بيل ألايتس الفصل 111

اقرأ بيل ألايتس الفصل 111 باللغة العربية على مانجا تايم.

ارتدت أنغاراد ثياب رجال؛سروالاً وسترة تحت معطف طويل، وأسدلت قبعة مثلّثة الزوايا لتغطي وجهها قدر الإمكان، بينما حزمت شعرها للأعلى.لم يكن بإمكانها إخفاء عكّازها، لكن دخولها قصر اللورد غول من بيزان عبر مدخل الخدم كان كفيلاً بإبعاد الأنظار عنها.وبصفته سفير مملكة مالان، فقد خُصص للنبيل العجوز جناح رحب وفخم قرب قلب الكوليجيوم، حيث تكوّنت المستويات العليا للبناء من سلسلة مضاءة جيداً من أروقة النحاس والزجاج، والتي كانت جميلة في رؤيتها بقدر جمال ما تُطلّ عليه.بيد أن أنغاراد لم تُقَد إلى تلك الصالونات والنوافذ.بل استقبلها خدم صامتون يرتدون البزّات، وقادوها عبر مطابخ خاوية ومخزن طعام مجهز بالكامل.وفي نهايتها، تطلّب الأمر فتح باب ثقيل، وفي تلك الغرفة الباردة الممتدة خلفه، كان رجلان في انتظارها.كان اللورد غول من بيزان يرتدي ملابس فاخرة ولكن مريحة، من الحرير شاحب اللون بلونيه الرمادي والبرتقالي، واضعاً يداً على عصاه المنحوتة المصنوعة من قطعة ملساء ومصقولة من خشب الصندل.وراحت أنغاراد تفكّر بكسل في أن تلك العصا ربما تساوي قيمة كل الثياب التي ترتديها.وأمال اللورد غول رأسه تحيةً، مشيراً لها ببادرة بسيطة لتعبر الباب.أمّا مرافقُه جابولاني ذو الوجه الحجري، فكان جالساً على مقعد ووضع على حجره لوحاً أردوازياً وقطعة فحم – في دلالة على وجوده هنا بوصفه «إيفودو» لا خادماً، إذ ما كان لخادم يُعتدّ به أن يجلس بينما سيّدُه واقف.قال اللورد غول وهو يرفع بوق السمع إلى أذنه: «الليدي أنغاراد.يسعدني رؤيتكِ بهذه السرعة مجدداً.» فأجابت: «وأنا أيضاً، سيدي.أعلم أننا ناقشنا أمر اللقاء مجدداً بعد الوليمة، لكن...» فأثنى الرجل العجوز قائلاً: «لكنّكِ شققتِ طريقكِ بذكاء مستغلةً افتتاح الملجأ ذاك.أستشفّ من حضوركِ أنكِ عثرتِ على شيء ما.» فوافقت: «الجهاز ذاته الذي أرسلتني للبحث عنه.» قال جابولاني بعينين عصيّتين على القراءة: «هذا ما سنراه.لديّ أسئلة، وعليكِ الإجابة.» ابتلعت أنغاراد ما شعرت به من امتعاض لغياب اللياقة وأومأت باقتضاب.فسأل الإيفودو: «أيّ نقش ظهر على التذهيب؟» طرفَتْ عيناها.لم يكن هناك أيّ تذهيب، فعن ماذا يتحدث...آه.إنه يحاول الإيقاع بها، ليتحقق ممّا إذا كانت قد رأت حقاً فرناً جحيماً.إنه أمر مهين، لكن بيت اليسار يعيش في عالم يخلو من الشرف.أجابت أنغاراد: «لم يكن هناك أيّ نقش.وسيكون هذا أسرع إن أنا وصفْتُ الجهاز عوضاً عن الرقص حول فخاخك، لذا سأفعل.» غطّى اللورد غول تثاؤبة بيده، أو ربما ابتسامة.فوصفَت الفرن الجحيمي بأفضل ما استطاعته ذاكرتها، ولم يقاطعها الإيفودو، لكن الأمر لا يمكن أن يكون بهذه السهولة.فقد طرح مزيداً من الأسئلة بعد ذلك.ثلاثة أسئلة، وكلها فخاخ، رغم أنها ربما أخطأت في إجابة هذا السؤال الأخير حقاً لولا أنها درست الجهاز بعناية كافية.فقالت للجاسوس: «كان السطح مغطىً بكثافة شديدة برموز خفية لدرجة أنه بدا أملس تقريباً من بعيد.» أومأ جابولاني ببطء مسجّلاً ملاحظة على اللوح الأردوازي.ثم نظر إليه مطولاً، وتنفس ببطء ومسحه حتى نظف ثم زفر.قال الإيفودو وهو ينهض على قدميه: «أنا راضٍ.اللورد غول، الأمر برمّته بين يديك الآن.لا أرى أيّ حاجة لمزيد من التدخل من جهتي أو من جهة البيت.» أومأ النبيل العجوز برقة رداً عليه، ومما أثار دهشتها أن جابولاني أتى بانحناءة طفيفة للغاية حين مرّ بجانبها في طريقه إلى خارج الغرفة.فارتفع حاجبها جاعلاً السفير يلاحظ ذلك.ضحك اللورد غول قائلاً: «لدى جابولاني عقل شكّاك، بما يليق برجل في مهامه، لكنه ليس متعسفاً.الأفران الجحيمية نادرة وتصويراتها نادرة بالمثل، لذا فإن وصفاً مفصلاً كهذا يستحيل أن يصدر عن غير عينيكِ.» فقالت: «لم يسأل عن مكان الغرفة المخفية في القصر.» أطلق اللورد غول نخرة.فقال: «أسفلَه بلا شك، كمعظم الأقبية في متاهة الفئران هذه التي تُدعى عاصمة.علاوة على ذلك، نحن...» توقف، وعبث بحرير ملابسه ليخرج ساعة ذهبية يكاد تكاُكها يكون بلا صوت.وختم اللورد غول كلامه قائلاً: «على وشك التأخر.قد تكون لديه أسئلة أخرى لكِ، لكن حساباً مكتوباً سيكفي — وفي وقت لن يؤخرنا.» أمالت رأسها إلى الجانب.«يؤخرنا، سيدي؟» ألصق اللورد غول نظرة سريعة على الخادم الذي ما زال يمسك الباب مفتوحاً، فانحنى الرجل قبل أن يشير إلى شخص خارج نطاق الرؤية.قدمت فتاة صغيرة تحمل فانوساً انحناءة احترام لكليهما قبل أن تخطو إلى داخل الغرفة الباردة، متجاوزة الإيزيندونا ومشت إلى الجدار الخلفي لتجذب ما تبين أنه مزلاج فولاذي مخفي خلف عيدان كرفس متراصة.انزلق مزلاج ثلاثة تلو الآخر، وبعدها انفتح باب.باب مخفي تكمن خلفه دروج.مجدداً؟سأل السفير بجفاء: «أظننتِ أنني استقبلتكِ في الغرفة الباردة لأؤنس الجازورات؟» فكرت: «بالأجداد.» أأعوامَ كل قصر في هذه العاصمة المنحوسة ممر خفي من نوع ما؟تولّت الفتاة ذات الفانوس القيادة، منزلقة إلى أسفل الدرج بينما تبعتها أنغاراد واللورد غول.كان النبيل العجوز في مزاج رائع، ومزاج ثرثار أيضاً.أخبرها اللورد غول: «في عهد الأرشيليين المتأخرين، سادت صيحة الغرف المخفية في الكوليجيوم والحي الجنوبي الغربي، حيث كان معظم النبلاء يقيمون آنذاك.