لفظت “سيكولومانس” بالجميع كأنهم تحولوا إلى لقمة بالغة البشاعة: ولم يكن هناك أدنى محاولة لقتل الطلاب أو خداعهم بينما كانوا ينسلون خارج الأراضي.فقد خلفت تلك المراسم الغريبة والمرعبة اضطراباً في نفوسهم جميعاً لدرجة أن أنوار “أوريري” بالأعلى بدت وكأنها مواساة جوفاء، ولم تكن الفِرقة الثالثة وحدها بأي حال هي مَن انسحب فوراً إلى مساكنهم.كلا، بل كان الجميع، بلا استثناء، يتوقون لوضع الجدران بينهم وبين تلك النعمة المرعبة التي مُنحت لهم.انتهى المطاف بأنهاراد في أحد المقاعد المريحة، وهي تعبث بشرائط زيها الرسمي بشرود بينما تُحدق في فنجان الشاي الموضوع أمامها؛ورق أسود شرقي من جمهوريات “سانشينغ”، ذو نكهة مدخنة قليلاً استمتعت بها.لم تذقه قط حتى قدّمت لها سونغ فنجاناً منه للمرة الأولى، ومع ذلك أصبح سريعاً أحد مفضلاتها.كانت أنهاراد ما زالت تفضل القهوة، لكن كان هناك شعور غريب بالراحة في أن تُقدّم لها شايًا أعدّته سونغ رين.بدا الأمر كأن أحدهم يرعاها، وكأنه تربيتة خفيفة على الكتف أيضاً؛فسونغ لم تكن لتعد إبريقاً لأي شخص، لذا فإن تقديم واحد لها كان علامة تفضيل.خصوصاً عندما أخرجت مخزونها الخاص، كما فعلت اليوم.أما إيزيل ومريم فقد قُدّم لهما شاي “كوريل” الأخضر، بناءً على تفضيل مشترك بينهما، بينما كان تريستان يحتسي ما لم تستطع أنهاراد سوى وصفه بأوراق نعناع مغليّة.نفخت أنهاراد لفافة من البخار، واحتست من فنجانها قبل أن تضعه على الصينية الفضية.بدا الصوت الخفيف عالياً وسط السكون.كانت الفِرقة الثالثة جالسة في غرفة الجلوس بالكوخ، متزاحمة على المقاعد والأريكة التي أعيد حشو وسائدها.كان ضوء “أوريري” يتسلل شاحباً عبر النوافذ، وسادت لحظة طويلة من الصمت بينما واصلوا احتسي الأكواب التي قُدّمت لهم.كان إيزيل هو من أنهى الصمت، إذ وضع بدوره فنجانه على الصينية قبل أن يعقد ذراعيه.قال إيزيل كوياك بجهامة: «حسناً.كان ذلك مرعباً».رغم إرادتها، أطلقت أنهاراد ضحكة خافتة تعقيباً على صراحته.قالت: «أتفق معك.الصراخ وحده…» لم تسمع قط روحاً تصدر مثل هذا الصوت من قبل.بالطبع، لا ينبغي للمرء تطبيق قوانين البشر على جنسهم، لكن الألم الشديد الذي امتلاه صوته… كان مزعجاً.لقد رشح بالقسوة، وحتى حين تُمارس ضد روح تستحق الموت بقدر قسوة “سيكولومانس”، فلا شيء يدعو للفخر.ناهيك عن وعدك بها أربع مرات أخرُيات.أقرّ تريستان قائلاً: «كان بإمكاني الاستغناء عن الصراخ».تنهدت مريم وهي تفرك جبهتها: «جرّب أن تسمعه مضاعفاً.كان يصرخ في الأثير أيضاً».كانت مكفهرة طوال طريق العودة، بتلك الطريقة التي تفعلها كلما أصيبت بصداع نصفي.حافظت أنهاراد بحكمة على مسافتها وحرصت على أن يقف تريستان دائماً بينهما؛صحيح أن “أَسفوديل” قد غيّرت بعض ما استقر بينهما، لكن الأحمق وحده هو مَن يُحرك أصابعه أمام سلحفاة عضاضة حين تكون بالفعل في مزاج سيء.قالت سونغ: «جرّب أن ترى الملك وهو يُقطّع على ذلك العرش.لا أعتبر نفسي شخصاً ينزعج بسهولة، لكن ذلك كان مزعجاً عن حق».انسلت شقيقة مريم من ظلها، متخذة جسداً لفترة كافية لتتكيّك على جانب الأريكة.كانت أنهاراد لا تزال تكافح لربط المعرفة بأن “هوكس” ترتدي هيئة “غلوم” بينما تبدو صلبة كأي امرأة وقادرة على لمس الأشياء المادية دون إفسادها.ومع ذلك، لم يكن الأمر عائداً لها لتفهمه.عيناها تريان ما تريان.قالت هوكس: «إذن هذا ما كان يحدث.لم نستطع تبين الأمر، كان كمن يحاول الرؤية عبر عاصفة ممطرة».حاولت أنهاراد أحياناً التأكد من المقتضى الذي تقطن فيه إيزيفوريكا الصغرى داخل عين أختها الميتة، مانحة كليهما نوعاً من الاستبصار، لكنها تخلت عن الأمر في النهاية.فإن وُجدت علامات لذلك، فلم تكن علامات مادية.كان الأفضل ببساطة افتراض أنه في أي وقت لا تدوّن فيه هوكس حضورها بوضوح خارج مريم، فهي تقطن في العين.أخبرتها أنهاراد: «شعرتُ ببعض القلق على صحتكم، بالنظر إلى طبيعة هذه المراسم.يسرني أن أرى أن هذا لم يكن له أساس من الصحة، ليدي كايموف».أومأت هوكس -التي أُخبروا ألا ينطقوا باسمها الحقيقي أمام الآخرين- برأسها رداً عليها، بادية مسرورة للغاية.لم تكن أنهاراد متأكدة لماذا اعتبرت المرأة الأخرى مناداتها بـ”الليدي” إطراءً.فقد كانت ابنة زعيم إيزيفوريكي، حسب علم أنهاراد، وليست مسجلة في “الحرس”.لم يكن اللقب سوى حق مستحق لها.قال إيزيل: «بالحديث عن الصحة، هل يشعر أحد بأي اختلاف؟».نقر الرجل عريض المنكبين بلسانه.«قال اللورد آشر إننا سنكون “أكثر حدة”، ورغم أنه كان تعبيراً بليغاً، لكنني كنت لأفضل بعض التفاصيل العملية».حديث شبيه بصانع أدوات.راحت أنهاراد تشد عقدها بشرود، مغطسة أصبعها في لمحة سريعة قبل أن تطلقها.جاء الأمر بسهولة كما كان في السابق، وحركت كتفها وهي تزن كلماتها.لقد كان إحساساً غامضاً، حدود طاقتها، لكنه بدا تماماً كما كان حين اختبرت عقدها في الساحة خارج “سيكولومانس”.تطوّعت قائلة: «أظن أنني قادرة الآن على استخدام عقدي بشكل متكرر أكثر.ربما مرة أو مرتين إضافيتين خلال الفترة الزمنية نفسها».شاركتها سونغ بالقول: «لم ألاحظ أي اختلاف مع عقدي الخاص».اتجهت نظراتهما الاثنتان نحو تريستان، الذي كان المتعاقد الثالث في فرقتهما، لكن الرجل أشعث الشعر اكتفى بهز كتفيه.