آي شال ريمين الفصل 70 — مسودة أولية

اقرأ آي شال ريمين الفصل 70 — مسودة أولية باللغة العربية على مانجا تايم.

لم يكن أسوأ ما في اللعنة بجهنم هو التعذيب المؤلم، على الرغم من أنه كان أظلم ممّا تخيّل دان قط. بل كان إدراك أنها لن تنتهي أبداً. مضى الوقت في زحفه. صرخ في عذاب لا ينتهي وهو يفعل ذلك. ومضى زاحفاً. بلا نهاية. للأبد. حاول بلا جدوى أن يشق طريقه خارجاً. أن ينهيه. أن يتحرر من هذا الوجود المعذب. لم ينجح الأمر قط. لكنه لم يتوقف عن المحاولة. لم يستسلم. ولن يفعل أبداً. لم يكن شيئاً إن لم يكن عنيداً.

مضى الوقت زاحفاً. زاحفاً للأبد. ثم أضاء جزء من روحه.

المحاسب: أنزل عقاماً عظيماً بكل أولئك الأعداء والمتمردين على الملك وإرادته.

توقف عن الصراخ. تغير شيء ما. بلغت أيام عذابه نهايتها. نهض دانيال ليتلقى مكافأته. احترق عقله بحمى. بدا وكأنه اكتسب معرفة جديدة، مع أنها لم تبد مفيدة إلى هذا الحد. تعلق جُلّها بديانات مختلفة. صار يعرف لغات كاللاتينية الآن، إلى جانب بضع لغات أخرى لم يسمع بها قط من قبل. على الرغم من أنه لم يُغفر له، فلم يعد من المعذبين. كلا، لم يُغفر له. لكنه انجز شيئاً ما. شيئاً كبيراً. لم يفشل.

في النهاية، لم يفشل مجدداً. لقد أنقذ كوكبه. لقد أنقذ ثمانية مليارات نسمة. تضرع أن يكون ذلك الإنجاز عظيماً وجديراً بالتعويض عن مدى فداحة إخفاقه مع ابنته الصغيرة، وأنها تشعر أخيراً بالفخر بأبيها. وقد دفع دان ثمن ذلك. لقد عرف الفقد. لقد عانى. دفع أضعافاً مضاعفة جزاءً لكل خطاياه وإخفاقاته. شعر بالخفة. بالجدة. زالت خطاياه أجمع، وغُسلت منذ زمن في أنهار من الألم. وُفيت ديونه كاملة الآن.

مع أن الأمر استغرق وقتاً طويلاً وبعض العون من السمة التي منحها إياه الملاك المقرب خاراهل، وهي سمة لم تغادر مكانها على روحه أبداً، صار دان حراً الآن. لم يعد من المعذبين. صار شبحاً الآن. لم يكن متأكداً تماماً ممّا يعنيه أن يكون شبحاً، لكنه عرف أمراً واحداً على يقين — صار أمامه دهر كامل لينزل عقاماً عظيماً بكل أولئك الأعداء والمتمردين على الملك وإرادته. كانت جهنم تعج بهم.

ولقد حان الأوان ليشرع أحدهم في فرض النظام.

* * *

احتدّتْ جذوةٌ جديدةٌ في صدره.

ركع، وأطرق برأسه، وبصوتٍ بحوحٍ مزّقته صرخاتُ العذاب المتمادية، تمتم: "أيّها المَلِك، درّبتَ يدي على القتال، وأصابعي على الحرب. سأحطّم أعداءك حتّى لا ينهضوا. سيخرّون تحت قدمي أفواجاً. ويكون دُماؤهم النّبع الذي يملأ كأسك، وأكون أنا مطرقتك التي تجلب الخراب على هذه المملكة. أُقسم بهذا. الرّاعي يرعاني. باسم المَلِك، سأنتصر".

السيّد راعيّ. وباسمه، سأغزو. لم يتعمّد أكثر الناس بمثل هذه النّار التي لجهنّم، لكنّه لم يعانِ وحدَه. قبل أن يخطوَ عبر البوّابة إلى هذا العالم، خضِع تماماً لقوةٍ أعظمَ منه بكثير. عاد صوته صافياً وثابتاً، ومفعماً بيقينٍ بارّ، فختم دان قَسَمه ودعاءه بكلمتين. كلمتين ملأتاه بيقينٍ مطلق.

