تراءى يو شين في تلك الأمسية وسط غابة من الخيزران عند أطراف مدينة الخيزران من العدم. ولمح هناك صدفة باندا عملاقة بصحبة جروها السمين والمستدير. وكان يو شين يحب البناندا. وحين زار الغابة مسبقاً كان في عجلة من أمره لبلوغ مدينة الجليد. وإلا لوجد سبيلاً لربت على رأس أحدها ملياً وأطعمه بعض الخيزران. وما إن وجد متسعاً من الوقت حتى عاد أولاً إلى منزله واستحم وانتقل آنياً إلى مدينة الخيزران.
وصار مستعداً لقضاء بعض الوقت برفقة الباندا. اقترب يو شين بحذر من الباندا العملاقة. ومتقمصاً دور الممثل المسرحي خاطب الباندا العملاقة بملامح بالغة الجدية مطبقاً نظرات حنونة على جرو الباندا الصغير.
"أيتها الخالة باندا، أنا معجب بشياومي للغاية. أرجوك دعيه يرحم برفقتي!"
جلست الباندا العملاقة على الأرض غير آبهة وهي تقصف عوداً من الخيزران وتمضغه بإيقاع وئيد. ومن خلف مؤخرتها أطل جرو الباندا الصغير مترقباً بفضول. تمادى يو شين فوراً محاولاً استغلال الفرصة ومشى ببطء نحو الباندا العملاقة.
"أيتها الخالة باندا، بما أنك لا تمانعين، فسأصحب شياومي معي إذن!"
وعلى أثر حركته هذه أسقطت الباندا العملاقة الخيزران وضمّت إحدى مخالبيها على هيئة قبضة. وانتقل يو شين آنياً في الحال ودون أدنى تفكير. فقد كانت الباندا العملاقة تتمتع بقوة رتبة النسر. ولن يقوى قطعاً على تحمّل ولو ضربة واحدة منها. كانت الكائنات الخارقة شديدة الذكاء. وصدق هذا خصوصاً على الكائنات الخارقة التي تعيش غالباً وسط البشر. إذ استطاع معظمها فهم كلام البشر أساساً.
ولما رأى يو شين قد فر هرباً صرخ جرو الباندا بفضول في وجه الباندا العملاقة.
"أمي، أسمي شياومي حقاً؟"
ظلت الباندا العملاقة هادئة.
فالتقطت عوداً آخر من الخيزران ووبخته بزمجرة: "أيها الأبله. أنت باندا ذكر. وأقصى ما يمكنك حمله هو اسم الكلب الصغير!"
واحتج جرو الباندا قائلاً: "لكنني باندا ولست كلباً".
فأجابت الباندا العملاقة ببرود: "إذن الهر الصغير".
واستمر جرو الباندا بالبكاء متذمراً: "لكنني باندا ولست هرة!"
وصفعت الباندا العملاقة الصغير فأرسلته يتدحرج على الأرض.
"أتشعر بحكة في مؤخرتك حقاً؟ دائماً ما تتذمر بلا سبب".
ومما لا شك فيه أنها أمه البيولوجية تماماً. فلم ترددد ولو لثانية واحدة حين تعلق الأمر بتسديد اللكمات. وفي مكان آخر، لم يكن لدى يو شين أدنى علم بأن ارتجاله البسيط قد أدى إلى تعرض جرو الباندا للضرب. بل كان جادساً قرب النافذة في محل صغير للنودلز يحتسي وعاء من نودلز الخيزران المنقوعة بمرق الدجاج الغني. وكان هذا النوع من النودلز اختصاص مدينة الخيزران. وحملت النودلز عبق خيزران غاباً منحها نكهة مميزة للغاية.