وقال: «من الصعب عليّ الجزم.لا أعتقد أنه تغير؟».ثم رمق الجانب بنظرة خاطفة، وتوقف كأنه يستمع لأحدهم وأدار عينيه.آه، لابد أن ليدي “فورتونا” البارعة ذات الحظ العاثر كانت تهمس بالأسرار في إذنه.أمر يحسد عليه حقاً.استطرد تريستان موضحاً: «لا تغيير.لكن “فورتونا” العظيمة والقوية تشارككم وفيرة من المعرفة-» قاطعت مريم قائلة: «تناول شريحة الملك خفّف الاحتكاك الميتافيزيقي بين أجسادنا والأثير، مما يعني أيضاً بينك وبين الملوك التي أنت مرتبط بها.تريستان قريب بالقدر الكافي مسبقاً وسونغ تستخدم عقدها باستمرار، لذا فإن الوحيدة التي يظهر عليها الأمر بوضوح هي أنهاراد».مرّت لحظة.نقل تريستان: «لقد تم حرمانكم كنيسياً».أجابت مريم دون أن ترمش: «سأعد الرشاوى المناسبة لترتيب عودتي إلى الجماعة».اختلجت شفتَا أنهاراد.نأمل أن تقرر هاتان الاثنتان يوماً ما ما إذا كانا يغازلان بعضهما أم لا، ولكن حتى ذلك الحين فهما على الأقل بمثابة تسلية لائقة.قالت أنهاراد: «مع ذلك، شعرتُ بالقليل من هذه الحيوية الموعودة».أخبرها إيزيل: «أنتِ الأكثر لياقة بدنية بيننا.ليس في الأمر مفاجأة تذكر».تبع ذلك بنظرة خاطفة في اتجاه تريستان ومريم، ورغم أن نظرته لم تكن مجاملة إلا أنها كانت عادلة تماماً.جعدت الأخيرة أنفها.قالت: «لدي صداع نابض، لكني بصرف النظر عن ذلك لا أُحس بأي اختلاف».قالت سونغ: «إنه عامنا الأول فحسب.يجب ألا ننسى ذلك».تتبعت أنهاراد مسار أفكار قائدتها بعد لحظة.فقالت: «تعتقدين أن الاستهلاك الأول قد يكون مخصصاً في الغالب لتمهيد الأرض للاستهلاكات اللاحقة.إعداد أجسادنا لتحمل نعم إضافية».ورربما نعم أقوى أيضاً.لم يُقل إن كل انتصار ضد “سيكولومانس” سيجلب مكافأة متساوية.سردت سونغ رداً على ذلك: «لمَ تستمر الدراسة في “سيكولومانس” خمس سنوات؟لمَ لا تكون أربعاً أو ستّاً؟».تتبعت القائدة ذات العينين الفضيتين بإصبعها حافة فنجانها.«أُخبرنا أنه بعد السنة الثانية لن يتم تدريس مادة “المنشور” بعد الآن وستصبح “الساقا” مادة اختيارية بحتة.قد يكون وقتنا هنا أقصر، إذا كانت الحصص هي الاعتبار الوحيد».قال إيزيل وهو يحدق في الحديقة عبر النافذة: «إذن خمس نعم هي ما يريده الحرس من الخريجين.أتساءل عما قد تمنحه لنا الأخريات».قالت سونغ بمكر: «سيكون ذلك جداً جديراً بالبحث».كظمت أنهاراد تنهدتها.لم يكن الأمر أنها تكره القراءة، أبداً!كانت القراءة هواية لائقة لسيدة حسيبة نسيبة، تثري شخصية المرء ومحادثته.بل كان الأمر أن الكتب التي كانت سونغ تكلفهم بقراءتها تميل إلى أن تكون مملة بعنف.وهي تعلم إن لم تقرأوها أيضاً، لأنها كانت تطرح أسئلة عنها على العشاء.بعد المثال القاسي الذي ضُرب بمريم بسبب ذلك التاريخ عن مملكة “سولوغير”، لم يكن أي منهم ليجازف بمواجهة مثل هذا المصير.قال تريستان: «لا يسعني إلا أن ألاحظ أن أياً منكم لا يطرح السؤال الأهم».التفتت أنهاراد لتطرف بعينيها نحوه ولم تكن الوحيدة.كان لدى تريستان أبراسكال موهبة في ايجاد زوايا ينسى بقيتهم حتى التفكير بها.توقف اللص لبرهة.«لقد أكلنا ملكاً، فهل يعني ذلك أن علينا تفويت العشاء؟».قهقهت أنهاراد، وفعل إيزيل مثلها، ولكن عندما حاولة مريم خنقه بوسيلة وسادة كان ذلك شكلاً من أشكال العدالة.لكان الوضع ليتحول إلى قدر كبير من المشاحنات لو لم تتدخل سونغ لتفصل بينهما.أمرت سونغ: «إن شعر أي منكم بتغييرات، جسدية أو غير ذلك، فلتبلغوني بها فوراً.في حين أن نعم “سيكولومانس” قد تكون مفيدة، إلا أنه لضرب من السذاجة افتراض أنها آمنة».تنحنحت.«لدى معظمنا مراسم ثانية للاستعداد لها.نظراً للوقت الذي سستغرقه تسخين مياه الاستحمام، يجب أن نبدأ في العملية في أسرع وقت ممكن».عرض إيزيل: «يمكن لشخص آخر الذهاب أولاً.أُحتاج لحلاق رأسي مجدداً، سيستغرق الأمر بعض الوقت».حدقت أنهاراد في ذلك الرأس الذي لم يكن يحمل سوى ما يزيد قليلاً عن شعيرات قصيرة.بدا الأمر عناءً عظيماً أن يمر المرء بالسكين على فروة رأسه مقابل محصول زهيد كهذا، لكنها استطاعت تفهم الرغبة في بذل جهد لتلك الليلة.سألت: «هل تلقي بأفضل ما لديك للمأدبة؟».أشرق إيزيل في وجهها بابتسامة.«لقد كنت أتطلع إلى ذلك».لم تجد صعوبة في تصديق ذلك.فقد اجتمعت جمعيات الكلية الثلاث لإقامة وليمة ضخمة احتفالاً بتخرج جميع طلابها.على مدار الأيام القليلة الماضية، رست السفن حاملة معها ليس فقط صناديق بأكملها من أطايب الطعام بل موسيقيين وراقصين أيضاً.سادت الأقاويل في دوائر “مالاني” بأنه قد تكون هناك حتى ألعاب نارية مستوردة مباشرة من الجمهوريات.تابع إيزيل: «تفتح البوابات في السادسة، لكني أتوقع أن يبدأ معظم الناس في الوصول قرب السابعة.سونغ، عشاؤك في...» أجابت سونغ بفتور: «السابعة، لكن معظمنا سيبدأ في الوصول أقرب إلى السادسة.يمكننا التوجه إلى الميناء معاً، فمعظم الرحلة مشتركة».قالت أنهاراد: «لابد أن أعترف بأنني أغبطكم على مراسم الأكاديمية.تبدو حفلة التنكرية أمسية رائعة».رقصة ذات طابع خاص!لقد حضرت بضعاً منها فقط في “بيريدور”، لكنها كانت أماسٍ لطيفة.ليت مراسم تخرج “السيكريتاي” تحمل ولو لمسة يسيرة من هذه الأناقة.