لكنها فقدت شعبيتها خلال فترة الـ"أتكسيا"، إذ غدت الأداة المفضلة للقتلة لدخول القصور.» آه.نعم، لعل ذلك يخفف من الحماس بعض الشيء.فسألت: «ولكن ليس هذا؟» قال اللورد غول: «إنه لا يودّي إلّا إلى ما أظنّ أنه غرفة مخصّصة للسراري، لذا لم يكلفوا أنفسهم عناءها قط.لقد استغرق طاقمي عدة أشهر لحفر ممر من هناك إلى الأنفاق الموجودة تحت المدينة.» تأملت أنغاراد قائلةً: «لا شك أن ذلك نابع من الحاجة إلى التكتم أكثر من الصعوبة الجسدية.» كانت الغرفة الواقعة في أسفل الدرج مطابقة تماماً لما وُصِف لها؛فهي عبارة عن غرفة نوم كبيرة جوهرياً رغم أنها خلت حالياً من أي أثاث.كما كشفت عن فجوة فاغرة في جدار نحاسي من طراتيكي، وهي المسار المفترض للمتابعة.ومن هناك قادتهما فتاة الفانوس عبر نفق ضيق مائل قليلاً إلى الأسفل، محفور عبر الصخور ليخرج في ممر تحت الأرض لا يختلف كثيراً عن الرواق.سارا في الظلام لمدة خمس دقائق، حتى خرجا فيما ينبغي أن يكون...غرب القصر، على حد تقديرها، ولكن في عمق سحيق؟لا بد أن الماء قريب، إذ كان هناك إحساس بالرطوبة في برودة المكان هنا.وقد ثبت صحة شكوكها، إذ كان مصباح بلا دخان معلقاً في نهاية الرواق فوق قناة ضيقة من المياه الداكنة.وكان قارب أضيق ينتظر هناك، مربوطاً بحلقة فولاذية مسمّرة في الأرض.وضم مقعدين ومجدافاً موضوعاً بعرضهما.هامت عينا أنغاراد نحو صندوق تحت المصباح، وُضعت عليه بدقة عباءتان بنيتان مزودتان بقلنسوتان وزوجان من قفازات جلد الأيل.أعلمها اللورد غول: «لقد أخذتُ حرية تحضير ملابس لكِ أيضاً.رغم أنني أخشى أن أضطر للإثقال عليكِ بقيادتنا إلى وجهتنا.» أمالت أنغاراد رأسها بصمت، كاتمةً حماسها.قلنسوات وقفازات؟ليس هناك سوى أسباب معدودة لكي يسعى غول لإخفاء وجوههم وأيديهم.كانت العاء ذات صنع رفيع والقفازات ناعمة بشكل مبهج.خطت أنغاراد إلى داخل القارب أولاً، وأخذت المجداف، وراقبَت الخادمة وهي تساعد السفير لينزل على المقعد الآخر قبل أن تناوله فانوسها وتتراجع.أمرها اللورد غول: «إلى الأمام.طريقنا هي الأسهل بين كل الطرق، خط مستقيم نحو الضريح.» كان هناك تيار خفيف في الماء، يتجه نحو الوجه ذاتها التي يقصدانها، لذا بالكاد احتجت أنغاراد لفعل أي شيء لدفعهم عبر الماء.وقطرة ماء تطايرات على وجهها كشفت لها، لدهشتها، أن البلل لم يكن بارداً بل فاترأ.وهو أمر غريب بالنظر إلى البرودة هنا.بدا تشكيل الضوء الواهي الذي ينشره الفانوس هشاً، لكن ثرثرة اللورد غول المستمرة دعّمته.حدد قائلًا: «الطقس الذي سنحضره يقام كل شهر قمري — قمر المرجان أعني.وفي حين لم يعد بالإعكام رؤية الهلال الأحمر من أزفوديل، إلا أنه كان يعلو الجزيرة طوال معظم الإمبراطورية الثانية، ويُعتقد أنه بعد قرن ونصف سيبدأ رحلة العودة نحو طراتيكي.» أومأت أنغاراد وكأنها قد فهمت.لم يسبق لها أن سمعت بـ«قمر المرجان»، والأقمار القليلة التي كانت على علم بها كانت أقرب بكثير إلى مالان.باستثناء دمعة اللفياثان على أي حال، وهي النور الهادي لرحلات الإبحار إلى الأراضي الغربية إن عرفت كيف تراها - وهو ما لا يفعله سوى القلّة القليلة من ربابنة مالان.فسألت: «هل أستشفّ من القلنسوات أن المبتدئين يبقون وجوههم مخفية حتى عن بعضهم البعض؟» أجاب اللورد غول: «إلى حد ما.لقد خُمن أمر الأبرز بين المنتمين للطائفة منذ زمن طويل، بما في ذلك أنا، ولتوجيه الطقس أو المشاركة فيه علانية، يجب على المرء أن يكشف وجهه.أما صغار النبلاء والمسؤولين فيتشبثون بأسرارهم، لكن من الصعب الارتقاء إلى الصدارة دون تقديم بعض التلميحات.» فراحت أنغاراد تختبر الأمر: «إذن ثمة رتب، وسبل للارتقاء.» شاكسها السفير: «لم تبتدئي بعد وبدأتِ شديدة الطموح!» لكنه بدا مستسغاً للأمر.أخفضت أنغاراد رأسها متظاهرة بالخجل، غير أنه اكتفى بالقهقهة.قال اللورد غول: «معظم أعضاء الجمعية مجرد بيادق، ولا يعلمون شيئاً عن الأسرار باستثناء بضع إشارات ليتعرفوا بها على بعضهم، ووعد بالقوة القادمة.حضورك للطقس سيجعلك مبتدئة، شخصاً لمح القوى المُمارَسَة لكنه يعمل تحت إمرة زعيم للطائفة.» وتوقف برهة.«أنا أحد هؤلاء الزعماء، وستُوظفين بطبيعة الحال وفق تقديري.» لم تخفِ دهشتها.«أنت تقف في مرتبة رفيعة.» حذّرها اللورد غول: «ليست بالرفعة التي تظنينها.فالزعماء الخمسة يملكون نفوذاً عظيماً، لكن قوتنا أرضية.نحن نملك السلطة بسبب الوسائل والنفوذ، لأننا مطلوبون للدفع بمخططات الجمعية قدماً.تلك سلطة مؤقتة، أخشى ذلك.القوة الحقيقية تكمن لدى الكهنوت، مسؤولي الروح، وسيدهم الذي أسس الطائفة وما زال يقودها.» أخفت أنغاراد قشعريرتها.أخيراً، لقد حدث تقدم!إن معرفة هوية ذلك السيد فضلاً عن الزعماء الخمسة المذكورين كفيلة بتنفيذ عقد الثلاثة عشر مع العرش.وأخيراً هناك طريق واضح للخروج من الوحل.أضاف السفير، ربما استباقاً للسؤال: «يُعرف بالكهنوتي (إكليسيست).لم أُقابله سوى مرة واحدة ولا أعرف اسمه الحقيقي، فقد بُذلت عناية فائقة لإخفاء هويته.» حتى لقب، الآن.الكهنوتي.كادت تلوّي عينيها تظاهراً بالتعالي.فسألت أنغاراد: «هل سيكون حاضراً؟» سخر اللورد غول: «مثل هذه الطقوس أدنى من مقامه.يحضر أتباعه نيابة عنه، كهنةً أجمعين — رغم أن كهنوتهم مستمد من فضل الروح لا من فضيلة حقيقية.