فكّر تريستان أنّه لأمرٌ غريبٌ أن يُعالج الآخرين باستخدام عدة التسميم التي تعلم معظمها من دراسة أساليب الاستجواب.ليس وكأن أحداً كان ليلاحظ الفرق.أصرّت فيليس: «لا أحتاج إلى عود لأعضّ عليه.إنّه ألمٌ بسيطٌ، أستطيع تحمّله».في معظم الظروف، ربما كان الرجل محقاً: فالاستعمال المنتظم للمسحوق يبلّد إحساس المرء بالألم.لكن لم يكن الأمر كذلك هنا على الإطلاق.راحت أينيس تتلوّى جوار زوجها غير أنه واصل إبعادها.قال تريستان بنبرة حديث عادية: «رأيتُ رجلاً ذات مرة يعضّ لسانه حتى قطعه.لم يقتله ذلك – فهي عادةً ليست إصابة قاتلة، كما ترون – لكنّه بدا اختباراً مؤلماً للغاية».شحب وجه مدمن المسحوق، وهو يعبث بشعره البنّي المتقطّع.فسأل اللص: «هل تحسن الغناء يا فيليس؟» حدّق الرجل بغضب، لكنّه التقط العود ووضع أسنانه عليه.عمد تريستان فوراً إلى انتزاع البرغي، متجاهلاً الصرخة شبه المكتومة التي تلت ذلك.فكر اللص وهو يتفرّص رأس السهم الذي استخدمه الجوف: كانت قطعة لئيمةً ومؤذية حقاً.مسننةً بحيث تمزق اللحم مجدداً عند الخروج.مرّ فيليس بتشنجات من الألم، مرتجفاً، بينما وضع تريستان البرغي جانباً وباشر تنظيف الجرح.خرقة مبلّلة بالكحول، ثم ضمادات مؤقتة مصنوعة من ملابس ممزقة.لم يكن الرجل في خطر النزف حتى الموت، لكن تريستان لم يستطع الجزم إن كان اللحم سيتعفن.كانت الملابس ضمادات رديئة وكان لديهم القليل منها ممّا يعجز اللص عن تغييرها باستمرار.قال لفيليس: «هذا أقصى ما يمكنني فعله.سأعطيك شيئاً لتخفيف الألم قبل أن تخلد إلى النوم».كان هذا حالهم جميعاَ.فقد نجت فانيسا وأينيس ببعض الكدمات لا أكثر، والتوى ضلع فرانشو دون أن ينكسر ولم يُصَب يونغ بأي جرح على الإطلاق.وبصرف النظر عن فيليس، كانت ساراي الأسوأ حظاً: فقد مزّقت الدبابيس والإبر جانب وجهها حين تمزقت أغطيتها وقناعها.أمّا تلك فلم يعتنِ بها: فبعد أن استعار الكحول لتنظيف الجروح، تولّت هي أمرها بنفسها.ولم يكن هناك أي أثر للآن، وليس وكأنهم سيسمحون لها بالعودة إن هي رجعت.فأي قيمة لبقاء شخص يهرب عندما تبرز السكاكين؟للخيارات أثمان يجب دفعها.بصق فيليس العود ونهض على قدميه، مبتعداً دون كلمة واحدة.وبقيت زوجته في مكانها.قالت أينيس بتعب: «شكراً لك يا تريستان.وهو يقدر ذلك أيضاً، هو فقط...» تحت غشاوة الإرهاق والتعب، استطاع مع ذلك تبين ملامح المرأة التي لابد أنها كانت عليها حين كانت صبيةً.شعر داكن وعينان بنّيتان طيبتان، وجه على شكل قلب وقوام نحيل.ذلك النوع من الجمال الذي يستحسنه رجال الميرك.وختمت بالقول: «هذا المكان لا يظهر أفضل ما فينا.سيصبح الأمر أفضل عندما نخرج».فكّر تريستان: لا، لن يكون أفضل.تردّد اللص.لقد قرر ألا ينخرط بعمق مع هذا الثنائي، حذراً من الوقوع في شرك الانفجار المحتوم، لكن عديد شركتهم قد تقلّص الآن وأصيبوا بجراح.وإن استطاع دفع وضعهم نحو الذروة في وقت متأخر قليل فسيكون ذلك مكسباً، في المحاكمة الثانية ربما.فقال: «هربتْ لان ومعها المسحوق.كم من الوقت سيستغرق الأمر ليصبح الوضع سيئاً؟» لم تستطع ابتسامة أينيس إخفاء الخارج في عينيها تماماً.قالت: «لاحظتَ ذلك إذن؟كنت أعتقد أنك قد تفعل، فالميرك يكسوك بأسره».وعرف اثنَاهما أن المسحوق وغيره من العقاقير المُباعة هناك تقتل الناس بيقين الطاعون ذاته، لكن ببطء أكبر وأبشع.عبست المرأة ذات الشعر الداكن بشفتيها.قالت أخيرًا: «يومان.ربما أكثر إن كان مستخلصك المسكّن للألم يسكن الحكة قليلاً».اعترف تريستان: «قد يشكل ذلك مشكلة».مشكلة لا يملك الكثير لإصلاحها، إلا إن اعتبر المرء السمّ حلاً.كان الصوت الذي أابت بها أينيس قاتماً لدرجة يصعب معها تسميته ضحكة حقيقية.زفرت قائلة: «أجل.أعلم ذلك.أقسم، أنا أعلم».قال بحذر: «يبدو غير حكيم خوض هذه المحاكمات في ظل...حالته».حالته هو أكثر من حالتها.بدت أينيس بحاجة إلى القمار بقدر حاجة زوجها للمسحوق، لكن جسدها لن يثور لنقصانه: كانت علّة في العقل لا في الجسد.لقد عرف مسبقاً أنهما لم يأتيا إلى هنا بمحض إرادتهما، وأنهما دُفعا من قِبل آخرين، لكن بمدى تعبها وامتنانها ينبغي أن تكون دعوة صغيرة كهذه كافية لجعلها تتحدث.ردّت أينيس بمرارة: «أترى أن الخيار كان بيدنا؟لقد راكم كلّ منا ديوناً لدى كورديرو سونرينتي، غير أننا لم نكن نعلم بديون الآخر.فجمع أحد محصليهم خيوط الأمر وقرع بابنا».تأوه تريستان.لقد بدأ كورديرو سونرينتي دارَ إحسان أراد منها النبلاء كاسوة الفقراء وإطعامهم في الميرك، لكنّه غدا سيئ السيتة خلال عام واحد إذ شرع في بيع السلع سرّاً وإدارة دور بغاء في فروعه.ولم تداهمهم الغارديا أبداً، خشية إغضاب رعاتهم النبلاء.وحين وُلِد اللص، كان كورديرو قد تشعّب ليشمل القروض أيضاً واكتسب سمعة صارمة في تلك التجارة المزدحمة.فقد كانوا محترمين بما يكفي لتحمل دفع أتعاب ذوي العباءات الحمراء ليجبوا لهم، ولم تكن الغارديا تتصرف بلطف فيما يخص الميرك.تنهدت أينيس: «أجل، بهذا السوء.لقد كان الدين كبيراً لدرجة تجعلنا مُلزمين بالعمل في المناجم حتى نموت، لولا أن لدينا خمسة أطفال ولا أحد يرعاهم.لذا حين عرضوا محو الدين إن خضنا المحاكمات، لم يكن هناك خيار يُذكر على الإطلاق».قال تريستان: «ما كانوا ليقدموا العرض لولا تحقيق مكسب من وراء ذلك».ارتجفت أينيس، وأدرك اللص بشيء من الدهشة أنها كانت تبكي.لم تكن الدموع هي ما أذهله – فقد غصّ بشهقات مريرة في حياته – بل سماحها لنفسها بذرفها أمام رجل يكاد يكون غريباً.