"هذه إرادة المَلِك".

المَلِك يشاء هذا. كان في المكان الذي يُفترض أن يكون فيه بالضبط. المكان الذي يحتاج إلى أن يكون فيه حقّاً. وبما أنّ الملائكة لم تبدُ قادرةً على فعل شيء، فسصلح الأمور بنفسه. كانت حياة دان، في مجملها تقريباً، سلسلةً من القتامة والشقاء. ومن هذه النقطة فصاعداً، ستكون سلسلةً من الغزو والمجد.

سمع دان خلفه من يسأل مندهشاً: "هل نطق أحدهم بكلمات حقيقيّة للتوّ؟"

التفت دان، فلم يرى سوى بحرٍ لا ينتهي من المعذّبين، يقفون بلا حركة بينما يطلقون صرخات الألم. لم يدرِ كيف استطاع أيّ أحدٍ سماعه وسط هذا الصراخ الجنونيّ. تخلّلت الأشباحَ مخلوقاتٌ أخرى متفرّقة، لكنّها قليلة. أو هذا ما تبدّى له. كان أحدهما شيطاناً جليّاً، وآخر أقرب مسافةً يبدو شبه شيطان. وثالث، بعيداً في الأفق، يماثل عفريتاً. لم تكن البيئة مختلفةً كثيراً عن المرحلة الأخيرة من محاكمة الضّياء، حيث حاربوا الملك الزائف بيليل.

تطاير الرّماد في الهواء بلا انقطاع، إلّا أنّ دان لم يمتلك عيناء حقيقيّتين يحميهما من الدقائق العالقة. كانت تعبر خلال جسده الشفاف مباشرة. اتّسمت التربة بالقتامة والصلابة، وتناثرت فيها صخور حادّة. وتشقّقت الأرض بجداول الحمم، وغرق كلّ شيء في ضوءٍ ضريبٍ يميل إلى البرتقاليّة. وبدا أنّ طاقةً دنسةً لوّثت الهواء، فأضفت على الصّفرة البرتقالية مسحةً خضراء طفيفة. لم يكن فوق رأسه شيء.

لا نجوم، بل سوادٌ فارغ، كأنّه العدم. على مقربةٍ خلف وقفته، قامت جدران صخريّة شاهقة ابتلعها العدم في ظلامه. وخلت المساحة أمام الجدار من المعذّبين. بدا أنّ هناك بضعة صفوفٍ فقط من المعذّبين خلفه قبل أن تبدأ المساحة الخالية. وفي كلّ اتّجاهٍ آخر، تجمّعت صفوف المعذّبين لتمتدَّ أبعد بكثيرٍ ممّا يطاله بصره. وبدت بلا نهاية.

قال الصوت: "يا هذا! أتردد كلام؟ أقسم أنّي سمعت شيئاً غير الصراخ. كلمات حقيقيّة".

التفت دان مجدّداً. ولمح شبحاً خلف صفوف الأرواح المعذّبة، شبحاً لا يطلق صرخات العذاب الأبديّ.

قال دان: "أنا من تكلم".

تحرّك الشبح محاولاً تقفي أثر الصوت الذي سمعه. عسُر تبين ملامحه. بدا كتلةً ضبابيّةً لا تختلف عن أشباح اللعبة، أو المعذّبين في محاكمة الضّياء. ولا تختلف عن هيئة دان نفسه الآن. تقدّم دان باتّجاه الشبح.

فقال: "انتظر. قل شيئاً آخر لأعرف أنّك لست دوّامةً تئِنّ بأصواتٍ تشبه الكلمات".

أجاب دان: "لست دوّامة".

"يا للملعنة! انظر إلى هذا. نطقت كلمات حقّاً. انتظرت طويلاً لأجل روحٍ ضائعةٍ أخرى تهيم هنا، يا صاح".