تنهدت سونغ: «عنى ذلك أيضاً ثوباً جديداً بلون الحرس الأسود.كان يمكنني الاستغناء عن ذلك الجزء».كظمت أنهاراد غيظها.لم تكن قد وضعت ذلك في الحسبان.عرضت: «على الأقل كانت الخياطات يتقاضين المال».اعترفت سونغ: «هذا صحيح».وكما تبين، فإن الفرقة التي أبحرت إلى “أسفوديل” تفادت، عن طريق الصدفة البحتة، أحد الأخطار التي دبرها الحرس للطلاب.وفي حين أن أسعار السلع وقوت العيش في ميناء “ألازي” كانت في متناول اليد وأكثر في بداية العام، إلا أنها ارتفعت ببطء وثبات حتى صار كيس الأرز يُباع بنصف وزنه ذهباً.وهو أمر، بداهة، لم يكن مستداماً حتى لأثرياء أمراء الحرس.وبحلول الوقت الذي رَسَت فيه الفرقة الثالثة في ميناء “ألازي”، أصبحت العملة عديمة القيمة إلى حد كبير وتمت تسوية كل شيء تقريبا بالمقايضة – إذ كان أصحاب المتاجر لا يزالون يقبلون العمل والسلع كوسيلة دفع.في الأسبوع التالي مباشرة لرسوهم، بدأت المتاجر برفض العملة كلياً وأُغلق فخٌ محكم على الغافلين.اضطرت جماعات بأكملها لمغادرة مساكنهم في الميناء إلى بلدة في الضواحي تدعى “سكراتاون” حيث توفر وجبات فقيرة وسقف بأجر زهيد، لكن القيام بذلك أضاف ساعات من السفر إلى كل شيء.أما بالنسبة لطلاب الخطوط، فقد عُتبر ذلك اعترافاً بالفشل.بالوصول قرب نهاية العملية، تجنب الفِرقة الثالثة إفراغ خزائن فرقتهم – التي كانت، للعلم، فارغة في الغالب بالفعل – وبدأت عوضاً عن ذلك في قبول العقود مبكراً.بعضها مع الحامية والبعض الآخر مباشرة من المعارض، والتي تصادفت صدفة تامة في أن تضم قسماً كاملاً من المكافآت شديدة التنافس تُدفع بالمواد الغذائية.ومع ذلك، كان الجزء الأغرب في الأمر كله هو أنه بعد بضعة أشهر، خلا ميناء “ألازي” من جميع الطلاب المغادرين لاختبارهم السنوي ولم يتبق سوى عدد ضئيل من الجماعات في المدينة المدمرة.لقد كان عدد الطلاب ضئيلاً لدرجة أن جميع الفصول والجداول الزمنية دُمجت.على الأقل بدأت المتاجر بقبول العملة مرة أخرى عندما تحول ميناء “ألازي” إلى مدينة أشباح، وبأسعار معقولة أيضاً.بدأ تريستان يقول: «أتدرين، لو ساعدتنني...» قاطعت سونغ بقطعية: «لن أهربك إلى الحفل التنكري.لا يهم مقدار المكافأة الذي سيجلبه لك ذلك، فلن أضيع النقاط قبيل إعلان الكولونيل كاو عن التقييمات النهائية».أشار تريستان: «لا يمكن للمرء أكل النقاط».لاحظت أنهاراد: «لا تُقدّم العملة على المائدة عادةً أيضاً».رمقها بنظرة متباينة.تأملت مريم بصوت مسموع: «أظن أنني سأتوجه معكما.لستُ مطلوبة في الدير حتى الثامنة، لكن يمكنني إهدار الوقت في المدينة حتى ذلك الحين.ربما أتناول طبقاً في “كروكوديليان”.أنهاراد؟».«يجب أن أكون في “أكالار” في السابعة، لذا للأسف لن أرافق أيًا منكم.ما لم...» توقفت عن الكلام وهي تنظر إلى تريستان، الذي هز رأسه نافياً.أخبرها: «ليس هناك تخرج لكريبتيا»، ثم تنحنح.«كقاعدة عامة، أثنيك عن تناول أي طعام أو شراب يناولك إياه قناع».أوافق إيزيل الرأي: «على المرء دائماً اعتبار السم حين يُقدّم له فنجان»، كأن هذا أمر معقول ليُقال.رمقته أنهاراد بيأس.لقد سمعت أحاديث عن ولع بلاط التقويم المزعوم بالتسميم، لكنها ظنت أنها مجرد أحاديث عابرة.فبالتأكيد لا يُسمح للوردات إيزكالي بقتل بعضهم البعض هكذا، يقتل بعضهم بعضاً في وضح النهار.كان ليُستدعى سامٌ مشتبه به لمبارزة شرف ويُقتل، مما يضع حداًّ لإرهابهم!قالت سونغ: «إذن لدينا واجباتنا.إيزيل، سيستغرق شعري وقتاً طويلاً ليجف لذا سأخذ حمامي الأول كما عرضت بلطف».قال بفروسية: «بكل سرور».تفرقوا للعناية بشؤونهم فور إفراغ جميع الأكواب.لقد كان من سوء الأدب، حسب قول سونغ، مغادرة مثل هذا التجمع قبل أن ينتهي الجميع.مع ذهاب الاثنين اللذين لديهما أمسيات اجتماعية للاستعداد واختفاء مريم لأعلى لتأخذ غفوة، تُركت أنهاراد واقفة بجانب الحوض لتجفيف الأكواب بقطعة قماش عندما ناولها إيزيل إياها.كان عملاً بسيطاً وممتعاً سمح لعقلها بالشرود.إلى أن بقي فنجان واحد وانزلق من أصابع تريستان المتصلبة ليسقط مرة أخرى في الماء، ليغدو الساكرومونتان ساكناً تماماً.لعنت أنهاراد بخفة، ممررة يداً أمام عينيه، فلم يبدِ أي رد فعل.إذن، غيبوبة.بدأت العد التنازلي، كما طلبت منه.بعد لحظة أطلق نفساً ممزقاً، مغمضاً عينيه وهو يتكئ على المنضدة.كانت هناك قطرة عرق على جبينه، وخمنت أنه لو كانت عيناه مفتوحتين لكانت البقع الذهبية فيهما كالجمر المشتعل.«كم المدة؟» قالت بهدوء: «خمس ثوانٍ.إنها لا تحسّن يا تريستان».قال، ولكنه بدا فاتراً: «ولا تسوء أيضاً».«كلما تم الانتهاء من الضريح أسرع...» حاولت ألا تبدو وكأنها توجه اتهاماً، لكنها شكست في نجاحها بذلك.أقفل تريستان حديثه: «انظري، الأمر ليس بهذه السهولة.تعلمين أنني حاولت إقامة ضريح منزلي ولم يفعل شيئاً.وحين جربت ضريحاً عاماً آخر مرة—» قالت أنهاراد غير مبالية: «لقد صبغت تمثالاً في نافورة أمنيات باللون الأحمر، ثم أضفت إليه بعض الشعر الأصفر.معظم الأرواح كانت لتعتبر ذلك إساءة».كان الصياد ليقتلها على الأرجح بسبب أمر كهذا.كانت تدرك أن تريستان وراعيته الخاصة تربطهما علاقة مغايرة تماماً، لكن لكل روح كبرياؤها.ولا ينبغي للمرء أن يطأها بلا داعٍ.