درامَاتورغي.
إبيسود.
غيوتين كاتر.
تلك، على ما يبدو، أسماء الرجال الثلاثة الذين انتزعوا أجزاءً من جسد كيس-شوت.
سمعت من كيس-شوت، على الأقل، بعض صفات كل واحد منهم، لكنني لم أستوعبها حقًا؛ فحتى حين أسمعها بالكلمات، لا أشعر بأنها تستقر في ذهني.
كان الأمر أشبه بأن أتلقى شرحًا بلغة بلد آخر، ولذلك ظلت صورتي عن هؤلاء الثلاثة غامضة إلى حد ما، لكن أهم شيء على الإطلاق كان واضحًا أمامي بوضوح لا يحتمل الالتباس.
الرجل المسمى دراماتورغي انتزع ساقها اليمنى.
والرجل المسمى إبيسود انتزع ساقها اليسرى.
والرجل المسمى غيوتين كاتر انتزع ذراعيها كلتيهما.
هذا ما فعله كل واحد منهم، على ما يبدو.
ولهذا وصلت إلى تلك الحالة التي كانت فيها على شفا الموت؛ بل لم تكن مجرد على شفا الموت، فلولا أنها امتصت دمي، لماتت كيس-شوت حتمًا.
مع أنها خالدة.
كانت ستموت.
وكانت هي نفسها أكثر من يعرف ذلك.
في ذلك الوقت──كانت قد استعدت للموت.
صحيح أنها نجت من الرجال الثلاثة بأعجوبة، وهربت منهم وهي بالكاد تقوى على الفرار، لكن يبدو أن الهرب كان أقصى ما استطاعت فعله.
«لماذا──»
قاطعتُها من دون أن أشعر، بينما كانت تشرح لي الأمر.
«لماذا انتزعوا ذراعيك وساقيك أصلًا؟»
«أنا مصاصة دماء. وأنتم البشر── حسنًا، لم تعد أنت واحدًا منهم، لكن على كل حال، أنا ما يسمّيه البشر وحشًا.»
قالت كيس-شوت ذلك وكأنه أمر بديهي تمامًا.
«ومن الطبيعي أن تُباد الوحوش.»
«…………»
«هؤلاء الثلاثة من المتخصصين في إبادة مصاصي الدماء── رجال جعلوا قتل أمثالي مهنتهم. أما وجود أشخاص متخصصين في إبادة مصاصي الدماء، فلا بد أنك سمعت عنهم، أليس كذلك؟»
لا بد أنني سمعت── على الأرجح.
فوجود كهذا يُذكر دائمًا إلى جانب وجود مصاصي الدماء.
لا أتذكر جيدًا، بل إنني لا أعرف الكثير عن الأمر أصلًا، لكن── لا بد أنني سمعت به من قبل، على الأقل.
«إذن── تمت إبادتك؟»
«لا تقل هراءً، لم تتم إبادتي بعد── لكن فقدان أطرافي مؤلم. ولم يبقَ لديّ تقريبًا شيء من قدرتي على التعافي── وفي حالتي الحالية، لا أستطيع القتال أصلًا.»
«فهمت.»
«لذلك.»
قالت كيس-شوت، وكأن الأمر يسير في مجراه الطبيعي.
«كل ما عليك فعله هو أن تواجه أولئك الثلاثة وتستعيد لي أطرافي.»
«ماذا──؟»
ذهلت.
«ماذا تعنين بـ«كل ما عليّ فعله»؟ كيف تقولين ذلك بهذه السهولة──»
«حسنًا، لا أستطيع أن أشرح لك بالتفصيل بعد، لكن لكي أعيدك إلى إنسان، يجب أن أستعيد كامل قوتي. أو قل إن عليّ أن أستعيد هيئتي الكاملة. ولهذا، فإن تلك الأطراف ضرورية للغاية.»
«لـلكن── أنا؟ أقاتل؟ هذا مستحيل بالنسبة لي أصلا!»
قلت ذلك بنبرة أشبه بنبرة شخص يدافع عن نفسه، رغم أنني لم أفعل شيئًا يستحق اللوم.
