خرج نوفيتش من المرآب واستخدم منظاره ليرى المشهد عن قرب فلاحظ الحراس يقاتلون مخلوقات غريبة تحاول تسلق الجدران. عندها قال بوجه متجهم: «لقد عادوا… للانتقام.»
في الوقت نفسه كانت قبيلة المازي لا تزال تحتفل وتغني قبل أن ينقطع احتفالهم بصوت بوق قوي دوّى في الأرجاء. توقف الجميع وتوجهت أنظارهم نحو السور وعلت على وجوههم ملامح القلق. حينها نهض سكارفيس من مكانه وقال: «هذا صوت الإنذار! هناك مقتحمون! احملوا أسلحتكم وتجهزوا. السور بحاجة إلينا!»
وفي تلك الأثناء كانت أتين قد خرجت لتوّها من غرفة النقاء وجلست على كرسي مرتدية ملابس أنيقة وقد بدا وجهها أكثر إشراقًا وجمالًا وبجانبها امرأة تمشط شعرها.
بعد قليل دخلت ريا إلى الغرفة وهي تحمل بين يديها باقة من الورود العطرة وقدمتها إلى أتين بابتسامة: «تفضلي أيتها الأميرة، هذه لك بمناسبة قدوم يوم البكر وزواجك من الملك.»
أخذت منها الورود: «ما أروعها! شكرًا لك يا صديقتي. أعجبتني كثيرًا.
رفعت أتين عينيها نحو ريا متأملة ملامحها وهي ممسكة بالورود أمامها: «ماذا يعني لكِ هذا اليوم؟»
أجابت ريا: «إنه يوم تجهيز العروس لزفافها.»
أعادت أتين سؤالها: «وماذا يعني لكِ حقًّا هذا اليوم؟»
بدت الحيرة على ملامح ريا: «ماذا تقصدين؟»
ساد الصمت للحظة ثم سألتها أتين: «مَن أنتِ حقًا؟»
«أنا… أنا ريا خادمتكِ وصديقتك أيتها الأميرة.»
قالت بصوت هادئ: «ريا، صديقتي العزيزة، لم تكن تنسى يوم عيد ميلادها.»
«أما الأقراط التي كانت ترتديها دائمًا فهي أثمن ما تملك، وقد أهداها والداها قبل رحيلهما… ومع ذلك لم تظهري أي حزن على فقدانها.»
في اللحظة التي أنهت أتين كلامها تحولت ريا إلى شيء غير بشري كاشفة عن وجهها الحقيقي المشوه، قبل أن تتحرك بسرعة خاطفة محاولة طعن أتين بخنجر. لكن أتين تفادت الهجوم بمهارة وأمسكت بالخنجر وسط حركة سريعة ثم استدارت بقوة لتسيطر على الموقف وتسدد طعنة إلى صدر المتنكرة.
سقطت المتنكرة أرضًا تتلوى من الألم بينما نظرت إليها أتين بغضب: «أين هي ريا؟ وكيف استطعتِ الدخول إلى هنا؟»
تنفست المتنكرة بصعوبة وقالت بصوت متهدج: «لقد جئنا للانتقام… وريا تلك المرأة لم تترك حيواناتنا الأليفة منها شيئًا.»
ارتسمت ملامح الصدمة على وجه أتين لوهلة: «ماذا قلتِ؟!» سرعان ما اجتاحها الغضب ممزوجًا بحزن عميق وهي تتذكر صديقتها ريا التي رافقتها في كثير من لحظات حياتها. «أخبريني أيتها الحقيرة كيف استطعتم الدخول إلى هنا؟ وماذا عن بقيتكم؟»
ضحكت المتنكرة: «منذ سنوات ونحن نحمل الضغينة تجاهكم والآن حان دوركم.» عند سماع أتين هذا التصريح لم تتمالك نفسها فغرزت الخنجر فيها بقوة حتى فارقت الحياة.
