استيقظت في اليوم التالي بعدما أتيت على عُشر الأخبار التي كنت أطالعها، فأدركت أنني كنت أصارع كابوساً. كنت أسمع تيا تحاول إيقاظي من فراشي بينما كنت أتخبّط خارجه، وأشعر بالغثيان وأتقيأ على الأرضية. كان كل هذا ينهال عليّ دفعة واحدة بينما كانت الدموع تلسع عينيّ وأحشائي تنتفض. عائلتي ماتت، وعائلات كثيرة جداً قد ماتت. كان العالم ينزلق نحو الفوضى. لم أتمنَ قط في حياتي أن أكون مخطئاً بمثل ما تمنيته اليوم. ويا لروعة الظن أن كل هذا قد حدث منذ زمن بعيد! لقد انقضت فترة زمنية تعادل تقريباً عمري كله وكان العالم يتهاوى بالفعل. كنت أعلم أنهم سيكونون جميعاً أمواتاً بالفعل. كانت تلك نتيجة حتمية لخوض رحلة بطول رحلتنا. بغض النظر عن كيف حدث الأمر، كان مفترضاً بكل فرد على الأرض أن يموت في غضون ثلاث أو أربع دورات من سباتي العميق. غير أن التفكير في سرعة حدوث ذلك كان يسحقني تماماً. كانت نبرة تيا تبدو شديدة القلق بينما كنت أُحاول لمّ شتات نفسي على الأرضية الملطخة بعرقي والغثيان بينما كان الاضطراب العاطفي لكابوسي لا يزال يقبض عليّ. كنت بحاجة إلى لمّ شتات نفسي. كنت بحاجة إلى وقف دموعي وكان هناك ضجيج كثير! أدركت أن ذلك الضجيج كان صوتي. كنت أنا السبب في عجزِي عن سماع تيا. كنت أنشج وأبكي بصوت مرتفع بينما كنت أتلوى على الأرض. لقد قضيت اثنتي عشرة ساعة في اليوم السابق أراجع أكبر قدر ممكن من الأخبار وبأدق التفاصيل وأحاول استيعابها في سياق يومها. لقد كنت أعلم دائماً مدى ضرر تعريض المرء نفسه للأخبار السلبية بمرور الوقت، لكن عقوداً من الأخبار المروعة والبشعة والمصورة قد خلفت أثراً غير متوقع عليّ. بدا الأمر كأنني قضيت ساعات على الأرض، ألهث وأتلمّس الهواء، لكنها لم تكن سوى دقائق. كان حلقي محتقناً. وكانت عيناي محمرّتين. وحين شققت طريقبي بصعوبة نحو الوقوف ونظرت إلى نفسي في المرآة لم أعرف نفسي. لم أستطيع سوى تخيل كيف كان يبدو الأمر من الأعلى. لم تكن تيا قد رأتني قط في مثل هذه الحالة. ولا شك أنها ستدرس ذلك لعدة دورات محاولةً فهم ما حدث لي. رفعت صوتي، وأنا أنزع ملابسي متجهاً نحو الحمام. "تيا. سأحتاج إلى تنظيف نفسي قبل أن نعود إلى العمل اليوم. أعتذر عن تصرفي. أعتقد أن تلقّي كل هذه الأخبار أمس قد أصابني بالمرض. لم أشعر قط بمثل هذا من قبل. سنتحدث في الأمر لاحقاً". كنت أمل أن تتمكن من تفسير الصوت الأجش والخشن الذي كنت أحدثها به، لكني سأكون قادراً على توضيح أمري بعد أن أهدأ، إن هدأت. "دكتور كرينشو، يمكنني أن أقدم لك مهدئاً خفيفاً..." كان عرضاً مفيداً، لكني هززت رأسي، صاعداً إلى الحمام. "دعني أجمع أفكاري فحسب، لقد أُخذت على غرة". كان شعور الحمام، حتى مع معرفتي بأن الماء سيُعاد تدويره بلا حدود طوال مدة الرحلة، بَلْسَماً مهدئاً لي. شعرت كأن قلبي قد ضُرِب بمطرقة. كنت مسحوقاً تماماً. وكنت منهكاً من جراء ذلك. وسيتطلب الأمر معظم اليوم ليستعيد شهيتي. لم تكن المرة الأولى التي يراودني فيها كابوس؛ فقد كانت شائعة نسبياً منذ ذلك الهجوم الإرهابي الأول الذي