بدل أن يشقّ طريقه عبر وسط الجزيرة مباشرة ليبلغ الشطر الجنوبي حيث يعلو دخان الحانة فوق السطوح، طاف آدم بأطراف الجزيرة محاذياً جانبها الغربي. ورغم أن صندوق الخردة لم يقل شيئاً عن المكان، فقد راوده حدس خفيّ بأن ثمة ما يُطوى هناك. تطلع آدم من حافة جزيرة الانتظار مع مشيه، متعجباً من كيف تبدو الغيوم في الأسفل كأنها تمتد إلى الأبد. وكانت الشمس فوقه في رحلتها نحو الأفق، ولن يلبث الليل أن يغشى المكان خلال ساعات. لم يره أي مصابيح حول المباني البليدة، فراعه إن كان بوسع أحد تبين ما يصنعون إذا ما غابت الشمس. وحين بلغ الجزء الغربي من الجزيرة، ألفى حديقة أزهار وفي وسطها خيمة زرقاء داكنة مربعة الشكل بعض الشيء. بدت كأنها مأوى لقارئة طالع أو لعارض مخادع آخر من عارضي السيرك. سأل: "ما هذه؟" ولم يرد صندوق الخردة. هذا مريب للغاية. فصاحبنا هذا لا يكف عن الثرثرة قط. دخل آدم الحديقة من الجهة الموازية للحافة. وضعت أحواض الزهور على ثلاث طبقات كأنها رمز غريب، مع غياب أجزاء من الخطوط لتسمح للناس بالمرور حقاً دون وطء الزهور. كانت الطبقة الخارجية مربعة، والوسطى دائرية، والمركز مثلثاً تقبع وسطه الخيمة. كانت الأزهار جميعها من زهور الداليا، مصبوغة بتشكيلة ألوان تبدو عشوائية. تساءل آدم متمنياً لو أوتي القدرة على الطيران: "لعل هذه الحديقة تشبه شيئاً محدداً من الجو؟" وبالنظر إلى أنه خاض لتوّه قتالاً ضد هلام واعٍ، لم يبدو نيل قدرة كهذه أمراً بعيد المنال. ولم تكن الخيمة من داخلها سوى ظلام. حتى إنه لم يكن فيها منضدة أو كراسي. "أيها الصندوق، لأكون جاداً، ما الغرض من هذا المكان؟" وبقي متعدد الأوجه صامتاً. تمتم بصوت عالٍ: "أهو أمر مرتبط بالوقت يا ترى؟" [يُوصى بأن تزور الحانة البعدية ومنزل اللاعب أيضاً.] قال: "أنت وغد صغير. أتعلم ذلك أصحبت؟" وبعد أن طاف ناظراً أكثر بل نجح حتى في اعتلاء سطح الخيمة الذي كان متيناً بشكل مثير للدهشة، غادر آدم المكان خاوي اليدين. لقد لعب ما يكفي من الألعاب قديماً ليعلم أن حديقة الأزهار هذه تنضح بالأسرار. وطبعاً، كان محتملاً أن تكون خاوية فقط لأنها ستضم نوعاً خاصاً من الباعة بعد مراحل متقدمة. واصل آدم طريقه نحو الجنوب عازماً على إعادة زيارة الخيمة المريبة بعد أن تغيب الشمس. وما عدا المواقع الفريدة كالحديقة والسوق، كانت بقية جزيرة الانتظار تعج بمباني بليدة ولكنها غريبة الأطوار قد تشبه المنازل لولا مظهر الشمع المذاب فيها وغياب الأبواب والنوافذ الملائمة. بدا كل شيء متطابقاً تماماً، حتى النباتات والأشجار العشوائية التي كانت تنبت هنا وهناك. وكأن حزمة أصول بسيطة من لعبة زهيدة الجهد استُخدمت لجعل مناطق الجزيرة غير المهمة أقل بلادة. كان بوسعه توفير عناء الأمر واختصار حجم الجزيرة ليصبح السفر بين المناطق التي تستحق الزيارة حقاً أقل إرهاقاً. وبعد أن كادت عيناه تذهلان من المناظر