بعد لحظات تماسكت أتين وقبضت يدها ثم استدارت بسرعة وغادرت الغرفة، وأصدرت أوامرها للمحاربات بصوت حازم: «استعدوا فورًا وكونوا على حذر… هنالك مخلوقات قذرة متنكرة بيننا!»
حين اتجهت أتين مع المحاربات نحو القصر كان كلٌّ من باسل وحمزة ونوفيتش في طريقهم إلى السور. وفجأة سمعوا دوي انفجار هائل من ناحية القصر فتوقفوا وقد ارتسمت على وجوههم ملامح الارتباك.
قال نوفيتش بقلق: «هذا الصوت قادم من جهة القصر… يبدو أنهم يحاولون اختراق الجدران المصفحة تحت الأرض! إذا تمكنوا من ذلك فسيصلون إلى الملك! يجب أن نغيّر وجهتنا إلى القصر لحمايته… لا يمكننا السماح لهم بالوصول إليه.»
في داخل القصر استيقظ الملك مذعورًا على صوت انفجار مدوٍ هز أرجاء القصر. نهض من فراشه رغم الإرهاق الذي أثقل جسده واتجه نحو الباب بخطوات متثاقلة ليتفقد مصدر الصوت.
عندما فتح الباب تجمّد في مكانه وهو يرى الحارسات ملقيات على الأرض أمامه والدماء في كل مكان. «يا للهول! ما الذي حدث هنا؟»
ارتجف جسد غوديا من هول المشهد وأخذ يتفقد الحارسات بحثًا عن ناجية تخبره بما جرى لكنه اكتشف أنهن جميعًا فارقن الحياة. عندها التقط سيفًا من يد إحدى الحارسات وبدأ يتفقد الممرات، وأثناء سيره لاحظ أن باب الغرفة التي تضم صورة قديمة له مع زوجته وأبنائه مفتوح رغم أنه ظل مغلقًا منذ تلك الحادثة.
ارتسم القلق على وجهه وهو يقترب من الباب بتردد ثم دخل الغرفة ليجد امرأة تقف في الداخل وظهرها إليه وهي تمسك إطارًا يحتوي على صورة زوجته الراحلة وقد بدأت النيران تلتهمها.
التفتت المرأة نحو غوديا فكشفت عن وجه مخيف؛ نصفه يشبه وجه زوجته بينما كان النصف الآخر مشوهًا بشكل مريع، وقد غطت الدماء ملابسها.
قال الملك بصوت مرتجف: «أنتِ… من تكونين؟»
تحولت المرأة إلى كاليسا، الأميرة التي ظهرت في المدينة الغارقة تحت البحر. «ماذا؟ لم تتوقع رؤيتي هنا؟ أكنت تظن أننا لن ننجو بعد تلك الحادثة؟»
أمسك غوديا بالسيف بكلتا يديه المرتعشتين. «ما الذي تريدينه؟»
في تلك اللحظة انقضت كاليسا نحوه فرفع ذراعيه لصد هجومها إلا أن جسده كان ضعيفًا ولم يستطع الصمود أمامها. وما هي إلا لحظات حتى باغتته بطعنة من خنجرها ثم همست في أذنه: «هذا الخنجر مسموم ولا شفاء منه».
رفعت ذراعها فتحولت أصابعها إلى مخالب طويلة وحادة قبل أن تغرسها في جانبه الأيسر بوحشية. «جئت لأخذ دم ينعش ملك أتلازون ودمك هو ما أحتاجه». ومع سحب يدها انتزعت عضوًا من جسده وقالت: «هذا كل ما أريده منك… ليكن هذا الكبد الثمن الذي ستدفعه مقابل حياة ملكنا الراقد».
وضعت ما استخرجته في كيس كانت تحمله معها. «فلتنطفئ روح ملك أنومازون وليبزغ فجر ملك أتلازون».
غادرت كاليسا المكان تاركة الملك غارقًا في دمائه وملقى على الأرض وعيناه معلقتان بالصورة المحترقة.