«قدرتي الرياضية ليست سيئة، لكنها ليست جيدة أيضًا، وبنيتي الجسدية كما ترين. ولم أخض شجارًا في حياتي أصلًا… وفوق ذلك، صحيح، أليس أسوأ ما يمكن أن يحدث هو أن تتم إبادتي أنا أيضًا؟»
فأنا أيضًا── في الوقت الراهن، مصاص دماء.
واحتمال حدوث ذلك كبير جدًا.
فخصومي ثلاثة رجال متخصصون في إبادة مصاصي الدماء، بعد كل شيء── وحتى لو افترضنا أنهم سيغضّون الطرف عني لأنني كنت إنسانًا في الأصل، فلا أظن أنهم سيعيدون لي بسهولة أطراف كيس-شوت التي حصلوا عليها كثمرة لانتصارهم في القتال.
«يا أحمق. ذلك كان حين كنتَ إنسانًا.»
قالت كيس-شوت بنبرة مستاءة.
«أما الآن فأنت تابعي── وفي حالتي الحالية، وقد بلغتُ أدنى مستويات الضعف، حتى قتلي أنا سيكون أمرًا يسيرًا عليك.»
«…؟ يعني أنك ضعيفة كمصاصة دماء؟»
«بل العكس!»
وبختني.
وكما توقعت، فهي سريعة الغضب في الأساس.
«كيف توصلت من كلامي إلى مثل هذا الاستنتاج؟── سأخبرك، أنا من أعلى مراتب مصاصي الدماء. يسمونني قاتلة الكايغي.» {kaii-goroshi أو قاتلة الظواهر الغريبة لكن بما أني ذكرت في فصل سابق أني سأعتمد على عبارة "كايغي" عوض "الغرائب" فأبقيتها على ما هي}
«قاتلة الكايغي…»
لم يصلني مدى روعة هذا اللقب تمامًا.
بل ما هي الكايغي أصلًا؟
شيء يشبه اليوكاي؟
حسنًا، لا يهم.
«لكن حتى لو كنتُ أقوى الآن منك، وأنت في حالة ضعف── حتى لو كنت أقوى، فإن أولئك الثلاثة انتزعوا أطرافك منك وأنت بكامل قوتك، أليس كذلك؟ إذن──»
«لم أخسر إلا لأنهم كانوا ثلاثة مجتمعين. لقد استهنت بهم── كنت غافلة تمامًا. كنت أظن أنه لا مشكلة في مواجهة أولئك الثلاثة مجتمعين، لكن…»
«هاه…»
«بعبارة أخرى.»
كيس-شوت.
قالتها وهي متعالية── بل متباهية.
«ما دمت تواجه كل واحد منهم على حدة، فلن يكون أيٌّ من أولئك الثلاثة ندًا لك. وبصراحة، ستكون مهمة سهلة. وإذا كان كل ما يلزم للعودة إلى إنسان هو شيء بهذه البساطة، فالأمر يستحق العناء، أليس كذلك؟»
لم أكن مقتنعًا بكلامها الفظّ والمبهم إلى هذه الدرجة، بطبيعة الحال.
ومع ذلك── هكذا وجدت نفسي أمشي في شوارع المدينة ليلًا.
كان ذلك بعد غروب الشمس بوقت، وبعد أن مضى بعض الوقت على الغروب. تمكنت أخيرًا من الخروج من ذلك المبنى، أطلال مدرسة التقوية، وصرت قادرًا على معرفة موقعي بوضوح.
كان موقع مدرسة التقوية تلك في طرف بلدتي الريفية، بل في أقصى أطرافها تقريبًا── مع أنني لم أكن أعرف إطلاقًا بوجود مثل ذلك المبنى، أو تلك المدرسة المنهارة، في مكان كهذا.
على الأرجح أنها أُغلقت بعد أن قضت عليها المنافسة من مدارس التقوية الكبرى التي افتتحت فروعًا لها قرب المحطة.
إنه مكان مثالي للاختباء، لكن… كيف تمكنت كيس-شوت تلك من العثور على مكان كهذا أصلًا…؟
كنت قد اتصلت بالمنزل بالفعل.