وما رأيتُ أحداً منهم ليليق بخدمة الملك النائم.» ورغم أنها لم تلتفت، استطاعت أنغاراد أن تشعر بثقل نظراته على ظهرها.تابع الإيزيندونا: «أتوقع أن تتعرفي على بعض الحضور وربما يتعرفون عليك بدورهم، بغض النظر عن احتياطاتنا.سيكون التكتم أمراً بالغ الأهمية في هذه المسألة.» أومأت بصمت.تمتم اللورد غول: «جيد.نحن على وشك الوصول، لذا احذري قلنسوتكِ.» لم ترَ أنغاراد شيئاً يُميّز المقطع المظلم من القناة التي كانت تقودهما عبره عن أي مقطع آخر، لكن لا بد أنه كانت هناك علامة ما إذ صدق الرجل العجوز: انتهت القناة فجأة، مؤدية إلى نوع من الخزانات الجوفية الكبيرة.وفي قلبها كانت هناك جزيرة، كأن كتلة من البازلت قد نبتت من الماء كفطر، ويعلو ذلك الشاطئ الصخري ضريح مُهترئ.لم تكن له أبواب ولا جدران، بل درجات حُفرت بخشونة في البازلت تؤدي إلى أعمدة من الخشب الطافي تحمل سقفاً مربعاً كبيراً وسميكاً بدا وكأنه متكوّن بأكمله من خشب محطم.سوارٍ ومقاديف ورماح، ومقدمات سفن مهشمة وتماثيل مصبوغة.وكانت مصابيح باهتة ودافئة منثورة في كل مكان على الشاطئ وداخل الضريح.وكانت تلقي بظلال القوارب الصغيرة المرسّاة بالعشرات والتجمع الهادئ الواقف داخل الضريح.كان هناك ما لا يقل عن ثلاثة عشر فرداً، يرتدون عباءات ذات قلنسوات تراوحت بين الأحمر الفاقع ورمادي داكن لدرجة يكاد ينتهك حقوق الحرس فيما يخص العباءات السوداء.قادت أنغاراد قاربها إلى إحدى البقع الفارغة على الشاطئ، كابدة ألما طفيفاً وهي تخرج إلى الصخر بساقين غير مستقرتين.ناوله اللورد غول عكازها فاستندت عليه بالقدر الكافي لتربط القارب برأس تمثال برونزي ضخمة وتساعد النبيل العجوز على النزول للشاطئ.لاحظت أنهما وصلا متأخرين، ولكنهما لم يكونا الأخيرين: كان هناك قاربان آخران في الماء، يعلن ضوء المشاعل عن اقترابهما.وبينما بدأ اللورد غول مسيره نحو الضريح، تباطأت لحظة لتستنشق عبير الهواء.مقطبة حاجبها، ركبت على الشاطئ، وراحت تحني جسدها لتخفي يدها داخل عباءتها بينما خلعت قفازاً وغطست إصبعاً في الماء قبل أن تقربه من أنفها.لقد كان ماءً مالعاً حقاً؛ولم تكن تصاب بالجنون.هل كان هذا المكان متصلاً بطريقة ما ببحر تريبيان؟لقد تساءلت مطولاً من أين تأتي كل مياه قنوات طراتيكي، بالنظر إلى عدم وجود نهر يغذي المدينة.أعادت أنغاراد القفاز ودفعَت نفسها للنهوض.حامت عيناها نحو ضريح الخشب الطافي، وتساءلت عما إذا لم يكن هناك تفسير آخر لتحول المياه هنا من عذبة إلى مالحة.فالأرواح القوية، أسياد جنسها، تستطيع تغيير العالم المحيط بها مجرد الوجود.فكرت قائلة: «الكش البري لا يمتلك مثل هذه القوة.فلم يكن يملكها حتى في أوج عظمته.» إذن من ذا الذي يحكم هنا؟تبعَت اللورد غول، واقفة في ظله كما يفعل التابع، غير أن نظراتها راحت تجوب المكان من تحت القلنسوة.وما هي إلا لحظات قبل دخولها الضريح حتى لاحظت ذلك — بقعة شاحبة في سقف الخشب المحطم، يمكن بسهولة الخطأ في عدّها أحد التماثيل المصبوغة.جمجمة.جمجمة بشرية، وحين أدركت ما تبحث عنه رماح رؤوساً أخرى.عظام متناثرة بين الخشب الخراب، لما لا يقل عن عدة رجال.ارتعشت وأجبرت نفسها على اتباع اللورد غول بلا إبطاء، إذ كانت وجوه محجبة قد التفتت بالفعل نحوها.ووصلت لتقف إلى جانب الإيزيندونا، وسط صف من الكيانات المتمتمة بصمت والتي واجهت جميعها قلب الضريح: أرضية حجرية مصقولة، وفي قلبها تثبت سلاسل مزورة سجيناً منفرداً.وما كان ذلك السجين بشراً.كان الكبش البري، وما عساه يكون غير ذلك، يحمل اسماً لائقاً: خروف ضخم ذو قرون وذو لبدة ذهبية، يعادل حجم حصان حربي مرتين.ورغم أن رؤية تلك الروح في البراري كانت لتكون أمراً مخيفاً، فإنها هنا في الضريح القديم كانت...محزنة تقريباً.لقد قيّدت بسلاسل من فضة مطروقة، وغُرست مسامير لامعة عميقاً في جنبيه، لكن أنغاراد استطاعت أن تري أنه كان عليلاً حتى قبل ذلك.كانت الروح مشوهة، بساق تنتهي ببذرة وأخرى ضامرة مثل عود.وكان معطفها يتمتع ببريق الذهب، لكن جداول من سائل شبيه بالصدأ تقطر من جراحه وتسلخ المعطف والجلد معاً.وكان قرناه الكبيران المقوسان مكتملي التكوين بيد أن جرحاً قد شذب أحدهما وكسره، مما أظهر أنهما أجوفان من الداخل.مثل قواقع فارغة.كان الكبش البري بالكاد يتنفس؛وأغمض عينيه وهو ممدد على الأرضية الحجرية المخططة بفوضى دوائر متداخلة تحيط به جميعها.حدود، تذكرت من حصة علم اللاهوت الخاصة بها.لن تمنعه من الخروج مشياً، لو كان سليماً، لكنها ستشوش قوته وتشتتها.تمتم اللورد غول وهو يميل نحوها: «أقر بأنه ليس منظراً جميلاً.» أجابت أنغاراد بذات الخفت: «لم أره قط روحاً مشوهة بهذا الشكل.أهي...سليمة؟» فنالت نظرة مفعمة بالتشكيك من السفير وسعلت في قبضتها.مستطردة: «باستثناء الجراح الواضحة.» فقال اللورد غول: «آه.لقد فطنتِ لها جيداً.لم تظهر الروح بطريقة سليمة، حسبما أُبلغت.لقد ضبطها رفقاؤنا ككائن وسيط، يمنح نِعماً صغيرة وعقوداً زهيدة، واستخدموا خواص الأثير المحلي لإجبارها على التجلي جسدياً.» فكرت أنغاراد، محتفظة باشمئزازها بعيداً عن وجهها حتى تحت القلنسوة: «إنهم يجعلون الماشية تنزف.» كان أمراً مختلفاً أن يكون مخلّص مثل اللورد غول غير مبالٍ بالمنظر أمامه، لكن تلك لم تكن العقيدة التي تلتزم بها.