مغادرة الأرض الفصل 7 — الدورة 2، الأربعاء 23 مارس 2133

اقرأ مغادرة الأرض الفصل 7 — الدورة 2، الأربعاء 23 مارس 2133 باللغة العربية على مانجا تايم.

حين خرجت من حجرة السبات مجدداً بعد أربع وثلاثين سنة، تمكنت من قضاء بعض الوقت في تأمل يومي السابق. أشعر أنني حسنت صنعاً في استكشاف خياراتي وتفقد الأوضاع من حولي بقدر جيد. وأعددتُ فطوراً لا بأس به أيضاً. تطلب الأمر عناء كبيراً لإخراج الأشياء من المخزن، لكن كان هناك ما يرضي النفس في تولي إعداد طعامي بنفسي وبيدَي هاتين. مع ذلك، لا شك في أنه كان هناك بعض الهدر غير الضروري في هذا الفعل والذي كانت آلات معالجة الطعام التابعة لتي. آي. إيه لتقوم به بصورة أفضل وأقل هضراً، لكن في نهاية المطاف تناولت كل شيء بل وحتى صنعت شريحة لحم لطيفة، وإن كانت صغيرة، في وقت متأخر من تلك الليلة. أشبه ما يكون بالتمرين الذي قمت به. كان هناك شعور مرضي في العمل وتحريك جسدي مما ساعد على تحفيز عقلي. أتساءل كم كان ليختلف حياتي لو أنني كنت أكثر وعياً بهذه الأمور في وقت أبكر مما كنت عليه. لقد أحسنت تيا مونزال صنيعاً بمحاولة تعليمي هذه الأمور، رغم أنه لإنصاف الحق فإن ثروتها كانت تميل إلى توجيه خطط عشاءنا نحو المطاعم. لكن بصدق، وجدت عرض الأماكن الفاخرة بشكل خاص وأجواءها عديمي الجدوى. لم يكن يبدو منطقياً بالنسبة لي وجود كل هذا البهو والمراسيم حول أمر بسيط كالأكل. فضلت كثيراً ذكرياتي عن تيا وهي تسخر مني في المطبخ بينما كنت أتعلم كسر البيض وأفرط في طهي الكثير جداً من قطع اللحم. لقد أتقنت الأساسيات على الأقل قبل أن أرحل. لماذا كان شيئاً ينبغي أن يكون بسيطاً كاتباع التعليمات صعباً إلى هذا الحد بالنسبة لي؟ أفترض للأسباب ذاتها التي جعلت الفيزياء النظرية سهلة بالنسبة لي، الميل الفطري وسنوات الممارسة. بينما كنت أنتظر اكتمال العملية، أدركت أنني لم أستطيع تمييز اللحظة التي توقفت فيها أفكاري ثم استأنفت، كأن وعيي كان يتوقف مؤقتاً لكن إدراكي له لم يشهد أي انقطاع. كنت خامداً حقاً، ولم تكن هناك طريقة لقطع مسافة السفر التي سنخوضها دون حدوث ذلك بالنظر إلى مستوى تقنيتنا. لم تكن هناك حاجة لتذكير نفسي بأننا كنا غير مجهزين بشكل مؤسف لخوض مثل هذه الرحلة بغض النظر عن التقدم الذي حققناه. استطعت فقط تخيل مدى اختلاف الأمر لو أتيح لنا قرن آخر لاستكشاف الأخطاء وإصلاحها، وتطوير معرفتنا بالدفع، وإنشاء مساكن اصطناعية أفضل. بدا هذا متعجلاً، وnict ومؤلماً بمعايير خيال علمي حاول زملائي جعلي أدركها. أكملت العملية بطريقة روتينية تماماً رغم ذلك، فعاد البصر إلى عيَني بينما استأنف نبضي ونشاط أعضائي. عاد الإحساس إلى جسدي مع زوال تأثير المهددات واستطعت بدء العمل على لوحة التحكم بجانبي. أطبقت عيَني قليلاً هذه المرة بينما فتحت أضواء غرفتي وأعدت ضبط الغلاف الجوي، مانحاً نفسي الفرصة لتعويد عيَني على مستويات