ولحسن الحظ، كانت أختي هي من ردت على الهاتف. أختي الصغرى الأكبر سنًا. قلت لها أن تخبر الجميع بأن أخاها خرج في رحلة للبحث عن ذاته مستغلًا عطلة الربيع، أو شيئًا من هذا القبيل.
يبدو أن أختي الكبرى بين الاثنتين اقتنعت بذلك.
…لكن هذا يعني أن أختي الكبرى بين الاثنتين تراني أخًا من النوع الذي يمكن أن ينطلق في رحلة للبحث عن ذاته في أي وقت، أليس كذلك…؟
هذا مثير للشفقة نوعًا ما.
وبعدها مباشرة، وصلتني رسالة إلكترونية من أختي الصغرى.
فأختاي في المرحلة الإعدادية لم تُمنحا هاتفًا محمولًا بعد، ولذلك كانت الرسالة مرسلة من الحاسوب الموجود في غرفة المعيشة.
«إلى أخي.
قد يحتاج الإنسان أحيانًا إلى أن يضل طريقه، لكن حين تتسع في قلبك فسحة من الهدوء ذات يوم، حاول أن تتذكر هذا السؤال للحظة فقط. تُرى، أين عثر تيل تيل وميشيل على الطائر الأزرق في النهاية؟»
{ملحوظة: تيل تيل وميشيل هما بطلا مسرحية «الطائر الأزرق» لموريس ماترلنك، وقد بحثا طويلًا عن الطائر الأزرق قبل أن يكتشفا أنه كان في بيتهما طوال الوقت. لذلك تلمّح الأخت إلى أن ما يبحث عنه أراراغي قد يكون أقرب إليه مما يظن.}
…………..
لقد تلقّيت موعظة من أختي.
وحين فكرت أن بطارية هاتفي المحمول استُهلكت في استقبال رسالة كهذه، شعرت بالغضب فعلًا.
لكن عليّ أن أشحن الهاتف في مكان ما… لا يمكنني العودة إلى المنزل لأخذ الشاحن، لذا لا خيار أمامي سوى شراء شاحن من متجر صغير. وبما أنه من المستحيل أن تكون الكهرباء موصولة بتلك الأطلال، فسأحتاج إلى النوع الذي يعمل بالبطاريات الجافة.
سيكون من الأفضل بالطبع أن أنهي الأمر قبل أن تنفد البطارية.
«تقول أنهم ليسوا أعدائي… في الأصل، هم ليسوا أعدائي أصلًا. أليسوا أعداءك أنت؟ هذا ما في الأمر.»
لكن… هل ستكون المهمة سهلة فعلًا؟
في البداية كنت أشك في كلامها، لكن يبدو أن قدراتي كمصاص دماء حقيقية بالفعل── أما كيفية اختباري لذلك بالتحديد، فسأتعمد عدم ذكرها، لأن شرحها بالتفصيل قد يعرضني لتهمة إتلاف ممتلكات الغير.
حسنًا.
بما أن المكان أطلال أصلًا، فلا بأس ببعض الضرر، أليس كذلك؟
شيء من هذا القبيل؟
«لكن مع ذلك── أشعر أنني أغفل عن شيء ما.»
كان كلام كيس-شوت يعلق في ذهني بطريقة ما.
وفوق ذلك── كان يزعجني أن الأمور تسير بسلاسة أكثر من اللازم.
«إذن، أين يوجد أولئك الثلاثة؟»
«لا أعرف.»
«تقولين أنكِ لا تعرفين…»
«لا داعي للقلق بشأن ما لا داعي للقلق بشأنه. ما عليك سوى أن تتمشى في الخارج كما اتفقنا، وسيعثرون عليك بأنفسهم── فهم متخصصون في إبادة مصاصي الدماء. العثور على مصاص دماء ليس بالأمر الصعب عليهم.»
«حقًا؟»
«نعم. لن تكون هناك مشكلة ما دمت تبقى هنا هادئًا، لكن إذا خرجت وتجولت في الليل، حين تنشط قوى مصاص الدماء── فسيتجهون إليك بلا شك، كالحشرات التي تتجمع حول الضوء.»
