عاد آدم إلى بيته ومشى متجاوزاً شجرة التفاح في حديقته ليتوقف أمام البئر.
سألته فيشر وقد ظهرت من العدم: "أستنزل إلى الأسفل؟".
كان درعها الأملس وغطاء جناحاها قد قطرا ماء البركة في أنحاء الحديقة كلها مخلفين أثراً ممتداً حول جانب المبنى.
فسأل بدوره: "أكنتِ تنوين اللحاق بي؟".
فأجابت: "ليس تماماً. أردت فقط أن أتحقق إن كنت تريد شراء صنارة صيد".
فقال وهو يريد معرفة السبب حقاً: "وما فائدة ذلك؟".
"حسناً، يمكنك الصيد وإحضار كل ما تصطاده إلي. قد تكون هذه طريقة جيدة لتنفيس بعض الغضب ربما".
"في المراحل التي يريد فيها الوحوش قتلي وفريقي؟".
"أجل".
ضحك آدم وقال: "وكم سيكلفني هذا؟".
"حسناً، لدي صنار صيد مختلفة. لا أستطيع أن أبيعك سوى النسخة المبتدئة الآن، وهي تساوي مئتين وخمسين نقطة. ولكن كلما صِدت أكثر، أمكنك الترقية إلى صنار أفضل. أليس هذا رائعاً حقاً؟".
"إذن، أتشترين السمك الذي أصطاده فحسب؟".
"بالتأكد!".
فسأل: "ولماذا؟".
هزت فيشر كتفيها وقالت: "لا علم لي. ولكن هذا ما أفعله".
هز آدم رأسه مبتسماً وقال: "حسناً، لن أرفض المزيد من النقاط، ولكن لدي بعض الأمور لأنجزها ولا زال علي زيارة السوق، فلقني عند النافورة خلال ساعتين أو ثلاث".
رفعت فيشر ذراعها اليمنى بحماس وقالت: "رائع! زبون أخيرأً!".
أتوجب علي القلق حيال رد فعل كهذا؟ أمن المستحيل أن يكون هذا البائع مصمماً للاحتيال علي، أليس كذلك...؟ عادت خنفساء الماء متهدجة نحو بركتها وغطست فيها رأس أول، لتختفي عن الأنظار. واختفى لحنها الغريب برفقة جسدها. يجب أن أكتشف كيف تفعل ذلك لأتمكن من التصدي له. يبدو التمكن من الإفلات من قدرتي على التتبع عبر مجرد السباحة أمراً سهلاً للغاية، وقد يمثل مشكلة في المرحلة القادمة، إذ ستكون مليئة بالماء والوحوش السباحة فيه.
بعد أن رقبها وهي تغادر، نزل آدم إلى البئر مخلفاً وراءه مكعبه الذي رفض اللحاق به. وراح يتلمس الطريق في القاع حتى عثر على المفتاح، وبعد أن أدارة وفتح المدخل السري، ولج إلى الغرفة المستديرة المحاطة بستة حوامل شموع مضاءة تحيط باللوح الحجري الدائري رمادي اللون في المنتصف. فعل خواتم دمه ليجلب ما يكفي من المواد اللازمة للتعويذة، ثم رسم الخطوط فوق اللوح. وما إن أكملها، ركع خارج اللوح ووضع يديه على الرمز الذي صنعه.
ومع سريان القوة خلاله، ارتفع النمط عن الحجر متخذأً شكل مجلد مفتوح. تجمد الهواء تزامناً مع تفعيله، ثم دوى صوت حارس المجلد من الداخل.
قال: "لقد عُدت باكراً عما توقعت، ومعك الكثير من المعرفة التي أود مقايضتك بها بسرور".
قال آدم: "أحتاج إلى طريقة للتحرر من السيدة المجلودة. وفي المقابل سأخبرك كيف تظل متقدمة عليك بخطوة دائماً".
"إنه لطلب جريء، والأجرأ منه ادعاء امتلاك المعرفة".
"لا أعرف كيف، لكنها تقول إنها تستطيع استشعار دم نظام الكلي الرؤية، أو 'الرائي' كما تسميه. وقالت إن الكلي الرؤية نفسه يمتلك دماً".