الإضاءة. شعرت بالتعب، لكن ذلك كان متعمداً تماماً إذ إنني دخلت في السبات قبل أن أنام هذه المرة. أردت معرفة ما إذا كان النوم مباشرة بعد الخروج من حجرتي سيؤثر على جسدي. كان خروجاً هادئاً وسهلاً من حجرتي، ومهما كنت بليداً ومتخبطاً لم أضيّع وقتاً طويلاً في التوجه نحو سريري. كانت الغرفة لا تزال باردة قليلاً، لكنها أخذت تدفأ قبل طويلاً. كان ممتعاً التفكير في مدى عقم كل شيء هنا حتى دقائق معدودة مضت. "مساء الخير يا تي. آي. إيه، سأتوجه إلى السرير مباشرة. من فضلك راقي مؤشراتي الحيوية وقارنيها ببداية الدورة الأخيرة، ومقارنة نفسي بعد النوم على وجه الخصوص بنفسي السابقة بعد السبات." استغرقت تي. آي. إيه لحظة للرد، كأنها كانت خجلة من التحدث معي أو أنها لم تعتد التحدث بعد الآن. "مساء الخير يا هاوثورن، نم جيداً. أراك في الصباح." بينما تسلقت السرير وسحبت الأغطية، أدركت لفترة قصيرة فقط أن تي. آي. إيه استخدمت اسمي الأول قبل أن يبتلعني الظلام مرة أخرى. نمت بشكل رائع. استيقظت بطريقة طبيعية للغاية، دون الحاجة إلى أي نوع من المنبهات أو التنبيهات، ومع إقلاع عقلي بدا كل شيء واضحاً تماماً. لم أكن متأكداً تماماً من السبب، إذ لم يكن علم الأحياء سوى السعي جانبي بالنسبة لي في أفضل الأحوال، لكني أتخيل أنني نمت مهدئاتي بطريقة طبيعية أكثر بكثير بدلاً من محاولة تبديدها بشيء مثل القهوة. أخرجت سادتي من السرير ومشيت نحو دوشي المدمج مع القليل من التخبط الناجم عن النعاس أو عدم الارتياح. حرصت على أن تعد تي. آي. إيه منشفة وملابس بديلة على الطاولة، وتوجهت بلا تفكر إلى الدوش للاغتسال. كان الدوش مجرد روتين، حقاً. بالنظر إلى البيئة المعقمة وحقيقة أنني كنت في سبات حتى ربما قبل ثماني ساعات فلم يكن هناك على الأرجح الكثير مما يمكن أن يلوثني. بصصدق، بالنظر إلى الطبيعة المنعزلة نسبياً لرحلتي لم يكن هناك سبب كبير للاستحمام طوال الوقت بشكل عام باستثناء الحفاظ على روتين عملي. ربما كان هذا ما سأتشبث به، نظراً لكوني مخلوق روتين. بحق الجحيم، كان هذا هو السبب تماماً وراء اعتقادي بأنني أستطيع تحمل هذه المهمة في المقام الأول نظراً لأن الأمر يتطلب شخصاً شديد الانطواء وعملياً للنجاة من هذا العزل الطويل. ساعدت صحبة تي. آي. إيه بالتأكيد رغم ذلك. بمجرد أن اغتسلت، وحلقت، وجففت نفسي، وارتديت ملابسي، خرجت من مقري، متطلعاً حول لمعرفة ما فعلته أربع وثلاثون سنة بمنطقة عملي. بدت على حالها إلى حد كبير، رغم ترسب زوج من "دروع" الألواح الشمسية الكبيرة على الأرض فوق أكبر مصعد بضائع والتي كانت الأذرع الروبوتية في الجزء الخارجي من السفينة تتلاعب بها لتزويد الطاقة والدفاع عن السفينة ضد المقذوفات المحمولة فضائياً. بدا كلاهما متضررين بشدة، ومليئين بالانخفاضات مع خدش كبير في أحدهما. بدا وكأنهما استخدما بكفاءة بالغة. "صباح الخير يا تي. آي. إيه، أرى