"الجسد ليس سوى قناع نرتديه لنخدع العالم." - من ذاكرة القدامى.
***كارينثيا*** ***سيلي***
بدو أويليل فضوليّة أكثر من اللازم. تغدق علي وعلى أنيا الاهتمام حتى على مائدة الإفطار كأننا ملكتان. حصلت كلتاهما منا على أكبر غرفتين عثرت عليهما في القلعة حتى الآن. لا أستطيع التذمر، رغم أنني لم أفرغ بعد من استكشاف هذا المكان. يبقى الواقع أن المكان خال بشكل مزعج. قالت: "كم عدد البشر الذين عاشوا في هذا القصر حقاً؟" ابتسمت الجنية ابتسامة يكسوها الحزن. "تألفات العائلة الرئيسية من واحد وثلاثين فرداً ترأسهم سيد العشيرة إيدان باثوميوس. أما العائلة الفرعية فضمت أربعة وأربعين عضواً وقادها نسيبه كيلفين باثوميوس، واسمه الأصلي كيلفين أرمانو. انصهر في العشيرة بالزواج حين اتخذ أخت إيدان، فياكر باثوميوس، عروساً له. تنتقل النساء عادة إلى العشيرة الأخرى، لكن إيدان لم يثق في أن يعاملها الأرمانويون معاملة حسنة." "يا للهول. هذا كبير جداً بالنسبة لعشيرة من القدامى. حتى الهامونيون لديهم... لم يكن لديهم سوى اثني عشر وخمسين عضواً." أظن علي طرح السبعة الذين لقوا حتفهم حين حاولوا إعادتنا. أخبرنا مانوس البارحة بأن أحد صيادينا نجح في الفرار، وهو ما يفسر سبب إيوائنا. يرجح أنه يخوض حرباً بالفعل مع الهامونيين لمجرد قتله رجالهم. مع أنني أتخيل أن مجرد قتلهم يعد دفاعاً عن أرضه. لا أظن أن سيد العشيرة سيمر الأمر مرور الكرام على أي حال. ليس في ظل ما هو على المحك. نحن والقطع الأثرية وسمعته... لديه الكثير ليخسره. رفعت بصري أتأمل قاعة الطعام الواسعة التي لا تضم سوانا أنا وأنيا وأويليل ومانوس. كان مانوس مصيباً حين قال إنه لا يطيق العيش هنا. يبدو كل شيء أكبر من اللزوم حتى ونحن أربعة فقط. سألت: "إذن ماذا حل بعشيرة باثوميوس؟" "لقد تواصلوا مع عشائر أخرى حتى نهاية الحرب العالمية الثانية. ثم انقطع خبرهم وتقوى الحاجاب، فلم يعد يسمح إلا للقدامى ذوي العزم الشديد بالدخول." تأمل مانوس الجدار من طرف الطاولة المقابل. قال بصوت جاف وعيناه تشخصان نحو نقطة بعيدة: "تمردت العائلة الفرعية وحاولت القضاء على العائلة الرئيسية."
***كارينثيا*** ***مانوس***
"أكره ولائم العائلة هذه يا أبي". أتذمر وأشير بكأس نبيذي نحو قاعة الطعام. أفراد العشيرة المتجمعون يولمون ويغنون ويقضون وقتاً ممتعاً. أحني زوايا شفتي إلى الأسفل. "أظن الأمر لن يكون سيئاً لهذه الدرجة لو أن واحداً منهم على الأقل تعلم الغناء في السنوات الخمسمئة الماضية". يضحك أبي ويهبدني على ظهري بواحدة من كفيه الشبيهتين بالمخلب. إنه رجل ضخم وقوي. أعلم أن الحركة لم تكن مقصودة بجفاء، لكنها تدفعني للتعثر إلى الأمام على أي حال. "عليك أن تعلم كيف تلهو أيها الفتى الصغير. أين أخطأتُ مع ابني الخامس. أنت ببساطة عاجز عن تذوق وليمة كلتية جيدة!". أهز رأسي وأرتشف رشفة من النبيذ. "ليس خطأً مواكبة العصر. وإلا فقد نستيقظ ونكتشف أننا أصبحنا متخلفين وعاجزين عن مجاراة العالم. الثقافة البشرية تتطور بسرعة". يلوح إيدان بحركة ازدراء. "كنت هناك عندما احتفل البشر بمولد من يطلقون عليه منقذاً. وسأكون هناك عندما لا يتذكر أحد حتى التاريخ الضبابي لهذا الحدث". يستدير ويمضي مابتعداً نحو الحشد، هازاً