فأجاب حارس المجلد: "هراء. المراقبة هي البصر ذاته. والبصيرة متجسمة. والوحي متخذ شكلاً. القدرة على الإدراك والإدراك. أساس المعرفة ذاته".
حل صمت وجيز.
ثم أضاف الحارس متراجعاً عن كلامه: "لا. قد يكون ذلك ممكناً".
"يُقال إن كل الأعيان في الكون المعروف مرتبطة بعظمة المراقبة. لم أرى عينيها بنفسي، لكني استدعيت قوتها ذات مرة قبل صعودي. تكفي نظرة المراقبة المباشرة لتويه ما تلمسه، دافعة الرجال نحو الجنون، وممزقة الواقع لتسمح لنسل الفراغ بالتسرب عبر الحجاب. توجد قوة عظيمة في عينيها، لدرجة أنه حين تلاقت أحكامها وبصيرتها، انفرطت عين من وعي المراقبة، لتصبح المطلق المعروف باسم ميسيمير".
"ظننت دوماً أن عينيها ليستا أشياء مادية، بل مجرد مفاهيم وتجريدات. لكن ربما كان ذلك مجرد وهم من جانبي. كما تعلم، فالمراقبة بالنسبة لي هي أساس كياني. أن أؤصد أن عظمة كهذه قد تمتلك شكلاً ماديأً، يبدو أمراً مستحيلاً. فبعد أجمع، كيف يمكن احتواء قوة كهذه في وعاء من لحم ودم؟".
"لكن لا بد أنه حقيقي. فلا توجد طريقة أخرى لتفسير كيف نجحت الخائنة دوماً في تفادي غضب المراقبة".
"شكراً لك يا آدم، فالبصيرة التي منحتني إياها نادرة حقاً. لقد ساعدت في كشف نقطة ضعف في نظرياتي واستراتيجياتي".
وعلى الرغم من أن آدم أدرك مدى عمق تلك المعرفة، إلا أنه لم يتوقع أن يشكره المطلق مباشرة ويعترف بقصوره الخاص.
قال آدم: "لقد رأيت عين نظام الكلي الرؤية. عدة مرات في الواقع".
فصححه حارس المجلد قائلاً: "ليست عينه الحقيقية. لن تفهم الفارق حتى تعاين قوة نظرته. ما رأيته لا بد أنه كان نسخة مطابقة. فهي لا ترمش في لعبتها الكبرى إلا على أولئك الذين يرغبون في اجتياز الدوامة من جديد".
فجأة، بات وصف إميليا للعين الآكلة لنفسها وكيفية الحصول عليها منطقياً بالنسبة لآدم. لم يكن قادراً على فهم سبب ضرورة خدعة الموت تماماً بناء على وصفها، لكنه بات يفهمها الآن بفضل الحارس. إذ كان التحدي المنتظر لكل من يرغب في الحصول على الأثر السماوي هو النجاة من نظرة الإدراك. تلك النظرة كانت بصر نظام الكلي الرؤية، مراقب العوالم، الرائي، وكان النجاة منها مستحيلاً من دون هلية لخداع الموت نفسه.
عقب حارس المجلد وهو قادر بشكل ما على استيعاب إلهام آدم: "المعرفة مفتاح. ومعرفة القفل الذي تخصه ليس بالأمر السهل دائماً، وأحياناً يتطلب الأمر اكتشافاً جديداً لتدرك أنك كنت تمتلك المفتاح الذي تبحث عنه منذ زمن. يغير المنظور والسياق قيمة المعرفة، مما يعيد تأطير ما تعرفه سلفاً ويمنحه شكلاً جديداً".
"والآن، وضعاً هذا في الحسبان، أخبرني بدقة بما ترغب في تلقيه مقابل مقايضتك".
"أريد منك أن تخبرني بأسهل وأكثر الطرق فعالية للتخلص من عبادة السيدة المجلودة. فهي تدفعني بنشاط نحو ما هو أسوأ من الموت، ووعدت بأن تسلبني ذكرياتي أو تحورها إلى شيء سيء إن فشلت معها".