ومع استمرار دان في الاقتراب من الشبح، أردف قائلاً: "يؤسفني إخبام، لكنّك واقعٌ في ورطةٍ كبرى، يا صاح. لا سبيل للخروج من هنا. لقد كنت أبحث عن... حسنٌ، منذ زمنٍ طويلٍ حقّاً".

ما إن اقترب دان من الشبح حتى قال: "مع ذلك، يسعدني وجود رفيقٍ أخيراً، أليس كذلك، يا صاح؟ رفيقٌ سوى كلّ هؤلاء المعذّبين الصارخين. يا له من حظٍّ حسنٍ لأنّك تكلمت حين لاحظت مروري. لو لم تفعل... حسنٌ، أظنّ أنّه كان سيمضي وقتٌ طويلٌ قبل أن نمرّ ببعضنا مجدّداً. ما لم تكن تستطيع الطيران. أَتطير، يا صاح؟"

أجاب دان: "لست متأكّداً".

"هاه؟ كيف لا تعرف ذلك، يا صاح؟ أتمنى ألا تكون أبله".

وبعد هنيهة، قال دان: "لست كذلك. فقط لست متأكّداً إن كنت أستطيع الطيران، هذا كلّ ما في الأمر".

"حسناً، أثبّتّ كرة الطيران، يا صاح؟ ما رتبتك؟"

"ثبّتّها في وقتٍ ما، لا ساعةَ وفاتي".

قال الشبح: "هاه؟ وفاتك؟ أتو للتوّ، يا صاح؟ الأرواح الضائعة تحطّ دائماً في الطبقة الأولى، لا الأخيرة".

لم يعرف دان أو يكترث بما يُعدُّ آمناً لقوله. لم يظنّ الأمر مهمّاً بما أنّ هذا الشبح كان في جهنّم، وكلّ شيء في جهنّم عدوّه وسيموت على يده في نهاية المطاف. لكن غزواً أم لا، احتاج إلى معلومات.

"كنت أحد المعذّبين. ولم أفلح في تحرير نفسي إلّا للتوّ".

"هاه؟ لا بدّ أنك أبله، يا صاح. المعذّبون لا يحررون أنفسهم. حين يتحرّك أحدهم، يغدو دوّامةً. لا يزال معذّباً، لا يزال ضائعاً في عالمه الخاصّ، لكنّه لا يصلح للكلام أو الهذيان المعقول، أأنت كذلك، يا صاح؟ مؤكّد أنّ كلامك لا يعقل كثيراً، لكن لابدّ أنك روحٌ ضائعة. لو لم تكن كذلك، لما خضنا هذا الحوار، أليس كذلك، يا صاح؟"

لم يكترث دان بما يصدّقه الشبح.

فسأل: "أين نحن؟"

ضحك الشبح مليّاً قبل أن يقول: "آمل أنك تعرف أنك في جهنّم، يا صاح. إن لم تكن كذلك، فيؤسفني أن أكون من يخبرك، لكنّك في جهنّم، يا صاح. في طبقته العليا والأخيرة، حيث تكون".

عرف دان، بالطبع، أنّه في جهنّم. ولم يدرِ لمَ وُجد في الطبقة العليا أو الأخيرة. وحين همّ بالتفكير فيما يسأل عنه، سبقه الشبح بالسؤال.

"ما اسمك، يا صاح؟"

"دان. وأنت؟"

دون إجابة، حام الشبح مبتعداً، وغلغل في صفوف المعذّبين خلف دان. تبع دان بصمت. وتوقف الشبح قرب البقعة التي أتى منها دان. البقعة الخالية حيث وُجد معذّبٌ ما. كانت هناك لويحةٌ صغيرةٌ من الخزف في الأرض أخفق دان في لمحها. تفتّل نظره، فرأى أن لكلّ معذّبٍ واحدةً.

قرأ الشبح: "دانيال «دان» برانيجان. الكوكب 37 من المجرة 6، العنقود الفرعي 4، العنقود الفائق 12، المنطقة 13. ممتلكات الضّياء".

وبعد دقيقة صمتٍ أطلق الشبح صفريراً، والتفت إلى دان، وقال: "يا للهول! يبدو أنّك محقّ، يا صاح. إيه! لقد كنت حقّاً أحد المعذّبين. هذا رائع، يا صاح. طالما تحرّقت شوقاً لأعرف ما ينبغي للمرء فعله كي يُرسل إلى هنا".