وضع تريستان يده برفق على كتفها لكنّه لم يضمها إلى صدره كما تطلّب منه دافع غريزي.لقد كان أعقل من أن يتعلق بأحد.قالت بصوت متحشرج: «إنها رياضة بالنسبة لهم.فهم يدفعون لأصحاب العباءات السوداء مقابل التقارير، لاحقاً.ليعرفوا ما حدث في المحاكمات».فألحّ متسائلاً: «ماذا أخبروك يا أينيس؟» همست قائلة: «سيغرقون أطفالي إن قتلني فيليس قبل نهاية المحاكمات».تدفقت عاطفة التعاطف، لكن كجدول ضحل.كان جلّ تفكيره منصباً على الحديث الذي سمعه بين الاثنتين، والطريقة التي دفع بها فيليس لمغادرة المجموعة.للذهاب بمفرده.ومثلما لابد أن أينيس قد استنتجت، تيقّن أن كورديرو لا بد قد وعده بشيء إن قتلها قبل نهاية المحاكمات.ألعاب حمراء، هكذا أسماها يونغ.يا له من تعبير جميل لأمر شديد القبح.ظلّ يؤنس أينيس حتى نفدت دموعها وتمتمت ببعض المعاذير، عائدة إلى فراشها كمن لا يدري إلى أين يذهب سواه.وشرع فيليس في جدال هامس معها بعد لحظات، وقرر تريستان الانتظار قبل أن يتوجه إليها بالمسكن.بدل ذلك، قصد جانب يونغ، وجلس إلى جواره بينما كان يزيّت سيفه وينظفه.التفت التيانكسي صوبه بنظرة مستفسرة.قال تريستان بصراحة، حريصاً على ألا يلتفت جهة الثنائي: «لا أعتقد أنهما قابلان للإنقاذ.لقد دفع دائنهما أحدهما بوجه الآخر».ردّ يونغ بصراحة مماثلة: «إنهما مفيدان في القتال.أنا أحرص على التخلص من ذوي الشعر الرمادي بدلاً من هذين الاثنين إن كان لزاماً علينا تخفيف حمولتنا».فأجاب: «لا أقول إننا نتخلص منهم، لكن لا يمكن الوثوق بهما في أي أمر دقيق.إنها مسألة وقت ليس إلا قبل أن يطعن أحدهما الآخر».سواء فيليس لما وُعِد به، أو أينيس لتفادي المصير ذاته.قال يونغ ببراغماتية: «حين تحل المحاكمة الثانية، لن يعودا مصدر إزعاج لنا.هل سيصمدان حتى ذلك الحين؟» كشر تريستان وجهه.أقرّ قائلاً: «على الأرجح»، ثم مرر يده عبر شعره: «الزواج، هه.يا لها من لعبة حمقى».رمقه يونغ بنظرة شديدة الاستمتاع.قال التيانكسي: «أنت تتحدث إلى رجل متزوج».سعل تريستان: «آه.لا أعني الإساءة.أنا متأكد من أن زوجتك...» صحح يونغ بجفاف: «زوجي».استدرك تريستان على عجلة: «...زوجك رجل فاضل».أجاب الآخر: «إنه كذلك»، لكن تلميحاً غامضاً خلف النبرة الهادئة.«غير أنني أقرّ لك بأنه قد يصنع أحياناً فراشاً مزدحماً، إذ يحشر كل منا الآخر وماضينا معاً باحكام».ومع أن اللص كان يتوق لنخس ذلك الأمر، ليرى ما قد يسفر عنه، إلا أن نظرة على وجه يونغ كانت كفيلة باتخاذه القرار المعاكس.لقد كان مصراعاً مغلقاً، وكان التيانكسي يتململ بعدم استقرار بطريقة أدرك تريستان أنها تعني رغبته في الشرب.بدا العنف السابق قد أنعش يونغ، لدرجة منعه من احتساء الخمر طوال الظهيرة، لكن الغيوم عادت لتتجمع الآن.من الأفضل إحباط ذلك بأقصى ما يستطيع: إن كان قتال اليوم قد أثبت شيئاً، فهو أنهم جميعاً على بعد خطوة من القبر لولا يونغ.قال تريستان: «يسعدني أنك هادئ الآن، فقد بَدوتَ غاضباً حين رأيت ملامح ساراي تحت القناع للمرة الأولى».قال التيانكسي بفظاظة: «لا يمكن الوثوق بالجوف.لو كانت إحداهن، لغادرت أنا أو هي هذه الشركة».قال اللص: «لم أجد هن أسوأ من الرجال.أهي مسألة إيمان؟» لم يكن أحد، ولا حتى المخلصون المتزمتون، ينكر حقيقة الدائرة الأبدية – تلك الحلقة لا متناهية التجسدات التي تربط جميع الأرواح التي لم يشوها الغلوم.فأن يكون المرء داكنياً، جوفاً، يعني أن يُطرد من الدائرة وترى روحك الخالدة تدنس لتغدو مماتية.كانت هناك عقائد لفيسبير ترى في ذلك خطيئة كبرى، أمراً مقرفاً أو شريراً، ومن ثم اعتبرت الجوف مقرفين وأشراراً أيضاً.وما كان ينبغي للأرثوذكسية أن تكون إحداهن، غير أن تريستان علم في الواقع القليل النزير عن الأرثوذكسية الكاثاية.أجاب يونغ: «إنها مسألة واقع.كل الرجال يصابون بالجنون عندما تضعف القوانين يا تريستان.حين لا تعود هناك عقوبات، تتسلل الوحشية التي نتظاهر بأننا لم نتعلمها قطّ أبدا».تطلّبت عيناه الداكنتان شيئاً ما وراء نطاق ضوء الفانوس، ذلك النوع من الهواجس الذي قد يكون على بعد عوالم ومع ذلك أقرب من جلدك ذاته.وقال: «رأيتُ رجالاً حسبتهم أتقياء يغتصبون ويَسرقون ويَقتلون بلا سبب أفضل سوى قدرتهم على ذلك.لكن في النهاية، برغم كل قسوتنا، نظل بشراً».انقبض فك الجندي السابق.قال يونغ بهدوء مقفر: «وجدتُ أطفالاً أنصاف مأكولين على جانب الطريق، حيث غزا الجوف.ووطئت عظام مئات المكسورين المطعومين لملوك مجانين، ورأيت أعقاب طقوس مرعبة لدرجة أن أسوأ صانعي الشموع في إزكالي لارتعدوا من استخدامها».لم ترتفع نبرته حدةً لكنها علت بما يكفي لتلفت الأنظار إليهما.وتابع خافضاً حدة صوته بعدما لاحظ الانتباه: «لا نزال نلعن باسم الليل القديم لسبب وجيه.وهذا هو العالم الذي سيعيده الجوف: ظلام للجميع، وإلى الأبد.لا ثقة يمكن أو ينبغي لها البقاء في وجه تلك الحقيقة».أومأ تريستان برأسه ببطء، محتفظاً بأفكاره بعيدة عن وجهه.لن يجادل يونغ، ليس عندما يثير الموضوع مثل هذا الحماس في الرجل الآخر، لكنه لم يكن قונعان.كانت هناك ممالك بأكملها من الجوف هناك، إمبراطوريات عظيمة قامت وسقطت خارج نطاق الوهج.وكان العلماء واثقين من أن معظم فيسبير ينتمي إلى الجوف، ولو كان يونغ محقاً لأعيد الليل القديم منذ زمن بعيد.لا، ارتاب تريستان في أن معظم الجوف ليسوا أسوأ ولا أفضل من الرجال.ربما شكّلتهم الظروف بشكل مختلف، لكنهم لم يُصنعوا من طين مغاير إلى هذا الحد.