المتماثلة، بلغ فجأة مصدر دخان المدخنة. وكانت الحانة، لسوء الحظ، شبيهة بشكل ملحوظ بالمباني الأخرى، بيد أن لها باباً صالحاً للاستخدام حقاً، وكانت أعرض وأطول من سائر المنازل. ارتفعت ثلاث طبقات وبدت كأنها رغيف خبز أحمر بني لم يُخبز تماماً، وقد ذاب سقفها في الجدران التي اتسعت نحو الأسفل كأنها تعجز عن احتواء ما في جوفها. تساءل: "لعل هذا هو شكل العمارة في أعتقادهم؟" [هذه هي الحانة البعدية. يمكنك هنا طلب أي طعام أو شراب تبتغيه بحرية. كما يتيح لك التحدث مع لاعبين آخرين في الداخل لتبادل المعلومات.] أطلب أي طعام بحرية؟ أظنني جائع حقاً. لم يتناول آدم إفطاره قبل إلقائه في معركة على حياته، لذا كان هناك ألم قارض ملحّ في معدته. صعد الدرجات الثلاث نحو بابها الأمامي. وكان هو الآخر غريب الشكل وعضوياً وله مقبض جذبته لتدخل. وما إن انفتح، حتى غمرت رائحة الخبز الطازج الفواحة واللحم المقدد الناش واللحم المشوي والجعة والتوابل منخريه، فأسالت لعابه. عجل آدم بالدخول، ليجد أن الدخل لا يمت بصلة لما يوحي به الخارج. كانت الأرضية ألواح خشبية بنية فاتحة مستوية تماماً. والجدران الخشبية أيضاً كانت مستقيم وعادية. وهناك طابقان علويان، رغم أنهما أشبه بشرفات المسرح مع بضع طاولات وكراسي منعزلة. وقطع السقف عوارض ضخمة. وأمامه مباشرة ثلاث طاولات خشبية طويلة حمراء بنية تمتد من أحد طرفي الغرفة إلى الآخر، مع مقاعد بسيطة موزعة بانتظام على طولها. ورغم ما أخبره به صندوق الخردة، كان المكان خالياً إلا من حشرة أخرى اقتربت منه سريعاً. قدمت النملة الحمراء نفسها بصوت عميق ومريح: "مرحباً يا آدم، اسمي تشارلي. أترغب في شيء تأكله؟" تلفح آدم حوله. "أين المطبخ؟" "لا داعي للقلق بشأن ذلك. الطعام حقيقي للغاية، حتى وإن لم يكن المطبخ كذلك." ضيق عينيه بريبة. "لن يقتلني، أليس كذلك؟" قالت وهي تضحك بخفة تبدو كفقاعات في الماء: "بالطبع لا أيها الأحمق". فجعلته يبتسم قليلاً رغماً عنه. "ما نوع الطعام الذي تملوينه؟" "أي شيء تريده، أستطيع إعداده." قال: "أظنني سأضع ذلك موضع التحدي. فلدي أشياء محددة للغاية أبتغيها." "كرواسون من مخبز جيميسون؟" اتسعت عيناك آدم ذهولاً. "أتمتلكين تلك؟!" "بالطبع يا آدم. تفضل بالجلوس وسأحضره إليك. أتريد أي شيء آخر؟" لمعت عيناه برغبة مفاجئة. "قهوة سوداء مع قطرات حليب وقالبين من السكر! أه، وقطع الدجاج المقرمشة! إضافة إلى بيتزا الأناناس!" ضحكت تشارلي بخفة مرة أخرى، قبل أن تسير على طول الطاولات وتنعطف حيث بدا أن الدرج يؤدي إلى الطوابق العليا. "أين كل اللاعبين؟" [لا تنشط الحانة البعدية إلا وأنت جالس.] "أحقاً؟" اختار آدم أقرب مقعد وجلس. لم يكن مستعداً لما حدث بعد ذلك. حوله، جالسين على الكراسي المحاذية للطاولات الثلاث، كان المئات، بل الآلاف من البشر على هيئة صور مجسمة شفافة. وكان الجميع يتحدثون ويأكلون، بينما يتلألؤون بلا