أصرّ قائلاً: «طلبت تمثالاً وقدمته.على أي حال، أحتاج إلى تصريح من الحامية لإقامة ضريح عام لائق وقد كانوا يماطلون في الأمر».عقدت أنهاراد حاجبيها.«يريدون رشوة؟» كانت تظن ظناً حسناً بحامية تولومونترا.بعض ضباطها يعاملون بعض الفرق بشكل أفضل من غيرها -برزت الفرقة التاسعة في هذا الصدد- ولكن بغض النظر عن هذا الرعاية، قيل إنهم كانوا صريحين في تعاملاتهم.تنهد تريستان: «أتمنى ذلك.كلا، أي ضريح جديد يحتاج إلى إذن اللجنة المبهمة ولدي انطباع بأن طلبات الطلاب لتلك الأضرحة تقع في قاع قائمة أوراقهم.مع وجود اللورد آشر في المدينة حالياً آمل في تقديم مناشدة مباشرة».وافقت برأسها: «بحكمة.تعتدين، قد يكون من الحكمة بالمثل التحدث إلى مريم بشأن—» قاطعها بحدة: «مريم لديها مشاكلها الخاصة.وهذا أمر...ديني على أي حال».قالت أنهاراد: «تعلم أنها ستكون سعيدة للمساعدة.لإلقاء نظرة فاحصة على روحك».نحلت شفتاه.تخلص تريستان من الأمر: «نادراً ما تأتيني النوبة أكثر من مرة في اليوم.سأتدبر أمري بنفسي يا أنهاراد».رمقته بلحظة تأمل.لم يكن أحمق، تريستان أبراسكال.استطاعت التفكير في عدد محدود من الأسباب التي تجعله يرفض إشراك محدد مريم الوحيد، بالنظر إلى تقاربهم.ومع ذلك، في هذه الحالة، قد يكون التقارب هو السبب ذاته.ورغم أن تريستان بلا شك سيضحك عليها لو قالت ذلك، إلا أن أنهاراد كانت غالباً ما تعتقد أن هناك شعوراً خشناً بالشرف في طريقة تعامله مع الآخرين.مثل، على سبيل المثال، رفض طلب معروف من شخص ما قبل أن يقرر أين يقف الاثنان حقاً.أقرت أنهاراد: «هذا خيارك لتتخذه».ليس الخيار الذي يجب أن يتخذه، فكرت في سريرتها، لكن لم يكن من شأنها قول ذلك.وحدها تريستان مَن يقرر أين يكمن شرفه.أنهيا آخر الأطباق وتفرقا.لن تكون هناك وليمة في انتظار أنهاراد في “أكالار”، لكن ذلك لم يعنِ أنها لا تحتاج إلى الاستعداد.ستقوم بتزييت سيفها، على سبيل المثال، والتأكد مما إذا كان بارودها جافاً.-- لقد كانت نعمة لهم جميعاً، الطريقة التي بدا بها الأمر شريراً هكذا.لو كان “أكالار” مكاناً أكثر ترحيباً لكان قد مثّل نوعاً خبيثاً من الخطر.كان طلاب “السيكريتاي” يتوجهون إلى الأعماق أسبوعاً بعد أسبوع لكن السماح لأنفسهم قط بالظن بأنه أمر روتيني، أو الانسجام مع الأراضي، لكان خطيئة فظيعة.لم يكن هناك روتين هنا سوى أنهم يمشون مع الموت، وأن نسيان ذلك ولو للحبهة سيكلفهم غالياً.كلا، بل من الأفضل أن يكون “أكالار” مظلماً ومنذراً بالسوء لكي لا يخدعوا أنفسهم أبداً في ظنه أي شيء سوى مكان يأتي إليه الرجال ليموتوا.وفي هذه الليلة، كانت الأراضي تحمل مسحة قاتمة أكثر من المعتاد، إذ إنه من بين خمسة وسبعين مبتدئاً من السيكريتاي ممن قدموا إلى ميناء ألازي أول مرة، لم يبقَ سوى أربعة وخسمين، وجعل التخرج الغيابات ملحوظة للغاية.هكذا سارت حصيلتهم النهائية، فكرت أنهاراد: واحد مطرود، وثلاثة ضاعوا في الاختبارات، وثلاثة ضاعوا في “سيكولومانس”، والبقية ذهبوا لألعاب “أكالار” الدموية.جاء الطلاب جميعاً في حالة قتالية تامة، مسلحين ومستعدين، لكنهم أُمروا ألا ينزلوا إلى الحلبة.بل كان عليهم البقاء واقفين على الشرفة في الأعلى، تلك المعرض القديم للمراقبة المرصع بمقاعد العظماء التي نحتتها أسنان الزمن الآن.تجمّعوا بلا هدف، وكانت الأحاديث الجانبية نادرة لدرجة أن أنهاراد غرقت في التفكير.لقد تساءلت، في مناسبات عدة، عمّ يربط بين نقابتي بيت النقابات.أوه، كانت تعرف الأسباب التاريخية للاتحاد.لقد تعلموا في مادة “المنشور” أن الأكيلاري والسيكريتاي كانتا موجودتين بالفعل كأوامر خاصة بهما قبل الانضمام إلى الحرس، لذا في الأيام الأولى للنامر كان للعهدين حقان خاصان واتحدا للحفاظ عليهما.ومع ذلك، فإن الغالبية العظمى من تلك الحقوق قد اختفت مع إثبات المجمع والحامية لتفوقهما، فلماذا استمر هذا الارتباط حتى الليالي الحديثة؟لم تتبقَ أي امتيازات مشتركة للدفاع عنها ولم تعتقد أنهاراد قط أن هناك الكثير من القواسم المشتركة بين الملاحين والمقاتلين.بالتأكيد ليس بالقدر الذي يبرر التحالف الوثيق المعروف بالاتحاد الإداري المسمى ببيت النقابات.غير أنها في هذه الليلة اعتقدت أنها قد تكون تلمح السبب.لقد كان أمراً بسيطاً، الاختلافات في كيفية احتفال العهود بالتخرج، لكنه ألقى ظلالاً أعظم.كان الآخرون يقيمون ولائم أو يختبئون، أما بيت النقابات؟فكان لنقابتيه نوع مختلف من الأعمال لتلك الليلة.كانت مريم متحفظة بشأن ما ستفعله الأكيلاري، لكنه كان معلوماً للجميع أن نوعاً من المراسم سيجري في أعماق الدير.استهلال في الأسرار الأعمق للملاحين، وربما حتى قبول رسمي في النقابة.في نهاية المطاف، لم تكن التفاصيل ذات أهمية تذكر.وما ميّز الأكيلاري هو أن احتفالهم لم يكن احتفالاً على الإطلاق -بل كان تخرجاً ثانياً.كانوا يحتفلون بكونه أمراً التخرج من سيكولومانس، وأمراً آخر الصعود داخل نقابة الأكيلاري.كان هناك شعور… بالمجتمع هناك.شعور قاتم، بالنظر إلى أن المحققين كانوا سيجتمعون حول فراغ عُواء محاولين إقناعهم بالقفز، لكن أنهاراد لم تكن في وضع يسمح لها بالحكم.وبدا أن تخرج نقابة “السيكريتاي” الخاص كان قاتماً بالدرجة ذاتها.