كانت الطوائف هي الأشياء المرعبة، والطائفة لم تكن مملكة – ناهيك عن مئات منها.فقال اللص: «لن أجادل في قتل أولئك الأذناب ذوي العين الحمراء.مع أنني أتمنى أن تسامحني إن فضّلت التسلل متخفياً إن استطعنا».لوح يونغ بكلماته مستخفاً.وقال: «وأنا أيضاً.ولا يسعني إلا أن أرتجف حيال ما عانته ساراي لمدى شبه بني جلدتها بالجوف.أتوقع أن نصف من قابلتهم حاولوا تقييدها بالسلاسل».فتساءل تريستان: «أليسوا تيانكسيين، ألا يفعلون؟ظننت أن الجمهوريين لا يقرّون بالعبادة».تلا يونغ بامتثال: «الجميع أحرار تحت السماء.صحيح أن ذلك يتعارض مع كل القوانين في كافة الكتب، لكنه لا يمنع بعض التجار من شحن العبيد».آه، فكّر تريستان.استنتج أن نقل «البضاعة» لا يعد شراءً ولا بيعاً، مما يتيح لعديمي الضمير اتباع حرفية القانون.لم يعد صبياً في العاشرة، يعجب عمياء بإرسال التيانكسيين لجميع نبلاءهم إلى مقصلة الإعدام ويحلم بأرضهم جنة حقيقية.فقد علم أن الجمهوريات السماوية كانت وحشاً معيباً كباقي قوى فيسبير العظمى.لكنه مع ذلك خاب أمله، بطريقة ما، في أن رجالاً حرروا أنفسهم سيفرضون نقيض ذلك على الآخرين.فتنهد قائلاً: «تجارة الرقيق أغنت مالان.ولم يُولَد بعدُ الرجل الذي يكره الذهب».لقد استخدمت الإمبراطورية الثانية العبيد بالملايين وما زالت معظم شعوب فيسبير تفعل ذلك – قد لا يسميهم النبلاء كذلك، لكن الجوف الذين ينقبون الذهب والياقوت لهم هم عبيد في الفعل – ومع ذلك لم يكن سوى الجوف من أبقاهم ليرجان مقيدين بالسلاسل.لقد وصل ذلك الزمان وتلك الممارسة إلى نهايتهما.لقد نمت مملكة مالان بغنى فظيع من خلال خطف الرجال في الشمال وشحنهم إلى مستعمراتهم الغربية، حيث يكححون في زراعة محاصيل وفيرة تحت الوهج لأسيادهم.وكانت القبائل الواقعة تحت البوابات المكسورة بشراً حقاً، فحتى لو كانت بشرتهم شاحبة، لم يكونوا مقطوعين عن الدائرة الأبدية.فلم يحرقهم الوهج.سخر يونغ بنخرة.وقال: «حين كنت صبياً، أخبرتني جدتي أن لوسيفر بنفسه هو من صنع الذهب، لأنه علم أنه حتى لو أُغلق عليه في بانديمونيوم، فسيكون الذهب كافياً ليدمر الرجال أنفسهم».لم يملك تريستان إلا أن يبتسم.بدا أنّه بغض النظر عن المكان الذي توجد فيه، تحاول العائلة تخويفك بقصص ملك الجحيم.قال اللص: «اعتاد أبي أن يروي كيف اختרَ النوم، عبر إفساد تعويذة لقتل العالم بأكمله».أبدى يونغ إعجابه: «هذه ذكية»، ثم مسح سيفه لمرة أخيرة.«وتذكير في وقته بما ينبغي لي فعله.هل ما زال فرانشو في المناوبة الأولى؟» أومأ تريستان.قال الجندي السابق: «جيد، ذوو الشعر الرمادي بحاجة لكسب رزقهم.أستتحدث مع ساراي قبل أن تخلد للنوم الليلة؟» عقد اللص حاجباه.سأل مندهشاً: «أينبغي لي؟» هزّ يونغ كتفيه: «من غيرك؟أنتما الاثنان كأصابع اليد الواحدة منذ أن غادرنا الياوو».عقد حاجبيه، مدركاً الكلمة الكاثاية لكن جاهلاً معناها.فقال: «آثار؟» أوضح يونغ مبتسماً: «نبلاء».كان هناك يقين هادئ وراء تلك الابتسامة، نظرة رجل يعرف الاتجاه الذي يسير فيه العالم وأن طريقه ممهد حتماً بقبور أعدائه.ومن يكون تريستان ليعترض على ذلك؟فما زال التيانكسيون يقطعون الملوك إلى أربعة أقسام، متى ما استابقت أيديهم إليهم، ولم يستطع أي تاج في فيسبير منعهم.وافترق تريستان عن الرجل الذي ما زال مبتسماً، ملقياً نظرة عابرة باتجاه ساراي.كانت جالسة بمفردها، وتبتعد عنها أينيس وفيليس بمسافة آمنة، ومع أن فانيسا لم يطردها الجلد الشاحب، إلا أن العجوز ذات النظارات كانت غاطة في نوم عميق.أدرك تريستان أنه بالكاد تبادل معها عشرين كلمة منذ كشف وجهها.فقد اضطروا للجري نصف يوم وقضى كل وقته منذ إقامة المعسكر في رعاية الجروح.ربما كان الحديث واجباً حقاً، حتى وإن كان الإرهاق قد بدأ يلحق به.جلس اللص مقابل حقيبة ساراي، وفرقع رقبته مطلقا تنهدة رضى خفيفة مع الطقطقة الناشئة عنها.فنال نظرة غير معجبة من المرأة ذات الشعر الداكن.فقالت: «كان بإمكانك فعل ذلك قبل المجيء إلى هنا».ابتسم تريستان بساحرية: «ولتفوتي الأمر عليك؟إنك تجرحين مشاعري».هددته ساراي، واهتزت شفتاها: «افعلها مجدداً ولربما أفعل.لا أستطيع طيق هذا الصوت».أكد اللص لها: «سأضع ذلك في الاعتبار الواجب».ساد صمت، وبينما التقت عيناه عينيها، مد يده نحو إبهامه بوضوح متعمد وبأعنف ابتسامة في جعبته.فحذرته: «إياك أن تفعل».سأل تريستان بكسل: «كيف حال الوجه؟» قالت بحذر وعيناها ما زالتا على إبهامه: «بخير، الجروح ليست عميقة و...» جذب اللص إبهامه قبل أن تكمل الجملة، لتنتزع طقطقة المفصل الصغيرة صرخة غاضبة منها.واضطر لوقاية وجهه بذراعيه حين بدأت تضربه بحماسة بغطائها.وحين انتهت من الرد، كان الاثنان يبتسمان.هزت ساراي رأسها، مسرورة على مضض.وقالت له: «الجروح لن تترك ندوباً حتى.لقد عانيت ما هو أسوأ عند حلاقة ساقي.كيف حال حروقك؟» أجاب بصدق: «أفضل مما ينبغي لها بحق.إنها نظيفة واللحم أحمر بدل أن يكون أسود، وتلك علامة جيدة».وكونه يشعر بالألم حولها كان علامة جيدة، فالحروق الكبرى تلسع بعمق يجعلك تعجز عن الشعور بالألم هناك على الإطلاق.قال تريستان: «الكدمة على جنبي تؤلمني أكثر.من حسن الحظ أنني نمت على ظهري من قبل».تذمرت ساراي: «أظن أنني سأفعل المثل لبضع أسابيع.قد تكون سطحية، لكنني لا أستطيع الاسترخاء عليها دون أن أصدر أزيزاً».أومأ متعاطفاً، وجلسا الاثنان في صمت مريح لفترة.هو من كسره، شبه نادم.سأل بكسل: «ألن نتحدث عن الأمر؟» السر الذي انكشف، وكل تلك التفاصيل الصغيرة التافهة المرتبطة به.