انقطاع ظهوراً وخفاءً ليحل محلهم مجسمون جدد بعد ثوانٍ، كأن الحانة تحاول أن تريه كل جالس فعلاً في بعده الخاص. [نجا أقل بقليل من سست مئة مليون لاعب من المرحلة الأولى. ويستخدم 86 مليون لاعب الحانة البعدية حالياً.] كان ضجيج المجسمات المتحدثة يصم الآذان، لكن صوت صندوق الخردة اخترق الضجيج بوضوح. "كيف أصمتهم؟!" سكتت المجسمات في الحال. "شكراً لك." [من الممكن إعلان نواياك داخل الحانة البعدية للعثور على آخرين قد يستجيبون لسؤالك. وإن استوفى لاعب هنا الشروط، فسيتمكن من سماع صوتك.] "إذن بوسعي تصفية الضجيج لأعثر على أصدقائي وعائلتي؟" [ربما.] "أود رؤية كل من يمت بصلة قرابة لي." تلألأت المجسمات جميعها واختفت. حاول إقناع نفسه بينما تسارع نبض قلبه لحقيقة خلو الحانة تماماً: "حسناً، لعلهم ليسوا أمواتاً بل في جزء آخر من الجزيرة..." حك خفيض لحيته محاولاً التفكير في شيء يشغل به نفسه. "اممم، أرني الأشخاص الذين كانوا معي في المخبز عندما بدت المحن." ظهر شخصان، الموظفة والشخص الذي كان خلفه في الطابور. كان الرجل ينتحب، بينما كانت المرأة تأكل برغر ونظرة شاردة في عينيها. هذا محبط... "أرني كل من يمتلك الأثر ذاته الذي أملكه." تلألأت المجسمات وامتلاءت الطاولات الثلاث تماماً. كان بعض الأشخاص يأكلون، وآخرون يتحدثون، لكن كثرة منهم إما جلسوا قانطين يتطلعون في الهواء أو كانوا ينتحبون بحرقة. "أكثر مما قدرت، بصراحة." لقد ظن أن الجودة النادرة تعني أن قليلاً من الناس سيحصلون عليه، لكن حين يكون المئات من ملايين البشر جزءاً من المعادلة، فهذا يعني أن حتى نسبة مئوية ضئيلة ستفضي إلى الآلاف. انتظر، لقد قال نحو خمسمائة مليون... ودون احتساب أن الأطفال والمُسنين، فضلاً عن الأشخاص غير المؤهلين بدنياً على ما يبدو، لم يُضمّنوا، فهذا لا يزال بمليارات البشر الذين لابد أنهم ماتوا! بدأ العرق يتصبب على مؤخرة عنقه عند التفكير. واحد من كل ستة عشر شخصاً تجاوز المرحلة الأولى... وكل ما عدا ذلك مات أو في "احتجاز مؤقت"، أياً ما كان ما يعنيه ذلك. هذا حدث مسبب للانقراض... "أين هؤلاء المليارات من البشر و"احتجازهم المؤقت"؟" [نعتذر عن تضليلك، تلك الصياغة لم تكن صحيحة. لقد التهم النظام بعيد النظر كل فرد من نوعك لا يوجد حالياً في جزيرة الانتظار لتغذية محن التحدي.] تخلف قلب آدم نبضة. "لكنك... قلت إنهم أحياء وإن حياتهم متوقفة علي..." [لربما لم تكن الحقيقة لتحفزك بالشكل الملائم للمرحلة الأولى. والآن بعد أن نجوت منها، لم تعد ثمة حاجة لإخفاء الحقيقة.] صرخ: "تباً لك!" مباغتاً بضعاً من المجسمات، قبل أن ينهض فتواروا. وسحب سيفه فوراً ولوح به نحو متعدد الأوجه. وكما هو متوقع، انتقل آنياً مبتعداً، لكنه لم يتراجع. وبينما كان يطارده راكضاً عبر الطاولات، صرح قائلاً: [يمكنك إنقاذ عائلتك وأصدقائك ونوعك، إن أتممت محن التحدي. ولهذا سُميت بهذا