فالشر المرتكب بحق الأرواح ظل شراً، رغم أن طبيعتها لم تكن طبيعة البشر.فاستدرجت قائلة: «تلتزم الجمعية براعٍ أعظم.» ابتسم اللورد غول مستحسناً.فهمس مردّاً: «سترين قريباً بما فيه الكفاية.طعم العافية الذي منحناك إياه هو أقل ما في الأمر.» مع ذلك، أشار طالباً الصمت، إذ وصل آخر الحضور.هرع الثلاثة الأخيرون صعوداً على الدرج تحت نظرات الصمت المستاءة من الجميع تقريباً، وبدت لغة أجسادهم محرجة حتى تحت العباءات.بدا أنه حتى في طوائف الأرواح القاتلة، كانت الدقة في المواعيد متوقعة، فكرت أنغاراد مستمتعة.ومع إيجاد الأخير مكاناً في أحد الصفوف المواجهة لداخل الضريح، حلّ سكون مطبق على الجمع حتى انطفأت الهمهمات.انفصل صف عبدة الطائفة المتشحين بالعباءات في مؤخرة الضريح ليسمح بمرور شخصية أخرى، شخصية لم تخفِ وجهها وجعلت أنغاراد تتصلب دهشة.وفي حين بُدّلت الأزياء والأناقات المعتادة برداء قماشي بسيط وأساور برونزية منحوتة، فلم يكن هناك خطأ في ذلك الوجه والقد.تحدثت الليدي دوكاس بصوت جهوري: «أنتم الواقفون في قاعة الأوديسي، اركعوا.» استغرق الأمر نبضة قلب لتتأقلم أنغاراد مع رؤية الليدي الفاتنة التي ضبطها تريستان في خلوة داخل خزانة أثناء وليمة مع الكاهنة الجليلة الواقفة أمامها الآن.فترة طويلة بما يكفي لأن يجذب اللورد غول عباءتها لتركع هي باستعجال إلى جانبه، مستندة إلى عكازها.وما إن ركع الجميع حتى تحدثت الليدي دوكاس مجدداً.فأعلنت: «الملك الماكر يتلقى خضوعكم.يمكن للجميع النهوض.» ابتلعت أنغاراد أنة ألم وهي تفعل، إذ استندت على ركبتيها أكثر من اللازم اليوم.مع ذلك، لم يكن هناك مفر.لقد تعلمت الكثير بالفعل وكان الططقس لم يبدأ بعد.الملك النائم، ليدي دوكاس؟كانت النبيلة إحدى المشتبه بهم في القائمة الأصلية، صحيح، لكن أنغاراد كانت قد استبعدتها تماماً.وبدت المرأة العجوز الوسيمة باعتراف الجميع مهتمة بمضاجعة الشباب أكثر من أي أمر تآامري.وصارت أقل اهتماماً الآن، مرتدية ببساطة لكن مع شعور خافت بالقوة يتصاعد منها موجات.كان يخطف الأنظار كاللهب العاري، يدعو ويحرق في آن.قالت الليدي دوكاس: «نحن نتحلق هنا تحت أضواء طراتيكي لنذكر حقيقة أزفوديل الأصلية.تلك التي صُنعت في الموت لا يمكن حفظها إلا عبر الموت.» «إلا عبر الموت،» ردد نصف الجمع تقريريقة تقريباً.أما اللورد غول فلم يفعل، وحمى وقوفه تحت عباءته إيحاء باشمئزاز معين تجاه الطقس.وفكرت أنغاراد أن مخلّصاً مثله سيجد هذا الأمر برمته مشوباً بالكثير من الدين.فالأرواح يمكن التفاوض معها، لكن لا ينبغي عبادة قط.وفي هذا، تشاطرا الرأي.قالت الكاهنة، فهذا ما لا بد أن تكونه، للحضور: «ليس في هذه الأرض من يجرؤ على مقاومة جبروت الأوديسي.عاينوا أمامكم الكبش البري، ملكاً مقيداً ومسفوك الدم.عاينوا الآن نصل الملك الماكر، وكيف يشق حتى السيادة.» أشارت الليدي دوكاس إلى عبدة الطائفة خلفها فتقدم اثنان حاملين وسادة استقر عليها النصل المذكور.كانت أنغاراد تتوقع سيفاً قصيراً، من ذلك النوع الذي قد يحمله لورد قراصنة من طراز ما كان عليه الأوديسي في حياته، لكن ما أُحضر إلى ضوء المصابيح عوضاً عن ذلك كان منجلاً.برونزياً، بمقبض باهت ونصل مقوس لامع.عقدت حاجبيها.ومنذ متى كان المنجل رمزاً للأوديسي؟ناهيك عن كونه بلا أي زخارف.تحدثت مريم عن عيون جوهرية وكنز الأرروح القديمة المكدس، لكنها لم تأتِ أبداً على ذكر نصل بمثل هذا البساطة.نادَت الليدي دوكاس: «ليتقدم الجريئون، وليستعملوا طموحهم نصلاً.ليتقدم المستحقون لمرمى نظر الأوديسي.من يجيب النداء؟» كان هناك تردد لنبضة قلب، ثم خرج شخص من الصف على يسار أنغاراد.وبدأ اثنان آخران في التحرك، لكن بعد فوات الأوان بنبضة واحدة فقط.قطع الشخص المرتدي عباءة صوفية خشنة خطوتين نحو الكاهنة المبتسمة التي اتسعت ابتسامتها حين سحب الرجل قلنسوته كاشفاً عن وجهه للجمع بأكمله.تنفست أنغاراد بحرقة.أجاب اللورد كليون إيرينوس: «أنا أستجيب.» انقبض قلبها.لقد أملت، حتى وهي تعلم الآن أن راعيه المعقود كان الروح التي تعبدها الطائفة، ألا يكون جزءاً من هذا.لكن الاحتمال كان طفيفاً دائماً.قالت الليدي دوكاس بابتسامة تشبه الانتصار: «ليُبارك كليون إيرينوس.إنه من يقف شاباً بينكم، وطويل العهد برعاية الملك الماكر.لم يطلب معروفاً من قبل، بل قدم خدمة وفيّة.» أنشد الجمع مغنياً: «ليُبارك.» تقدم التابع المحجب نحو اللورد كليون مقدماً المنجل، فتناول الشاب النصل ببراعة عن الوسادة.كان كليون إيرينوس صياداً، حسبما علمت أنغاراد، وبارعاً بالنصل.ولم تكن تعتقد أنه رجل قاسٍ بطبيعته وحين تحرك فعل ذلك بعناية ودقة.ومع ذلك ترك الأمر طعماً قبيحاً في الفم مشاهدته وهو يقطع جنب الروح العاجزة.انشق لحم الكبش البري بلا مقاومة وخرج نصل المنجل أحمر.وبعد أن تراجع كليون ركعت الليدي دوكاس بجوار الروح المقيدة بكوب خشبي والتقطت قطرات السمينة والصدئة التي نزفت.ولم يتحرك الكبش أبداً.ثم رفعت الكاهنة الكوب ليرأه الجميع، مبتسمة بنشوة.قالت الليدي دوكاس: «قطع كليون إيرينوس ملكاً طمعاً في طموحه، ونزف الملك.سمّ الآن ثمن الإيكور، أيها الكليون المكرم.» صلب وجه الشاب.قائلًا ببرود: «حياة ثيفانيا فاروشاس، من فاروشاس صخرة ميدا.أمنح حصتي للأوديسي، ليقاسموني هذا الموت معي.» توترت أنغاراد، ففي اللحظة التالية هبت الريح بعنف عبر المعبد.