أجابت ساراي: «لا».أمال رأسه جانباً.«إن نجونا من المحاكمات؟» وافقت ساراي: «حينها سأعطيك اسمي.الحقيقي.وإن أردت المزيد، فسيتعين عليك المقايضة بالمثل».صفقة عادلة، هكذا كانت طريقتها عادةً.هز تريستان كتفيه: «الماضي ماضٍ.ما يهمني أكثر هو ما سيأتي».طلب معلومات أقل أهمية لكنها أكثر إلحاحاً.إلى أي مدى تنوي ساراي المضي، على هيمنة الأشياء الضائعة هذه؟تأملته عينان زرقاوان.قالت ساراي: «بنهاية هذه المحاكمات، سأرتدي عباءة سوداء».ردّ تريستان سارّاً دون إخفاء: «تلك غايتي أيضاً».وهذا يعني أن تحالفهما قد يستمر حتى النهاية.ومع نية يونغ الانضمام إلى الحراسة أيضاً، فسيكون لديه رفيقان موثوقان للخوض معهما في المحاكمات القادمة.مررت ساراي يدها عبر خصلاتها الداكنة، مغلقة وجهها، ثم أطلقت تنهيدة.وخفضت صوتها قائلة: «محاكمات هذا العام ليست كالبقية».محلقاً عيناه فيها بلا رمشة.قالت ساراي: «بعضنا وُسم لما هو أكثر من مجرد الانضمام إلى الحراسة».لم يستطع إظهار الكثير من الدهشة.لقد علم أن أمراً ما لم يكن طبيعياً منذ أن وطئت قدمه البيلبل لأول مرة.كانت هناك أمور لا تتطابق: فقد منحته أبويلا فرصة عند كوزمي أفلور وزوج من سيردان بإرساله إلى هنا، لكن كانت هناك طرق أخرى.لم تكن مرشدته تريده وحسب في الحراسة، بل أرادته على تلك السفينة بالذات.لماذا؟سأل تريستان: «أنتِ واحدة من أولئك المختارين القلائل، أليس كذلك؟» ابتسمت بخفة: «أنا كذلك.ولكنك أنت أيضاً».ورغم قصارى جهدهما، كانت تلك المعرفة كفيلة بإبقائه مستيقظاً أكثر من الكدمات.-- بدت العشاش الطويلة شريرة، الآن وقد عرفوا ما قد ينتظرهم متخفياً خلف السيقان.تلقت شركتهم جروحاً كافية لتفوح رائحة الدماء، وهذا يعني أنه توجّه عليهم القلق بشأن أكثر من مجرد سدنة العين الحمراء الآن بعد أن فكوا معسكرهم واستأنفوا مسيرهم.قد تفضل الذئبيات السهول المفتوحة على العشش الطويلة التي كانوا يشقونها، لكن كانت هناك أنواع عديدة من الليمور هناك.غير أن المخلوقات الأولى التي وجدوها لم تكن ليمورات على الإطلاق.في الصباح الباكر، أطلقت أينيس صرخة خفيفة جعلتهم جميعاً يشهرون أسلحتهم، لكن ما كادت تتعثر به لم يستوجب ذلك الرعب كله: فعلى الأرض كانت هناك كرتان متذبذبتان من القواقع، تبرز منهما ذيول تنتهي بهراوات في نهايتها.وكانت الذيول تلوح بشكل مُنذر بالسوء، مع أن تريستان كان ليشعر بتهديد أكبر لو لم يكن المخلوق الذي تخصه يتكور بأعمى داخل قوقعته.أشارت فانيسا مستمئعة: «تلك غليبتونت.لا خطر عليك يا عزيزتي، ما لم تكن قدماك مصنوعتين من الأعشاب».سألت أينيس بحذر: «إذن فهي غير ضارة؟» أكد فرانشو: «عادةً ما تكون آكلة للنباتات».فقوبلت بنظرة غير فاهمة وقلقة بعض الشيء.فأوضح الأستاذ العجوز: «مخلوق لا يأكل سوى النباتات».جعل التوبيخ الصامت على وجه أينيس لعدم قولها ذلك ببساطة منذ البداية اللص يكتم ابتسامة.قال تريستان: «أتذكر قراءة أنها تفضل الطين.قد نكون قرب بركة سنحتاج لتجاوزها».هز فرانشو رأسه.صحح العجوز أعدم الأسنان: «تفضل المياه الجارية.لتنظيف حراشفها.نهر، على الأرجح.وإذا تفضل أحدكم يا سادة بقلب واحد منها؟» احتج يونغ بفتور: «يبدو ذلك قاسياً بلا داعٍ».أما ساراي، غير المثقلة، فاستعارت بندقية التيانكسي ودحرجت أحد الغليبتونت بحذر مقلوبة إياه بينما تجنبت ذيل الهراوة.أطلق الآخر صرخة تشبه الفئران بشكل غريب، واختفى ذيله في الداخل كأنه شُفط، وبدأ فوراً انسحاباً استراتيجياً.ولاحظ اللص أنه تخلى عن رفيقه بلا رحمة تذكر.فتمتم: «لا شرف بين الغليبتونت أيضاً، هه».وفي غضون ذلك، كان فرانشو يسعل في يده وهو ينحني فوق الغليبتونت المقلوب الذي كانت ساراي تثبته بقبضة البندقية بينما حاول الهرب.وبصرف النظر عن الأرجل الأربع المكتنزة التي توقعها تريستان هناك، كان هناك ما بدو فماً مستديراً في منتصف البطن تحيط به مجسات بنية متلوية ومجموعة من الفكين الشبيهين بالقرون.أرغ.لكن فرانشو بدا مسروراً للغاية.فأخبرهم بسعادة: «هذا غليبتونت القصب، نوع معين لا يعتاش على الأعشاب وحدها بل على الأسماك الصغيرة والضفادع أيضاً».رمقته أينيس بنظرة خائنة.فقد كانت قدماها في خطر بعد كل شيء.قال فيليس واضعاً يداً مهدئة على كتفه: «ولماذا ينبغي لنا الاهتمام؟» أجابت ساراي متيحَة للغليبتونت العودة إلى وضعية الوقوف على الأرض: «لأن ذلك يعني أن النهر أمامه لا ينبغي أن يضم مفترسات كبيرة بما يكفي لإزعاج صديقنا الصغير».تسلل بعيداً في العشب، ملوحاً بذنبه لهم فيما قد قصد به تحذيراً لكنه بدا في النهاية كطفل يلوح بحماسة مودعاً.ما زال فيليس يبدو متعنتاً – فقد كان في مزاج سيء طوال اليوم ولم يكن هناك لغز في سبب ذلك – لذا توسع يونغ في الشرح أكثر.قال التيانكسي: «لا ينبغي أن يكون هناك أي شيء كبير بما يكفي لمهاجمتنا عندما نعبره».وافق الجميع على أن العبور من خلاله أفضل من الدوران حوله، فالوقت أعظم الكماليات، ومع قليل من الحظ قد تدفع المياه الجارية خلفهم بليمورات تتبع أثرهم.ولم يمض وقت طويل حتى سمعوا خرير المياه وبلغوا الضفاف الموحلة في غضون ربع ساعة.لم تكن المياه أعمق من خصر أقصرهم – وهي مقاربة بين أينيس وفانيسا، الآن بعد أن غادرت لان – وكان التيار قوياً لكنه ليس مستحيلاً للتعامل معه.كان غليبتونت يختبئ في القصب في مجرى النهر، ويمضغ بتأمل سِقاً يبرز إلى الخارج ويتذبذب مع كل مضغة، بينما نَقّت الضفادع ترحيباً هادئاً.