الاسم. وإن أردت تحدي النظام بعيد النظر وانقراض نوعك، فيجب عليك قهر تحدياته.] توقف آدم في منتصف ضربته، وصدره يعلو ويهبط من الإعهاق ولعابه يطعم كالحمض. وقال للصندوق بصوت خطير: "سأقتلك أيها اللعين." جلس مجدداً ووضع سيفه وتتره بجانبه على مقعد آخر. وامتلأت المقاعد حوله بمجسمات البشر مرة أخرى. "أرني كل اللاعبين الذين يمتلكون خاتم الوميض ويفهمون كيف يعمل." تلألأت المجسمات واستُبدل بها ثلة قليلة من الناس. "أحتاج إلى أن يوضح لي أحد كيف يعمل خاتم الوميض." التفت شبه كل شخص لينظر إليه مباشرة. كان هناك رجل ذو سمرة كراميلية ووشوم على ذراعيه وشعر محلوق، يأكل قطعة لحم غنم؛ وامرأة آسيوية ذات شعر حريري أسود يبلغ كتفيها، تحتسي النودلز من كوب رامين زهيد؛ ورجل أعمال أملس الوجه لا يزالان في بزتيهما، بدا أحدهما اسكندنافياً والآخر بريطانياً ربما؛ وأخيراً، امرأة ربطت شعرها الداكن في ذيل حصان طويل كانت تشرب مخفوق حليب وردياً. سأل الرجل ذو الشعر المحلوق لكنجة إسبانية: "ألديك ما تتبادله؟" سأل آدم: "متبادلة؟" بدا جلياً الخيبة في عيونهم فما لبثوا جميعاً إلا واحداً أن تلألؤوا واختفوا. سألت الشخص الوحيد المتبقي، وهي المرأة ذات ذيل الحصان: "أأتو للتو إلى الحانة؟" فأوضح: "نجل، قضيت بعض الوقت أتطلع في السوق والحديقة." "حديقة؟" "إنها على الجانب الغربي، وهناك خيمة فارغة تبدو كأنها تخفي أسراراً." فحذرته: "لا ينبغي أن تمنح المعلومات مجاناً." "لماذا؟" تلألأ مجسمها وظن أنها أخذت المعلومة وفرت. ثم ظهرت مجدداً أمامه مباشرة. كانت ترتدي قميصاً رمادياً فاتحاً ضيقاً بأكمام طويلة. وقالت بوضوح إنها غير سعيدة بذلك: "في الساعات القليلة الماضية فقط، أُنشئ نوع من نظام التداول. في البداية شارك الجميع ما عرفوه مجاناً، ثم انتشرت فكرة أن للمعلومات قيمة. لذا، يستخدم معظم الناس ممن يكتراثون بالنجاة معرفتهم كعملة. ويبدو تصميم الحانة مشجعاً لهذا أيضاً..." عبس آدم. "لم لا يساعد الناس بعضهم بعضاً؟ فنحن جميعاً نتحارب من أجل الهدف ذاته." أومأت. "لم تريد معرفة خاتم الوميض؟" مد يده عبر الطاولة إليها ليخبرها: "أنا آدم." أعطته نظرة ريبة وقالت: "لا يمكننا لمس بعضنا في الحقيقة." "لا أبالي، تظاهري بمصافحتي على الأقل." مدت يدها وتظاهرة بالحركة معه. "وأنا ويلو." لاحظ لكنتها أخيرًا. كانت أسترالية. فحثته قائلة: "إذن؟" قال: "أمتلك قفاز المبارز." "لا أدرى ما ذاك." "يسمح لي بشحن هجمة تخترق الدروع." اتسعت عيناها. "سيتوافق ذلك جيداً مع الخاتم." "تماماً. رأيته في السوق، لكني لا أملك أدنى فكرة عن طريقة عمله." وصلت تشارلي النملة بغتة ومطعمها. وبدت ويلو قادرة على رؤية كل ذلك. "لابد أنك جائع. تلك الكرواسونات تبدو شهية." "إنها من مكان يدعى مخبز جيميسون. يجدر بك أن تطلبي من تشارلي إحضار بعضها إليك." التفتت ويلو وشرعت تتحدث إلى شخص لم يستطع آدم