالصخور. ارتفع المخلوق لكامل طوله، مساعدة إياه أصابع مشوهة مقززة للتسلق من مخبأه لعرض ارتفاع برج، وكانت هناك نبضة من الصمت الذهول لدى رؤية الشكل الضخم قبل أن يطلق صرخة جعلت أحجار الرصف تحت أقدامه تهتز. سحبت أنجاراد نصلها، واحدة من كثيرين فعلوا ذلك، واندلعت الصرخات إلى جانب نصف مائة مسدس – فقط لكي يسحق المخلوق جهاز المرآة تحت قدميه وتأتي الفوضى عاوية في انفجار من ضوء حارق.