«…………»
«لا بد أنهم الآن يجوبون هذه البلدة بحثًا عني. وإذا حالفنا الحظ، سينتهي الأمر الليلة.»
قهقهت كيس-شوت ضاحكة.
هممم.
حسنًا، فكرة أنني لا أحتاج إلى البحث عنهم بنفسي مريحة… ففي الواقع، حتى لو طلبت مني البحث عنهم، فمن المستحيل أن أتمكن من ذلك، فلا معارف لي ولا شيء من هذا القبيل.
لكن── هناك شيء لا يعجبني في هذه السرعة التي تسير بها الأمور.
أليس من المفترض أن أشك في أشياء أكثر قليلًا؟ حتى لو كان تحولي إلى مصاص دماء حقيقة لا مفر منها── فمثلًا.
قفزت إلى العرض دون تفكير، لكن… هل أستطيع حقًا العودة إلى إنسان؟
ما الضمان أن هذا ليس مجرد كذبة من كيس-شوت؟
ربما تحاول استغلالي لاستعادة أطرافها── لا يكفي أن تجعلني طعامًا، بل تريد استخدامي حرفيًا كبديل لأطرافها، أو شيئًا من هذا القبيل…
لا، في ما يخص ذلك، كانت كيس-شوت قد قالت هذا منذ البداية── أنه ليس أمرًا، بل نوع من الابتزاز أو التهديد.
وقالت أنه ستكون هناك أوقات ستضطر فيها إلى استعارة قوتي── أو ما شابه.
…لكنني لن أتعاون معها مجانًا على أية حال، ولذلك ربما── كذبت عليّ قائلة أنني أستطيع العودة إلى إنسان.
كطُعم── كذبت.
لقد توقعت كيس-شوت── أنني سأرغب في العودة إلى إنسان.
«…………»
لا.
بما أنني تابع لها، أليس من المفترض أن تستطيع أن تأمرني من دون اللجوء إلى كل هذه الأساليب الملتوية؟
…همم.
لا.
هذا خطأ.
إنها الآن في حالة فقدت فيها معظم مهاراتها كمصاصة دماء── ولذلك، ما لم تكذب عليّ، فربما لا تستطيع إخضاعي لأوامرها؟
إذا كان الأمر كذلك، فهذا ليس مستبعدًا…
صحيح أن مظهرها الآن في العاشرة من عمرها يجعلها تبدو في العاشرة فعلًا.
لكن── حين أتذكر ملامح وجهها في هيئتها الأصلية، ماذا أقول؟ كان انطباعي عنها أنها كانت ذكية إلى حد بعيد.
وعلى الأقل، إذا صدقنا ما تقوله عن نفسها، فهي تعيش منذ خمسمئة عام.
ومن غير المرجح أن تكون بطيئة الفهم.
وفوق كل شيء.
أشعر أنني── لم أسأل عن الأمر الأهم.
كنت منشغلًا بالتفكير في كيفية العودة إلى إنسان، وكأنني أهرب بنظري من شيء مهم── ففي الأساس، لقد نسيت حتى أن أسأل لماذا توجد كيس-شوت في اليابان أصلًا، بل في بلدة ريفية كهذه تحديدًا.
صحيح أن كلمة «يوكاي» غريبة بعض الشيء.
لكن مصاص الدماء، في النهاية، وحش غربي، أليس كذلك؟
وبالنسبة إلى أولئك الثلاثة أيضًا── أليست كيس-شوت هي من جلبتهم إلى اليابان، بطريقة أو بأخرى؟
«…هممم.»
على أي حال، كل هذا مجرد تخمين.
حتى لو كانت كيس-شوت تخطط لشيء ما، فلا خيار أمامي في الوقت الراهن سوى الوثوق بها── لا خيار أمامي سوى التعلق بكلماتها.
زمام المبادرة── في يد تلك المرأة بالكامل.
أولًا، عليّ أن أستعيد أطرافها── وبعدها نتحدث.
ومهما قلبنا الأمور رأسًا على عقب، فمن المستحيل أن يكون حتى وجود أولئك المتخصصين الثلاثة في إبادة مصاصي الدماء كذبة، أليس كذلك── على الأقل هكذا كنت أظن.