وبينما استجمع دان أفكاره، قال الشبح: "ليس هنا بمعنى جهنّم. أعني هذا... أياً يكن. المجموعة الخاصة للضّياء".

أجاب دان: "لقد خدعني، هذا كل ما في الأمر".

امتدّ صمتٌ طويل.

قال الشبح: "يا صاح، لا أودّ أن أبدو فظّاً، لكن تلك القصة كانت سيّئةً حقّاً. كانت قصيرةً للغاية وخلت تماماً من كلّ تفصيلٍ مهم. هيا، يا صاح، أعطني أكثر من ذلك بقليل".

كان دان، بحكم العادة، يؤدي تقنيات تدوير الطاقة والتنفس، ليدرك للتوّ أنها لا تفعل شيئاً. حاول استشعار دواخله، وتفقد طاقته، فلم يجد شيئاً. بلا نواةٍ سفلية. بلا أنويةٍ قط. بلا قنوات. لا شيء.

قال دان: "ليس لديّ طاقة، ولا أنوية، ولا قنوات".

أجاب الشبح: "لا أحد منا يملكها حين نصل إلى هنا، يا صاح. لا تقلق. لديك كلّ الوقت الذي تريده لمعالجة ذلك. سأرشدك إلى كيفيّة إتمام الأمر، يا صاح، لكنّي أريد قصتك أولاً".

لم يثق دان بهذا الشبح. ولن يتخلّى عن معلومات دون جني أخرى.

"أنت أولاً. كيف انتهى بك المطاف هنا؟"

"أنا؟ حين اقتربت، فتحت الأبواب، فهجست في داخلي، وهيمت للداخل يا صاح. ظننت أن هناك شيئاً جيداً هنا. وليس هنالك شيء. الأبواب لا تفتح من هذا الجانب. والآن أنا عالقٌ هنا مثلك تماماً، يا صاح. عادةً، إن بقينا بلا أجساد، يمكننا ارتياد ما نشاء. في الغالب، يا صاح. ليس أي جزء من الجدار رقيقاً بالقدر الكافي ليعبر منه أمثالنا. إن كنت تسأل كيف وجدت نفسي في جهنّم، فهذه قصّةٌ أطول قليلاً، يا صاح. كنت قرصاناً، أبحط في البحار، وأنهب هذه القرية هنا، وتلك هناك. الكثير من المرح. أقول، أتدرف ما هي المعكرونة؟"

"أجل".

"يا رجل، لقد أحببت المعكرونة. هي يا صاح، تعلم أننا لا نستطيع الأكل، أليس كذلك؟"

"عرفت الآن".

قال الشبح: "حسناً، لا نستطيع الأكل، يا صاح. لكن، يا للهول، لو استطعنا، لوددت تناول بعض المعكرونة. كم قارةً ضمّ عالمك، يا صاح؟"

أكد دان: "الأرض؟ سبع".

"وعالَمي ضمّ سبعاً أيضاً. نسمّي كوكبنا شيئاً شبيهاً بالأرض، يا صاح. في غالب الأحيان، لا يفيد الاسم في شيء. كم كوكباً في نظامك الشمسي؟"

"تسعة. أو ثمانية. ظلّوا يغيّرون رأيهم حول ما إذا كان الأخير كوكباً أم لا".

قال الشبح: "هاه. كان لعالَمي ثمانية، لذا فهذا لا يساعد كثيراً، يا صاح. أيّ كوكبٍ أنت من الشمس؟"

"الثالث".

هتف الشبح بحماس: "يا صاح! لقد وجدناها! عظيم!"

وبعد أن بدا تشوّه صورته واهتزازها للحظة، قال الشبح: "كان عالَمي هو الثاني. إن لم يجرِ الأمر، لكان بوسعنا السؤال عن الأقمار وبعض الهراء الآخر. والآن نعرف أننا لسنا من الكوكب نفسه. لكنّ معرفة أيّ عنقودٍ فائقٍ وما شابه ينتمي إليه كوكبي لكان لطيفاً، أليس كذلك، يا صاح؟ أكان لعالمك معكرونة حارّة؟"

"أجل".