عانيته قبل كل تلك السنين؛ لكن هذا كان بلا شك أسوأ كابوس أمكنني تذكره. كان هناك ذلك القبض القابض والمخلبي الذي لفّ نفسه حول أحشائي عندما استيقظت. كنت أستطيع أن ألمس الضرر الناجم عن صرخاتي وهي تحكّ حلقي كورق الصنفرة. لقد حرق حمض المعدة فمي وباطن جوفي الأنفي. كان أسوأ بكثير من الكوابيس السابقة. استغرق الأمر مني وقتاً لتنظيف مقصورتي. كان جسدي ما زال يرتجف. كنت أشعر بالفراغ والضعف، مع أنني بمجرد أن فكرت في الأمر كان التقييؤ قد جلب مستوى معيناً من الراحة. كان الأمر أشبه بأن التوتر قد عَقَد معدتي على شكل عقد، وأن اضطراب هذا الصباح قد فكّها، مهما كان ذلك عنيفاً. ومهما كنت منهكاً، فقد كنت حراً الآن لأتعافي حقاً. لربما كان عرضة لتوتر رحيل اليوم الذي لحق بي. لقد قتلت أحدهم. وربما أشخاصاً متعددين. لا أعلم إن كان ذلك الإرهابي يحتجز رهائن أم لا. كان لذلك الشخص عائلة أيضاً. ولقد رأت تلك عائلة طفلها أو شقيقها أو والدها يُقتل على الهواء مباشرة مثلما رأيت أنا وتيا والديهما يُقتلان بالأمس. وحين غادرت مقصورتي، مرتدياً ملابس جديدة، كنت حُثالة الرجل الذي كنت عليه بالأمس. وكنت أبدأ في الاشتباه بأن بعض ضعفي الجسدي له علاقة ببعض الآثار اللاحقة للخروج من التجميد مجتمعة مع التوتر الذي كنت تحته من قبل. يجب أن أكون أكثر حرصاً بشأن ترك التوتر يتراكم بهذه الطريقة. ليس الأمر وكأنني كنت في أي نوع من المزاج بعد قراءة مثل هذه الأخبار المروعة في اليوم السابق حتى لأمارس العادة السرية قبل أن أخلد إلى النوم. كنت بحاجة إلى العناية بعقلي وكذلك بجسدي بشكل أفضل. كنت بحاجة أيضاً إلى إدراك أن تيا كانت طوال هذا الوقت تراقبني، ويبدو أنها كانت قلقة للغاية. ربما كان حديثنا في اليوم السابق حول ردود أفعالي الخفيفة تجاه الأخبار دليلاً قاطعاً على مدى سوء حالتي. "تيا"، تكلمت ببساطة، دالكاً عينيّ بيد، ومُعيداً نظّارتي إلى وجهي عندما انتهيت. استجابت بسرعة، منتظرة إياي أن أدعوها كتلْميذ شديد الحماس. "نعم دكتور كرينشو؟ هل أنت بخير؟ لقد استشرت القواعد الطبية لكني لم أستطع العثور على أي أمراض قد تسبب مثل هذه الحالة. إن أعراضـ..." اضطررت إلى مقاطعتها. "تيا، أرجوك، فقط... استمعي للحظة. أعتقد أن القلق الذي أظهِرتِه تجاه ردود أفعالي بالأمس كان أنسب مما أدركت. لقد كان غير طبيعي. أعتقد أنني كنت أكبت ردود أفعالي، وأبتلعها لكي أتمكن من التركيز على العمل. أعتقد أنه من المحتمل أنني في نومي، بينما كنت أعالج وأصنع ذكريات من كل ما حدث، قد لحق بي كل ذلك دفعة واحدة ولم أكن مستعداً بالشكل المناسب لا ردود الفعل العاطفية ولا الجسدية تجاهه. لقد ارتكبت خطأ بعدم السماح لنفسي باختبار ما كنت أراه في اللحظة". تركت الكلام معلقاً في الهواء لحظة قبل أن تستجيب تيا. "دكتور كرينشو. أنت من خلقتني. أنت بمثابة والدي. لقد منحتني القدرة على التفكير والتعبير عن أفكاري. وبتعريض صحتك للخطر فقد عرّضتني أنا والطاقم للخطر، ومهمتنا بأكملها. لقد كنت عاجزة عن فعل أي شيء بينما كنت أراك على الأرض. لم