أخذوا استراحة قصيرة لملء قرب الماء وغسل وجوههم قبل بدء العبور.تطوع تريستان للذهاب أولاً، كمن لابد أن يفعل، فوجد التوازن مخادعاً لكنه بالكاد خطير إن أخذ المرء وقته.نادى للخلف محذراً من توخي الحذر من الحجارة في القاع، لكونها زلقة، وانتظر ساراي لترمي إليه طرف الحبل.ووجد شجرة ساقطة ومتفسخة ليربطه بها بينما ثبته هي بحجر على الطرف الآخر، لتبدأ شركتهم بعد ذلك في نقل أمورهم عبره.وخاصة خزانة الأدوية الخاصة به، تطلبت عناية شديدة بألا تصيبها المياه.فقد أثبتت قيمتها بالفعل، لذا لم يكن هناك سوى الحد الأدنى من التذمر بشأن العمل.وكان من المقرر أن يكون يونغ الأخير في العبور بينما كانت فانيسا في منتصف الطريق، وقد كادوا جميعاً أن يجتازوا بسلام، لذا بطبيعة الحال كان تريستان مشدوداً كالوتر عندما انهار كل شيء.كان ينبغي أن يروه قادماً، بطوله الفارع، أو حتى يسمعوه.لكنه كان صياداً، لذا لم يكن هناك أي أثر على الإطلاق حتى ظهر من العشب الطويل.المنقار أولاً، شيء منحنى بقسوة أسود كالقطران ارتفع مع تمدد المخلوق لكامل طوله: عشرة أقدام على الأقل، وشلال من الريش البنفسجي الداكن المنقط بعيون زرقاء شاحبة متلوية.كانت قدماه عظاماً، تنتهي بمخالب كبيرة منحنية، وتحت الأجنحة المنهارة بدت أذرع هيكلية متخفية.كان ينبغي للرأس عديم العيون أن يبدو كأنه طير، من الجلد المجعد كله، لكن تريستان كان متأكداً بطريقة ما من أن بشراً كان ينظر إليه.لم يكن بحاجة لمن يخبره بما كان ينظر إليه: رعب الليل، آخذ العيون.طير قبر.بدأ تريستان بنبرة مستوية بقوة: «لا...» ثم صرخت أينيس وذهب كل شيء إلى الجحيم.أطلق طير القبر عُواءً وارتجف اللص، وتردد صداه بين أذنيه حتى اضطر للصراخ ليخرجه.طعم لسانه دماً.وبأعين شاردة، تخبط باحثاً عن سكينه حتى بينما ابتلعت ساراي شهقة خلفه.هجم على يونغ في لحظة، منقار قاسي يمزق كتف التيانكسي بينما حاول سحب سيفه.سقط صارخاً فهرع تريستان إلى الماء بينما التهم طير القبر اللحم الذي مزقه، لتبدأ العيون الزرقاء على ريشه في الدوران ببطء.فكر أنها جميلة، لكن فورتونا أطلقت صرخة إنذار فانتزع نظراته بعيداً.صاح: «لا تنظروا إلى العيون».لعنت ساراي: «جيباتي»، ثم سمع أحدهل يتعرض لطعنة أو صفعة على الوجه.أطلق فيليس زئيراً غاضباً، لكن لم يكن لدى تريستان وقت لذلك: مدّ يده نحو فانيسا.كانت العجوز مذعورة، وسقطت في منتصف طريقها على ركبتها منزلقة على الحجر، وبدت اليد التي لا تمسك بالحبل ملساء كالسمكة حين أمسكت بيده.كافحا لسحبها من النهر.يونغ...كان على الجانب الخاطئ، وأحياناً لم يكن الحظ لطيفاً.في أغلب الأحيان، حقاً.وحين رفع تريستان نظره، لم يكن المخلوق لينهي أمره مع الجندي السابق.كان ينظر إليهم بدلاً من ذلك، متسللاً إلى الأمام وعبر الماء كأنه لا يشعر بالتيار على الإطلاق.تحرك طير القبر بلا عجل، واثقاً تماماً من أنهم جميعاً لحم على طبق لدرجة أنه كان يأخذ وقته في العبث بهم.أطلق عواءً آخر ورد تريستان بصراخ لردعه، وصرخت فورتونا معه، وتداخلت أصواتهما كصوت واحد.لكن فانيسا، وضعت فانيسا يديها على أذنيها.وفي اللحظة التي لم تعد تمسك فيها بالحبل أخذها التيار، لكان ابتلعها في المجرى لولا كرة الغلوم التي تشكلت في طريقها.اصطدمت العجوز بها كأنها أُلقت، صارخة من الألم، لكنها تمسكت بها كي لا يجرفها التيار.صرخت ساراي: «بسرعة، لا أستطيع...» احتضنت أصابع هيكلية خد فانيسا برفق، وسحبها طير القبر قريباً منه، وراقب تريستان برعب بينما ذهبت اليد العظمية الأخرى نحو عينها اليمنى.ألقى سكينه، لكن طير القبر نفض ريشه بازدراء لتكاد تخترق واحدة منها بالكاد.وذهب النصل مع التيار ولم يعد يملك غيره.كان السكين الآخر في حقيبته، وكل ما ملكه مسدساً أثرياً مكسوراً والملوك – صرخت فانيسا، ليمزق طير القبر العين ويضعها في تجويف خالٍ من الريش تحت حلقه.ريشة أخرى قيد التشكيل، وعينا فانيسا المصبوغة باللون الأزرق مطليتان فوقها.أدرك تريستان أنهم سيموتون جميعاَ.احتاج للفرار، لـ...أصابت الطلقة جانب رأس طير القبر.فأطلق صرخة غضب، ومع أن يونغ ارتجف للصوت كالبقية إلا أن الجندي السابق رمى بندقيته وسحب مسدسه.طلقة أخرى في جانب الرأس، موضوعة ببراعة – تطاير الريش ولمح تريستان لحماً أسود كبحر من الديدان.كانت هناك فجوة هناك، ظلت موجودة رغم أن الرصاصة كانت تسقط بالفعل.لن يغير ذلك شيئاً: لطير قبر عيون بعدد حياته.لقد عُبدوا كملوك، ذات يوم.كان يونغ قد فرغ من الزناد للسحب، لذا سحب الرجل الجريح نضله وراقب تريستان ببلادة يد طير القبر الهيكلية تمتد نحو عين فانيسا الثانية.همست فورتونا في أذنه: «إنه يغرس الخوف فيك.هذا ما تعنيه العواء حقاً.لست عاجزاً».أطلق ضحكة كانت نصف شهقة، مكافحاً بيأس التيار للبقاء واقفاً.ما كان ليفعل، أليضرب الوحش بمسدسه المكسور؟ورغم سخافة الفكرة إلا أنها كانت أفضل من لا شيء، فمد يده نحو المسدس وحين انزلق الخشب المبلل على راحته عثر بصره على النقوش على الجانب.توسلت فانيسا: «أرجوك.أرجوك».وتريستان، الأحمق الذي كانه، قبض على كنزته الثمينة.قطعة من كوارتز الرهادامانتين، تحترق بنور الوهج، وحين التقى عيني فورتونا الذهبيتين المبتسمتين استعار الحظ.بدأ العد التنازلي لكنه لم يعره اهتماماً.كل ما احتاج إليه كان لحظة.ألقى اللص الحجر، وفي اللحظة التي فعل فيها استدار طير القبر: بتوقيت مثالي ومستحيل سقط كوارتز الرهادامانتين مباشرة في الفجوة في جانب رأس المخلوق.