"حقّاً؟ أمتأكّد، يا صاح؟ أعني معكرونة في مرقٍ حارٍّ حقّاً. يكفي ليجعلك تعرق قليلاً. أحياناً تكون... هه، مادةً شبيهةً بالصلصة، وليست مرقاً حقّاً. أحياناً رقيقةً، وأحياناً سميكةً. أحظيت بذلك، يا صاح؟"

"أجل، حظينا بكلّ ذلك".

امتدّت لحظةٌ طويلةٌ قبل أن يقول الشبح: "أقول، أكره أن أسمّيك كاذباً، يا صاح، لكنني أشك في ذلك. ليس نوع المعكرونة الحارّة الذي أتحدث عنه. يا رجل، لقد أحببت المعكرونة. خصوصاً المعكرونة الحارّة".

ظنّ دان أنّ الشبح سيتابع قصّته.

وبعد مرور دقيقة في صمت، سأل دان: "إن كنا من عالمين مختلفين، فكيف نفهم بعضنا؟"

"أوه، هذا، يا صاح؟ لقد كنا نتحدث باللغة الشيطانية السفلى. وهي اللغة الأكثر شيوعاً في جهنّم، يا صاح. أظن أننا جميعاً نعرفها كي تُصدر الأوامر للمعذّبين من أجل عمليات الاختطاف وما شابه. ويمكننا جميعاً قراءتها أيضاً، أليس كذلك؟ يتعيّن علينا تعلم اللغات بالطريقة التقليدية. أو امتصاص أحجار اللغات، لكنّها باهظة الثمن حقّاً، يا صاح. حدّثني عن هذه المعكرونة الحارّة التي تظنّ أن عالمك يحويها، يا صاح. لا سبيل لأن تكون مماثلةً لتلك التي في عالمي. لا يمكن أن تكون كذلك، أأنت واثق، يا صاح؟ ليست معكرونة حارّة حقّاً تجعلك تعرق قليلاً".

قال دان: "مجرد معكرونة في مرق حار".

اهتزّ الشبح وتلاشى مجدّد، ثم قال: "حسناً، قد تبدو متماثلةً لكنّها ليست كذلك، يا صاح. أضمن لك هذا. معكرونة عالمك الحارّة كانت مزيفةً وتافهةً تماماً مقارنةً بما أتحدث عنه. أتحدث عن الصفقة الحقيقيّة، يا صاح. على أيّة حال، كنت أمارس القرصنة، وهبت عاصفةٌ عاتيةٌ أزاحتنا عن مسارنا. استمرّت أيّاماً. فقدنا سفينتين من أصل ثلاث في أسطولنا القرصان. وكنا تائهين حقّاً وهينا في أجزاء مجهولة، يا صاح. رأينا جزيرةً صغيرةً تعجّ بغريبي الأطوار. بلا مقاومةٍ تُذكر. لا جيش. مجرد فلاحين وعبيدٍ لم يقاوموا حتّى، يا صاح. حسناً، تبيّن لاحقاً أنّ تلك الجزيرة كانت قبالة سواحل إمبراطوريةٍ ضخمةٍ وعريقة. وبلغ الخبر تلك الإامبراطورية بأن إحدى جزيرها قد غُزيت. وما هي إلّا لحظاتٌ حتى أُسرنا، يا صاح، ووجدنا أنفسنا واقفين أمام أحد الخبثاء العرفاء – هكذا نسمي من ارتقوا إلى الرتبة 12 – وهو يأكل هذه المعكرونة الغريبة في صلصةٍ حمراء سميكةٍ للغاية مع كلّ كرات اللحم هذه فيها. وبدت حارّةً. حارّةً بحق. أه، بدأت معدتي تصدر أصواتاً عنيفةً يا صاح. بدت كرات اللحم الحارّة تلك شهيّة، ولم أسبق لي قطُّ أن رأيت صلصةً سميكةً كهذه ولا معكرونةً غريبةً من قبل. كنت لأفعل أيّ شيءٍ لأحظى بقضمةٍ أو قضنتين. أولئك الأوغاد عاقبونا بالسحب تحت السفينة، فلم تسنح لي الفرصة قط. ثم أصبحت الأمور غريبةً حقّاً، يا صاح. بدا كلّ شيءٍ غريباً ومربكاً. ومخيفاً حقّاً. مرعباً للغاية. وظلّ الأمر كذلك لفترةٍ طويلةٍ حقّاً، يا صاح. تهت بعيداً عن هذا النور وظللت أفعل ذلك. واستمرّ ذلك زمناً طويلاً حتّى انتهى بي المطاف في جهنّم، يا صاح".