ومضت المصابيح، وتردد في الهواء صوت خافت لصرخات وتشابك أسلحة.وفقط عوضاً عن رائحة الملح النقية والمحترقة، التقطت أنغاراد شيئاً شبيهـ...بالعفن؟نتانة حلوة ومريضة، ومسحة من رائحة التربة المبللة كذلك.واضطرت لإبقاء قلنسوتها في مكانها بيد مرتدية قفازاً، وحين سنحت لها فرصة الالتفات مجدداً رأت أن المنجل في يد كليون قد خلا من الحمرة وزال نصف الإيكور في الكوب.أعلنت الليدي دوكاس: «قُبِل الثمن.سيجد الموت عدوكِ.» زفر الحشد، وكانت أنغاراد بينهم، وأعاد كليون المنجل إلى الوسادة.وأبقى قلنسوتها مسدلة، وكأنه يزدري السرية، وعاد إلى الجانب.انخرطت الليدي دوكاس في خطبة تمجد جبروت الأوديسي وفضائله، لكن أنغاراد شعرت بمرض شديد في معدتها يمنعها من الاستماع.«لم يطلب معروفاً من قبل،» هكذا زعمت الليدي دوكاس.أكان هذا على رأسها؟بدا هذا الطقس وكأنه نوع من...طقوس الموت، التضحية بالإيكور للأوديسي لشراء موت الأعداء فيما لا يمكن وصفه إلا بأنه شكل من أشكال القتل.ومع ذلك، فإن كليون الذي لا بد أنه كان يعلم بهذا لسنوات، لم يقم بمثل هذه التضحية قط.أكان ذلك بسبب الإهانة التي سمحت أنغاراد بإنزالها على نفسها في قصر إيرينوس؟كانت تعلم أنه يشعر بأنه محاصر بخطيبته غير المرغوب فيها، بالطريقة التي كان النبلاء المجاورون يحاصرونه بها، لكن طلب رأس تلك الفتاة كان...لقد هاجمته أولاً، ذكرت أنغاراد نفسها.ليس بحمل نصل نحوه، لكن مطاردة كل مبارياته المحاولة لفرض نفسها زوجة لم تكن أقل هجوماً.لقد بدأ كل ذلك قبل فترة طويلة من معرفة أي تريديغار لهذه الجزيرة، قبل سنوات.ومع ذلك لم تستطع طرد الشعور بأن خداعها تحت سقفه هو ما قاده إلى هذا...عتبة القرار.هذا الخطأ.فالعار لا يجلب سوى مزيد من العار.لكن أنغاراد كان لديها واجب، والتمرغ في الشعور بالذنب لم يكن منه.كان عليها محاولة معرفة ما إذا كان أي من الزعماء الآخرين حاضراً، أو حتى كهنة آخرون بوجوه مكشوفة.دققت النظر في الحشد بعناية بينما واصلت الليدي دوكاس حثهم، فوجدت أنه في حين كانت هناك بعض العباءات المطابقة لعباءتها وللورد غول لم يكن أي من الظلال تحتها بارزاً بشكل يمكن تمييزه.كان بإمكانها تخمين الجنس من الطول وعرض الكتفين، ليس إلا.ربما يستطيع شخص مطلع على وجهاء البلاط أكثر فعل ذلك، لكن كيف يمكنهم...تنفست أنغاراد بحرقة، وانغست في عقدها.لم تبقَ طويلاً في الرؤية، فقط بالقدر الكافي لتلقي نظرة مطولة على الحشد من حولها.سيكفي ذلك لتثبيت المنظر تماماً في ذاكرتها.سرى ارتعاش بارد على مؤخرة عنقها حين تخلت عن العقد، أشبه بضحك الصيّاح على الجلد.فكرة مقلقة، وسرت لأن خطبة الليدي دوكاس لم طُل كثيراً – فما تلى تطلب كامل انتباهها، مما منعها من التفكير كثيراً في المعنى الحقيقي لذلك الرضا البعيد الذي تردد صداه.ذكّرت الليدي دوكاس الحشد بابتسامة: «وحدهم المختارون يستطيعون الوقوف في هذا المكان المقدّس.أكثر الأيدي حبّاً وثقة للأوديسي، أولئك الذين سيحکوم حين يحين ساعة انتصارنا.» واتسعت ابتسامتها.هارّة بصوت رقيق: «وتلك الساعة قد دنت.» سرى ارتعاش لاهث ومتحمس في الجمع.فحتى أنغاراد، التي كانت هنا لترَى أولئك الخونة مكبلين بالسلاسل، شعرت ببهجة غريبة تتصاعد داخلها.شعور شبيه حين يقطع النصل اللحم بالزاوية المثالية، كـ...القفز في الظلام والهبوط على أرض صلبة.لقد كان الخزان ساكناً كقبر من قبل، لكن باتت هناك الآن نسمة خفيفة وظنت أنها تسمع أمواجاً تتلاطم على شاطئ الجزيرة.فكرت بقلق: «الروح هنا.» أو على الأقل انتباهها.قالت الليدي دوكاس: «لقد بعث إخوتنا في قصر الرئيس برسالة.وأخيراً صار عملاؤنا في أماكنهم: العرش في كفّ أيدينا، وما إن تُحشد جنودنا حتى يحين وقت قبض أصابعنا.» انتشرت همهمات حماسية بينما انقبضت معدة أنغاراد.كم تبقي حتى الانقلاب – ساعات، أيام؟قالت الكاهنة: «لقد تحدث الكهنوتي.ليلة الثالث عشر، مع حلول الظلام، سنحتل مكاننا المستحق فوق أزفوديل.» الثالث عشر من الشهر.أحصت أنغاراد الأيام – كانوا حالياً في الثامن.خمسة أيام.بقيت خمسة أيام قبل أن تلامس الفتيلة البارود، قبل أن تخرج السكاكين.خمسة أيام لإخراج الفرن الجحيمي من المدينة وترتيب أمورها.-- أثبتت مريم نظريتها في غضون ثلاث دقائق من دخول الأرشيف الخاص.لم يكن اختبار مطاطية الأثير بالأمر الصعب للغاية عندما تعرف الطريقة، وهي كانت تعرفها.لم يكن الأمر سوى خداع نفسك لتشعر بشيء ما بينما تتحسس انبثاقاتك الخاصة باستخدام الناف الخاصة بك، وكانت تشعر بما يكفي من التوتر لدرجة أنها لم تكن بحاجة لأي خداع.لقد كانت على حق: لا بد أن هذا المكان كان السدادة في سجن الواحد البغيض.لم تلاحظ ذلك عند تتبع علامة هنا لأول مرة لأن الأثير المحلي كان صلباً وثابتاً جداً لدرجة أنه لم يختلف كثيراً عن الفراغ القاحل لبقية القصر حتى تنظر عن قرب.لم تكن هناك أي مرونة هنا على الإطلاق – كمية الإيمان بأودورومائي المتغلغلة في جزيرة أزفوديل جعلت السدادة كثيفة لدرجة مخيفة بدا معها وكأنها غير موجودة أساساً حتى تدفع ضدها.رأت مريم آخر أمناء الأرشيف يغادر عبر المصعد، وتنطفئ الأنوار في الأسفل، وأخذت نفساً عميقاً.ثلاث دقائق، كان هذا كل ما استغرقه الأمر حتى حصلت على الإجابات التي أخبرت اللورد الرئيس أنها يجب أن تأتي إلى هنا لمعرفتها.