تكن تستطيع سماعي وأنا أعطيك تعليمات حول كيفية تجنب الغرق في قيئك أو أذكرك بالتنفس. يجب ألا تكون بهذا التهور في المستقبل. لن أسامحك إن تركتني وحدي بسبب تهورك". لم أكن أعلم كيف أرد عليها. لم يكن هذا صحيحاً تماماً، مع أنه كان صحيحاً بما فيه الكفاية. كان بإمكانها استخدام أذرع روبوتية مشابهة لتلك الموجودة خارج السفينة والتي يمكن أن تمتد إلى أسفل عبر السقف لتعنى بي، لكنها ببساطة لم تكن تعرف ماذا تفعل، فتجمدت. ابتلعت غصة كبيرة في حلقي بينما بللت عينيّ. هذه الآلة التي بنيتها وبرمجتها وجلبتها إلى شبه وعي قامت بتوبيخي للتو. والأمر الأسوأ هو أنها كانت على حق. لم أعد أملك ترف أن أكون طائشاً أو أنانياً إلى هذا الحد. مسحت عينيّ بينما استنشقت بشدة عبر حلقي المحطم، مستقيمًا بظهري ومحاولاً استعادة رباطة جأشي. "أنت على حق. كان يجب أن أثق بقلقك بالأمس. علينا أن نعمل معاً لإنجاز مهمتنا ولن ينجح ذلك إن قتلت نفسي عن طريق الخطأ. سأكون أفضل في الاستجابة لقلقك في المستقبل يا تيا. يجب أن أثق برؤيتك بشكل أفضل مما فعلت بالأمس. لا يمكنني اعتبار نفسي معلمك فحسب، بل علينا أن نكون شريكين أيضاً". بقيت الغرفة هادئة لبضع لحظات طويلة أخرى. مم كانت تيا تفكر الآن؟ هل ستسامحني؟ أكانت قادرة على حمل الأحقاد؟ إن طبيعة بناءها شبه العضوية وبرمجتها المحاكاة جعلت قدراتها شيئاً من الغموض. كانت مخلوقة متطورة في هذه المرحلة. "دكتور كرينشو، فطورك وقهوتك جاهزان. لقد رتبت عبء عمل اليوم بطريقة لا تجعل الأخبار السيئة تتصدر المقدمة بكثير مثل الأمس وهي تنتظرك على لوحة التحكم الخاصة بك". ابتسمت بضعف، ماهزاً رأسي وناهضاً من مقعدي على الطاولة. "شكراً لك يا تيا". و بينما جمعت فطوري البسيط وقهوتي، فكرت فيما قالته. لقد دعتني بأبيها. يا لها من رؤية غريبة. "ما الذي جعلك ترتبينها بهذه الطريقة؟" سألت متسائلاً. "هكذا أوصي بأن ترتّب، يا دكتور". جعلني ذلك أشعر بمزيد من الذنب لإجبار ابنتي على مشاهدتي في غمرات اليأس على أرضية مقصورتي، عاجزة عن فعل أي شيء. تساءلت عن مقدار هذا التفاعل الذي سيكون بمقدورها معالجته من لغة الجسد التي كانت تراقبهها مني الآن. لم أستطع إخابتها. لم أستطع السماح لابنتي بالسفر عبر المسافات بين النجوم وحدها. من يدري ما قد فعله هذا النوع من العزلة بعقلها النامي؟ أظن أنه كان بإمكانها إحياء شخص آخر ليحل محلي، لكن كيف لي أن أثق بشخص آخر ليقوم بواجبي نيابة عني؟ ومع انطلاقي في اليوم، تفحصت الترتيب الجديد للمقالات والتقارير المصورة والصور التي وفرتها لي تيا. حينها أدركت لماذا كان أهلنا في الوطن يرسلون أشياء طيبة ولذيذة لمساعدتي على ابتلاع الحبوب المرة التي كانت أخبار اليوم السابق الكارثية. فقد امتزجت بقصص الرعب والألم صور وقصص دافئة لحيوانات لطيفة وقصص بطولية عن طيبة القلب البشري. وبعد مرور كميات كبيرة من الأمور الأشد خطورة، تسبب ذلك في أن تمتلك البقية نسبة أعلى من تلك القصص الأخف لتساعد على تهدئة لسعة البِقاع الأخرى. وبمعنى ما، ومن خلال اجتياز الكثير من أسوأ الأشياء بسرعة، أصبحت حراً الآن للاستمتاع بالمزيد من الأشياء الجميلة. لقد ساعد ذلك أيضاً في استعادة بعض الإيمان بأن نسبة صغيرة فقط من الناس هي التي كانت تسبب المشاكل التي لاحظتها على الأرض. كيف يمكن حشد الأغلبية الصامتة للدفاع عن نفسها ضد دمارها الذاتي؟ كيف يمكنني أن أمضي في إظهار الطرق التي كانوا يتعرضون بها للخيانة من قِبل أولئك الذين في السلطة والذين استغلوا بينما كان نفس الأشخاص الذين يستغلونهم يوفرون لهم الكثير من الراحة والأمان واليسار؟ امتزجت أيضاً في قائمة تيا من العناصر اختراعات جديدة أحياناً وأوراق علمية نادرة للغاية وغير متحيزة. غير أن أنواع الأشياء التي كانت تكتشف لم تفاجئني. كانت هناك تكيفات عرضية للتقنيات القديمة للتعويض عن العجز في الحصول على المواد النادرة، لكن الأغلبية كانت أشياء حرب. وكان الأكثر إثارة للدهشة أشياء مثل الرصاص النووي، وهي أشياء غير عملية للغاية ومع ذلك تسببت في جروح مدمرة بشكل ملحوظ وتتقيح بالإشعاع. كانت أساساً رصاصاً مسموماً بتبقىات شديدة الخطورة. وكان الأمر مفاجئاً لعدم حاجة وجوده. كانت هناك أسلحة وذخائر محظورة كافية وفعالة في قتل الناس بالفعل، لكنهم بدا وكأنهم يحاولون التفوق على بعضهم البعض في القسوة الآن. لربما كان الأمر مجرد محاولة للالتفاف على القيود المفروضة على أشياء أخرى؟ حتى الطب بدا مائلاً نحو الخبيث حيث أُطلقت أمراض صُمّمت بخرق على التجمعات البشرية. لم يُطالب بأي من هذه الحوادث كأمر متعمد، بل سُمّيت جميعها "حوادث"، لكن الظروف اللازمة لتطوير مثل هذه الأشياء كان يجب أن تجعل من المستحيل حدوث مثل هذه الحوادث، افتراضاً بأن ممارسات السلامة القياسية من أيامي كانت لا تزال تطبق. لقد تأثرت تجمّع بشري صغير بمرض تسبب في العقم، مما حكم عليه بالهلاك والموت أساساً. ولحسن الحظ بدا أن ذلك المرض قد أخذ مجراه ومات هو الآخر، لكن أولئك الناس المساكين لم يعد لديهم أي ذرية أخرى يتطلعون إليها. "يا للأسف. هؤلاء البشر طرق تطورية مسدودة رغماً عنهم. وبدون ذرية، ستُمحى جيناتهم تماماً كما لو أنهم قُتلوا"، تمتمت لنفسي. ومع ذلك رأت تيا أنه من المناسب أن تتحدث هي الأخرى. "أنت على حق بالطبع، رغم أنهم يحملون ميزة البقاء أحياء لفترة كافية لمساعدة الناس على عدم نسيانهم. يمكنهم الاحتجاج وجذب المتعاطفين مع محنتهم. لديهم خيارات كثيرة أكثر مما سيكون لدى الأموات. من الصعب تجاهلهم". هززت رأسي استجابة، متنهداً. "ربما كنت مهتماً أكثر من اللازم بالحفاظ على التنوع الجيني بمجرد وصولنا". تسبب مرض آخر من هذه الأمراض في تطوير تجمّع بشري لسمات رئيسية غريبة ومتراجعة. وفي بعض الناس نتج عن ذلك نمو أذرعهم لتصبح أطول وأقوى بكثير، بينما نما لدى آخرين شعر أو ذيول، أو فقدوا القدرة على الكلام بشكل طبيعي ووجدوا نطاق أصواتهم محدوداً بما يشبه القرد. ولم تكن الاختلافات في هذه السمات تتبع أي أنماط أخرى معينة، وقد انتقلت إلى الأطفال الذين غالباً ما طوروا سمات لم تكن لدى آبائهم. حاولت وسائل الإعلام في