وحين همّ دان بطرح سؤالٍ، قال الشبح: "أفكر في كرات اللحم الحارّة وتلك المعكرونة الغريبة أكثر ممّا أحبّ الاعتراف به. إيه، ليتنا ما زلنا نستطيع الأكل، يا صاح. الشياطين والعفاريت لا تأكل هي الأخرى. الوحوش وحدها هي التي تأكل في جهنّم. وما تأكله هو في الغالب الشياطين والعفاريت أيضاً، لا المعكرونة أو أيّ شيءٍ جيّدٍ كهذا، يا صاح. البقاء بلا جسدٍ يجعلنا غير قابلين للأكل، لذا فهذه مزيةٌ كبرى بالنسبة لنا، يا صاح. ألا نُؤكل".

وفيما كان الشبح يتحدث، بدأ دان بتفقد اللويحات القريبة منه. لم تعنِ له معظم الأسماء شيئاً، لكنّه, على غير بعيد من لويحته، رأى واحدةً تعنيه.

تامارا "تامي لي"

برانيغان، واسمها قبل الزواج وايت. كوكب سبعة وثلاثون من المجرة السادسة، العنقود الفرعي الرابع، العنقود الفائق الثاني عشر، المنطقة الثالثة عشرة. ملك اللامع.

هوى قلب دان. تلك كانت أمه. افترض أنها في الجحيم بسببه. استهدفها الشيطان بسببه. تضخم غضب عارم داخله لحظة قبل أن يتلاشى. عقد العزم على قسمه بإيقاع الخراب بمملكة الجحيم. عجز عن الانتباه إلى ما كان يقوله الشبح إذ ركّز على أمه وصرخات تعذيبها. كانت امرأة عظيمة. امرأة طيبة وحنونة ومعطاءة. كرّست حياتها لعائلتها. إن استحق أحد الجنّة فهي هي. لي كان اسمها الأوسط، لكن الجميع نادوها تامي لي.

تساءل لمَ لم تدرج لوحته، شأن حالته القديمة، اسمه الأوسط. بدا وكأنه أورد اسم أمه فقط لأنه جزء من لقبها. عدّل دان خططه قليلاً. كان مفترضاً بالشبح وكل مخلوقات الجحيم أن تكون أعداءه. لكن الأمور لم تكن واضحة ومباشرة هكذا. لم تستحق أمه الجحيم، لكنها كانت هناك أيضاً. احتاج إلى معلومات. كل معلومات يستطيع نيلها. واحتاج إلى إيجاد سبيل لمساعدة أمه. استحق كل الشياطين والعلوع القتل، لكنه عرف القليل عن الجحيم، ولم يستطيع التسرع في الحكم على من لُعنوا إليها.

فيما كان يعجل خططه ويفكر في الأسئلة، سأل الشبح: "إذن، تلك قصتي يا صاح. حان دورك."

لم يحب دان الحديث والشرح، لكنه احتاج إلى المعلومات. سيعطي بعضاً لينال بعضاً.

"قصتي؟ أُرسلت إلى هنا لأجل جلب الأذى واليأس."

شرع يروي لمرافقه الجديد كل ما أراد معرفته. ترك عودته بالزمن وحدها. امتلك أبداً، وسيستخدمه لتدمير الجحيم ومجمع ملوكه الأعلى. لم يكن شيئاً إن لم يكن عنيداً. لن يتخلى أبدا عن مهمته. مهمة اعتقد أن السيد نفسه أوكلها إليه. لم يعرف هذا الشبح، لكن معلوماته كانت خطوة دان الأولى على ما سيكون درباً طويلاً من الغزو والدمار.