تعلم آدم من صفقاته السابقة مع الحارس أنه بحاجة إلى تحديد ما يريد معرفته بدقة شديدة. فقد علمه أحدهم طريقة معقدة للغاية لتحدي المذبح المحرم، بينما كانت هناك طريقة أبسط بكثير موجودة بالفعل.
"من قاعدة المراقبة أن يشرع المشاركون النشطون في التجارب في عبادة مطلق ما. ليس مفترضاً أن يكون تفادي هذا ممكناً، ولكن لا توجد قيود على مقايضة عبادتك بعبادة مطلق آخر. ضع في الحسبان أنك لن تجد أي مطلقات مستعدة لتحمل هذا العناء نيابة عنك، ما لم تكن معارضة لراعيك الحالي. أنت محظوظ من هذه الناحية، فالخائنة لا حلفاء لها".
أثار ذلك اهتمام آدم. وتذكر أن إميليا قد ذكرت تبديل الرعاة، لكنه افترض أن ذلك لن يكون ممكناً إلا بعد إتمام المرحلة العاشرة.
فسأل: "كيف يعمل ذلك؟".
فأجاب الحارس: "لا يمكن أن يحدث ذلك إلا مرة واحدة نظراً للمتطلبات".
فسأل آدم: "حجر الملك؟".
"بالتأكد. إنه بالنسبة المطلقات كاللؤلؤة الجميلة من التأثير المكثف. وكلما تلقينا المزيد، نمت قوانا أكثر. وكل حجر ملك على حدة هو جزء من جزء، بالكاد يوازي حبة رمل في صحراء من حيث القوة، ولكن مع مرور الوقت والاجتياز المستمر للدوامة، تصبح كل حبة جبلاً. وقليل من المطلقات من يمانع التضحية بحجر واحد إن كان ذلك يعني تحقيق ميزة في المضي قُدماً".
فسأل آدم متفاجئاً: "أتقصد أنني سأكون تلك الميزة؟".
"لا تظن أن الآخرين لم يلاحظوك. وحتى مع إصلاحات مسافر العتمة، فإن التموجات التي تركتها خلفك واضحة لكل من يعير الأمر انتباهاً. وحدك تمتلك القدرة على ترك تموجات عبر أكثر من كون واحد، ومع الوقت الكافي، قد يتحول التموج إلى موجة. وتكمن في تلك القوة إمكانية اجتياح تسونامي للصحراء، معيداً ترتيب كيفية تجمع حبيبات رملها الصغيرة".
كافح آدم لاستيعاب المعنى تماماً، لكنه كان متأكداً إلى حد ما أن الحارس كان يقول إن المطلقات مهتمات به لأنه يستطيع العبور عبر العوالم ونشر تأثيرها إلى أبعد حد يمكن لأي شخص إنجازه في كون واحد باستخدام العين الآكلة لنفسها. لكن اهتماماً كهذا لم يكن أمراً مفيداً تماماً، وخاصة لآدم الذي كان يود فقط العثور على أصدقائه والهرب من التجارب.
"إذن، كيف يعمل ذلك؟ كيف أتحول إلى عبادة مطلق آخر؟".
"ما إن تجعل حجر الملك كاملاً، يجب أن تستدعي نظام الكلي الرؤية وتعلن حقك في تغيير مصيرك بنفسك. ثم، عند القمة، يجب أن تعيد تقرير مصيرك المختار، لتشرع بذلك في عبادة آخر".
فسأل آدم: "أيعني ذلك أنني أستطيع فعل ذلك بعد المرحلة التاسعة؟".
فأجاب حارس المجلد: "لا يمكنني قول ذلك. وما مسموح لي بشرحه هو أن إعادة التموضع القسري هذه لمصيرك ليست بلا عقاب. فانتزاع المرء لنفسه بعيداً عن مطلق ما يعني اكتساب سخطه. ويزن جزء من قوتهم بداخلك، وما إن يتم جذبه بعيداً، سيكون الضرر اللاحق بوعائك كبيراً. وقد يكون مميتاً حتى".
