سيد التمنّي الفصل 13 — سيد التمنّي 13

اقرأ سيد التمنّي الفصل 13 — سيد التمنّي 13 باللغة العربية على مانجا تايم.

بعد مرور ثلاثة أيام استعد كلٌّ من باسل وحمزة وترافيس لعبور الطريق إلى القبيلة الأخرى. جلسوا مع زعيم القبيلة كايل ليستمعوا إلى المزيد عن تاريخ الجزيرة وأسرارها.

بدأ كايل الكلام وصوته يحمل نبرة غامضة: «هناك مخلوق قديم يسكن في الغابة المحيطة بالنهر الذي يفصل بين القبيلتين. تُعرف باسم الشيرينا، ليست بشرًا وليست شبحًا… بل شيئًا بينهما. يُقال إن لها مظهرًا مرعبًا وصوتها ساحر. إذا سمعت غناءها ستجد نفسك تغرق في حلم لا تستطيع الهروب منه. ستقف مكانك بلا حراك أسير الوهم، بينما تقترب منك ببطء… حتى تسلب حياتك.»

ساد الصمت للحظة داخل الكوخ قبل أن يسأل ترافيس بقلق: «إذاً.. هل هناك أي طريقة لتجنب تأثيرها؟»

أجاب كايل وهو يخرج قطعة صغيرة بيضاء اللون ويمسك بها بين أصابعه: «الوحيد الذي نجا منها كان صيادًا أغلق أذنيه بالشمع قبل أن يشعر بوجودها. هذا الوحش يستغل جمال صوته لجذب فريسته، وعندما تقع في قبضة الحلم لا مفر.»

ثم نظر إلى أحد المحاربين الواقفين عند مدخل الكوخ.

«جوران، أريدك أن تذهب معهم.»

«حاضر أيها الزعيم.»

ثم تقدَّم كايل وأخذ كيسًا صغيرًا يحتوي على قطع من الشمع الخاص وأعطاه لهم محذرًا: «تأكدوا من وضعه بإحكام في آذانكم. إذا فقدتموه، فلن تتمكنوا من مقاومة تأثيرها.»

وقبل أن يشرعوا في رحلتهم أخذ كل واحد منهم يتفقد معداته بصمت، مدركًا أن ما ينتظره في الدروب القادمة لن يكون سهلًا.

انطلقوا بخطى حذرة نحو الغابة يتقدّمهم جوران، فيما كانت الأشجار الكثيفة تشكّل ممرًا ضيقًا تتخلله ظلال متشابكة، أشبه بمدخل إلى عالم غريب ومجهول.

عندما دخلوا الغابة ازدادت الرطوبة وأصبح الضوء بالكاد يتسلل من بين الأشجار. بدأت أصوات غريبة تخرق السكون؛ همسات خافتة وخشخشة غامضة بين الأوراق. راودهم شعور بأن أنظارًا خفية تراقبهم، مما زاد من قلقهم وجعل خطواتهم أكثر حذرًا.

أثناء سيرهم رأوا عناكب ضخمة تتدلّى من الأغصان، وتحدّق فيهم بأعين مخيفة وصمت مريب، كما ظهرت مخلوقات هجينة تحمل رؤوس ديوك وأجساد نعام تصدر أصواتًا مشؤومة زادت من شعورهم بالخطر.

عندما اقتربوا من النهر بدأ صوت غناء ناعم يتسلّل إلى آذانهم؛ كان صوتًا هادئًا يحمل شيئًا يُخدّر العقل ويغريه بالاستسلام. عندها أدركوا أنهم دخلوا نطاق تأثير الشيرينا، سارعوا إلى البحث عن الشمع لسدّ آذانهم… لكنهم اكتشفوا أنه قد اختفى.

بحثوا عنه مرةً أخرى على عجل إلا أنهم لم يجدوه. في تلك اللحظة شعروا بأجسادهم تثقل ورؤوسهم تدور وعيونهم تبهت. تلاشت قدرتهم على الحركة وكأن قوةً خفية سلبتهم السيطرة. وعَت عقولهم ما يحدث، لكنهم لم يتمكنوا من مقاومتها حتى ابتلع السواد أبصارهم.

كل واحد منهم وجد نفسه في عالم مختلف…

كان حمزة واقفًا على سطح قارب صغير يتأرجح فوق البحر الهائج، تتلاطم الأمواج من حوله والرياح تعصف من كل صوب فتزيد الموقف اضطرابًا. ومع اشتداد العاصفة أخذ القارب يميل حتى انقلب فسقط حمزة في البحر وفقد توازنه. حاول السباحة مجاهدًا قوة التيار، لكنها كانت تجرفه بعيدًا عن كل ما يمكن أن يتمسك به. ظل يكافح وسط الأعماق والظلام من حوله يزداد كثافة، بينما كان البحر يبتلعه تدريجيًا.