وكما قالت لي كيس-شوت، خرجت أمشي بلا هدف في طريق لا رصيف فيه، مستخدمًا نفسي طُعمًا── وحين وصلت إلى مفترق طرق ثلاثي، كان ذلك هو الوقت الذي حدث فيه الأمر.
أنا.
راودني حينها خاطر بأن كيس-شوت أسيرولا أوريون هارت أندر بليد، مصاصة الدماء التي عاشت خمسمئة عام، ربما تكون في الواقع بطيئة الفهم على نحو مدهش بالنسبة إلى عمرها.
قالت: «ما دمت تواجه كل واحد منهم على حدة، فلن يكون أيٌّ من أولئك الثلاثة ندًا لك»── لكن أين توجد أصلًا تلك الفرضية التي بنت عليها كلامها؟
أنت بنفسك قلت إنك خسرت أمامهم مجتمعين ثلاثة ضد واحد──!
كنت أظن أن الأمور تسير بسلاسة، لكن الأمر لم يكن كذلك إطلاقًا── كنت أنا أيضًا غبيًا إلى حد بعيد.
لكن── كان الأوان قد فات.
أم ينبغي أن أقول أنني وصلت في الوقت المناسب، نوعًا ما؟
فقد أدركت احتمال حدوث هذا الموقف── قبل ثانية واحدة فقط من وقوعه.
قالت كيس-شوت: «إذا حالفنا الحظ، سينتهي الأمر الليلة»── لكن حتى لو لم يحالفنا الحظ، فقد ينتهي الأمر الليلة أيضًا.
على هيئة موتي── للمرة الثانية.
«مـ..ماذا علي أن أفعل؟»
أولًا، من جهة اليمين أمامي.
كان رجل ضخم الجثة، يبدو أن قامته تتجاوز المترين، يمشي نحوي── يحمل في كلتا يديه سيفًا عظيمًا تتلألأ على نصليه شفرات متموجة التصميم. ربما يمكن وصفه بأنه مفتول العضلات، لكن بنيته الجسدية كانت ضخمة إلى حد أنها تبدو على وشك الانفجار حتى من فوق ملابسه── كان سرواله الجينز يبدو لي كأنه قد يصلح ككيس نوم، وقميصه يبدو كأنه يمكن تقطيعه ليصنع خمسة قمصان بحجمي.
وكان يرفع شعره الأمامي إلى الخلف بعصابة رأس، وكأنه يحاول السيطرة على شعره الذي نما بلا حدود.
ذلك الرجل، الذي بدا كأنه كتلة من العضلات، حدق بي بملامح صارمة وفمه مغلق في خط مستقيم── يحمل سيفين عظيمين متموجي النصل متدليين من يديه.
كانت صفاته مطابقة لما سمعته.
ذلك الرجل── دراماتورغي.
الرجل الذي انتزع ساق كيس-شوت اليمنى.
«أـآه…»
ثم من جهة اليسار أمامي.
رجل ذو بنية نحيلة للغاية، مقارنة بدراماتورغي── كان يقترب مني. كانت ملامح وجهه لا تزال تحمل شيئًا من الطفولة، لكن حدة نظرته الموجهة إليّ لم تكن مزحة على الإطلاق. هناك تشبيه شائع يقول أن المرء قد يقتل شخصًا بنظراته، ولو كان ذلك ممكنًا فعلًا، لكنت قد مت بالفعل. كانت نظرته حادة إلى تلك الدرجة── بعينين ضيقتين لا يظهر فيهما إلا بياضهما.
وكان يرتدي زيًا مدرسيًا أبيض، ما يسمى «الزي الأبيض»── لذلك كان يمكن أن يبدو صغير السن أيضًا، بحسب زاوية النظر، لكن الصليب الضخم الذي حمله على كتفه بيد واحدة كان ينفي ذلك الانطباع تمامًا.
كان كتلة فضية هائلة، كأن أحدهم أخذ صليبًا بسيطًا لا زخرفة فيه، يشبه إكسسوارًا فضيًا، وكبّره خمسين مرة. كان الصليب أكبر من الرجل بنحو ثلاثة أضعاف، ووزنه يكاد يتجاوز التكعيب ثلاثي الأبعاد، وضخامته أشبه بمزحة.
