الفصل الحادي والأربعون: الغزو
كافحت ليارا بصعوبة أكبر لتحرير نفسها من القيود التي تربطها بينما كانت عيناها تحرسان بحذر الشكل الواقف أمامها في الزنزانة المظلمة.
"ابعد," صرخت باستمرار مرعوبة من الاحتمالات التي تنتظرها.
لقد كانت محاصرة ولم تكن هناك إلارا لمساعدتها الآن. كما أنها لم تمتلك حرية خاصة بها، ولا فرصة للهروب من أي مصير ينتظرها.
"توقفي عن إجهاد نفسك ايتها الصغرى. أنا حقا لست هنا لأؤذيك," قال الرجل متوسط العمر وهو يلقي بشيء في حجرها. "هذا طعام لتاكليه."
توقفت ليارا عن المقاومة وحدقت في الظل بحذر وارتباك. "إنه يعطيني طعاما لأكله؟ لماذا؟" سألت نفسها، لكن نظرتها سرعان ما اشتدت مرة أخرى عندما سيطر الريبة على أفكارها. "إنه يريد مني أن أمتلك ما يكفي من الطاقة للشر الذي سيفعله بي!"
راقب الرجل متوسط العمر ليارا في الظلام ورأى أنها لن تلمس الطعام الذي أعطاه لها.
"اسمي رين," قدم نفسه بهدف جس النبض ومحاولة ردم الهوة بينهما. "أيتها الفتاة الصغرى، لا تعتبريني مثلا بقية قومي. لا يمكنني حتى أن أتقبل مثل هذه الأفكار الشريرة ضد شخص أصغر من ابنتي، إنه لأمر مقزز."
"أنا لست هنا لاستجوابك من أجل اللورد فاغين أو إيذائك بأي شكل من الأشكال. أنا أرد المساعدة فقط," وتابع مؤكدا إيصال نواياه الحقيقية.
استمعت ليارا إليه ومن نبرة صوته استطاعت أن تخمن أنه صادق، لكنها ما زالت غير قادرة على الوثوق به. لم تستطع الوثوق بأي رجل من غلينوود. كانت تلك ميكانيكية دفاعية طورها عقها بعد كل ما رأته، وكانت تفضل الموت على أن تدع أيا منهم يدنسها.
"أنتم جميعا تقولون نفس الشيء! تدعون أنكم أفضل وأختلفون عن بعضكم البعض، لكنكم تظهرون حقيقتكم في اللحظة التي تحصلون فيها على الفرصة التي طالما اشتهیتموها," أجابت بصوت منخفض وضعيف يكاد يشبه الهمس.
"أنا أفهمك، لكن فكري في حالتك وأخواتك. أتعتقدين أنهن ترغبن في العودة ليجدن أختهن ميتة؟ أتعرفين كمية الألم الذي سيسلبهن إياه ذلك؟ الأفضل أن تأكلي الآن بينما تملك الفرصة."
أعادت ليارا التفكير سريعا في كلماته ولم تستطع إلا أن تتخيل الألم الذي يشعر به المرء جراء فقدان الأحبة. لكن في الوقت نفسه أصبحت أكثر حيرة.
"ألست مستشار ذلك الوغد البدين؟ لماذا تساعدني ولماذا تظن أن أخواتي سيعودن؟" سألت ليارا وبصوت مشوب بالتشكك والريبة.
سمعت رين يتنهد قبل أن يجيب: "غلينوود على حافة الانهيار ولا أريد أي جزء من سقوطها. أنا أساعدك لأنه في مثل هذه الأوقات، الوقوف إلى جانب الأبرار هو الطريقة الوحيدة للبقاء على قيد الحياة لأنهم أكثر عرضة للنجاح."
"أما بالنسبة لأخواتك، فأعلم قد يكون من الصعب تصديق ذلك، لكنني رأيتهن حقا يغادرن القرية في ذلك اليوم وكنت تلعبين دور تشتيت انتباه الجنود عند البوابة عن طريق استدراجهم بعيدا. أعلم أنك قتلتي أولئك الجنود الشباب الثلاثة."
الجزء الأخير من كلامه كشف عن ذكرى كانت ليارا تحارب من أجل نسيانها.
"كنت تعلم!" تفاعلت بصوت ممتلئ بالذنب والحزن والإحباط والعديد من المشاعر الأخرى الصادمة.
لم تستطع تصديق أن سرها المظلم لم يكن سرا في الواقع.
"ماذا لو قرر هذا الرجل الإبلاغ عني؟" فكرت بينما اشتد خفقان قلبها. "حينها سأتعرض للتعذيب والقتل لا محالة."