تمتمت شاليني: «تباً لي.كان بإمكانهم تقديم المشروبات، على الأقل».تماماً كما انسحبت الأكيلاري إلى الدير، استُدعي السيكريتاي إلى “أكالار”.لم تكن الرحلة إلى الأعماق أكثر بهجة من أي سابقة لها، ولكن بينما كان السيكريتاي يتمايلون بكسل على الشرفة العلوية، تأملت أنهاراد في أن ما كان في انتظارهم في الحلبة بالأسفل كان بطريقة ما أظلم من مباريات الموت.صُفّت سبعة عشر كفناً أسود هناك على الحجر، بعضها ملقى فوق جثة والبعض الآخر فوق القليل -أو حتى لا شيء على الإطلاق.لم يترك كل السيكريتاي الذين ماتوا هنا جثة.ترك البعض عظاماً فحسب في أحشاء الوحوش التي التهمتهم بينما كان الواقفون الآن على الشرفة يراقبون.قالت أنهاراد: «أعتقد أنه كان ليكون أسوأ أن يُناولوك نبيذاً وأنت تنظر إلى هذا».همهمة موافقة من يسارها.ما زال يدهشها أن سيلفادور لا يزال جزءاً من طاقم القتل الخاص بها.كان الساكرومونتان النديب من الفرقة الحادية عشرة، جماعة إيماني لانغا اللعينة، ولم يطق بكلمة واحدة عن أي تورط محتمل له في إيقاع القناع بالناجين الأخيرين من بيت تريديغار.نظرت أنهاراد بجدية في قطع علاقتها به بعد العودة إلى تولومونترا.ولكن بعد ذلك لكان الأمر مجحفاً منها، بالنظر إلى من لا يزال يقف على يمينها.سخرت شاليني غويل: «أنا لا أعني حفلة.أعني جعل النظر إلى رفاقنا الموتى أقل بشاعة بقليل».لم تكن شاليني تعلم، كانت أنهاراد متأكدة من ذلك تقريباً.لم تكن متأكدة مما إذا كانت رامية الرصاص قصيرة القامة لتهتم بأن قائد فرقتها أطلق النار بغدر على ظهر إيزابيل رويستا، لكن أنهاراد تعلمت أنه على الرغم من مرحها إلا أن السوميشوارية كانت شبه فظة عندما تتعلق الأمور بأمور شخصية.لم تكن شخصية تترك أمراً معلقاً بينهما دون معالجة بعد عودة الفِرقة الثالثة من أسفوديل.وإن لم تقطع أنهاراد علاقتها بشاليني لخدمتها تحت إمرة قائد أساء إليها، ألن يكون نفاقاً أن تفعل الشيء نفسه مع سيلفادور؟لذا بقيا الاثنان معاً.استقرت نظرة أنهاراد على الجثث بالأسفل، أو بالأحرى على الفراغ المجاور لها.تمتمت: «كان يجب أن يكون فيلابفي هنا.لقد كان يستحق ما هو أفضل».أفضل من أن ترتدي أليخاندرا توريرو قبعته كحجاب ثكلى وصمت توبوك المقتضب.أفضل من أن يتجنب بايت ذكر اسمه وألا تكلف كريسينا باربوزا عناء التظاهر بالتعاطف.لكنت ستصل إلى نهاية العام، فكرت أنهاراد.لقد كانت ميتة جديرة بالتقدير، وهي تعلم ذلك.ليته استطاع بدلاً من ذلك أن يعيش حياة جديرة بالتقدير.ضغطت شاليني على ذراعها فمنحتها أنهاراد ابتسامة.لم تنسَ أن الأمر كان بإلحاح المرأة الأخرى حتى استهدفوا فيلابفي في المقام الأول.قال سيلفادور بصوت أجش: «رجل جيد.أفضل من البدائل».صحيح بما فيه الكفاية.كان الثلاثة منهم يتبادلون عضواً رابعاً بانتظام، مستعينين ببدائل لا ينتمون لأي طاقم دائم ويعدلون الاختيار وفقاً للكتيكات التي يرغبون في توظيفها.وكان العائد الأكثر تكراراً هو يانغ تشن من السادسة، الذي كانت مهارته ببندقيته وسلاحه ذي النصل المثبت المسمى غوانداو تجعله مقاتلاً مرناً للغاية، لكن الرجل كان جافاً ومنعزلاً.لم يفكر حتى في عرضها قبل أن يرفضه عندما اقترحت أنهاراد ترتيباً أكثر انتظاماً مع طاقمهم.انخفضت نظرتها باتجاه ذلك التيانكسي لتجده واقفاً عند الحافة اليمنى للشرفة، متكئاً بمرفقيه على الصاري وهو يراقب الأكفان بملامح ملل صريح.اتبعت نظرة شاليني نظرتها وأطلقت صوتاً بالاستياء.قالت: «أعلم أنك لست مجبرة على التوافق مع أشخاص تقاتلين معهم، لكننا لسنا مضطرين للذهاب خصيصاً لجلبغ شخص بغيض أيضاً».أطلق سيلفادور قهقهة شجيّة، كان الصوت أجشاً بشكل غريب، فابتسمت شاليني له.قالت أنهاراد: «ليس إهداراً أن يتعلم المرء كيف يقاتل إلى جانب الغرباء.كم مرة سنتمكن من اختيار حلفائنا عندما نكون في عقود؟».«مقولة حكيمة».استدارت لتواجه المتحدث الذي كانت مألوفة جداً بصوته.لقد أصبح موسى شانغي أطول ملحوظة منها على مدار العام الماضي، رغم أن المالاني احتفظ بنفس البنية المرنة المليئة بالعضلات.الندبة الخفيفة على جانب رقبته حيث حاول لورد قراصنة قطع حظره لم تكن ملحوظة إلا إن كنت تعلم أين تنظر.قالت محنية رأسها: «موسى».ومدت نفس اللياقة لمرؤوسيه الثلاثة المرافقين له، وبادل بدورهم بلطف واهتمام كل من شاليني وسيلفادور.بعد عام من المخاطرة في هذه الحفرة، صُقلت الخشونة من المنافسات بين معظم الطلاب هنا.وكانت الفظاظة نادرة حتى بين أولئك الذين لم تكن تجمعم سوى كراهية معلنة.بعد خط رفيع من الأحاديث الجانبية -فلم يكن “أكالار” ليدعو للحماسة في مثل هذه الأمور- سأل موسى عما لابد أنه جاء من أجله حقاً.سأل بتهارج متعمد: «هل قررتِ كيف ستتقضين إجازتك؟».نحلت شفتاه أنهاراد.قالت: «لم أقرر بعد».نصحها موسى: «فكري جديراً بقبول دعوة سباستيان.وكما قلت، سيُحجز لك مكان على السفينة إن رغبتِ في ذلك.لوسييرنا ستعامل واعدة صاعدة مثلك معاملة حسنة».أجابت بثبات: «سأفكر في الأمر».ومما يثير الدلالة، غادر الرجل بعد ذلك بقليل.سخرت شاليني وهي تنظر إلى ظهره.وقالت: «هم حقاً يريدونك هناك، أليس كذلك».قالت أنهاراد: «لن يهتم أي شخص آخر من الفرقة الثالثة بهذا العرض».