رؤيته. كما تعذر عليه سماع ما تقول. رفع آدم كرواسونة أمامه وقضمها. فتفتتت وقرمشت قليلاً، لتملأ فمه بالمعجنات الزبدية وتعيده إلى أيام خلت، حين تذوق إحداها لأول مرة في المكتب بفضل شارون. سألت ويلو بغتة: "أتبكي؟" فأجاب: "إنها دموع الفرح." "لابد أن تلك الكرواسونة شهية حقاً." أومأ وهو يأخذ قضمية أخرى. "حسناً، خاتم الوميض إذن. إنه غريب للغاية وأبله نوعاً ما. لدي قوس، لذا فهو يعمل فعلاً مع الهجمات المشحونة، إذ يُعد سحب الوتر بمثابة «شحن» له. لست أدري إن كان ذلك مقصوداً. على كل حال، إن رمشت، يُطلق الوتر فوراً وينتقل السهم آنياً نحو الهدف." أنهى آدم القضمية الأخيرة من الكرواسونة، ثم مسح الفتات عن وجهه. فأجاب: "يبدو ذلك قوياً." "بالطبع، إن استطعت إصابة أي شيء به. من الصعب بعض الشيء التصويب حين يتوجب عليك رمش كلتا عينيك للإطلاق. كما أنه يتفعل مع كل الرمشات، لذا عليك تعلم التحكم في تلك الرغبة. كدت أحدث ثقباً في قدمي لأنني لم أدرك ذلك." "أيجعل سهامك أسرع؟" "لا أظن ذلك، إذ أن الارتطام والضرر متطابقان. يبدو أنه يلغي وقت الرحلة فحسب. لكنه يعني أنك لن تحتاج إلى إزاحة رمياتك كثيراً، وهذا مفيد. ألديك قوس أيضاً؟" رفع آدم سيفه وتتره. "لقد اخترت المدافع." أجابت ويلو: "خيار آمن. أظن أن أكثر من نصف الناجين اختاروا ذلك." فسأل: "أسمعت كم شخصاً نجا من المرحلة الأولى؟" "نجل... أظن أن إخوتي جميعاً أموات. لا أحد يظهر حين أبحث عن عائلتي." عبس آدم. "وأنا كذلك. أسالفت صندوق الخردة عن «الاحتجاز المؤقت»؟" أومأت وقد غشيت ملامحها غيمة داكنة. "حاولت قتله باستخدام قوسسي. لقد أصبته فعلاً، بفضل خاتم الوميض، لكن سهمي ارتد فحسب." ابتسم آدم من الأذن إلى الأذن. كان هذا ما يرجو معرفته. وبما أن متعدد الأوجه يستطيع الانتقال آنياً، فإن امتلاك ما يجعل هجماته آنية قد يمكنه من إصابته. وإن أُضيفت جودة اختراق الدروع في قفازه إلى المعادلة... "شكراً لك يا ويلو. سأذهب لأحظى بالخاتم." "يجدر بك التدرب عليه في منزل اللاعب. فهناك دمية تصويب هناك. أيضاً، إن قتلت صندوقك، فعد وأعلمني." ابتسم. "بالطبع." بحيوية متجددة، حشا آدم قطع الدجاج المقرمشة في فمه وأتبعها بالقهوة، قبل أن يطوي بيتزا الأناناس ويأكلها كبوريتو. قالت ويلو: "أه، لم تقطع الاتصال." رفع بصره عن طعامه ورماها بنظرة مذهولة، فانفجرت ضاحكة. وقالت وسط ضحكاتها: "وداعاً يا آدم." ثم تلألأ مجسمها واختفى. وبعد أن أفرغ قهوته وابتلع آخر قطرات البيتزا، ركض آدم من الحانة باتجاه السوق.
"سأشتري خاتم الوميض"، قال للعنكبوت لوتشا. بعد أن أمضى بعض الوقت يتحدث إلى إنسان آخر، بدا له ذلك المخلوق أشد رعبا من ذي قبل. وبذل قصارى جهده كيلا ينظر إلى عينيها السوداوين. "سيكلفك ذلك ثلاثمئة نقطة"، قالت بنبرة تغمرها البهجة. "كيف أدفع لك؟" [يكفي أن تنطق بقبولك الصفقة]، أعلن المكعب. "اتفقنا"، قال.