رأسه ببدة رمادية طويلة يسميها تسريحة شعر. أحك رأسي وأبحث في الناس المحتفلين عن شخص لأجري معه حديثاً لائقاً. تحتفل العشيرة بكل انقلاب شتوي كعائلة واحدة. وبدلاً من الاهتمام بشؤون المرء الخاصة، يتجمع الجميع في القصر الرئيسي للمشاركة في الاحتفالات. أظن أنه يمكنني التخلي عن يوم واحد من العام إن كان هذا سيجعل بقية العائلة سعيدة. لا طائل من الشجار حول الأمر. ففي نهاية المطاف أنا لست سوى الابن الخامس. أتجه نحو أختي الصغيرة مارلا وأورطها في نقاش حول تكنولوجيا الصواريخ الجديدة التي يطورها الألمان. إنه لأمر مضحك كيف يبتكر هؤلاء البشر أغرب المفاهيم في أوقات الحرب. بالطبع، الصواريخ ليست مفهوماً جديداً كلياً، لكن الشيء الرائع هو أنهم أول من جعلها تعمل بالفعل. ودون سحر إطلاقاً. نتحدث لفترة ويطير الوقت بينما نغير المواضيع. يمضي ساعة كاملة قبل أن اضطر للجلوس لأني أشعر بالنعاس. لا بد أن النبيذ قد فعل فعله بي. هل شربت كل هذه الكمية حقاً؟ هنالك يبدأ الصراخ. أرفع نظري لأبحث عن مصدر الضجيج، لكن يبدو أن نصف المحتفلين يعانون من المشكلة ذاتها التي أعيشها. ومن ثم يمشي أبي إلى وسط القاعة كسكير ويسقط، كاشفاً عن سكين مستقرة في ظهره. أهب واقفاً، لكن جسدي لا يطيعني وينزلق عن الكرسي. بينما يقترب الظلام، أرى كيفين يتعقب أبي، بينما يخضع أتباعه المقربون الأعضاء القليلين من العائلة الرئيسية الذين لم يتعرضوا للتخدير. ينحني وينتزع السكين من ظهر أبي. رافعاً رأس أبي، يضع السكين عند حنجرته ويشرع في القطع بحركة نشر بطيئة. أود الصراخ في وجه الخنزير البدين. في قتال عادل لم يكن ليحظى بفرصة ضد أبي قط. لا، هذا ليس قتالاً حتى. إنه مجرد قتل بحت. يتدفق الدم بغزارة كالبئر، مما يجعل المشهد غير حقيقي. أريد أن أثب واقفاً وأوقف كل هذا، لكني سجين داخل جسدي. متفحصاً المشهد بعيني، أجد أن كل فرد من العائلة الرئيسية قد طرح أرضاً. لا أثر لأم لأراها. وحتى بعض أفراد العائلة الفرعية ملقون على الأرض. على الأرجح أولئك الذين لم يحظوا بالثقة الكافية للانضمام إلى المؤامرة. تشكل عظمة العمود الفقري لأبي مشكلة، لكن بعد ثوانٍ قليلة يعثر النصل على النسيج الرغوي بين العظام وينفصل رأس أبي. ثم يطبق الظلام. شيء بارد يرتش علي بكامله. "استيقظ! ماغنوس الصغير. لدينا أسئلة لنطرحها". رامشاً، أتأمل الغرفة المظلمة وأتعرف على ابن عمي لي. إنه نسخة أكثر رياضية من أبيه كيفين. لم أطق ذلك اللقيط قط. "ماذا؟" يصفعني بظهر كفه بكل قوته، لكني لا أقع عن الكرسي. تقيدني سلاسل حديدية إليه. تضيء رونوز زرقاء على قيودي عندما أُحاول استخدام سحري. أشعر بنفاد سحري، لكن دون أي تأثير. يحفر لي أصابعه في شعري ويجذب رأسي للوراء. "لا تضيّع وقتك. سأحظى أخيرًا بدردشة صغيرة معك". يجذب شعري بعنف. "إذن، ستعطيني الآن كلمة المرور لتشغيل الحجاب". "لا أعلم شيئاً عن أي كلمة مرور. أنسيت أنني لست سوى ابن خمس؟" أبصق الدم في وجهه. يتراجع خطوة إلى الوراء ويخرج من مجال رؤيتي، ليعود بزوج من الكلاّبات. عندما يتجه نحو يدي أدرك ما ينوِي فعله. أحاول ضَمّ يدي على شكل قبضة، لكن هذا لا يمنعه من الإمساك بخنصري. غير مهتم بالحصول على إجابات للأسئلة، يلويه حتى يصبح الألم