كان القائد سباستيان كامارون من الفرقة التاسعة قد وجّه دعوات خاصة لقضاء شهرين من الإجازة في حصن “لوسييرنا”، حيث يقود والده كمارشال.وبدت الشاطئ الغربي للجزيرة حاملة لمدينة صغيرة لكنها جميلة ذات شواطئ رائعة وأماسٍ نابضة بالحياة، وهو ما يقترن بوعد الاحتكاك بضباط الحرس الكبار يمثل عرضاً مغرياً للغاية للبعض.هذا إن أراد المرء أن يكون مديناً للفرقة التاسعة، على أي حال.لم تكن هذه المرة الأولى التي يطرح فيها موسى الأمر، مما جعلها تشك في أن سباستيان ربما أُمر بتأمين حضور أحد “المنحوسين”.كانت سمعة الفرقة تفتح الأبواب في هذه الأيام، رغم أنها كانت تفضل لو بقي بعضها مغلقاً.حذرها بصوت أجش: «احذري».كان على طرف لسانها شيء عن كون موسى لا يتطلب سوى القليل من الحذر قبل أن تلاحظ أن الساكرومونتان كان ينظر في اتجاه مختلف تماماً.ومن كان يقترب جعل أنهاراد تستقيم، مستقرة يدها على مقبض سيفها.سارت الليدي لينديوي سارو نحوهن بخيلاء ووجهها يحمل نظرة متعجرفة، ورداءها يجر خلفها.كانت أقصر وأححف من أنهاراد، لكنها سريعة في السحب وثابتة الخطى كالقطة -ناهيك عن كونها ممشوقة بشكل يسر الناظرين، رغم أن الرداء ساهم بعض الشيء في إخفاء أبرز نعمها.كما كانت عدوة مقدر لها أن تُسحق تحت كعب حذاء أنهاراد، ويفضل أن يكون ذلك مع حشد غفير محتشد ليهتف لهلاكها.سخرت الليدي سارو: «تريديغار».سخرت بالمثل: «سارو».أضافت شاليني وهي تدير عينيها: «مساء الخير، لينديوي.هل أنتم بخير؟أنا كذلك، شكراً لسؤالك».أطلق سيلفادور ضحكة خشنة.وتجاهلتهما النبيلة المالاني معاً.قالت الليدي سارو: «أرى أنك نجيتِ من العام الأول».ابتسمت أنهاراد: «مخيبة للآمال؟».قالت: «أوه، على العكس تماماً!فهذا يعني أن لدي وقتاً أطول لأعلمك مكانك».ازدرفت أنهاراد: «وما الذي يجعلكِ تظنين أن لديك القدرة، لينديوي سارو؟».أجابت الليدي سارو بلامبالاة: «طاقم قتل واحد منا فقط حصد ليموراً من قائمة الفولاذ.أليست الحقيقة واضحة؟».قالت أنهاراد: «طاقم قتل واحد منا فقط خسر رجلاً.تلك الحقيقة واضحة تماماً».شدّ حول العينين.قالت لينديوي سارو: «احذري ظهركِ يا تريديغار.عاجلاً أم آجلاً، ستخذلكِ عكازتكِ».وانصرفت على إثر ذلك ملوحة برداءها.لم يرتفع سوى حاجب أنهاراد.لكانت تلك اللدغة الأخيرة لتؤلم أكثر لو أنها استخدمت عقدها في معارك “أكالار” منذ عودتها، لكنها لم تفعل.دروس “أسفوديل” لم تُنسَ.نادَت شاليني في قفاها: «وداعاً لينديوي.حديث جيد.رائع دائماً رؤيتك».سخرت السوميشوارية: «حسنًا، أعتقد أنه لن يكون تخرجاً إن لم نتلق زيارة من سارو»، قالت شاليني.«آمل أن تكون متوجهة إلى لوسييرنا، لأن بعض الوقت على الشاطئ قد يساعدها على أن تكون أقل بذاءة بعض الشيء...» قاطعتها أنهاراد، مبتهجة ومصدومة قليلاً: «شاليني».أصرت شاليني غويل: «تعلمين أن هذا صحيح».وجدت أنهاراد الأمر غريباً بعض الشيء أن تكره شاليني الليدي سارو بهذا القدر، بالنظر إلى كيفية توفير تعليقاتها اللاذعة لبقية الطاقم -والتي كانت، طوال الوقت، تُقابل بالتجاهل التام.كادت تسأل عن الأمر، لكن قاطعها نداء بوق استنفار.وقف ولدان أعلى السلالم المؤدية إلى الأعماق، وتجسدت خيالاتهما مقابل ضوء أوريري الشاحب.كان صبيان المارشال أكبر سناً الآن، لكنهما ما زالا مدفونين تحت أكوام من الشرائط المؤلمة للعين والتفاهات بقدر ما كانت بلا غاية.نادى من فشل في إظهار شارب: «نعلن الآن عن حضور صاحب السمو.المارشال هيرمينغيلدو بيرينغيل أداماستور دي لا تافارين، كونت إنكوبيرتو».وأضاف معظم الفصل بصوت خافت: «المتقاعد».ثم ظهر المارشال دي لا تافارين، عرجاناً على السلالم.نقر عصا رأس الأسد النحاسية للرجل العجوز بخفة على الأرض بينما كان ينزل، وشعره الأبيض الطويل كالثلج يجر خلفه.لوحظ أن أزياء اليوم، حسب أنهاراد، كانت سيئة بشكل خاص.كالعادة كان يرتدي معطف الحرس الأسود، لكن هذه المرة كانت الأكمام المثبتة باللون الأخضر القيء الساطع بينما كانت سراويله وجواربه مخططة باللونين الوردي والأرجواني.أما الريشة الموجودة على قبعته واسعة الحواف فلم تكن المعتادة، بل أضيق ولكنها أطول بكثير -قريب أربعة أقدام، لابد أنها كذلك- فضلاً عن لون وردي شاحب لم يكن متوافقاً مع لون الجوارب.وصل المارشال إلى قاع السلالم قبل أن يتوقف، مستديراً لينظر بتوقع إلى صبيّيه.لابد أنهما لم يرياه، لأنهما لم ينفخا في أبواق الاستنفار مجدداً إلا بعد أن لوح بعصاه بغضب نحوهما.وتنحنح بعد ذلك، وشد الرجل العجوز الجلدي ربطة عنقه الأرجوانية والخضراء قبل أن يخاطبهم.اكتفى بالقول: «إلى الأسف».ونزلوا إلى الأسف، عبر السلالم والمفاقد نحو قلب “أكالار”.إلى الجزيرة في الأعماق المحاطة بأقفاص حديدية وهوة، والتي لم يؤدِ إليها سوى جسر واحد.كان الرجال ذوو العباءات السوداء الذين يحرسون العيون على الوحوش في الأقفاص يظلون بعيدين عن الأنظار كلما أمكنهم ذلك، وكأنهم يتجنبون التعرف على الطلاب، ولم تكن هذه الليلة استثناءً.رُفعت البوابة الحديدية المؤدية إلى الجسر، ثم ذاب الرجال ذوو العباءات السوداء عائدين إلى الأنفاق.قاد المارشال دي لا تافارين طلابه إلى صف الأكفان عبر أراضي الحلبة الغادرة -أطلال ما قد تكون مدينة، مبعثرة بالحفر والجدران والأعمدة.