جرى كشف إجابة سؤال سونغ المباشر حول مقدار ما تعلقه هذه الزيارة برغباتها ومقدار ما يتعلق بواجبها بشكل مريح وعارٍ في العراء، مثل سمكة ميتة على الشاطئ.صارعت مريم الفكرة لتخضعها.فلن تقبل أي محاضرة من سونغ رين في هذا، بالنظر إلى الفوضى التي تحتفظ بها الأخرى بين يديها.لقد حان الوقت لتنحي المشتتات جانباً وفعل ما جاءت إلى هنا من أجله حقاً.سيكون الأمر أسهل في الظلام.أوضح القبطان توتيك الأمر باعتباره تأثيرَ ذاتانية رصدية، تقليلاً للشوائب الميتافيزيقية التي تنشأ من مراقبة المادة من قبل عقل مضيء.لقد كان استنتاجاً قابلاً للإثبات، مقاساً ومسجلاً ومجرداً من أي شيء اعتبر الملاّحون أنه يشتمّ منه رائحة التصوف.لم تكن الأكيلاري تريد أي شك في علاماتها أو المبادئ الموجهة لها.تحدث ممارسو الصنعة عوضاً عن ذلك عن التعاطف، وعن ترقق الحدود بين العالم والناف وكيف تصبح دمية الروح بارزة من خلال التموضع بين ما هو كائن وما يمكن أن يكون.لقد كانت إجابة حدسية، تهدف إلى توجيه العقل على طول مسارات تفكير تعزز نفسها بنفسها.صنعة من الكلمات لصنع صنّاع ممن يسمعونها.فضلت مريم اعتبار الأمر بمثابة تفريغ لنفسها.كان ممارسة الغلوم فعلاً للإرادة، سواء استُخدمت تلك الإارادة لتتبع صلابة العلامات الرنانة أو لنحت القصد في الفعل كما تفعل الصنعة، لكن «الإرادة» لم تكن مطلقة.بل كانت مورداً محدوداً.كان البشر حيوانات، جمرات من السيادة محاصرة داخل وحوش، وكان الوحش يثقل كاهل كل شيء.لم يكن بالإمكان جعل الإرادة أعظم إلا بالوقت والتدريب، لكن كان بالإمكان تنويم الوحش ليغرق في النوم.الغرق في الظلام، حيث لا تستطيع غرائزه السمجية جر الممارس إلى الأسفل.يسمح لك الظلام والصمت بتفريغ نفسك من كل شيء إلا نفسك، إلى أن يصبح لا شيء سوى نفسك والغلوم.وهكذا جلست مريم خايموف وحدها في الظلام، مغمضة العينين، في قلب الأرشيف الخاص.لم تجلس عالياً ولا منخفضة، فوق الأرض لكن تحت القبة، صمت مطبق وغياب الضوء حول جسدها إلى سفينة تبحر في بحر مظلم.مرت ساعات حتى باتت نبضة القلب دهراً وانعطاف عصر مجرد نفس واحد، وأسنان الغلوم الزاحفة تأكل الوقت حتى صار العدم أقرب للوجود.لم تعد قادرة على سماع أنفاسها.خدرت أطرافها وصارت درايتها عارضة تشق مياة سوداء، قطعاً أملس لا يترك خلفه أثراً.زفرتا رئتاها، وعجزت شفتاهها عن تتبع مرور النَفَس، ورسمت مريم كلمة بنافها.علامة، مقاطع مقدسة محفورة من حشرجة الموت للوجود: أُويد (OIDE) إعلان إمبراطوري للمعرفة، كامل ومكتفٍ ذاتياً.استبدادي.كان المقصود بمسار التفكير ذلك أن يُدورة، ويُستدعى في البداية والنهاية – هي تعرف، وهي تعرف – لكن مريم خايموف كانت وعاء فارغاً.لم تارس نفسها تحت تاج آكلي لحوم البشر بل جعلت نفسها بحراً مظلماً.ملساء كالزيت، مثالية وساكنة.تعكس الشيء الخفي الذي يواجهها.أعلنت مريم أنها تعرف، وهكذا فعلت، فقد كانت المرآة لأسرار ظُنّت ضائعة.وكـمرآة، عكست كل ما كان عليه المرجل، لتشكل بذلك معرفة كاملة به للحظة مرعبة واحدة.رأت اضطرابه المروع، عصوراً من الأسرار والخداع والأكاذيب المجيدة الملقاة جزافاً داخل الحدود دون أي اعتبار للاستخدام أو الاستحقاق.انتهاكات مغمورة بالدم تقطر على أكثر الصنعات دنيوية، عويل مرعوب منسوج في جدائل مع ضحكات الأطفال وحيل لتأخير النوم.كان هناك الكثير، وكل ذلك كان مفهوماً لكن ليس بطرق ذاتها أو بذات الكلمات، وكان كله مبعثراً ومشرشراً.اليد التي تمتد للداخل ستُمزق إرباً.ثم مرت اللحظة وسقطت مريم خايموف إلى الأمام على ركبتيها، متقيئة بصوت عالٍ على السقف الخشبي.لم تستطيع الرؤية في الظلام، لكنها بطريقة ما عرفت أن القيء كان أسود وسيتحول إلى بخار مظلم.مزق نَفَسها المتهدج رئتيها، وتألمت روحها ذاتها لهول ما عكسته – بل لم تحمله، بل لم تمتلكه، بل عكسته فحسب!– للحظة.تقاطر العرق من جبينها، محموماً، لكن لم يكن ذلك هوساً.لم تكن هناك بهجة في هذا، ولا طاقة طائشة.كانت مريم خرقة معصورة حتى الجفاف، لا إبريقاً ممتلئاً حتى حافته.«إنهم يربونهم منذ الولادة لحمل المرجل، أتعلمين؟لقد اختصرت الأم الطرق.الكثير منهم جداً، قرب النهاية.» وهناك جاءت الزبالة لتطاردها.كما كان متوقعاً.أمر حتمي، حقاً.فجميع الكائنات الحية خاضعة لطغيان طبيعتها الخاصة، حتى طفيلي مثل هذا.دفعت مريم نفسها للخلف على مؤخرتها، ويدها تحت أصابعها ملساء من قيئها الخاص.كانت الظل جالسة بجانبها، متقاطعة الساقين، كصديقة تؤنس وحدتها.لم تستطيع مريم الرؤية في الظلام لكنها عرفت ذلك باليقين التام.تمتمت مريم: «كنا نعرف ذلك بالفعل.لقد أخبرتني بالمخاطر، بأنه قد يحطم أجزاء مني.» لم يكن المرجل شيئاً يُحمل بخفة، بل وجب حمله: إذ لا يمكن ربطه بجمجمة آخر حافظ خطاطيف إلا لفترة محدودة قبل أن يبدأ بالاضمحلال.وكان عديم الفائدة بلا حافظ، على أية حال، وغير مفهوم بمعظمه.ظننت مريم أنه بسبب عظم سرمدية الأسرار المحفوظة داخله، وعمق الهمسات المظلم، لكنها باتت تعرف أفضل الآن.كان السبب هو أنه بدون عقل الحافظ لتنظيم المرجل، كانت المسألة برمتها مجرد عويل، ومجموعة صرخات عمياء لا معنى لها.فحيح، شخص يتراجع.فتحت مريم عينيها في الظلام، متأملة الضوء.