ومن استهواها أحبها على الأرجح بينما عجز من لم يستسغها عن متابعة الأكل بعد لقمة واحدة. وشعر يو شين أنه ينتمي إلى الصنف الأول. وبفضل التذوق الخارق استطاع إدراك أن النودلز صُنعت من خلاصة أوراق الخيزران عالية الجودة والدقيق. وطُبخت كذلك في مرق دجاج صافٍ وعذب ورافقته شتى أنواع المكونات الفاخرة. وبدت النكهة استثنائية بكل ما للكلمة من معنى. وبعدما التهم ثمانية أوعية من النودلز دفعة واحدة خرج يو شين من محل النودلز بملامح بالغة الرضا.
وعادة ما كره مصاصو الدماء رائحة الثوم. ولو مكثوا طويلاً في مكان مغلق يضج بالثوم لربما غابوا عن الوعي. بيد أنه بعد إيقاظ المعدة الخارقة والتذوق الخارق بدا أن يو شين قد صار منيعاً ضد الثوم. وبات قادراً على الأقل على أكل الثوم بشهية عظمى ودون الشعور بأدنى إزعاج. وحاول لاحقاً تبادل أطراف الحديث مع بضعة جراء باندا إضافية. ودون استثناء طردته أمهاتهم وكأنه صعلوك دراجات أصفر الشعر.
ولها طيلة ما يزيد قليلاً عن عشر دقائق ثم انتقل آنياً إلى مدينة الزمرد وتابع الطيران باتجاه مدينة الجليد. وفي منتصف الليل تقريباً تراءت أمامه مدينة بلا أسوار. وبدت المدينة شاسعة لدرجة عجز معها عن رؤية أطرافها حتى من السماء. وعلى الرغم من حلول منتصف الليل كانت المدينة متألقة بالأنوار. وتدفقت السيارات على الطرقات كأنهر ضوء لا تنتهي. وكان يو شين قد وصل إلى يانجينغ. ومع هبوطه ببطء سارعت عدة نظرات خفية إلى تثبيت أنظارها عليه في الحال.
وتطلع نحو ناطحة سحاب مجرورة. وبرؤية معززة بدم فضي أبصر شابة تحمل عصا تقف فوق قمة البناء مباشرة وتحديق نحوه باسترعاء. وارتدت الشابة فستاناً أسود ورفرف شعرها الأحمر في الهباء. وغطت رقعة عين عينها اليسرى. وحين تقاطعت نظراتهما تلألأت عينها اليمنى بحدة مانحة يو شين انطباعاً بكونها برية جامحة. رتبة النمر؟ كما هو متوقع من يانجينغ. فالخبراء هنا كثر حقاً. وسحب يو شين نظره وحطّ على الأرض.
وبعد لحظة توقفت سيارة شرطة إلى جواره. وترجل شرطي من وحدة شرطة المكافحة يرتدي درع قتال أسود.
وأدى التحية قائلاً: "أهلاً بك. أرجو إبراز هويتك".
أومأ يو شين برأسه وأخرج هويته من خاتمه المكاني وناولها للشرطي. وتحققت هويته سريعاً. وأدى الشرطي التحية مرة أخرى وأعاد له هويته محذراً إياه من أن يانجينغ منطقة محظورة الطيران. وإن رغب في السفر جواً فعليه تقديم طلب ونيل الموافقة مسبقاً. ومن الواضح أن وصول يو شين جواً قد وضع شرطة المكافحة بأسرها في حالة تأهب قصوى. وما إن تحققت هويته حتى لم يتقدم أي شرطي آخر من وحدة شرطة المكافحة للتحقق من هويته مجدداً.
ولم تتوقف سيارات الشرطة حتى عندما مرت بجواره. وأخرج يو شين هاتفه واتصل ببات.
"بات، لقد وصلت إلى يانجينغ. سأحضر جثة تشونغ ووليانغ إليك مباشرة. أرسل لي موقعك".
—بل أرسل لي موقعك أنت. فأنا أقود السيارة حالياً. وكان مصاصو الدماء جميعهم من عشاق السهر، لذا لم يتكلف يو شين في الرسميات. وأرسل لبات موعده، فأخبره بات بأنه سيصل خلال خمس دقائق. وكانت يانجينغ تتوسع بلا توقف. فقد أُنجز طريق الدائري الخامس والثلاثين قبل سنوات. ووقف يو شين حالياً فيما سيغدو مستقبلاً طريق الدائري السادس والثلاثين. ونظراً لأن كل طريق دائري كان أكبر من سابقه فقد بلغ الطول الإجمالي لطريق الدائري السادس والثلاثين طولاً عبثياً.