وُضعت الجثث عند قدم محور الأراضي، محاكاة صدئة لـ”أوريري العظيم” لا يتجاوز ارتفاعه عشرة أقدام مع هيكل عظمي مسمّر على عموده المركزي.ذهب المارشال ليقف بين الموتى والصدأ بينما تقدم بقيتهم صامتين ليقفوا أمام الأكفان في صف تقريبي.بدأ التخرج، وليس بغريب بالمرة، بطريقة مفاجئة للغاية.قال المارشال دي لا تافارين: «باعكم تلك التحفة القديمة آشر كذبة قديمة بالدرجة ذاتها، هذا الصباح.زعم، أمام الملوك والبشر، أن النجاة انتصار».كشف الرجل العجوز عن أسنانه باحتقار.وأخبرها: «ليست كذلك.النجاة هي فعل إلحاق الهزيمة بخصمك، والنجاة لا تهزم الليل -بل تستمر، صبورة وهادئة.تفادي الغرق فيه ليس مدعاة للتفاخر».رفع المارشال قبعته بحركة خاطفة.واستدرك مقراً: «ولكنه ليس لا شيء أيضاً.أيها الأطفال، لقد وُضعتم على المحك ولم يُوجد أنكم مقصرون: أنتم الآن “سكوبيس” حقاً، شفرات صالحة ليحملها الحرس.أخيراً يمكنكم أن تسموا أنفسكم مبتدئين لنقابة السيكريتاي دون التفوه بكذب».كان هذا إذن، على ما بدا أنهاراد قد خمنت.استهلال في أسرار نقابة السيكريتاي، تخرج ثانٍ تماماً كالأكيلاري.قال المارشال: «لكن لا تخدعنّ أنفسكم.أنتم أخفض الخفض.أمثالكم يُشترون ويُصرفون بالمئات كل عام تُمارس فيه تجارة الشفرات، وقد مُورست منذ أن تعلم البشر جعل الحديد حاداً».انقبض فك أنهاراد وإلى جانبها تجهم سيلفادور.لم يكونا الوحيدين اللذين أزعجهما الحديث، فالكثير جداً ماتوا جراء هذا التدريب الشرير لدرجة تجعل تجرع تسميتهم بالأنقص بين أي شيء أمراً عسيراً.مرر المارشال إبهامه على شاربه الفاخر.قال: «قضيت عاماً أعلمكم ما يعنيه دفع ثمن.كم من الدماء ستكلفكم بينة من الإيخور، أجور الكبرياء والخوف».همهمات موافقة من الحشد.كانت تلك الحقيقة أكثر ملاءمة لأهوائهم.قال المارشال: «إنه درس لا يُتعلم إلا بتذوق ذلك النحاس في الهواء، بمشاهدة رجال تألف أصواتهم تُلتهم من قبل الوحوش.وقد تعلمتموه».توقف.«لذا يبدأ الآن درسكم الثاني».استقام المارشال دي لا تافارين، واستقام معظمه معه.أخبرهم: «ستكونون مقاتلين.ستكونون الأوائل في كل ثغرة والأخيرين في كل كارثة.حياتكم هي زيت مصباح الحضارة، تحترق لإبقاء الأنوار مضاءة لساعة أخرى ولو حتى».تحولت ابتسامته إلى شكل غولي.«وكل مَلِك تحت قبة السماء سيرغب في صرفكم كعملات معدنية في المعرض».كشرت أنهاراد، إذ استشفّت في ذلك أكثر من نواة حقيقة.كان رجال الحرس يُدفعون دائماً إلى النار، فهذه مهنتهم ودعوتهم، ولكن السيكريتاي؟مثل راقصي المرايا، كانت تعلم أن الاحترام الذي يُظهرونه سيأتي مصحوباً بعروض.طلبات، أوامر.اقتل هذا الرجل، اربح هذه القضية، دافع عن هذا الاسم.المهارة تجلب الجمع بقدر ما تجلب الإشادة.ومع ذلك، بدا البعض من حولها غير مصدقين.كان المارشال مسروراً بصراحة.«أظننتم أن تعلم المشي مع الموت سيجعلكم مُجلّين؟الشفرات تُستعمل، أيها الأطفال، حتى تنكسر.ثم تُرمى ويُستل غيرها».طحن عصاه في الغبار.قال المارشال، بصوت بدا تقريباً محباً: «سيولمون لكم ويغنون بمديحكم، سيصكّون الميداليات لتعليقها على صدوركم ويضعون أسماءكم على نُصُب تذكارية عظيمة.وبعد ذلك، مبتسمين طوال الوقت، سيلقون بكم لتموتوا من أجل أسفه الأسباب».اخترق الرجل العجوز جوقة التمتمة الصاعدة كالسيف.«هذا هو الدرس الثاني الذي يجب أن تعلموه: ما هي قيمة حياتكم؟».وكأنما استُدعيت بتلك الجملة الأخيرة، حلت عليهم هالة.تسللت الصيادة عبر عراقي أنهاراد كماء البحر البارد، متلهفة مسرورة، بينما أصبح الهواء سميكاً.ثقيلاً، مشبعاً بشيء خفي جعل أنهاراد تظن أنها قد تختنق بسببه.وحدها بعد ذلك سُرت قشعريرة عبر العالم وخف الوزن.لم تلتفت بالكاد لتلك الشهقة الأولى، حتى انتشرت في نصف فصلهم.كان الطلاب الآخرون يشيرون جميعاً إلى أحد الأكفان، الأيسر، وكان يتحرك؟عوج المارشال عرجه نحو الملاءة ومزقها دون كلمة، كاشفاً عن الفتاة العارية تحتها.نفس الفتاة السوميشوارية التي كانت الأولى التي تموت على هذه الأراضي، قطعت حنجرتها ساترية بسرعة لدرجة أنها لم تستطع حتى الصراخ.والآن أطلقت تلك الفتاة شهقة ممزقة ومذعورة وهي تشبث بحنجرتها الملتئمة.همست أنهاراد: «الملك النائم.إنها...» نادى المارشال: «واحد».ثم تحرك نحو الجثة الثانية.بعد نبضة قلب انتفضت تحت الكفن، ذلك الشاب الذي تذكرت أنهاراد بوضوح شديد تعرضه للطعن عبر العين، يصرخ عائداً إلى الحياة بينما مزق المارشال الغطاء الأسود عنه.«اثنان».تبع حراس الحرس معلمهم، حاملين عباءات وملابس وماء، لكنهم تابعوا جميعاً مسحورين بينما تحرك المارشال إلى الجثة الثالثة.قال بعد أن بدأت الثالثة بالبكاء: «ثلاثة».ثم أربعة، خمسة، ستة، سبعة، ثمانية، تسعة و...فكرت أنهاراد أن الثقل في الهواء قد زال تماماً.لقد كان ضباباً ثقيلاً قبل قليل ولكن الآن بالكاد استطاعت الشعور به.انتفضت الجثة العاشرة، لكن لمرة واحدة فقط.ولم تتحرك مجدددًا.قال المارشال دي لا تافارين بهدوء: «تسعة، من أصل سبعة عشر».كان الصمت من حوله مطبقاً لدرجة أن كل روح سمعت كلماته كأنها صُرخت.أخبرهم: «هذا ما انتزعتموه من أكالار عبر قتل الوحوش المحتجزة داخل أسوارها.