تم شراء الأثر خاتم الوميض (غير شائع) تبقت 15 نقطة
ظهر الخاتم حول سبابة يده اليسرى. بدا أن القفاز منعه من ارتدائه في يده اليمنى، وكان ذلك غريبا. كان خاتم الانتقال الخاطف حلقة عاكسة بلون الحديد الرمادي، نُقشت عليها عين منمقة صغيرة ملئت بالأسود. قال له العنكبوت: "عد حين تملك مزيدا من النقاط." لم يجبه آدم، واتجه مباشرة إلى بيت اللاعب شرقا. كانت الشمس توشك على الغروب، وكان جزء منه يريد أن يعرف إن كان شكه في أمر الخيمة القائمة في الحديقة صحيحا أم لا، لكن جزءا آخر كان يعلم أن ذلك ليس أهم ما ينبغي أن يشغله الآن. إذا كان ما قالته ويلو صحيحا، فسيتمكن من إصابة شيتبوكس بضم أثر خاتم الانتقال الخاطف إلى أثر قفاز المبارز. تُرى ماذا يحدث حين أقتله؟ إن لم يكن سوى واحد من عيون لا تحصى، فمن المرجح أن يرسلوا لهم بديلا. أو لعلهم يعدمونني عقابا... تبّا. سأفعلها مهما يكن. أرفض أن أؤدي دورا في هذه اللعبة السادية. وسواء أكان ذلك ناجما عن الجهل أم الغرور، فقد ظل المكعب الرباعي الأبعاد يحوم خلفه غير مكترث بشيء. لم تخفه عزيمته، لأنه كان يعتقد أنه محصن ضد الضرر. وبالطبع، كان يملك القدرة على اجتياز الأبعاد ونقله إلى أي مكان يشاء. ومن وجهة نظره، لا بد أن آدم بدا كحشرة صغيرة مثيرة للشفقة تنقر جدران القفص الذي علق هو فيه. عرف آدم أنه لا بد أن يكون أبعد ما يكون عن أول من دبر لقتل الصندوق الذي يجسد قسوة الاختبارات، لكنه ظن أنه ربما كان الشخص الوحيد الذي حاول الجمع بين هذين الأثرين لتحقيق ذلك. ففي نهاية المطاف، كان أي شخص يأخذ هذه الاختبارات على محمل الجد سينفق نقاطه على شيء أفضل، كالقوارير، أو إعادة الاختيار، أو آثار أكثر تعقلا مثل تفاحة الشفاء. وما جعله واثقا حقا من أن نظريته لم يختبرها أحد هو أن قلة قليلة فحسب من جميع من كانوا في الحانة ويحملون خاتم الانتقال الخاطف بدوا أنهم فهموا كيفية استخدامه. وكان من شبه المؤكد أنهم حصلوا على الأثر من مكافأة الزعيم، إذ لم يكن من المرجح أن ينفق أحد نقاطه على شيء كهذا في السوق، ما يعني أن أيا منهم لم يكن يملك النقاط اللازمة لشراء القفاز حتى لو ظهر في قائمة البائع. وبالطبع، كان كل ذلك قائما على التخمين وعلى افتراض استحالة الحصول على خمسمئة نقطة من المرحلة الأولى، لكنه مع ذلك شعر باليقين. انفرجت المباني الرثة عن رقعة عشبية مستديرة تتوسطها دار صغيرة ويحيط بها سياج خشبي بني. وفي الرقعة المسورة نمت شجرة تفاح تشبه نسخة أصغر من تلك الموجودة في الغابة السحرية. وبجوارها قفز هلامي صغير بحجم كرة تنس. كان البيت شبيها إلى حد كبير بالمباني الرثة الأخرى في الجزيرة، بسقف مستدير بلون القش البني، وجدران بيضاء تتخللها خطوط سوداء تشبه الشمع الذائب. كانت فيه نافذتان وباب بني. [هذا هو بيت اللاعب. يضم مخزنا للآثار، ودمية تدريب، وسريرا للتجدد. وستعرض هنا أيضا جميع الأوسمة التي تكسبها. وفي الحديقة المحيطة بالبيت ستظهر نسخ وديعة من الأعداء الذين تصادفهم في الاختبارات.] سأل: "أوسمة؟" [ستمنح إنجازات الإتقان والإنجازات في صورة كأس يظهر داخل بيت اللاعب، إلى جانب جوائز ملائمة ستكون عونا لك في تقدمك عبر اختبارات التحدي.] قال: "مثل ماذا؟ ألا يمكنك أن تعطيني مثالا؟" [عليك أن تكسب وساما أولا حتى أقدم لك مزيدا من المعلومات عن الموضوع.] عقد آدم حاجبيه. "كما تشاء." راقب الهلامي بحذر وهو يعبر بوابة السياج ويمضي فوق العشب. ثم فتح الباب ودخل، فاكتشف أن بيت اللاعب كان أكبر بكثير من الداخل، على غرار الحانة. كانت الجدران والأرضية والسقف كلها مصنوعة من الخشب البني الفاتح، وكانت المساحة في الداخل تبلغ ربما مئة متر مربع. والغريب أنه رغم ظهور النوافذ على الواجهة، لم تكن لأي من الجدران الداخلية نافذة واحدة. كان السرير كتلة ضخمة في الزاوية، إلى جوار مجموعة من الرفوف والحوامل والدمى الفارغة التي بدت قادرة على ارتداء أي من الآثار التي لن يستخدمها. وكانت هناك أيضا حوض استحمام كبير بحجم حوض جاكوزي، لم يذكره شيتبوكس. وأخيرا، في الزاوية المقابلة للسرير، وقفت دمية هدف وحيدة. كانت في الأساس مجرد رجل مصنوع من القش. اقترب آدم منها، وسحب نصله من غمده. [هذه دمية تدريب. وهي حاليا في حالتها الافتراضية. ويمكن تغييرها إلى محاكاة لأعداء سبق أن واجهتهم. دفاعاتها نسخة مطابقة تماما لدفاعات أي عدو تحاكيه.] سأل: "هل يمكن ضبطها على مهاجمتي كي تحاكي قتالا حقيقيا؟" [لا. لكنها تستطيع أداء حركات مراوغة للمساعدة في التدرب على الأسلحة والهجمات بعيدة المدى. هل تريد ضبطها على حالة المراوغة؟] قال: "لا. هكذا تكفي." اقترب آدم منها بالقدر الذي يتيح له بلوغها إذا أرجح سيفه بصورة طبيعية. ثم شد قبضته على مقبض سيفه، وفعل قفاز المبارز. فانتقل خاطفا من غير قصد. وحين فتح عينيه، كان نصف الدمية السفلي قد انفصل عنها. فسقطت إلى الخلف. وقبل أن يتمكن من السؤال إن كانت تصلح نفسها، ومضت مثل الصور المجسمة في الحانة، ثم تجسدت من جديد في شكلها الأصلي. وبما أن فترة انتظار القفاز كانت دقيقة، قضى وقت الانتظار محاولا إصابة صدر الدمية بنصله وعيناه مغمضتان. وكان ذلك أصعب بكثير مما ظن. وحين أصبح القفاز جاهزا من جديد، فتح عينيه وحاول مرة أخرى، باذلا قصارى جهده لتأخير رمشته حتى اللحظة المثالية. انتقال خاطف. اكتملت الضربة قوسها في الحال، من دون أن يشعر بذراعه تبذل جهدا ملحوظا، ومن دون أن يصدر أي صوت عن النصل وهو يشق الهواء. يا له من أثر سخيف ومرعب في آن، فكّر وهو يشاهد الدمية تنفلق من المنتصف إثر ضربته الصاعدة. ارتطم نصفاها بالأرض في ضربتين متتاليتين سريعتين. [مثير للإعجاب. إن تحقيق التناغم بين الآثار عنصر جوهري في اجتياز اختبارات التحدي.] تجاهله آدم. انتظر حتى يحين دورك.
واصل آدم التدريب قرابة ساعة، وجرب أنواعاً مختلفة من الهجمات المشحونة كلما انتهت فترة انتظار القفاز. لم تكن إصاباته دقيقة تماماً، لكنها كانت جيدة بما يكفي للمراهنة عليها. بعد أن ظل يتدرب كل ذلك الوقت، عرف بالضبط أي هجوم سيستخدمه ضد المكعب رباعي الأبعاد. كان الهجوم أخطر، لأن إصابته أصعب، لكنه قرر تجربة طعنة مشحونة ليصيبه في عينه. لم يكن يعرف إن كان تأثير الاختراق في القفاز سينفذ في جسده الرباعي الأبعاد كله، وقد أدرك من تدريبه أن الطعن يتفوق على سائر الهجمات من حيث السرعة. كما أن حركته أقل قابلية للتنبؤ، تحسباً لأن يكون المكعب قادراً على استبصار نيته والانتقال فوراً قبل أن يتمكن من تفعيل ضربة الوميض. أرغب نوعاً ما في الذهاب إلى الخيمة القائمة في حديقة الزهور أولاً، لمجرد إشباع فضولي. هز آدم رأسه. لم يكن الأمر مهماً. سأل محاولاً تشتيته: "يا صندوق الخردة، ماذا يمكنني أن أتوقع من مرحلة الغد؟" ابتعد عن دمية التدريب التي دمرها أكثر من خمسين مرة، وخفض سيفه كلما اقترب من المكعب رباعي الأبعاد. [اعتبر النظام