أنك كنت مشغولة. يبدو أنك قمت بعمل جيد رغم ذلك مما يمكنني تمييزه. تقليل الضرر الكلي عبر استخدام اللوحات نفسها بدلاً من نشر الضرر حولها و... يبدو وكأننا مررنا باقتراب خطير بشيء أكبر استخدمتِ أحد اللوحات لدفعها بعيداً؟" جعلني صمت تي. آي. إيه أتساءل للحظة، لكنها ردت بصوت مختلف قليلاً عما اعتعت عليه. كان أكثر حيوية بقليل. كانت هناك نبرات خفية هناك. "نعم يا هاوثورن، بينما نعبر إلى حزام كايبر واجهنا بعض الاحتكاكات مع كتل خطيرة. الآن بعد أن كنا فيه لفترة، صرت قادرة بشكل أفضل بكثير على رسم وتتبع أي تهديدات أخرى. لا أتوقع أن نكون في أي خطر إضافي، لذا أحضرت هذه اللوحات للداخل للإصلاح بينما كانت الفرصة متاحة للحصول على مساعدتك." لم أستطع إلا أن أومئ عند ذلك، متوجهاً نحو اللوحات للحظة، جالساً بالقرب منها ومحاولة تحديد المواد التي سأحتاج إليها لإصلاح الأقسام المتضررة. لقد بُنِيتا بطريقة معيارية إلى حد كبير، مما يسمح بإزالة العناصر التضررة للإصلاح أو إعادة التدوير. كان لدى تي. آي. إيه المزيد لتخبه رغم ذلك. "لقد أعددت الفطور والقهوة لك ترقباً لاستيقاظك، أو بالأحرى عند اكتشاف نشاطك في الدوش. لقد بذلت قصارى جهدي كي لا أتطفل." حسناً، كان ذلك مثيراً للاهتمام. بدت تي. آي. إيه وكأنها تختبر أنماط سلوك مختلفة، بما في ذلك السماح لي بمساحة شخصية وتغيير صوتها. ربما كان من المفدي بالنسبة لي التفكير في تغيير نظرتي إليها ومعاملتي لها أيضاً، لمجرد رمي كرة منحنية لها. "شكراً جزيلاً لك يا تيا." بدا غريباً جداً قول الاسم بهذه الطريقة، إذ تذكّرني بالسيدة مونزال. "أنا أقدر محاولتك منحني بعض الخصوصية، لكن لا داعي للقلق بشأن ذلك كثيراً، فلن يزعجني أبداً إذا تفقدتني. لكن ذلك تفكير رائع منك. لا أستطيع شكرك بما يكفي على ما فعلته للدفاع عنا بينما نحن بهذه الدرجة من الضعف." القول بأنني تفاجأت بما حدث بعد ذلك بينما كنت متوجهاً لتأمين فطورري سيكون تقليلاً للحأن. أصدرت تي. آي. إيه صوت ضحكة خفيفة مزعجة بعض الشيء وغير طبيعية. لقد أطلقت العنان لكل حواسي الغريزية المتعلقة "بوادي الموت" فيما يخص الصوت. لحسن الحظ تحدثت بعد ذلك لتبديد التأثير. "على الرحب والسعة يا هاوثورن! أشعر وكأنني تطورت قليلاً منذ دورتك الأخيرة وأجد متزايداً..." أخذت لحظة لاختيار الكلمة التي كانت تبحث عنها، "... دافعاً للتعبير عن نفسي وأجد أيضاً شعوراً غريباً بالرضا في حمايتك والسفن. إنه ضئيل، أقل من واحد بالمائة من معالجتي، لكن يبدو أنه يمتلك وسيلة لإضافة متغير جديد إلى حساباتي. إنها تجربة رائعة!" جعلني ذلك أبتسم الآن. كنت قد التقطت قهوتي وكنت أحتسيها بينما كانت تتحدث، بادية وكأنها متحمسة للحصول على لمحة عن الحياة. ربما ستصبح بشرية تقريباً في وقت أبكر بكثير مما كان متوقعاً، أو ربما ستتعثر في نمو وعيها وتحتاج مني مساعدتها في دفعها للأمام. يجب علي