"أولئك الشباب كان غمام الشهوة يغطي عقولهم وكانوا سيفعلون الكثير من الأشياء الشريرة بك لو لم تقومي بقتلهم، وأنا أؤمن أنك كنت تنقذين نفسك فقط لا غير. يجب ألا تشعري بالذنب حيال ذلك," أجاب رين متنهدا وواصل إقناعها بتناول الطعام.
رفضت ليارا. لم تصدقه على الإطلاق.
اشتبهت به في الكثير من الأشياء؛ أكان يظهر اللطف كي يحصل على مراده؟ أكان يضع منشطا جنسيا في طعامها لتسهيل أمره عليها؟ اتهمته بالكثير من الأمور، كل واحدة منها كانت أكثر يأسا من سكلها السابق.
كلما سمعت صوته المتألم والمغذى بسوء التغذية وهو يتهمها بتلك النوايا، أصبح أكثر حزنا.
كان لدى رين بنات أكبر سنا من ليارا ولم يكن يجرؤ حتى على تخيلهن يمررن بنصف العذاب الذي اضطرت ليارا لتحمله.
بعد أكثر من نصف ساعة من إقناعها، وافقت أخيرًا على أكل ما أعطاه لها، ولكن بشرط واحد وهو أن يغادر الزنزانة.
إذ لم يكن لديه خيار، ودعها رين وشرع في المغادرة. طرق الباب ووصل الحراس سريعا لفتحه.
راقبته ليارا وهو يغادر قبل أن تلتفت لتنظر إلى الخبز الموجود في حجرها. حدقت في الخبز لبضع ثوان قبل أن تلتقطه بيديها المقيدتين لتأكله، ملبية بطنها الهائج بينما ظل قلبها النازف يتمنى أن تكون قريتها بخير.
في وينترسيد، مرت بضعة ساعات منذ أن بدأ روان وداندري اجتماعهما. تمت مناقشة الكثير خلال هذه الفترة، لكن معظمها كان مجرد تبادلات حامية ومتبادلة بين روان وداندري.
قدرة روان على استخدام استراتيجيات داندري الصوتية ضده جعلت داندري مذهولًا أكثر.
"كانت إلارا مخطئة للغاية. هذا الرجل لا يبدو أو يظهر أي ملامح للورد غبي وساذج كما وصفته له. مع هذا القدر من المعرفة والمهارة، يمكنه حتى إدارة إمبراطورية بلاكستون بشكل أكثر فعالية من إمبراطورها الحالي، فهذا الرجل ليس سوى وغد مخدوع في زوجه," فكر داندري.
التفت لينظر إلى القادة السبعة الذين كانت عيونهم مركزة عليه.
"للأسف، حتى بحكمته، لا يمكنه معرفة أن أحد قادته يسرب معلومات مثيرة لأعدائه," هز رأسه واستدار ليظر إلى روان مبتسما.
"اللورد روان، لماذا لا ترسل قادتك خارج الغرفة لبضع دقائق؟ لدي شيء مهم حقا وسري لأريك إياه، ووحده أنت من يستطيع رؤيته," تفوه داندري.
على الفور تقريبا، وقف برايس رولاند وأوليفر وحدقوا فيه. "لا يمكننا ترك لوردنا معك!" قالوا بصوت واحد وأيديهم على سيوفهم، مستعدين للمواجهة في أي لحظة.
"يا شباب، يمكنني التعامل مع هذا الأمر," ألوى روان بيديه، وعندها فقط تراجعوا عن أسلحتهم.
"لكن اللورد روان، لماذا تريد البقاء وحدك معه؟ إنه ليس جديرًا بالثقة بما فيه الكفاية. لا يمكنني تركك وحدك معه," تفوه برايس بوجه متجهم.
وافق القادة الآخرون وانضموا إليه في محاولة فاشلة لثني روان عن ذلك.
"أنا قوي بما يكفي للدفاع عن نفسي إذا حدث أي شيء," زعم روان، رغم علمه بأن هذا القول كذب صريح.
"يجب ألا تقلقوا بشأني. أنا متأكد من أنه لن يضيع الوقت، أليس كذلك؟" وجه سؤاله الأخير إلى داندري.
"بالتأكيد، مجرد بضع دقائق," أجاب داندري على الفور.
تردد القادة متبادلين نظرات الحذر قبل أن يغادروا الغرفة على كره. ومع إغلاق الباب الثقيل، سادت الغرفة صمت مقلق، تاركا روان وداندري وحدها.
كانت الكرة الكريستالية المتوهجة تطفو بسلام، وهبت النسائم بهدوء في الغرفة بينما كان الشكلان يواجهان بعضهما البعض.
"إذن، أنت عابر أيضا، أليس كذلك؟"