ومن السهل تخيل أنه سيستخدم ذلك الصليب كسلاح، لا كأداة مقدسة.
كان الرجل ينظر إليّ كما لو كان يريد اختراقي بنظراته، وعلى شفتيه ابتسامة ساخرة خفيفة── ويتقدم نحوي، والصليب العملاق لا يزال مستقرًا على كتفه.
كانت صفاته مطابقة لما سمعته.
ذلك الرجل── إبيسود.
الرجل الذي انتزع ساق كيس-شوت اليسرى.
«مـ…ماذا علي أن أفعل؟»
وفوق ذلك، من خلفي.
كان هناك رجل يتبعني في وقت ما دون أن أشعر، مرتديًا رداءً يشبه أردية القساوسة. وعلى النقيض من الرجلين أمامي، كان يبدو هادئًا ومسالمًا في مظهره فحسب.
كانت تسريحة شعره تذكرني بقنفذ، لكن ذلك الشعر كان تقريبًا الشيء الوحيد الذي يوحي بالخطر؛ أما انطباعه العام فكان هادئًا بالأحرى. ومن عينيه الضيقتين اللتين يصعب حتى معرفة ما إذا كانتا مفتوحتين أم مغلقتين، كان من الصعب معرفة المشاعر التي يخفيها في داخله، لكن شيئًا واحدًا كان مؤكدًا على الأقل: بخلاف الرجلين أمامي، لم يكن يحمل أي سلاح يمكن اعتباره سلاحًا، لا سيفًا عظيمًا ولا صليبًا── إلا أن ذلك بالذات بدا لي أكثر ما يميّز هذا الرجل الذي يشبه القس.
فحتى من دون أن يحمل سلاحًا── كان قد انتزع من كيس-شوت عددًا من الأجزاء يعادل ضعف ما انتزعه الآخران.
اقترب الرجل الذي يشبه القس مني بخطوات طبيعية، وملامح وجهه لا توحي بأي حذر── ويداه خاليتان تمامًا.
كانت صفاته مطابقة لما سمعته.
ذلك الرجل── غيوتين كاتر.
الرجل الذي انتزع من كيس-شوت ذراعها اليمنى وذراعها اليسرى── ذراعيها كلتيهما.
«──أعني، لا مجال لفعل أي شيء…!»
متخصصو إبادة مصاصي الدماء.
دراماتورغي، وإبيسود، وغيوتين كاتر.
الثلاثة── كانوا قد تجمعوا حولي.
كما لو أن مفترق الطرق الثلاثي قد صُمم خصيصًا لهذا الغرض.
لم يكن هناك طريق للهرب── كنت فأرًا محاصرًا.
«هاه؟ ما هذا؟ مضحك بشكل رهيب.»
كان أول من فتح فمه هو الرجل الذي يحمل الصليب العملاق على كتفه── إبيسود.
كانت لهجة كلامه فوضوية كما يوحي مظهره تمامًا.
«هذه ليست هارت أندر بليد── من هذا؟»
«■■■■■■■■■■■■■■■■■■■■■■■■■■■■■■■■■■■■■■■■■■■■■■■■■■■■■■■»
أجاب الرجل مفتول العضلات── دراماتورغي── على كلام إبيسود، متجاهلًا وجودي بينهما كما لو أنني غير موجود. كانت لهجته صارمة، شديدة الجدية، ومهيبة إلى حد ما، لكنني لم أستطع فهم ما قاله.
وليس تعاطفًا معي على الأرجح، قال الرجل الذي يشبه القس── غيوتين كاتر── من خلفي:
«هذا لا يصح، سيد دراماتورغي.»
كانت لهجته هادئة.
«تحدث بلغة البلاد التي أنت فيها. هذا أمر بديهي.»
«…………!»
كدت أستدير إلى الخلف── لكنني أدركت أن ذلك سيعني أيضًا أن أدير ظهري إلى دراماتورغي وإبيسود، ولذلك بقيت في مكاني عاجزًا عن الحركة.