لا يُطاق. أصرخ، ثم ينكسر شيء ما وأفقد وعيي. عندما أستعيد وعيي يكون السؤال ذاته. "أخبرني بكلمة المرور الخاصة بالحجاب". أنظر إلى خنصري. لقد عاد سليماً من جديد. لست بهذا الكبر ولست متأكداً مما إذا كان سيلتئم بشكل صحيح دون جبر العظمة. كما أنني لم أخض قتالاً حقيقياً قط، ولم أتعرض للاستجواب من قبل. كعضو في باثوميوس كان علي تحمل الكثير من التدريبات القاسية بل وكسرت قدمي ذات مرة. لقد ألمني الأمر، لكنه حدث بسرعة. إنه لأمر مختلف تماماً حين يتم ببطء وتعمّد. "لا تتجاهلني أيها اللقيط الأبكم". يسحب لي سكيناً ويطعنني في أحشائي. هكذا بكل بساطة! ما زلت أحاول استيعاب أسباب أفعاله بينما يلوِي السكين. أتقيأ من شدة الألم ويصعد الدم في حلقي. أختنق بدمي الخاص. يزمجر. "آه، سنحظى بالكثير من المتعة". عندما أفتح عيني، يكون هناك. هذه المرة مع مطرقة. يطرح السؤال ذاته الذي سبق وأن أنكرت معرفتي بأي كلمة مرور بشأنه. ثم يستخدم المطرقة على ركبتي ومن ثم على فكي. أبدأ بلعن حقيقة أننا نحن القدماء قادرون على التعافي من هذا القدر الهائل من الإصابات. بعد فترة يصبح الأمر روتيناً؛ الاستيقظ وتحمل تعذيبه. لا أعلم حقاً إن كان نهاراً أم ليلاً، أو كم مرة فقدت وعيي. يبدو الأمر كأنه أبدية، لكن ربما بعد أسابيع يتغير شيء ما عندما أستيقظ. ليس لي وحده في الغرفة. كيفين هنا أيضاً. أسخر منه. "يا لقيط"، أغرغرة بحلقي الجاف. لا يكلف لي عناء إطعامي بالقدر الكافي. يتقدم كيفين نحوي وينحني. "بإمكاني إنهاء هذا، أتعلم؟ كل ما عليك فعله هو إخباري بكلمة المرور الخاصة بالحجاب. لقد أقفلها أبوك بطريقة ما عندما مات. ظننا في الأصل أن فياكر قادرة على التحكم بالحجاب بمجرد رحيله. فهي أخته بعد كل شيء. لكن للأسف لا تستطيع. يبدو أن الأمر يتعلق بخط عائلتك في شجرة العائلة". أنخر باستهزاء. "اصنع حجاباً جديداً فحسب أيها الأحمق". يطبق على فكيه. "الحجاب مرتبط بكتلة الواقع هذه. لذا عندما تمردنا، أغلقت جميع الأبواب وأُقفل علينا الداخل. من مصلحتك تماماً أن تخبرنا كيف نخرج. أم ترغب في أن تُحجز هنا للأبد؟" أشد سلاسلي. "إذن كل ما علي فعله هو الانتظار". يتحول وجه كيفين إلى قالب عديم التعبيرات. "قال الآخرون ذلك أيضاً. لكنهم لم يصمدوا طويلاً بعد أن بدأت بزيارتهم شخصياً. صدقني، الوجود في رعاية لي هو في الواقع عطلة. أنت الأخير قبل أن أخضع نظرية أخرى لي للختبار". الأخير؟ "ماذا تقصد؟" "أنه بمجرد زوال خط عائلتك من شجرة العائلة، ستنتقل السيطرة على الحجاب إلى فياكر. كان بقية أفراد العائلة الرئيسية عنيدين مثلك تماماً، لكنهم لم يمتلكوا القدرة على الصمود لدعم ذلك. أخشى أنهم لقوا حتفهم بالفعل. لذا سأمنح لي ثلاثة أيام أخرى للحصول على الإجابة وبعدها سأنهي الأمر. إما أن تخبرنا بكلمة المرور، وإما سنخضع نظريتي للاختبار". يستدير ويغادر الغرفة المظلمة. يبتسم لي ويقترب مني بأداة تشبه الخطاف. وبينما يباشر عمله، أبذل قصارى جهدي للفرار إلى مكان آخر في عقلي. هذه المرة لا أستيقظ على ماء بارد. أحدهم يصفع وجنتي. "استيقظ! إنه قادم". فور فتح عيني، أجد الخالة فياكر منحنية فوقي. إنها تعبث بقيودي وبحوزتها مفتاح. متفحصاً الغرفة، لا أجد أحداً غيرها. لا لي. أهذه خدعة؟ هل يسمحون لي بالهرب ليفتح لهم كتلة الواقع؟ أمش رموشي بينما تفتح فياكر القيد الذي يحيط بيدي اليسرى. يبدو أن ساقي حرتان بالفعل. لماذا تفعل هذا إن كانت في صفهم؟ لقد ظنوا بوضوح أنها ستساعدهم. وإلا لما دبروا مثل هذه الخطة. أشعر بالغضب يتصاعد داخلي. غضب من الخيانة. غضب من سخافة الأمر برمته. غضب من الألم. تفتح عالتي القيد الأخير. أمد يدي إلى الأعلى وأكسر عنقها لتنجح في تبدو مندهشة حقاً. ماذا كانت تنتظر؟ بينما ينهار جسدها على الأرض، يفتح باب الغرفة ويدخل لي، والدهشة تكسو وجهه بالكامل. تنزل غلالة حمراء على رؤيتي وأزأر بينما تبتلعني الكراهية بالكامل. أوجه سحري للمرة الأولى منذ أسابيع. صراخي ليس بشرياً، وليس كأي شيء ينتمي إلى الأرض. يرفع لي كلتا يديه لينصب درعاً، لكن يدي مغطتان بالطاقة وأخترق الحاجز مباشرة. أحاول انتزاع وجهه بأظافري. إنه أكبر سناً وأسرع، فيلتقط يدي في يديه. مبتسماً، يجبر يدي على الابتعاد عنه. هنالك أدرك أن ماغنوس ليس كائناً قديماً. ماغنوس ليس سوى جلد. شيء يعرضه الكائنات الذي أكونه حقاً أمام العالم. هذا الغضب والسخط العريقان هما حقيقتي. كاشفاً عن أسناني، أنحني إلى الأمام وأغرسها في حنجرته. الكينونة التي أكونها تخبرني أن المعركة لا تحسم بالمهارة أو القوة. بل تحسم بحقيقة أبسط تتمثل فيمن يكون الوحشي أكثر. عندما يتركني تغوص يدي في خاصرته. أخمش وأمزق حتى يصبح صدره تجويفاً فارغاً ومحطماً، ثم أمضي قدماً، مبحثاً عن التالي.
كارنتيا سيلي
مد يده نحو عصير البرتقال وجرعه دفعة واحدة. وضعت الكأس بعد ذلك بعناية فائقة. كأن الأمر يتطلب جهداً ضخماً لئلا يسحقها. قال: "ثم قتلتهم جميعاً." تنهد كأن حمئلًا انزاح عنه. "أتسمحون لي؟ لدي أمور لأقوم بها في الواقع. كأن ألعب وأستعين بوسائل أخرى لألهو." نهض وغادر الغرفة. نظرت أنيا إلى صحنها. "لم أعد جائعة." مددت يدي إلى عنقي وأخذت أفركه فقد تيبس قليلاً أثناء القصة. "أعترف أن طرح سؤال كهذا لم يكن أبهى فكرة خطرت لي قط." صار أويل إلى جانبي بغتة وربت على كتفي. "لكن هذه أطول مدة تحدث فيها عن تلك الواقعة بالتحديد. حتى الآن كان الحديث عنها محظوراً، حتى معي. لابد أنه يعجب بك كثيراً." حاولت أن أبتسم. "لا أريد التدخل، لكن لمَ تبقين في هذا المكان يا أويل. أليست الأمور صعبة مع تاريخ كهذا." هزت الجنية كتفيها. "يجب عليَّ ذلك. تستمد عرقيتنا قوتها من البشر الذين نَرتبط بهم. وكلما كان سيّدنا أقوى، كنَّا أقوى. أنا مرتبطة بسلالة باثوميوس. مع أن غالبية الجنيات تختبئ في الظلال هذه الأيام وتخدم البشر أرواحاً منزلية. والأمر أيسر بكثير هكذا." رفعت حاجبمي. "إذاً أنت بارعة جداً في الاختباء؟ ألهذا السبب يظن الجميع أن عرقيتكم انقرضت؟" ابتسمت فكشفت عن أسنانها الذهبية. "نحن بارعون جداً في الاختباء والهرب بالفعل. ومما يخجلني أن أعترف به أنني لم أعد إلى القصر إلا بعد انتهاء كل شيء. لهذا يفضل السيّد ألا يرى وجهي. أظن شيئاً ما انكسر بداخله في تلك الغرفة." ثم غيرت الموضوع. "يجب أن تقابلي خدم البيت الآخرين! وسأريك أرجاء القصر والحدائق. وإلا فلن تعثري على طريقك. إنه كالمتاهة لمن لا يألف المكان." اندفعت نحو الباب وفتحته وهي تتوقع أن نتبعها.