يوم خريفي متأخر في الهيكل المحترق لغابة قديمة، حجارة مرفوعة مشقوقة بسبب الحرارة مع تلطخ وجوهها المرسومة بالرماد.حفرة تغوص عميقاً في جوف الأرض، نافثة نفساً دافئاً بطعم الكبريت.ومريم خايموف الشابة، تحتضن ذراعها النازفة بينما كانت والدتها تقطب حاجبيها ناظرة إليها بأسفل بإبرة فضية طويلة في يدها.وبّخت إيزولدا سيرنيك: «اثبتي، ميدا.يجب ألا تذبل إرادتك، أياً ما كان ما يأتي.» فأقسمت مريم الشابة: «لن تذبل.» كان الخوف وراء الكلمات واضحاً الآن، عند النظر إلى الطفلة.تساءلت مريم عما إذا كان واضحاً لوالدتها كما كان لها.قال الظل: «لم تذبل.» قالت مريم وطعم المرارة في فمها: «بالطبع فعلت.كنت خائفة جداً من أن أفق نفسي، ومنع ذلك الاتحاد.» سأل الظل: «أفعل؟لدينا المرجل.وقد مُرر.» قالت مريم مقتحمة: «لقد سرقتِ المرجل.سرقتِيه، أيتها المخلوقة.تلك ليست مُمّارة لشيء.» مسحت إيزولدا سيرنيك الإبرة الملطخة بالدماء ببطانة إبهامها، مبتسمة وهي ترسم خطاً أحمر عبر قصبة أنف مريم الشابة، وكان الأمر كالتشنج.رؤية الأم هكذا مجدداً، وعيناها الزرقاوان تبتسمان مع بقيتها.لم تكن امرأة حسناء، إيزولدا سيرنيك، بشعر بني فأري ووجه بدا وكأنه نُحت من قبل عامل متدرب.كانت تمتلك كل منحنيات فرع ميت وأسنان أكبر بقليل من أن يفوت المرء ملاحظة اصفرارها.لكن حين كانت تحبكِ، وحين كان ذلك يبرز إلى الواجهة، كان كالتدفئ بالوهج ذاته.فكرت مريم والدموع تنخز عينيها: «بالملوك.» ثم نقرت إيزولدا سيرنيك الهواء بالقرب من أذنها، كأنها تطرد ذبابة خيل لم تكن موجودة.نظرت نحو العدم، مقطبة حاجبيها، ثم زمجرت في الهواء الفارغ.صارخة: «اصمتوا.ابنتي، ابنتي.اصمتوا وإلا لويت أعناقكم.» تراءى خوف مختلف عبر وجه مريم الشابة.لم تكن تلك الطفلة قد تقدمت في رحلتها بما يكفي لسماع أبسط تلميحات الأرواح المرتبطة بوالدتها، في ذلك الحين.تساءلت مريم عما إذا كانت قد نضجت الآن بما يكفي لتتمكن من سماع الكلمات، لتعرف حقاً أن الأم لم تتحول حقاً إلى مجنونة عنيفة تصرخ في الهواء الفارغ وتغرق في التفكير لساعات طوال.همست مريم الشابة هامسة وهي تشد كمها: «أمي.أنا جاهزة.» التفتت إيزولدا، وبدا وجهها جاداً.قائلة: «بالتأكيد أنتِ جاهزة، ميدا.لن تخيبيني.» انقبضت معدتها وقالت مريم بهدوء: «لا أريد مشاهدة هذا.» أن تشاهد نفسها تفشل مجدداً.فسأل الظل: «إذن لماذا تحلمين به وأنتِ مستيقظة؟فريقي لا يوجه نافنا.» لم تكن تمتلك إجابة لذلك.لقد استغرقت التحضيرات وقتاً طويلاً، في ذاكرتها، لكن مريم راقبت المشهد الشبح يمر في ثوانٍ معدودة.راقبت الغلوم وهو يتسلل خارجاً من والدتها ككائن حي، ممدداً طرفاً عملاقاً لليشي إلى أعمار الحفرة منتقداً جمجمة آخر حائط خطاطيف كزهرة رقيقة.قال الظل: «انظري في عينيها حين تعطيكِ إياه.شاهدي، مريم، وسترين جوعاً.لن أخطئ أبداً في ذلك، حين يكون الكثير مني مصنوعاً من الشيء ذاته.» اقتحمت مريم قائلة: «كانت بحاجة لي.لقد جهزتني بأفضل ما استطاعت، ومنعتني من أداء القسم للأم الشتاء.وكان مفترضاً أن أخلفتها.» لم تكن هناك نهاية حسنة لكون المرء ملتحفاً بالشتاء.لم يكن الأمر شيئاً نبيلاً أو جميلاً، أو فعلاً جريئاً يستحق الرواية.لقد كان خوفاً وحقداً وكراهية ما جعل المئات بجانب النهر يقسمون بالموت للقضية، وأرواحهم المتلوية ملتزمة بحقيبة جلد أم الشتاء لكي يُصار إلى تحويل موتهم إلى لعنة.شيئاً أسود تغرق الملكة الأكثر رعباً الغزاة فيه إن أخفقوا.تلعنهم وأطفالهم وأطفال أطفالهم، إلى الأبد حتى ينتهي آخر تلك السلالات الملعونة أو تنفد آخر الأرواح المقسمة.لقد أُبقيَت مريم في ذلك اليوم بجانب النهر، ومُنعت من أداء القسم، لأن الأم كانت قد خصصتها مسبقاً للمرجل.لترث حصيلة الصنعة وتأتي بالربيع في أعقاب شتاء عظيم بصفتها حافظة الخطاطيف.لتجديد الإيزوريك، وتكون البراعم في الأراضي الرمادية.راقبت والدتها وهي تثقب وجنتيها بالإنابر، بألطف ما يمكن، والدم الأحمر ينساب.وراقبت إيزولدا سيرنيك وهي تعض إبهامها وتـ...ترسمه على حاجبها الأيمن؟ثم تفعل المثل على حاجز مريم الشابة الأيسر.كان هناك ما يكفي من التمري في مريم لتعرف أن ذلك كان خطأ.وأنه أضاف منبعاً إضافياً للنهر الذي يحاول كسر السد، جاعلاً كل شيء أكثر هشاشة.قالت: «أأخطأت في الأمر؟» قال الظل: «كانت تربط بها أرواح كل ما تبقى من التساعية.ربما كانت إيزولدا سيرنيك مجنونة شططاً، لكنها لم ترتكب أخطاء في أمور الصنعة.ولا حتى هناك، في النهاية.» همست مريم: «لكنها جعلت شكل الاتحاد أكثر هشاشة.وهي لم تكن تعلم أمرك.» قال الظل: «حتى أنا لم أكن أعلم أمري، في ذلك الحين.كيف لها أن تعلم؟» قالت مريم بينما كانت تتابع والدتها تضغط جمجمة بيضاء كالعظم على جبهة مريم الشابة، منشدة كلمات القوة: «هكذا سار الأمر بشكل خاطئ.هكذا انتهى بك الأمر بالحصول على المرجل.كنت خائفة وكان هشاُ وأنتِ كنتِ هناك.» كانت ممتنة تقريباً حين مات الحلم مع آخر جملتها.فخُفّفت من رؤية فشلها، وعدم تصديق الأم يتحول ببطء إلى خوف ثم إلى العشرات من الأفكار المختلفة حين كانت الأرواح الأخرى تنزف داخلها.الصراخ وهي تمزق الحجارة المقدسة، صارخة بحزن على ما فُقد.عوضاً عن ذلك كانت مريم جالسة أمام شمعة، ورغم أن عقلها كان يعلم أنها وحيدة وفي الظلام، كان هناك على الجانب الآخر من ضوء الشمعة الكاذب الظل.