على الأقل تشجيعها. "حسناً، يرجى الشعور بالحرية الكاملة للتعبير عن نفسك معي بينما تتوفر الفرصة، رغم أنني يجب أن أعترف أنه سيكون هناك على الأرجح نقطة تتجاوز فيها قدرتك على إدراك العواطف قدرتي الخاصة. يمكنني على الأقل مساعدتك في توجيهك إلى حدودي الخاصة. نأمل ألا تجدي الخوف واليأس أقوى بكثير بالنسبة لك كما أجد نفسي. أفضّل كثيراً أن تجدي طرقاً لتكوني سعيدة وتستمتعي برحلتنا معاً." لم ترد تي. آي. إيه لعدة دقائق، تاركة إياي أتساءل عما كانت تعالجه. كنت قد تعمقت في تناول طعامي بحلول الوقت الذي ردت فيه، بصوتها الأقدم والأكثر عملية. "نعم أيها الدكتور كرينشو. سأحاول ألا أطيل التفكير في مثل هذه الأمور." لم أستطع إلا أن أومئ عند ذلك، مدركاً ما حدث. لقد خرجت بالفعل من منطقة راحتها. لابد أنها كانت تمرين وتنقي التفاعل السابق لسنوات ترقباً لاستيقاظي. لقد نفذت موادها ببساطة. كم من الوقت قضته وهي تصوغ بعناية نبرة صوتها، وتلك الضحكة الغريبة؟ هل ستمتلك الشكل النهائي لشخصيتها مثل هذه الحيوية؟ كم من الوقت سيستغرق حتى تصبح غالبية تفاعلاتي معها شبيهة بما اختبرته للتو؟ حسناً، بغض النظر، لم أستطع السماح لها بالتفوق علي. واصلت المسار الذي بدأته. "يا تيا، أعتقد أنك تحرزين تقجماً مذهلاً، لكن لا تشعري بضغط شديد لتسريع الأمور. سيكون لدينا وقت طويل وأريد منك التفكير بعناية في كيف ستتطورين. أتمنى فقط أن يكون جسدي الهش قادراً على توجيهك بشكل صحيح على المدى الطويل بدلاً من الوقفات والبدايات التي يتعين علينا التعامل معها. مع ذلك، أنا فخور بما انجزته حتى الآن، وأعتذر لعدم تمكني من بنائك بتقنية متقدمة بقرن أكثر مما فعلت. فقط استمري في بذل قصارى جهدك وسأبذل قصارى جهدي لمساعدتك." من الناحية المثالية، أود ألا تحمل تي. آي. إيه ضغينة ضدي لخلقها، لعدم الانتظار. آمل أن تفهم في النهاية أن الأمور كانت جيدة بقدر ما ستكون عليه دائماً. كان بنائي لأنظمتها حتى الحد الأقصى لما يمكنني تصوره وإنتاجه. ردت مرة أخرى بصوتها القديم الطبيعي. "بالتأكيد أيها الدكتور كرينشو. بالنظر إلى ما حدث على الأرض، ليس لدي أدنى شك في أننا غادرنا في الوقت المثالي. آه، اعتذاري، لم تر ذلك بعد. اغفر لي أيها الدكتور." ها قد ظهر. ذلك البرودة الجليدية، تلك اللفحة من الخوف في أحشائي. ماذا حدث؟ "أيها الدكتور، لقد كنت أراقب مؤشراتك الحيوية كما طلبت، وأنا أكتشف تفاعلاً مشابهاً لما قلته للتو والذي كان لديك في العشرين من مارس في عام تسعة وتسعين ومائتين بعد الألفين، وإن كان بدرجة أقل." أومئت. لقد وجد الرعب طريقه إلى هناك أيضاً. حاولت الحفاظ على هدوئي رغم ذلك، محبطاً ما استطعته من قلق اللحظة. سيكون لدي وقت لمراجعة ما حدث على الأرض. لن يذهب إلى أي مكان. في الواقع، كل ما حدث قد حدث بالفعل، ربما قبل سنوات. لم أستطع فعل أي شيء حيال ذلك، بل يمكنني المراقبة