واصل غيوتين كاتر كلامه، متجاهلًا وجودي كما فعل الآخران:
«لكن، مع ذلك، يبدو أن ما قلته صحيح بالفعل، سيد دراماتورغي. من المرجح── بل لا شك في ذلك── أن هذا الفتى تابع للسيدة هارت أندر بليد…»
«بجدية…؟»
تمتم إبيسود بانزعاج.
«أليست تلك المصاصة للدماء لا تصنع أتباعًا أصلًا؟»
«سمعت أنها صنعت تابعًا واحدًا فقط في الماضي.»
«■■■… على الأرجح، بعدما حاصرناها وأصبحت في مأزق، لم تجد بدًا من صنع تابع يكون بمثابة أطراف لها.»
قال دراماتورغي ذلك هذه المرة باليابانية.
وبما أن بنيته الجسدية تشبه كتلة من العضلات، فقد ظننته شخصية تعتمد على القوة الغاشمة، لكن… لقد أصاب هويتي بدقة.
«أتقول لي»، قال إبيسود، والابتسامة لا تزال مرتسمة على وجهه، والصليب الضخم يتأرجح على كتفه، «أن مكان هارت أندر بليد، التي عانينا كثيرًا في تعقّبها بعدما خبت قوة وجودها، يمكننا ببساطة انتزاعه من جسد هذا الفتى؟»
«هذا ما يعنيه الأمر.»
أومأ غيوتين كاتر برأسه بسهولة، موافقًا على كلام إبيسود الذي يوحي بالخطر── ثم قال دراماتورغي أيضًا:
«إذا أبَدنا هذا الفتى، فسأحصل على المكافأة نظير ذلك، بالإضافة إلى مكافأتي على هارت أندر بليد، أليس كذلك؟»
وقال ذلك وكأنه يحسب الأرباح بدقة.
آه── كنت ساذجًا.
حتى لو افترضنا أنهم سيغضّون الطرف عني لأنني كنت إنسانًا في الأصل، تقول؟
كيف وصلت إلى هذا التصور أصلًا؟
لقد تجاوزتُ حدود التفاؤل بكثير.
هؤلاء الرجال── منذ البداية، يتحدثون وكأنني غير موجود.
يتجاهلونني تمامًا.
هم لا يعترفون بي حتى ككائن حي.
من ناحية وجودي── كأنني لست طرفًا في الأمر أصلًا.
«هممم.»
كان غيوتين كاتر هو من قالها.
«في هذه الحالة، ماذا سنفعل؟ إذا أردنا، كما اقترح السيد إبيسود، أن ننتزع من هذا الفتى معلومات عن مكان السيدة هارت أندر بليد، فسيتطلب الأمر بعض الجهد.»
«اتركه لي. أنا من اقترحت الفكرة أصلًا.»
قال إبيسود وهو يضحك.
«سأقتله من دون أن أترك له إصابات دائمة.»
«لا، سأفعلها أنا.»
قال دراماتورغي أيضًا.
«أنا الأنسب لهذا النوع من العمل. وأنا أكثر من يستطيع التفاهم مع مصاصي الدماء.»
«يمكنني فعل ذلك أنا أيضًا، بالطبع.»
أعلن غيوتين كاتر عن رغبته بهدوء.
«أنتما متعبان، أليس كذلك؟»
«لا── تتحدثوا وكأن الأمر محسوم!»
أنا.
جمعت شجاعتي── وصرخت.
ولم أصرخ في وجه أحد منهم تحديدًا.
صرخت من دون أن ألتقي بعيني أيٍّ منهم.
«لـنتحدث أولًا، أليس كذلك── لماذا تخططون لإبادتي فجأة؟… أنا إنسان، بحق السماء! هل تنوون قتل إنسان──؟»
«…………»
«…………»
«…………»
وبالنظر إلى أن الصمت حلّ للحظة، فقد وصلت كلماتي إليهم، على الأقل.
لكن── هذا كل شيء.
لقد فهموا كلماتي، لكنهم لم يفهموا معناها.
لم يحاول أيٌّ منهم── الرد عليّ.
«إذن سنفعلها بالطريقة المعتادة.»
قال دراماتورغي.