أن من الظلم الكشف عن مثل هذه المعلومات مسبقاً.] أغمض آدم عينيه ثانية كاملة قبل أن يفتحهما. ثم بدأ يضغط على مقبض سيفه. قال: "لا يمكنك حتى أن تخبرني باسم المرحلة؟" [لا.] سرت الحرارة في ظهر يده، وبدأ قفاز المبارز يتفعل ويغير ألوانه. سأل، من دون أن يكون مهتماً حقاً بالإجابة: "لماذا تصر الاختبارات إلى هذا الحد على الإنصاف؟" كان المكعب رباعي الأبعاد يحوم على مستوى عينيه، على بعد مترين فقط، ويحدق مباشرة في وجهه. شد آدم ساعده استعداداً لطعنة اندفاعية من أسفل. [لقد قرر النظام الشامل الرؤية أن—] ومض. أظلمت رؤيته في الثانية التي أغمض فيها عينيه. وحين فتحهما من جديد، كان ذراعه ممدودة إلى أقصى حد، ممسكة بالسيف مستقيماً تماماً. وفي نهاية النصل، كان المكعب رباعي الأبعاد مغروزاً حتى العين. ولعل ذلك عائد إلى خصائصه البعدية، فلم يبرز طرف السيف من مؤخرة جسده الصندوقي. لقد أصبته! [أوررر—] تأوه المكعب رباعي الأبعاد بصوت عميق إلى درجة جعلت نفس آدم ينحبس في صدره، وأربكت قلبه حتى تعثر نبضه. ثم انفجر. لكن الانفجار لم يكن كأي انفجار عادي. لقد وقع في بعد يتجاوز الأبعاد الثلاثة التي يستطيع مراقبتها. قذف سيفه بعيداً، فانغرس في السقف فوقه. وتحول الهواء الذي كان المكعب يحوم فيه إلى شق مسنن في نسيج الواقع، بينما عبرت تموجات موجة الصدمة جلده مراراً، كأنها تتحرك في حركة بطيئة. كان الإحساس غريباً، أشبه بأن الانفجار جمد جسده كله وأوقف قلبه. سعل آدم، وتذوق طعم النحاس. رفع نظره من الشق الماثل أمامه، فرأى شظية كبيرة مسننة من زجاج أسود نافذة عبر جذع قميصه الأبيض. كان سطحها العاكس يظهر ألواناً لم يرها داخل الغرفة، كأنه يعكس مجرة جميلة تمتد خلفها. خانته ساقاه، وارتد رأسه مرة حين اصطدم بالأرض. ظل راقداً هناك عاجزاً عن الحركة، بينما راحت بركة من دمه تتشكل حوله. ارتجفت الأرض. فرقع الهواء. وانفك نسيج محيطه كما تنفك خيوط سترة حين يعاد حلها بعنف. ثم غطى الظلام العالم.
انفتحت عين في الظلام، وكانت حدقتها هيئة رجل. اقترب الرجل من آدم، الذي كان يطفو في العدم. كان شعره بنياً أشعث. وله ذقن حاد وحاجبان كثيفان وعينان كهرمانيتان تعكسان مشهداً متبدلاً من ألوان لا يراها أحد. وكان جسده، من عنقه إلى أسفل، مكسواً بالظلال. ولعله ظل في ذلك الظلام زمناً طويلاً، إذ استغرقه الأمر بعض الوقت ليدرك وجه من كان ينظر إليه. كان وجهه هو.
آدم
فتح آدم عينيه مع شهقة، فرأى الطحلب ممتداً أمامه. وكان جذع شجرة بني اللون يلوح على مسافة أبعد، فيما ملأ زقزاق الطيور أذنيه. كان شيء أسود معدني يتفتح قريباً منه، لكنه لم يستطع التركيز عليه. ماذا...؟ تصاعد أزيز الطنين في أذنيه حتى طغى على زقزقة الطيور، وخفق نبض قلبه في صدغيه وأصابعه وأصابع قدميه. هل مت الآن...؟ لكن ذلك الشيء المظلم الذي كان يقلدني... هل أعادني إلى الحياة؟ هل عدت إلى بداية الاختبارات؟ [فشلت في اختيار فئة خلال ستين ثانية. تم تعيين فئة "الأحمق" لك تلقائياً.] تمكن من التمتمة قائلاً: "ماذا؟"، فيما ظهر حول معصمه الأيمن سوار من كرات خشبية مربوطة بخيط. وبدا أن داخل كل كرة حصاة صغيرة، إذ راحت تصطك بجنون. ما الذي يحدث بحق الجحيم؟
تم اختيار الفئة. القتال باليدين العاريتين.
حالة اللاعب. "آدم فيشر". الأحمق. المستوى 0. الإحصاءات. الصحة: 50. التحمل: 200. المانا: 0. الضرر: 200%. الدفاع: 50%. السرعة: 200%. الحظ: 25.