وبناءً على ذلك قدر يو شين أن مقر كيلين ينبغي أن يقع في مكان ما قرب طريق الدائري الرابع والثلاثين أو الثالث والثلاثين. وإلا استحيل على بات الوصول بمثل هذه السرعة. وجلس على مقعد جانبي مخصص لاستراحة المشاة. وبينما فعل ذلك لصق عرضاً العديد من الفقاعات المكانية الدقيقة للغاية على شقوق ظهر المقعد. ولسبب ما انتابه شعور غريب يشبه لصق المخاط سراً على ظهر كرسي. وبعد خمس دقائق توقفت سيارة دفع رباعي مصفحة أمامه.
وانخفضت النافذة ببطء فرمقه الشاب الجالس في مقعد السائق بنظرة.
"اصعد".
ونهض يو شين وفتح باب الراكب وصعد إلى السيارة قبل أن يسأل: "بات؟"
كان حضور بات قريباً للغاية من حضوره الخاص. بيد أن بشرة بات كانت شاحبة أكثر وحملت حتى مسحة زرقاء خفيفة جعلته أشبه بميت. وفي المقابل امتلك يو شين قلبين نابضين، لذا كانت بشرته أقرب بكثير لشخص عادي. ومابت جلده أميل إلى الصفاء المقارب لما يسميه الناس بشرة شاحبة ذات درجات لونية باردة.
وقدم بات نفسه أثناء القيادة قائلاً: "سررت بلقائك. يمكنك مناداتي ببات".
ابتسم يو شين.
"سررت بلقائك بدوري. أنا السمك المملح. أمتوجهون إلى المققر الآن؟"
أومأ بات برأسه خفيفاً وأعاد تركيزه إلى الطريق. ولاحظ يو شين أن بات لم يكن من أصحاب الكلام الكثير، لذا خفض رأسه وعاود التصفح في هاتفه. وكان يتجول عبر ترشيحات الأطعمة في يانجينغ. وما إن يبلغ مدينة الجليد ويضع فقاعة مكانية هناك حتى يعود إلى هنا ويأكل حتى يرتوي. وبعد نصف ساعة توقف بات أمام مبنى عادي المظهر. وبعد ركن السيارة مرر بطاقة مفتاحه عند الباب وقاد يو شين إلى الداخل.
وما إن خطت قدم يو شين داخل المبنى حتى أصيب بالذهول. فقد بدا المبنى عادياً تماماً من الخارج، لكن جوفه كان يفيض بتكنولوجيا مستقبلية. وفوق ذلك كان داخل المبنى قد توسع مكانياً. وحتى الغرفة الضئيلة بدت أكبر من ملعب كرة قدم. واجتاح يو شين إحساس عميق بصدمة ثقافية. فشعر بأنه غارق تماماً فوق قدرته، وغرقت عيناه في ذهول بسبب البيئة المبهرة بينما سارع لمواكبة خطى بات. وكانت فتاة عشيرة التنين جميلة بجد.
ومرت حورية بحر تتلاعب بتيار مائي. ولمح حتى فرداً مقنعاً من سلالة ليزينزي. وحتى مجرد لمحه جعل رأس يو شين يطن بخدر غريب شبيه بالكهرباء الساكنة. وحين مروا بغرف معينة استطاع الرؤية عبر النوافذ الزجاجية الضخمة أن الزومبي والأشباح الخبيثة والأرواح المنتقمة والوحوش كانت مقيدة بإحكام بسلاسل وتعاويذ وأدوات سحرية، بينما جمع الباحثون عينات أنسجة خاصة من أجسادهم. وكما هو متوقع من المققر، لديهم حقاً كل شيء غريب يمكن تخيله.
إنها لتجربة تفتح العيون حقاً!