«حسنًا. يعني أن من يسبق هو الفائز.»
قال إبيسود.
«حسنًا. فالتنافس العادل يؤدي إلى تطوير مهارات الطرفين، كما تعلمون.»
قال غيوتين كاتر أيضًا.
ثم── المتخصصون في إبادة مصاصي الدماء.
الثلاثة، في اللحظة نفسها تقريبًا── انقضّوا عليّ، أنا المتمركز في وسط مفترق الطرق الثلاثي.
كنت أستطيع رؤية حركاتهم وهم ينقضّون نحوي بفضل حاسة البصر التي اكتسبتها كمصاص دماء على الأرجح. لا أستطيع رؤية الظلام بوضوح فحسب، بل إن بصري يتمتع أيضًا بقدرة هائلة على تتبع الأجسام المتحركة── لكن.
ما الفائدة من أن أراهم؟
ماذا يفترض بي أن أفعل في مثل هذا الموقف؟
«آآآآآآآآآه!»
ما فعلته أنا── كان على الأرجح أغبى تصرف ممكن في مثل هذه الحالة. أي أنني أمسكت رأسي بكلتا يديّ── وحنيت ظهري وجلست القرفصاء في مكاني.
لقد تخليت عن الهجوم، لكن ذلك لم يكن دفاعًا أيضًا؛ بل كانت وضعية هروب من الواقع.
لم أستطع.
كان الأمر بديهيًا.
ما الذي كنت أتوهمه بحق السماء؟
أنا لست بطل مانغا أو فيلم أو لعبة أصلًا── فمن أين لي، وأنا مجرد طالب ثانوي عادي، أن أحاول مقاتلة متخصصين في إبادة مصاصي الدماء؟
ما هذا؟ معركة قوى خارقة في المدرسة؟
من المستحيل أن أفوز.
وماذا لو استطعت اختراق جدار من الخرسانة؟
وماذا لو كانت لديّ قدرة هائلة على القفز، وكنت أستطيع التحرك بسرعة؟
ما فائدة كل هذه القدرات؟
أنا قلت أنني لم أخض شجارًا واحدًا في حياتي── لم يكن لدي حتى شخص لأتشاجر معه! ولا أملك أي خبرة في الفنون القتالية أصلًا!
ما هذا بحق الجحيم── تبًا.
مع أنني تخلّيت عن حياتي مرة.
مع أنني وهبت حياتي لكيس-شوت.
لماذا── لماذا أصبحت حياتي عزيزة عليّ إلى هذه الدرجة؟!
«────!»
……………!
…………،……
لكن.
مهما طال الوقت── ومهما انتظرت، لم تهوِ هجمات الرجال الثلاثة على ظهري.
ماذا── هل ينوون تعذيبي؟
أم أنهم أصيبوا جميعًا بالذهول من مدى إثارة الشفقة التي وصلت إليها، ففقدوا حماسهم؟ لا، لا يمكن أن يكون الأمر كذلك.
عذاب أم ماذا، وهؤلاء الرجال لا يرونني أصلًا── أنا.
رفعت وجهي── الذي كنت قد دفنته بين ركبتيّ، ببطء.
عندها.
«…هاهاه.»
سمعت ضحكة مرحة من ذلك النوع.
«في وسط حي سكني كهذا تمامًا… تلوّحون بالسيوف، وترمون الصلبان، وتقولون أشياء خطيرة، أنتم حقًا نشيطون جدًا──»
أمسك── لا أحد سوى عابر سبيل.
بإصبع السبابة والوسطى والبنصر والخنصر في يده اليمنى، نصلَي سيفَي دراماتورغي العظيمين المتموجين، كل واحد بين إصبعين.
واستقبل باطن قدمه اليمنى الصليب العملاق لإبيسود، وكأنه لم يفعل شيئًا يُذكر.
وأوقف حركة غيوتين كاتر الرشيقة والسريعة، بمجرد أن مد يده اليسرى، من دون حتى أن يلمسه.
كان ذلك الرجل── من يكون غير عابر سبيل عادي؟
وبقي واقفًا على ساق واحدة، ثم تابع:
«──هل حدث لكم شيء جيد؟»