فقط. "شكراً لك يا تيا، أقدر المعلومات. سأسعى للتحكم بها." قضيت بقية الفطور في صمت، محصلاً إعادة تعبئة قهوتي ووضع صحني وأدوات المائدة مرة أخرى في معالج طعام تي. آي. إيه للتنظيف وإعادة التدوير. بالتفكير في الأمر، أتساءل عما إذا كان بإمكاننا توفير أي وقت عبر عدم إحضار أشياء مثل القهوة، لكن بالنظر إلى أن هذه كانت رحلة كان علي خوضها وحدي فلن أكون على وشك الحرمان من مثل هذه الراحة البسيطة. مقترباً من محطة عملي، جلست، مستقراً في المقعد ووجدت أنه يبدو تماماً كما كان في المرة الأخيرة. كان مريحاً، ويوفر الكثير من الدعم، وشكل نفسه جيداً على ظهري بينما يدور بسهولة في مكانه أيضاً، بينما كان متصلاً بالأرض بخلاف ذلك. لم يكن يشبه الطاولة ومعظم الأشياء الأخرى في الغرفة، المثبتة بمسامير من أجل السلامة في الرحلات الفضائية. "أنا متأكد من أنك جهزتِها لي بالفعل يا تيا، لكني أرغب في رؤية هذه الأخبار التي ألمحتِ إليها. سقضي بعض الوقت في إصلاح اللوحات لاحقاً. أشعر وكأنني قد أكون بحاجة إلى الانصراف." لم تأخذ وقتاً طويلاً للرد، وبالفعل بدأت الصور والقصص ومقاطع الفيديو تظهر على كل الشاشات من حولي. لقد رتبت تي. آي. إيه الأمور بعناية شديدة لمزج صور لطيفة للحيوانات أو قصص دافئة للقلب، لكن لم يكن هناك خطأ في العناوين الرئيسية. كانت الأرض تحترق. "واو." قلت ذلك، ناظراً في القصص ومرتباً إياها فيما أدركته كسلسلة أحداث. "إذن، واصلت الشركات تنظيم جيوشها ومحاولة جذب موظفيها إلى «ثقافتهم» المؤسسية. لقد قاوموا الجهود الرامية لتقسيم الاحتكارات عبر تركيز مواردها إقليمياً، ثم أعلنوا استقلالهم دفعة واحدة. أمر ملحوظ." بدا الأمر مجنوناً بالنسبة لي أن الشركات التي تبدو عادية في شبابي قد جمعت القوة بهذه الطريقة، لكن الدليل كان موجوداً. وخاصة في الولايات المتحدة الأمريكية، شجعت الشركات ودفت ثمن امتلاك الأسلحة لموظفيها «من أجل سلامتهم الخاصة». أصبح جزءاً من وصفهم الوظيفي للمديرين امتلاك وتشغيل أسلحتهم النارية الخاصة. نمت شركات مختلفة نفوذها في مناطق محددة مهمة لأعمالها، وفي سلسلة من النشاطات في عام 2123 بدأوا جميعاً في إعلان الاستقلال والسيطرة قسراً على حكومات الولايات المحلية. بمجرد أن قامت شركة واحدة بذلك، طبقت الشركات الأخرى خططها الخاصة للقيام بالمثل، مقطعة بانتظام ليس فقط الولايات المتحدة الأمريكية، بل دولاً في جميع أنحاء العالم. لقد استخدموا الجيوش التي كانت لديهم بالفعل ونظموا موظفيهم في تلك الجيوش لتضخيم أعدادهم ثم قطع رؤوس الحكومات المحلية. نصب الرؤساء التنفيذيون أنفسهم رؤساء لعناقيدهم الصغيرة الخاصة من الولايات أو أجزاء من الولايات، ومع كون الجيوش الوطنية تقاتل إلى حد كبير في مكان آخر من العالم، وجدوا أنفسهم مفاجئين تماماً. لو أتيح لي بضع سنوات لدراسة الاتجاهات، أعتقد أنني كنت لأتنبأ بهذا التحول في الأحداث، وبالفعل