أما ترافيس فوجد نفسه ملقى على الأرض في ساحة المعركة، جسده مثقل بالجراح والإصابات. وأصوات السيوف والطلقات تتردد في أذنيه من صدى بعيد. حاول تحريك يده إلا أنه لم يكن قادرًا على النهوض، فاجتاحه ألم حاد وازداد شعوره بالعجز.

من حوله كانت جماعةٌ من الرجال يقاتلون شيئًا غامضًا خيّم على المكان، عدوٌّ لم يكن يُرى بالعين، وبشكلٍ مفاجئ أخذ يُسقِط المحاربين واحدًا تلو الآخر.

وما إن سقط الجميع حتى خيّم الصمت على الساحة ولم يبقَ سوى أنفاسه المتقطّعة ووقع الألم الذي يسري في جسده المنهك. أراد أن يصرخ، أن يستغيث، غير أنّ صوته خذله فظلّ هناك أسيرًا بين العجز والصمت الثقيل.

وفي الوقت نفسه كان باسل يصعد إلى تلة خضراء أحاط بها النسيم البارد برفق. وعند وصولة إلى القمة وقعت عيناه على امرأة غامضة تقف بجانب حصان أبيض جميل. كانت قد أدارت ظهرها إليه وهي تنظر في الأفق البعيد.

وقف هناك للحظة يراقبها بصمت ويتأمل المشهد من حوله. ثم اقترب منها بخطوات هادئة فالتفتت نحوه برفق وقد غطّى وجهها وشاح داكن أخفى ملامحها، فيما بقيت عيناها المتلألئتان وحدهما ظاهرتين.

«أهلًا بك، أنا سعيدة لرؤيتك!»

«وأنا أيضًا… لقد اشتقتُ إليكِ.»

بقيت المرأة على وقفتها وظهرها إليه ووجهها ملتفت قليلًا نحوه. «كيف كانت رحلتك؟»

ردّ باسل: «لقد كانت مليئة بالمخاطر… لطالما كنتُ أتذكركِ.»

أدارت وجهها نحو الأفق مجددًا: «رحلتك لم تنتهِ بعد. أصدقاؤك بحاجة إليك.»

شعر باسل بالحزن: «لا أريد تركك… هنا فقط أشعر أنني بخير.»

أجابت برفق دون أن تلتفت إليه: «أفهم… ولكن لم يحن موعد لقائنا بعد.»

«كيف أترككِ بعد كل هذا الشوق؟»

ارتسمت على صوتها نبرة مطمئنة: «ستكون دائمًا في قلبي. استخدم علامتك لتعود.»

وقف باسل في مكانه يراقبها بصمت وبدأت العلامة على يده بالتوهج. كان يعلم أنه عليه العودة لمواجهة مصيره، حاملًا في قلبه وعدًا بأن هذا اللقاء لن يكون الأخير.

وسط الغابة الغارقة في السكون تحركت الشيرينا بين أسرى الأحلام وغناؤها يتسلل بين الأشجار كحلم مكسور. جسدها طويل ونحيل على نحو غير بشري وشعرها الداكن ينسدل على كتفيها كخيوط ليلية متشابكة، وعيناها المضيئتان تراقبان الفرائس بصبر قاتل بحثًا عن ضحية مثالية.

كان جسد جوران عاجزًا عن الحركة يحاول المقاومة، أنفاسه مضطربة وعضلاته مشدودة وقدماه ثابتتان في الأرض لا تتحركان. اقتربت الشيرينا منه ببطء ووقفت خلفه، ومررت أصابعها الشاحبة على كتفيه برفق قبل أن تنقضّ عليه! انفتح فكاها بزاوية مروعة وغرست أنيابها الحادة في عنقه، مخترقة اللحم ببطء حتى بلغت حنجرته.

اختنق جوران وفمه انفتح ولم يُصدر أي صوت وهو يحاول الصراخ، إلا أن الهواء لم يجد طريقه إلى الخارج فقد كانت تمزق حلقه بأسنانها وتغرسها بعمق أكثر… ثم انتزعت حنجرته بالكامل! اندفع الدم بغزارة وارتجف جسده وارتعشت يداه في محاولة يائسة للتشبّث بالحياة قبل أن ينهار أخيرًا على الأرض.

أما شيرينا فوقفت في هدوء مخيف، تمضغ ما انتزعته وكأنها مستمتعة بطعم الدم الدافئ، ثم رفعت رأسها قليلًا وابتلعت ما تبقّى دفعة واحدة.

بعد أن انتهت منه التفتت بعينيها المضيئتين نحو باسل الذي لا يزال غارقًا في الحلم. كان يتحدث مع المرأة الغامضة في حين تحركت الشيرينا نحوه بصمت ولم تُصدر خطواتها أي صوت وكأنها تطفو فوق الأرض.