كان يرتدي ذات العباءات الملونة التي كانت ترتديها الأم في ذلك اليوم، والشعر مشدود بعصابة رأس من خرز ملون سميك.وما زال يرتدي وجهاً كان يمكن أن يكون لأخت أو ابنة.قالت مريم أخيرً: «لقد كان حادثاً.لم تقصدي أخذه.» فحيح الظل: «لم أقصِد فعل أي شيء.كنت أحلم، بلا دراية، حتى جلبتموني إلى بئر أثيري.وحتى حينها لم أستطِع سوى فعل ما رميتِه بعيداً.» ابتلعت مريم لعابها، خياطة التفاصيل ببطء.قائلة: «حاولتِ تحطيم الهبة التي تلقتها أنغاراد من عمها.» ابتسم الظل كاشفاً عن أسنانه: «كم كرِهْتِ ذلك، أن أحداً أحبها بما يكفي لأجل ذلك بينما لم تكن تستحقه.» فكرة دفعتها إلى الأسفل، وقررت أنها غير جديرة بها.دفعة مظلمة.لقد شوهد الظل للمرة الأولى في دار الفصل حين أرادت الذهاب لكنها قررت أنها مرهقة للغاية، ثم شوهد في الليل حين كانت فضولية حزاء أجزاء ألازي المحرمة لكنها أجبرت نفسها على تنحية ذلك الفضول جانباً.وحين أنقذ الظل سونغ...أكمل الكيان المواجه لها: «قلتِ لنفسكِ إن الأمر على ما يرام لتركها مع البروفيسور كانغ.لكنكِ لم تعتقدي ذلك، ليس حقاً.كنتِ خائفة عليها، أردتِ الاطمئنان عليها.وأنا اعتنيت بها حينذاك، لأنكِ كنت غاضبة لدرجة أنكِ لم تسمحي لنفسك بالشعور بذلك.» قالت مريم: «لكنكِ هنا تفعلين ما ترغبين فيه، لأن تيارات الأثير في أزفوديل غير مستقرة.لقد نفختكِ مثلما تفعل بالملوك المحلية.جعلتك أكثر.» أجاب الظل: «كنت أكثر دوماً.أنتِ تعلمين ذلك الآن.لقد شعرتِ به آخر مرة أكلتِ مني.» الخوف الذي شعرت به في الأثير، الانبعاث الذي لم يصدر عن مريم خايموف، وبالتالي لم يكن ليصدر سوى عن الظل.وحدها ظلال مجردة لم تكن لتستطيع الانبعاث بهذه الطريقة.كانت تنظر إلى كائن حي.كائن، أجبرتها سونغ على الاعتراف بأنها تنوي قتله لاستعادة المرجل.أو بعضه على الأقل.سألت مريم: «أتظنين أن ذلك يغير شيئاً، في أنكِ حية؟» قالت الدالة: «أليس كذلك؟» «الخنازير حية أيضاً، وهي رفاق صغار مرحون.وأنا ما زلت أحب قطعة لحم خنزير جيدة.» ابتسم الظل: «أترين؟عليكِ أن تجعليني أقل، ليكون مستساغاً.مجرد حيوان.» فحيح مريم: «لأن هذا ما أنتِ عليه.الكبش الذي أحتاج للتضحية به على مذبح لاستعادة المرجل.لإتمام ما قصدته الأم لي.» قال الظل: «أنتِ تعلمين أفضل من ذلك أيضاً.لقد رأيتِ، كم هي متشابكة المعرفة.إن واصلت أخذ قضمات مثلما فعلتِ فستجعلين الأمر أكثر فوضوية وسيتفكك الكل.ليتشوش بلا أمل بالإصلاح.يمكنك أخذ...عُشْر؟ثم يصبح هذياناً.» قالت مريم: «لا.أعتقد أنني سأخذ النصف.» غضب الظل.«لا يمكنك...» أخبرت مريم الظل: «أنتِ جزء من الضعف.لستِ وعاء ملائماً، أكثر من جمجمة وأقل من امرأة.أنتِ...لينة للغاية، قربة ماء ستتمزق حين أشرب بعمق شديد منها.لكن يمكنني تغيير ذلك.» قبضت

أصابعها.طوال هذا الوقت، كانت حذرة للغاية.تجنبت ما كانت على وشك فعله، وكانت شديدة الحذر من فعله بطريق الخطأ.كل ذلك لكي تتمكن الآن من فعله عن قصد.وكالعادة امتلكت الملوك الضحكة الأخيرة.قالت مريم: «لقد أطلقتِ على نفسكِ أميرة فولسيستا.أنا أنكر عليكِ ذلك.» فحيح الظل: «ليس هذا حقكِ.» قالت مريم: «لقد أطلقتِ على نفسكِ الأولى والأخيرة من التساعية.أنا أنكر عليكِ ذلك.» سخر الظل: «إذن من، أنتِ؟» قالت مريم: «لقد أطلقتِ على نفسكِ حافظة الخطاطيف، وهذا غير صحيح لكن هناك نواة من الصحة في الادعاء.أنتِ لا تحفظين شيئاً، ولستِ وصية على الحكمة.لكن المعرفة موجودة هناك داخلكِ.»

ابتسمت بحدة.دانت مريم خايموف لها قائلة: «أسميكِ خطاطيف.فهذا ما أنتِ عليه، الطغيان الذي تعملين تحته: أن تعضي وتُجرّي لكنكِ لا تكونين قط، ممزقة ما يحرككِ.» ارتجف المخلوق، وتصلب.وصار شيئاً أكثر.سأل خطاطيف بصوت أجش: «ماذا فعلتِ؟» قالت مريم: «لقد جعلت منكِ شخصاً.والآن وقد صرتِ كذلك، يمكنكِ أن تكوني عدوّتي.» ونهضت على قدميها.قالت مريم: «أنبتِ قوقعتكِ.وشحذي عضتكِ وحيلكِ وخوفكِ، يا خطاطيف، فسأعود إلى هذا المكان حين أكون جاهزة.» غلى الغلوم حول أصابعها، متلهفاً وجاهزاً.وكلما أصبح الظل أقوى، وتصلبت شخصيته، تمكنت مريم من أخذ المزيد من المرجل قبل أن يتحطم.والنصف...كان النصف مأساة، لكنه ظل نصفاً أكثر مما تحتفظ به بين يديها اليوم.لقد أخفق الملتحفون بالشتاء، في النهاية.ولدت اللعنة ميتة، وقتل سادة السيوف أم الشتاء.وحتى مع كشط نصف نصر בלבד، ستظل مريم تخرج متقدمة على بقية بني جنسها.سيكون كافياً، لقد كان كافياً.إذ ما عسى أن يكون هناك غير ذلك؟ترك المرجل في خطاطيف إلى الأبد، والسماح له بتهشيم نافها وإدانتها بأن تكون أقل حتى نهاية أيامها؟كلا، لن تسمح مريم لنفسها بأن تكون متوسطة.لن تسمح لنفسها بالتخلف، ولن تسمح للمالانيين بتدميرها مجرد مرة أخرى من وراء البحار.قالت بمحبة: «سأعود وأشقكِ كجمجمة.شاربة قدر ما أستطيع من إرثي قبل وضع حد لكِ في النهاية.» قال خطاطيف مذهولاً: «سيكون ذلك قتلاً.لقد جعلتِ من هذا قتلاً بيدك.» قبضت أصابعها حتى ألمتها المفاصل.لم يعنِ ذلك شيئاً، حقيقة أن سونغ قالت الشيء ذاته.بطبيعة الحال سيتشبث عدوها بالقش.وافقت مريم خايموف: «أجل، سيكون قتلاً.» مثل تجعيدات الدم في الماء، شعرت بريش الخوف لدى خطاطيف ينتشر في الأثير.«وهذه المرة، سأكون الطرف الصحيح من السكين.»