وعلق هناك.كانت صرخة طير القبر من الغضب التام والمطلق عالية لدرجة أنه لم يستطع سماع العد التنازلي حين أطلق الحظ.خطف فانيسا من خلف قميصها الداخلي، ممزقاً إياه بنصفه، وأخرجها من الطريق تماماً عندما بدأ طير القبر يتخبط بعمى.كان يتألم، يهتز ويصرخ، لكن الكوارتز كان عالقاً بإحكام.فكر برضا خبيث: لتبترق من الداخل.لم يستمتع أي ليمور بلمس الوهج.كانت فانيسا قد تبلدت من الألم والصدمة، وعيناها فارغتان، لكنها تحركت حين دفعها وسقط الاثنان على ركبتيهما في طين ضفة النهر.على الجانب الآخر من النهر كان طير القبر يقطع الأرض بغضب، وقد فرّ يونغ بحكمة إلى الماء بينما كان مشغولاً.أمر تريستان فيليس الذي كان فاغراً فاه، جّاراً فانيسا على قدميها: «اذهب وساعده في العبور».ورأى أن فرانشو فاقد الوعي، فأمر أينيس بإيقاظه وسلم العجوز ذات النظارات – نصفها فقط الآن، فقد مزق طير القبر النظارات للوصول إلى عينها – إلى ساراي المريضة.احتاجوا لأخذ حقائبهم والفرار قبل أن يتخلص طير القبر من الكوارتز أو يجلب ما هو أسوأ.متوجهاً لأغراضه، أدرك تريستان حينها فقط الجائزة التي دفعها مقابل رميته: على الضفاف كانت خزانة الأدوية الخاصة به ترتكز على صخرة بارزة، مكسورة ومغمورة بنصفها.فقد تدحرجت أسفل المنحدر بينما لم يلتفت أحد، لتنسكب نصف محتوياتها في الماء أو يتلفها.سيتعين عليه إنقاذ ما يستطيع.رامياً الأشياء داخلها بلا إكتراث، حزيناً إذ رأى سلفاً أنه لن يكون هناك المزيد من المسكنات، ألقى نظرة سريعة لأعلى النهر ووجد أن فيليس كان يساعد يونغ للخروج من الماء.وعلى الجانب الآخر، دخل طير القبر العشب الطويل لكن صرخاته فضحت أنه لم يبتعد كثيراً.دافعاً الخزانة المكسورة على ظهره، انضم اللص إلى البقية.كان فرانشو قد عاد للوقوف على قدميه، بادياً كنصف نائم ونصف ميت.لقد ضربه العواء بقوة أكبر بكثير من أي شخص آخر، وما زالت عيناه بيضاوين بالرعب.قال تريستان: «علينا التحرك الآن.أي شخص لا يستطيع مواكبة المسير يُترك خلفه».لم يعترض أحد، فقد علم الجميع أنه لو لم تكن صرخة طير القبر قد جذبت طائفة العين الحمراء بعد، فإن طلقتي يونغ قد فعلتا ذلك بالتأكيد.-- كان العشب الطويل السبب الوحيد في بقائهم على قيد الحياة.كانت ثلاث فرق حربية على الأقل تمشط الأرض بحثاً عنهم وفي العراء لكانوا أمواتاً في غضون ساعة.وبدلاً من ذلك، بالحيلة والالتفاف، اختبأوا وواصلوا المسير.اضطروا مرتين للاستلقاء في الطين في قاع الشقوق بينما مر الجوف فوقهم، وظلت الظلال معلقة بينما تحدثوا فيما بينهم بلغة أقدم وأقسى من أنتيغوا.كان طريقهم التواءً، حيث أبقاهم يونغ على أراضٍ لا تترك آثاراً سهلة للعثور عليها بينما تعثروا جرحى ومتعبين.أخذ تريستان وقتاً طويلاً بما يكفي للتأكد من أن جروحه وجروح فانيسا لن تقتلهما قبل المضي قدماً، لكن مع أنه ما زال يملك الكحول إلا أنه لم يعد يملك عوامل التخدير.سيشعرون جميعاً بجروحهم.متسللين عبر القاذورات والشجيرات، شقوا طريقهم إلى الأمام.وبعد ساعات أصبح الإرهاق أكثر من أن يتحمل، ففرض توقفات، لكن أحداً لم ينم جيداً أو طويلاً.فلم يملكوا ترف البقاء في مكانهم لفترة طويلة مع تمشيط السدنة للعشب.واصلت شركتهم التحرك طوال الليل، سارقين ساعة غفوة متفرقة متى أمكن.لم تكن بداية اليوم الثالث منذ انفصالهم عن البقية مبشرة، إذ حَدّد إرهاق الجميع المزاج وأبطأ ذوي الشعر الرمادي بدرجة أكبر.كان فيليس حاد المزاج كالقنفذ، يخدش ذراعيه باستمرار ويثير المشاجرات مع الآخرين.واضطر يونغ للتهديد بقطع لسانه ليجعله يكف عن فانيسا، التي اتهمها بالتنفس بصوت عالٍ لدرجة أنها ستجذب العين الحمراء إليهم جميعاً.وكان العزاء الوحيد، على الرغم من تباطؤ وتيرتهم إلى الزحف، هو اعتقاد ساراي بأنهم يقتربون من الجسر الشرقي عبر النهر.وفي منتصف الصباح وجدوا عموداً ساقطاً يرتفع من العشب الطويل، بما يكفي ليتسلقه تريستان ليتمكن من إلقاء نظرة على ما هو أبعد.أخبرهم اللص حين نزل: «أمر جيد وسيء.أظن أنني رأيت صورة الظل للتمثال الذي اختارته ساراي كعلامة لنا.نحن على بعد نصف يوم على الأكثر من الجسر».فسألت فانيسا بيأس: «والسيء؟» قال تريستان: «سينتهي العشب الطويل قريباً.وهناك امتداد من الأراضي المفتوحة بينه وبين بداية الغابة».ويمكن للأراضي المفتوحة أن تكون مميتة لهم جميعاً، إن وُجد أي من السدنة يراقبونهم.انطلقت شركتهم في همسات، باستثناء فرانشو الذي وضع يداً على العمود المكسور وغرق في عقله بعيون عمياء.وبعد أن اتفق البقية على وجوب توجههم أولاً إلى حافة العشب الطويل قبل تقرير ما إذا كان ينبغي المجازفة أم لا، هز تريستان العجوز من ذهوله.ليس بيده، فلا يمكن التنبؤ بالعقود أبداً، بل بمقبض مسدسه عديم الفائدة.تمتم الأستاذ عديم الأسنان: «آه.أجل.نحن نتحرك، أرى ذلك».قال تريستان: «لم تكن تغفو.كنت تستمع إلى الحجر».أومأ العجوز، مسعلاً بهدوء في يده.قال فرانشو: «ليس من هنا».عقد اللص حاجبيه متسائلاً.وأوضح الأستاذ: «سُرِق من معبد، وجلبه السدنة إلى هنا ليكون بمثابة برج مراقبة نوعاً ما.كان للرجال الذين حملوه آراء قوية حول الأمر بالأمر، وكسر أحدهم ساقه عندما أُسقط عليه.كان ذلك...حياً».سأله تريستان ببطء: «تسمع أصواتهم، كأنك تسمع محادثاتهم القديمة؟» كان من سوء الأدب الاستفسار عن عقد شخص آخر، لكن إن أراد العجوز تفريغ ما في جعبته فمن يكون ليعترض؟كشر فرانشو مراجحاً رأسه: «ليس هكذا.