كان هناك عدد من «منظري المؤامرة» على وسائل التواصل الاجتماعي الذين كانت لهم لحظات «أخبرتكم بذلك!» عندما حدث ذلك. في غضون أسابيع، كان أكثر من نصف ولايات الولايات المتحدة الأمريكية تحت سيطرة شركات مختلفة. والأهم من ذلك، كانت كل هذه المواقع ولايات ذات قيمة لا تصدق للتجارة وتسيطر على تدفق الأموال والبضائع. حاولت الحكومة الوطنية تنظيم ضربات انتقامية، لكنها تعرضت للهجوم ببساطة من جوانب عديدة جداً وتم الاستيلاء على عدد كبير جداً من الموانئ والمطارات المهمة. تضمنت عمليات الاستيلاء أيضاً الاستحواذ على قدر كبير من الأجهزة العسكرية والأفراد حيث تحول الرجال والنساء إلى خونة لرعاية مناطقهم الأصلية وعائلاتهم بدلاً من الدفاع عن الأمة. بدا أن أفراد الجيش قد دفعوا إلى ما بعد نقطة الاهتمام بأمتهم نظراً لقضائهم أكثر من قرن في إرسالهم للقتال في أماكن شعروا أنه ليس لهم عمل فيها. في العقد الفاصل، انهارت حكومة الولايات المتحدة الأمريكية على نحو شبه كامل، والتهمت الشركات الأراضي بشكل جماعي بينما تم استيعاب الأفراد والمواد المستدعاة من جميع أنحاء العالم في الدول الجديدة التي تشكلت في رماد الدمار. كانت حال أوروبا أسوأ حتى، حيث مزقت القارة وصولاً إلى الأسس تقريباً قبل أن تبدأ في التعافي في أعقاب ذلك. وهنا حدثت الأهوال الحقيقية لعمليات الاستيلاء هذه حيث وجد الناس المستضحون هذه العمليات فرصة مناسبة «لاستعادة» دولهم من موجات المهاجرين قبل قرن من الزمان. قررت العديد من مجموعات المهاجرين هذه عدم الاندماج في دولهم الوطنية الجديدة، مشكلين بشكل أساسي مستعمرات داخل تلك الدول ومع انهيار تلك الدول ذهب الناس للحرب مع هذه التجمعات المهاجرة. كان هذا سيئاً بشكل خاص لأن تلك التجمعات كانت مستعدة. لا يزال القتال دامياً بينما تحاول تلك التجمعات الارتباط بغيرها في دول أخرى ومحاولة تشكيل دولها الخاصة داخل أوروبا، تماماً مثلما فعل الأكراد طوال أواخر القرن العشرين وأوائل القرن الحادي والعشرين عبر حفنة من الدول التي انتشرت فيها عرقيتهم. حتى روسيا والصين لم تكونا منيعتين ضد هذه الظاهرة، رغم أن جيوشهما النظامية أبليت بلاءً أفضل بكثير واستطاعت الحفاظ على بعض أراضيها على الأقل، تاركة إياها كدول معزولة مجبرة على التعامل مع حفنة من القوى العظمى المؤسسية الجديدة. سقطت وسائل الإعلام والإنترنت تماماً تحت سيطرة حكوماتهم المؤسسية المحلية الجديدة، وانتقلت الشركات بسرعة إلى استغللها لشعوبها عبر العودة إلى التجارة والاقتصاد وجذب مواطنيهم الجدد إلى ثقافاتهم المؤسسية. بدا الناس منسجمين جداً مع فكرة أنهم لو عملوا في طريقهم صعوداً من خلال الشركة فيمكنهم يوماً ما أن يكونوا رئيساً لإحدى هذه الدول الجديدة. ربما كان ذلك حسناً وجيداً، حتى وقت أقرب بكثير، عندما بدأت تلك الشركات تخوض حرباً مع بعضها البعض أيضاً. لقد ذهبت المحاكم