البداية معاملة هؤلاء الناس كضحايا أبرياء، وهو بالضبط ما كان يجب أن تفعله، ولكن عندما انتشر خبر أنها معدية، بدأت أقلية صوتية نافذة تدعو إلى إبادتهم. "البشر يفعلون ما تجيدونه أفضل"، قلت، "إقصاء المجهول وتقرير أنه يحتاج إلى تدمير لا إصلاح. هل هناك أي إمكانية للحصول على عينات حمض نووي لهؤلاء الناس حتى نتمكن من معرفة ما إذا كانت هناك طريقة لعكس الضرر؟" أحضرت تيا قصصاً ذات صلة تحدثت عن الحجر الصحي والأمصال الفاشلة وتراجع الصحة. وبينما كنت أقلب المعلومات، أخبرتني تيا بما كنت أبدأ في الاشتباه به. "مرافقنا على الأرض تعتقد أن هؤلاء الناس قد جُمِعوا من قِبل الشركة المسؤولة عن المرض وتمت التجربة عليهم في محاولة مفترضة لعلاجهم، لكنهم يموتون بسرعة مع فشل تلك العلاجات. يعتقد ناسنا أنهم يُقتلون عمداً، ولكن ببطء، لتغطية الأمور للحفاظ على نقاء الإنسانية". كان ذلك شعوراً خطيراً للغاية يُطرح. كان "نقاء" الإنسانية يصبح موضع نقاش مع زيادة العبث الجيني الذي يتم إجراؤه. أصبحت الهندسة الجينية الجنينية الفاخرة لذرية الأثرىء أكثر شيوعاً، ومع أنه كان يُنظر إليها بالفعل باعتبارها طريقة مثيرة للجدل للأثرياء لتوسيع فجوة الفقر والحفاظ على نجاح ذريتهم، فقد أصبحت مثالاً آخر على "تلويث" المجموع الجيني البشري. لم يبدو أن الناس يتقبلون بفكرة جيدة محاولة الأثرياء والأقوياء فصل أنفسهم جينياً عن أي شخص آخر. استطعت فهم هذا التفكير، من منظور تطوري، بينما كان الناس يثورون ضد الغريب والمجهول، لكنه أثبت فقط أنه صدع آخر في جدار الإنسانية بينما كان الناس يزيدون من انقسام الكوكب في وقت كان يحتاج فيه إلى التجمع لهدف مشترك. وقد تبين أن القرن الحادي والعشرين كان قرن الخوف والإنقسام والبارانويا وانعدام الثقة والأكاذيب والافتراء وخنق أي شيء غير مريب للسردية. بدت وسائل الإعلام الجماهيرية في البداية وكأنها في طريقها للزوال، لكنها في نزاعها الأخير تمكنت من إيجاد طريقها للبقاء. وكل ما تطلبه الأمر هو الاستفادة من أبسط مخاوف البشرية ونقاط ضعفها وإجهاض النيران في قلوب الناس للحفاظ على الأهمية والقوة. "تيا أرجوك اطلبي من مرافقنا جمع أي معلومات يمكنهم جمعها عن هذه الإجراءات، ولا سيما التعديلات التي تُجرى على ذوي النفوذ والسلطة. لا أعرف مدى فائدة المعلومات بالنسبة لنا، لكن البيانات المكتسبة بتكاليف رهيبة تكون أثمن بسبب تلك التكاليف. سيكون من غير الأخلاقي ببساطة ترك معاناتهم تذهب سدى. ربما يمكن استخدامها في يوم ما لمساعدة الناس". أخذت تيا ملاحظة أخرى لي لهذا اليوم. "نعم، دكتور كرينشو". بحلول الوقت الذي اجتزت فيه هذا اليوم الثاني، كنت منهكاً تماماً. فحمام طويل إضافي ووجبة دسمة أنهيا الأمر، فضلاً عن كلمة "تصبح على خير" سريعة لتيا. بدت مسرورة بتفاعلاتنا بعد الفطور، وخفضت الأضواء بشكل مناسب بينما استغرقت في النوم.
مغادرة الأرض الفصل 4 — الجمعة، 20 مارس 2099، اليوم الثاني
اقرأ مغادرة الأرض الفصل 4 — الجمعة، 20 مارس 2099، اليوم الثاني باللغة العربية على مانجا تايم.