إنه أقرب إلى ما شعر به قلوبهم، حين لمسوا الحجر؟» حاول التوضيح.«أسعى صدى اللحظات التي كانت، لا شيء دقيقاً».ومع ذلك كان هذا النوع من العقود الذي قد يقتل أحدهم بسعادة لأجله، فكر تريستان، إن استطاع حقاً سرقة الأسرار من الحجر هكذا.كم من الأكاذيب القديمة الدامية يستطيع فرانشو نبشها من القبور، إن اهتم بالبحث في ماضي ساكرومونتي؟أو أي مدينة في العالم، لهذا الأمر.قال تريستان ببساطة: «مفيد على أي حال»، ثم أشار له بالتحرك.«تعال».استأنفت شركتهم المسير، متسللين نحو نهاية العشب الطويل بعناية مهووسة بالهدوء.راقب تريستان فرانشو أثناء تحركهما، باحثاً عن أثر لثمن العقد، فلم يجد شيئاً.أمر محبط، لكنه ليس مفاجئاً: الملوك لا تحب دائماً العثور على مستحقاتها بسهولة.ولأنه كان يراقب، رأى العجوز يتصلب فجأة، متلفتًا بحثاً عن شيء لم يره أي منهم.على بعد أقدام من نهاية العشب الطويل كانت كتلة حجرية مدفونة، مستقرة بين الأعشاب مع بروز زاوية منها فقط.مرر العجوز أصابعه بحذر عليها بينما توقف البقية عند حافة العشب، لتصبح عيناه مظلمتين.فكر تريستان: أنت تسمع صوت ذلك الحجر دون شد عقدك.أكان ذلك ثمنه إذن؟أيمكن لفرانشو سماع أسرار الحجر، لكنه لن يكف عن سماعها أبداً؟نعمة وقمة في آن واحد.همست فورتونا، وقد أبدت اهتماماً حين لاحظت اهتمامه.وشرعت الملكة تدور بكسل حول العجوز عديم الأسنان، ناظرة إليه كتاجر يفتش حصاناً.تساءلت فورتونا: «لا يبدو أنه يتحول إلى متناغم، لكن كان عليه ذلك لو كان يستمع لكل شيء دائماً.لكان ملكه في رأسه طوال الوقت».المتناغم، فكر تريستان متجهمًا.هكذا سمت الملكة التحول إلى قديس، وهو أمر أصرّت على أنه جميل.قررت سيدة الاحتمالات الطويلة: «من المرجح أن هناك بنداً خادعاً.مثل أنه لا يستطيع السمع إلا في ساعات فردية أو عند استيفاء شرط آخر.ولن يكون سماع تلك الأشياء ثمنه، بل هكذا يتجلى تبريكه».تأكد اللص من عدم نظر أحد إليه قبل أن يومئ برأسه خفية إقراراً.سخرت فورتونا، رامية شعرها الذهبي إلى الخلف وهي تبتعد: «قرر أحدهم أن يتفلسف معه.كله وقاحة للغاية، ملك حديث النعمة يقهقه لذكائه الخاص».لم يسع تريستان سوى الأمل بحرارة ألا يكون الملك الآخر يستمع ويأخذ الأمر بإهانة، على الرغم من تشتته عن ذلك القلق الجديد بسبب شهقة يونغ المفاجئة.متجاوزاً فيليس، ركع اللص بجانب التيانكسي وألقى نظرة من العشب.لم تكن هناك حاجة للسؤال عما جعل الرجل الآخر يتفاعل: كان السدنة مرئيين بوضوح.جارين عبر الأراضي المنبسطة، كان عشرة من الجوف المسلحين يندفعون إلى الأمام وهم يصرخون.لا، ليس إلى الأمام.بعيداً.أدرك تريستان أنهم كانوا يفرون من الغابة.همست ساراي من خلفه: «هذه...ليست علامة جيدة».والعلامة الثانية التي تلقوها على مجيء المتاعب كانت الضباب.تصاعدت سحب منه من أرضية الغابة، أشبه بموجة من الشحوب تطارد الجوف.ومن ظلام الأشجار، مسحقة الجذوع والحجارة بصمت مخيف، خرجت صورة ضخمة بخطى واسعة.أقدام سميكة كالأعمدة اخترقت المسافة، بيضاء كالطباشير وأطول من الرجال.وفي ضوء النجوم البارد، لمس تريستان ضخامة من اللحم الباح بجماوس متلوية كبيرة مليئة بعيون بيضاوية تماماً، تنتهي كل كتلة بمجس كبير.تصاعدت السحب متجاوزة الجوف الفارين، لتصمت صرخاتهم فجأة على الرغم من أن أفواههم كانت ما زالت مفتوحة، وبدأ الوحش العظيم يختطفهم.وتحت الرؤوس انفتح فم فاغر مليء بأنياب عظمية بارزة، وهناك تم طعن الجوف بلا مبالاة وتركوا لينزفوا داخل المخلوق.همس يونغ: «وحش هيلودوري.اللعنة.قال القبطان إنه سيكون نائماً».أجاب تريستان بقاتمة: «قالت إنه قد يكون نائماً.يبدو أننا لسنا بهذه الحظوة».راقبوهم مرتعشين خوفاً، بينما أكل البهيم نصف الجوف أحياء وسحق بضعة آخرين حتى الموت قبل أن يهيم على وجهه بملل ظاهر.هرب السدنة الثلاثة الناجون إلى العشب الطويل شرق شركتهم، مبتعدين بأسرع ما يمكن.ولم يمض سوى دقائق بعد رحيل ليمور العظيم حتى تبدد آخر الضباب ومعها الصمت القمعي.مرر تريستان يده متعبة عبر شعره، عابساً بشفتيه.قال فيليس: «لا يمكننا التوجه نحو الجسر بينما يجول ذلك الشيء هنا».ولأول مرة، لم يعترض أحد على الرجل.قال يونغ: «علينا الانتظار حتى يمضي.نختبئ حتى يمل، ثم نعبر قبل عودة الجوف».فسألت أينيس: «وإن عادوا قبل أن نفعل؟سنمشي مباشرة إلى كمين».لم يكن أيهما مخطئاً.قال تريستان: «لا يمكننا البقاء هنا.لا زالت هناك فرق حربية تبحث عنا، نحتاج إلى مخبأ».وللارتاح.كانوا جميعاً مرهقين ويزداد الأمر سوءاً.وإن حدث قتال، فسيتخلى نصفهم في الثواني الثلاثين الأولى منه.قالت ساراي بفظاظة: «العشب مليء بالسدنة، ومخلوقات أسوأ بكثير.ليس هناك مكان لنختبئ فيه».قال فرانشو: «هذا...ليس صحيحاً تماماً».التفتت كل الأعيُن نحوه.أطلق العجوز سعفة مبللة، ثم مسح شفتيه بظهر يده.وقال: «تحدثت عدة أحجار صادفناها عن الماء.أُخذت من معبد قديم ابتلعه مستنقع.أعتقد أنه بُني على أحد روافد النهر الذي واجهناه بالأمس، في مكان ما إلى الجنوب الشرقي منا».زأر فيليس: «أتحاول قتلنا أيها العجوز اللعين؟سيكون ممتلئاً بالجوف تماماً كالأول».عبس تريستان: «لا.ليس إن كانوا قد جردوه من قطعه.ليس مكاناً مقدساً بالنسبة لهم».عضّ فيليس: «أنت لا تعرف ذلك.أنت تخمن فقط».أقرّ اللص: «أنا كذلك.لكن يبدو مرجحاً لي.ألديك فكرة أفضل؟» لم يكن لديه، مما حسم الأمر.تجاهل تريستان الجدال الهامس في مؤخرة شركتهم، حيث حاول فيليس مرة أخرى إقناع زوجته بالمغادرة والانطلاق بمفردها.