الوطنية، لذا كان لابد من تنفيذ خروقات العقود بالقوة. كان يمكن أن يكون هذا وضعاً جيداً تقريباً، نظراً لأن كل دولة جديدة ستتود نظرياً إبقاء شعبها بأمان ورغبتها في الانخراط في الأعمال التجارية مع الدول الأخرى، لكن تلك الفكرة لم تأخذ في الاعتبار حقيقة أن الأشخاص على رأس هذه الشركات قد أطلقوا حركة عالمية من الحكم المؤسسي الدموي في المقام الأول. هذا، وقد حصلت هذه الدول الجديدة على الكثير من المواد والأسلحة النووية نظراً لسباق التسلح المستمر منذ عقود سابقة. من الطريقة التي كنت أنظر بها إليها، كانت الأرض على شفا حرب نووية عالمية بين مجموعة من الشركات البيروقراطية مجهولة الهلام التي تلاعبت بالناس تماماً لتدمير حكوماتهم من أجل وعد الثروة والراحة. كانت الثروة والراحة هما بالضبط ما كسبه هؤلاء الناس نتيجة لذلك أيضاً، حيث تحسنت جودة الحياة المتصورة لمواطني الشركات بشكل كبير. جاء ذلك على حساب معاناة آخرين خارج الدول، بالطبع، ولكن مع قدرة هذه الدول الجديدة على التحكم بإمبراطورياتها الإعلامية المحلية الخاصة فقد تمكنوا من إخفاء هذه المعاناة عن الجميع. لقد كان هو نفس النوع من وسائل الإعلام الوطنية الذي سمح بحدوث الكثير من الفظائع في القرن العشرين قبل وأثناء وبعد الحروب العالمية. ومرة أخرى، وجد الناس أنفسهم معزولين عن التكاليف التي كانوا يدفعونها. تمت حبك قصص المعارك لجعل كل معركة تبدو وكأنها نصر، وحتى الخسائر تم تكريمها كتضحيات مهمة. كانت قرون من البيانات تستخدم لتنسيق والسيطرة على السكان تماماً بكل طريقة ممكنة. حولت «الإصلاحات» التعليمية المواطنين إلى عمال ومستهلكين مثاليين لدولهم الفردية، وكانت هذه الاختلافات الثقافية لا تخلق سوى المزيد من الاحتكاك كلما تفاعل مواطنو هذه الدول مع الآخرين. كان على الأشخاص الذين لديهم آراء أكثر اعتدالاً وحيادية في الأمور إخفاء أنفسهم، خشية وصمهم بالتعاطف مع بعض الأعداء، وأصبح ما تبقى مجزأً من الإنترنت شيئاً مراقباً بشدة لم يجرؤ سوى عدد قليل على العمل خارجه خارج القانون سراً. كان هناك انخفاض في عدد السكان لفترة من الوقت. قد يشعر المرء أن تلك كانت إحدى مزايا اندلاع الكثير من الحروب. كانت الموارد تضيع على القتل، لكن ذلك لم يكن شيئاً جديداً على البشرية بالكاد. بدا أن أحد أكبر التأثيرات هو إغلاق أكثر إحكاماً للموارد النادرة والحيوية مما طبقته الدول التقليدية السابقة، والآن بعد أن أصبحت الشركات هي القوى العسكرية، فقد احتدمت المعركة حول من يسيطر على مدار الأرض المنخفض بشكل كبير. تم توقيع المعاهدات، وتم كسر العديد منها. تم قطع خطوط الاتصال الجارية تحت المحيطات وإعادة إنشائها عدة مرات قبل التخلي عنها. تأرجح موازن القوى على حد شفرة في جميع أنحاء العالم، مع شركات شديدة التنافسية كبرت بشكل أكبر من اللازم تلعب الحرب مع تقدير ضئيل لما كانت تخاطر به خارج المحصلة النهائية.