تسعة موتى».ستة منهم، فكرت أنهاراد، ماتوا في اليوم الأول تماماً.والاثنان التاليان في الأسبوع التالي.كل هذا القتل، وكل هذا الموت، ولم يكادوا يربحون شيئاً يتجاوز الشهر الأول من سيكولومانس.«أولئك الذين لم يعودوا، هل هم...» كانت الليدي لينديوي سارو هي من تحدثت، بنبرة مترددة.لقد فقدت أحد أفراد طاقمها في وقت متأخر من العام، إحدى الميتات الأخيرات.أكمل المارشال: «راحوا؟كلا، ليس بعد تماماً.سيحتفظ أكالار بالموتى لعام ويوماً.تلك هي المدة التي تمتلكونها لقتل الوحوش لإعادتهم -إذا دُفع الثمن في وقته، ففي نهاية العام سيعودون إلى هنا».ابتسم الرجل العجوز.قال المارشال: «كلما قُتل وحش أعظم، كان الفعل أعظم والقوة التي يملكها أكالار للصرف على إعادة أولئك الذين قتلوا هنا أعظم.هذا المعبد، أيها الأطفال، آلة وقودها المجد.بضع معارك من قائمة الصوان ستكاد لا تساوي واحدة من الفولاذ.قد يساوي مائة واحدة من قائمة الفولاذ -والفولاذ، أيها الأطفال، سيعيد دائماً واحداً منكم تحديداً».اندلعت شهقات خافتة حتى وهو يمضي ليخبرهم بأنهم، نظراً لكونهم مبدئين مكتملي الأهلية الآن، سيُمنحون حق الوصول إلى سجل مكتوب يوضح أي أرواح ميتة دُفع ثمن عودتها.كانت نقابة الأكيلاري قادرة على التحقق من ذلك لهم ومكلفة بذلك كل أول من الشهر.لكن أنهاراد، آه أن أنهاراد كانت عالقة بدلاً من ذلك تتأمل الشيطانة في تلك الصفقة.فكم من الطلاب قد يموتون محاولين قتل أحد الوحوش في قائمة الفولاذ لإعادة شخص ما، مما يزيد عمق الدين الذي يجب على الفصل دفعه؟ومع ذلك فإن قتلات الصوان لن تحرك الإبرة بالكاد، معاقبة للجبن، وطاقم يقتل وحوش الفولاذ طوال العام قد يعيد شخصاً ما -ولكن واحداً فقط، وماذا لو نفد الوقت للذي يبحثون عنه؟لن تكفي وحوش الفولاذ وحدها أبداً لتسوية الحسابات كاملة.قال المارشال: «فقط أولئك الذين ماتوا داخل أكالار يمكن إعادتهم.وعند العودة، سيُطهرون من لمس الملوك -خاسرين جميع النعم والعقود- فضلاً عن إيجاد أنفسهم فاقدين لـ...أجزاء.ذكريات، شخصية.لا شيء بغير ثمن».وانحنى للأمام.قال المارشال بسعادة: «وليس هناك اختيار، أيها الأطفال.يُعاد الموتى بالترتيب الذي ماتوا به، ولا يمكن تخطي الدور».استقرت خطورة ذلك على أكتافهم.ما هي قيمة حياتكم؟كم من المخاطر كان السيكريتاي في هذه الحفرة على استعداد لتحملها لإعادة طالب آخر؟قد يكونون مستعدين لمخاطرة قائمة الفولاذ لصديق، ولكن ماذا عن غريب؟استطاعت أنهاراد بالفعل تبيّن الرياضيات القاتمة التي ستُطلب منهم.ما يعنيه ترتيب البعث إن وضعتك الموت محاولاً إنقاذ آخر في نهاية الصف مع الآخرين الأقل استعداداً لتحمل المخاطر بعد موتك، مع تقلص عدد الطواقم القادرة على قتل وحش فولاذي على الإطلاق.ما الذي كانوا مستعدين لتعريض حياتهم للخطر من أجله، وفي أي حدود وضعوا الخطوط الحمر؟نادى موسى شانغي: «يا صاحب السمو.سؤال، إن سمحت؟».لوح المارشال مأذناً له.قال موسى: «الطلاب الذين سيصلون عندما يبدأ عامنا الثاني.هل سيتم اختبارهم أيضاً في أكالار كما فُعل بنا؟».ابتسم المارشال دي لا تافارين مبرزاً أسنانه: «بالطبع.وسيموتون كالذباب في ال
بداية، تماماً كما فعلتم.أي منكم يهلك في عامه الثاني سيكون له حثالة لشرائها قبل أن يصل الدور إليكم».والموتى، أخبرهم بعد ذلك، قد فشلوا في الاستهلال بنقابة السيكريتاي.لقد طُردوا من سيكولومانس ولن يُنظر في أمرهم من قبل العهد مرة أخرى.أمر أقل شأناً مقارنة بالموت، فكرت أنهاراد، لكنه تذكير بأن حتى أولئك الذين يعودون لن ينجوا من العواقب.كان طبيعياً أن يطلبوا رؤية السجل الحالي، ومرر الكتاب الجلدي الصغير بجهامة من طاقم إلى طاقم.تلا النص عندما أمسكته: تساي وي، ثاني الشهر الثاني، 4سي إس.اليوم الثاني من الشهر الثاني في السنة الرابعة من قرن الدخان.
مما يعني أنه بمجرد أن تنتهي الإجازة، سيكون لدى السيكريتاي شهر وثلاثة أيام لشراء حياتها.تذكرت أنهاراد تلك الفتاة المذكورة بالكاد، تيانكسية استخدمت رمحاً.الأسوأ من ذلك، أن الطاقم الذي كانت جزءاً منه تفرق قريباً ومات أحدهم في وقت لاحق من العام.لم يكن هناك، كما رأت في توزيع الحشد، حماس كبير لمواجهة وحش فولاذي مبكراً جداً في العام لدفع ثمن إحيائها.كان ذلك مفهوماً، نظراً لأن النجاحات القليلة ضد تلك المخلوقات تطلبت أشهراً من الإعداد، لكن الفكرة تركت طعماً مراً في فمها.أخبرهم المارشال: «سيُغلق أكالار حتى يبدأ عامكم الثاني.ناموا على الأمر، أيها الأطفال.الموتى سيفعلون ذلك بالتأكيد».وعلى تلك النقطة القاتمة تركهم واقفين بجانب الجثث الثماني المتبقية.لم تلاحظ حتى مغادرة حضور الصيادة لها، لكن عندما قبضت على أصابعها وجدت راحتها رطبة وكأنها محمومة تقريباً.مرّت موجة إرهاق عليها -لقد استنزفت هذه المراسم منها طاقتها حين كانت تشعر بالاستنزاف أصلاً.«أنهاراد؟» هزت رأسها، مانحة ابتسامة لشاليني رغم تعبها المفاجئ.قالت: «إنه لا شيء.فلنرجع إلى الأعلى».سألت المرأة الأخرى: «أترغبين في تناول شراب بعد هذا؟».ألقت أنهاراد نظرة خاطفة على الموتى المكفنين، ثم تنفست الصعداء.قالت: «أظن أنني أرغب في ذلك حقاً»، وعادوا صعوداً إلى النور.