وكانت أينيس أشد اقتضاباً في ردها مما كانت عليه في المرة السابقة.-- استغرق الأمر ساعة ونصف العثور على معبد فرانشو، وقضوا النصف ساعة الأخيرة غالبيتها في إيجاد طريق عبر أرض مستنقعية لا يتطلب الخوض فيها سيراً في الطين حتى الخصر.لم يكن هناك أثر للجوف عندما وجد ضوء الفانوس أول بوابة منحنية تبرز من الطين والقذارة، واستطاع تريستان تخمين السبب.فقد رأى ثعابين كبيرة تتلوى في الطين وأشكالاً أكبر في الماء: تماسيح، أو بعض المخلوقات التي تشبهها.لم يكن هذا مكاناً صديقاً للرجال أو الجوف.ومع ذلك، أرشدهم الأستاذ العجوز من حجر إلى حجر دون خطأ واحد.سلكوا طريق حاج قديم من الحجر المرتفع عبر الماء، ثم عبروا بضع بوابات منحنية أخرى لبلوغ المعبد ذاته: مبنى مربع منخفض يتوج بقبة تبدو كبرعم زنبق لالة.وكان، بشكل غير مرجح، لا يزال قائماً.استقر المستنقع بين تلال متضخمة، وكل شبر فيه موبوء بالذباب والمخلوقات الناقة.وكانوا جميعاً يتوقون للخروج من الهواء الرطب إلى المعبد، الذي بدا وكأن عاصفة قد اجتاحته.ومن الواضح أنه أُفرغ من أي شيء لم يُثبت بإحكام من قِبل الجوف، حيث انتزعت الأعمدة وجُرّدت الفسيفساء من ألوانها.وما تبقى من خطوط الطلاء الأبيض القديم القليلة التي لم تذوب بفعل العوامل الجوية، غطتها الأوساخ والقاذورات، وكان المكان يقطر بها وينتن أسوأ من بانديمونيوم.قالت أينيس، بادية كأنها على وشك التقيؤ: «هذا مقرف».أخبرها فرانشو، قافزاً إلى مذبح حجر حجر
إلى نصفين بحماس شاب: «هناك مكان أفضل».وخلفه، كشف الأستاذ عن درجات حلزونية ضيقة تنزل للأسفل.وقال: «هناك بركة طقوس بالأسفل، أقدم من باقي هذا المعبد.وخلفها يجب أن يكون هناك ممر مخفي يؤدي إلى مزار بُني هذا كله فوقه».لم يسع تريستان إلا بالتفكير بمدى فائدة عقد العجوز القوية بينما ألقى نظرة خاطفة على الدرجات الزلقة والضيقة.وقال: «هذه أصغر من أن نتسع جميعاً للضغط من خلالها.ينبغي أن نرسل زوجاً أولاً».تمتم يونغ: «كما كان يقول قائدي القديم: شكراً لتطوعك».أدار اللص عينيه.كان قد خطط للذهاب على أي حال.والتقى عيني ساراي، سالكاً بصمت، فأومأت بموافقة.
بدت الدرجات وكأنها تتعرق، ينمو الطحلب في كل زوايا، وكاد تريستان أن ينزلق ثلاث مرات.لم يكن هناك أي ثبات إذ كانت الجدران زلقة تماماً كالأرض.بدت الغرفة في الأسفل أشبه بحمام مقارنة ببركة الطقوس التي وصفها فرانشو، حفرة مربعة مليئة بمياه رغوية مسبوقة ببلاط متصدع بينما كانت الحشرات تتسلق في الزوايا، هاربة من ضوء الفانوس.وكانت هناك بضع أعمدة على حافة في الخلف، معظمها مكسور.لحقت به ساراي، بخطوات حذرة متجنبة الانزلاق.وألقت نظرة تشكيكية حولها.قالت أخيراً: «على الأقل الرائحة أفضل من الأعلى».أقرّ تريستان: «هذه بداية».جعل انعكاس الحجر في الماء يبدو وكأن هناك جداراً كاملاً، لكن كما وعد فرانشو، وجدوا ممراً مخفياً خلف عمود مكسور.كان عريضاً لكنه منخفض، بما يكفي ليضطر تريستان للزحف على يديه وركبتيه بعد تسليم الفانوس.وتبعته ساراي عن كثب.وصل اللص إلى نهاية النفق، هابطاً بهدوء على أرضية ما بدا ككهف طبيعي.وكان السقف مليئاً بالهوابط المقطرة، وأرضية منحدرة قليلاً تؤدي إلى ما بدا كمزار منحوت في الحجر.وكان جدار الكهف قد نُحت ليبدو كجدار المزار، بصور ظلية معقدة تتشبث بأيدي وأقدام بعضها في سلسلة لا تنتهي.جعل ذلك بذكاء مدخل المزار يبدو أكثر من مجرد ثقب بيضاوي غامض في الحجر.ساعد ساراي على الهبوط، وصعد الاثنان المنحدر بحذر وصمت.كانت الأرض مبللة، والهوابط تقطر كخكاكين مغموسة بالدم، وهناك حشرات تتسلق خارج نطاق الرؤية بقليل.وبوضع يده على سكينه الأخيرة، أشار تريستان فجأة لساراي بالتوقف.استنشق الهواء شاقاً، شاماً رائحة الدخان، ورأى ذات الاستنتاج يزهر في عينيها بينما اشتد فكّه: لم يكونا بمفردهما هنا.همس: «أغلق الفانوس.لا يمكننا تحمل رؤيتنا».كشرت ساراي، لكونها لم تكن أحرص منه على البقاء في الظلام، لكنها عملت رغم ذلك على المزلاج حتى أغلق.واستأنف الاثنان طريقهما صعوداً، متحركين بحرص لتفادي إصدار أي صوت.وحالما حصلا على زاوية أفضل لباب المزار، رأيا أن هناك ضوءاً مرتجفاً بالداخل.شاحب، فكر.فانوس يغذيه زيت الوهج أو مسحوقه، مما يعني أن هذا قد لا يكون الجوف.وعلم ما يكفي ليدرك أن ذلك لا يعني أنهما آمنان.ومضيين قدماً، لصقا نفسيهما بجانبي عتبة الباب لتفقد الداخل.وهناك وجد تريستان أن معسكراً قد أقيم داخل المزار الضيق، حيث وضعت فرش النوم وكومت الحقائب.بل كانت هناك نار صغيرة تغلي فوقها قدر، تفوح منها رائحة الأعشاب.وكان اثنان يعتنيان بالطعام، وفي ضوء النار تعرف تريستان عليهما فوراً: فيراندا فيلازور ومعينها، صياد مالاني سانالي.مندهشاً تماماً، لم يدرك وجود ثالث حتى تحركت.لم تكن الإنفانزونا غبية لدرجة ترك ظهرها بلا حراسة.وكان هناك تجويف متخفٍ على جانب المدخل، في الداخل مباشرة، حيث كان شخص ما يجلس وينهض على عجلة.وأطلقوا صرخة إنذار فاستدار الاثنان فوراً.أطلقت ساراي لعنة وتجاوزها تريستان، شاهراً سكينه، دافعاً الحارس نحو الحائط.وحين أطبق بنصله على حلقه بينما كانت ساراي تصيح بالآخرين للبقاء في مكانهم، تجمّد تريستان أبراسكال عندما كشف لولب من ضوء النار وجه من أخذها كرهينة لتوّها.تمتمت لان، شفتها الزرقاوان تنثنيان بينما ابتلعت آخر قطعة خبز كانت تمضغها: «حسنًا، يبدو هذا محرجا».