فقال آدم: "تلك مغامرة أنا مستعد لخوضها. ولكن كيف نتجنب اكتشاف السيدة المجلودة للأمر؟ فهي تستطيع شم رائحة الخيانة من على بعد أميال".
"أي شيء يُقال أو يُفكر فيه أو يُكتب داخل هذه الغرفة محصور بالفراغ، وهو يحفظ أسراره في النسيان. لدي تعويذة مسموح لي بإلقائها عليك لتُذيب ذكرى ما قيل داخل هذا المكان. سألقيها عليك قبل أن تغادر، ثم على نفسي".
أدرك آدم ما كان الحارس يلمح إليه فقطع جزءاً من قماش سرواله الجينز. وكان على وشك استخدام دمه للكتابة عليه، لكنه أدرك حماقة ذلك، مفضلاً استخدام السقاطة المنبعثة من أحد حوامل الشموع بدلاً من ذلك.
فكتب بدقة ما يريد لنفسه فعله بعد المرحلة التاسعة، ثم طوى القماش، وكتب على أعلاه: "لا تفتحه! اخزن هذا في صندوق حفظ الآثار وطلب من المكعب إعادته إليك بعد المرحلة التاسعة".
ثم وضع القماش المطوي أمامه.
"حسناً، أنا جاهز".
ضحك حارس المجلد فجأة. كان صوتاً أجوف، رغم أنه حمل مرحاً حقيقياً.
"معذرة، لم أشعر بهذا الحماس تجاه استراتيجية ما منذ وقت طويل. أتمنى أن تقدر أنت أيضاً عظمة هذا المسعى. فصيتك سيصل بلا شك إلى كل زاوية في الكون. فبعد أجمع، لم يكن هناك قط من تحدى الكلي الرؤية وخان الخائنة".
ثم انبعث صوت رنين غريب من المجلد. كان اللحن شيئاً ماديأً، فاصطدم مباشرة بجبهة آدم، مما جعل رؤيته تتبدل إلى البياض. ماذا كنت...؟ نظر آدم حوله ولاحظ المجلد العائم من الدم فوق اللوح الحجري. مقايضة التبحر؟ أُغلق المجلد فوراً وتحول الدم إلى رماد. أتراني فشلت في إجراء صفقة وفقدت المعرفة نتيجة لذلك؟! حاول آدم التذكر، مستخدماً حتى تفويض الدم لفتح لحنه الخاص، لكن محاولاته باءت بالفشل.
ثم رأى قطعة قماش مطوية أمامه. قرأ النص الموجود في الأعلى فتكونت لديه فكرة جيدة عما قد يكون حدث. التقط آدم القماش وغادر الغرفة دون فتحه. تسلق بسرعة عائداً إلى السطح ودخل منزل اللاعب الخاص به، متجهاً نحو صندوق حفظ الآثار ووضع المذكرة داخله. يا لتساءلي لم اخترت هذا الصندوق تحديداً. أيكون ذلك لأن شخصاً آخر قد يكتشف الرسالة بطريقة أخرى؟ تأمل آدم الاحتمال للحظة. ربما تعمل سيلفيا لصالح السيدة المجلودة إن أُجبرت على ذلك.
أظن أن الأمر مهم بالقدر الذي يجعلني أتخذ أكبر عدد ممكن من الاحتياطات.
بعد إغلاق غطاء الصندوق، تراجع آدم خطوة للوراء وقال لمكعبه: "بعد عودتي من المرحلة التاسعة، أريدك أن تحضر لي القماش الذي وضعته للتو داخل الصندوق".
[مفهوم].
تفاجأت لنجاح هذا الأمر. إنه يطرح الكثير من الاستراتيجيات البديلة المثيرة للاهتمام مع ذلك. ومن المؤكد أنه سيكون مفيداً إن تعاملت يوماً مع مواقف قد أفقد فيها ذكرياتي. نظر آدم عبر غرفته، ليرى عصا خشب الطفو معلقة على رف الأسلحة. سأضطر للعبث بها لاحقاً. يجب أن أتفقد بيك أولاً. نزل على السلالم إلى مطعم البناء السفلي واتخذ مقعداً.