السنة الخامسة، الشهر العاشر جمع الطاقة، المرحلة السابعة
كانت الشمس عن يمين مارك حين فرّ من قطيع الخنازير البرية. الوقت متأخر. كانت الشمس تغيب آنذاك، مما يعني أنه ركض جنوباً. إذن، لو جعل الشمس الشارقة عن يمينه، فسيتجه شمالاً عائدًا نحو القرية، أو على أقل تقدير، نحو الطريق الذي يمر عبرها عرضاً من الشرق إلى الغرب. فكر مارك لحظةً، ثم انحرف قليلاً إلى يمين الشمال الخالص، مقدراً أنه يستطيع التقاطع مع أثر الدمار الذي خلّفه الخنازير خلفها لتسهيل العثور على القرية مجدداً.
وهكذا، شرع في السير. استغرق الأمر بضع ساعات حتى عثر على الأضرار التي خلفها التدافع. ولمّا لمحها، قفز سريعاً إلى الأشجار واقترب بحذر أكبر، احترازاً من بقاء أيّ من الخنازير الضخمة الغاضبة. لعل الحظ حالفه، فلم تكن هناك آثار. هبط إلى الأرض مجدداً وواصل السير. مرّت أكثر من عشر أو اثنتي عشرة ساعة منذ المطاردة، فاستبعد أن تكون الخنازير لا تزال في المنطقة، لكنه رأى الحذر أسلم.
مع بدء مسيره، أخذ مارك يفكر فيما إذا كانت القرية قد نُجت. انعطف معظم الخنازير لمطاردته فور استنشاقهم لرائحة دمه، وركض عبر الأشجار مدة ساعتين على الأقل. لم تكن لديه أي فكرة عن السرعة التي بلغها بركضه على هذا النحو، لكنها كانت كافية لتجاوز الخنازير سرعةً. خمن أن الخنزير قد يجري بسرعة ثلاثين ميلاً في الساعة في الظروف العادية، وتنخفض السرعة إلى عشرين عند اختراق الأدغال والأشجار.
إذن، ركض مارك نحو أربعين ميلاً داخل الغابة. عبس لهذه الفكرة. لم تبدو منطقية، لكنه لم يدْرِ إن كانت افتراضاته خاطئة بطريقة ما. أبطأت الخنازير قليلاً عند دخول الغابة، لكن ليس بشكل ملحوظ، وهي وحوش روحية وليست مجرد خنازير عادية، فإن كان ولا بدّ، فعشرون ميلاً في الساعة تعد سرعة بطيئة بالنسبة لها. وقد سبقها مارك ركضاً، إذن فقد بلغ تلك السرعة على الأقل. أليس كذلك؟ ولكن مع ذلك، أربعون ميلاً في نحو ساعتين، على الأقدام، وأثناء الاندفاع بين الأشجار؟
هزّ مارك رأسه. لعلّه ارتكب خطأً ما في مكان ما. قد لا تكون مهاراته الرياضية متقدمة للغاية، لكنه واثق بمهاراته في البقاء على قيد الحياة. فحتى بلا بوصلة، علمه تدريبه كجندي بحرية كيف يحدد الشمال والجنوب. هذا إن احتج أصلاً لمعرفة تلك الاتجاهات، فهو يسير حالياً على مسار الدمار الذي يشق الغابة. أو... هل كان كذلك؟ أفلت مارك نفسه من أفكاره ليطلع حوله. كانت الغابة من حوله أكثر انفتاحاً من غيرها، لكنها لم تبدو مدمرة كما كانت من قبل.
لمس شجرة مقطوعة واحدة، لكن كانت هناك أخرى حولها أصغر حجماً ولا تزال منتصبة. لم يكن ذلك منطقياً البتة. والأهم من ذلك، أنه استطاع رؤية دمار أقل أمامه، وبدت الغابة وكأنها لم تمس قط. مقدراً أنه ضل الطريق قليلاً، استدار مارك ومشى في الاتجاه الآخر على طول شريط النمو الفتي. كانت الشمس في كبد السماء الآن، فأخرج بعض اللحم المجفف وقربة ماء، يأكل أثناء مسيره كما اعتاد أن يفعل غالباً.
لم يرغب حقاً في قضاء ليالٍ كثيرة في البرية، خصوصاً مع اقتراب فصل الشتاء. لكنه توقف مفاجئاً منتصف قضمة، بعدما وجد أثر النمو الجديد ينتهي عند امتداد يبدو عادياً من الغابة. هل تراجع في المسار الخطأ وفقد الدرب بالكامل؟
"تباً"، لعن مارك، متسلقاً شجرة ليُنهي طعام غدائه وينتظر حتى تغيب الشمس قليلاً.
ومتى تمكن من تحديد جهة غروبها، جعلها عن يساره وبدأ السير مجدداً. سواء أكان هناك أثر للدمار أم لا، فإن استمر في الاتجاه شمالاً فسيصطدم بالطريق عاجلاً أم آجلاً. في النهاية، بدأت الشمس تختفي خلف الأفق، وقرر مارك ايجاد مكان للنوم قبل حلول الظلام الدامس. تسلق شجرة كبيرة وتأكد من أن الشمس المغيبة تقع خلف ظهره، لتكون الشمس الشارقة في عينيه حين يستيقظ، بينما ربط نفسه بين غصنين.
سيوقظه ذلك بمجرد شروق الشمس ليذكره بالاتجاه الذي سيسير فيه. إلا أنه حين استيقظ، لاحظ أن الشمس لم تكن في عينيه، بل كانت خلفه. أترى أنّه نام طوال اليوم بأسره؟ عبس مجدداً، فوقف على الغصن وراقب الشمس، ليُدرك سريعاً أنها كانت تشرق. لكن إن كان يواجه الشرق في الليلة السابقة، فهذا يعني أن الشمس كانت تشرق الآن في الغرب... حيث غربت ليلة أمس بحق.
"أين أنا بحق الجحيم؟"، سأل بصوت عالٍ.
\-\-\-\-\- السنة الخامسة، الشهر الحادي عشر جمع الطاقة، المرحلة السابعة
حلّ الشتاء بكلّ ثقله، وما زال مارك هائماً على وجهه في الغابات. يتساقط الثلج خفيفاً، ويكسو الأشجار والمشهد ببياض ناصع. يرتدي مارك كلّ عباءة يملكها، وتكاد مؤونته تنفد. أسفرت الشباك والفخاخ عن قوارض صغيرة، لكنّ الأرانب والسناجب لن تبقيه حيّاً. إذن، وبعد أن عثر على جدول صغير، اختبأ مارك تحت شجيرة بعد أن ملأ قربة الماء، ليرقب إن كان حيوان آخر سيأتي ليشرب. لم يطُل انتظاره حتّى كوفئ باقتراب ظبي أشعث بخطى حذرة نحو الماء.
أحسّ مارك ببعض الطاقـة في الحيوان، لكنّها كانت ضعيفة، إنه وحش روحيّ من الطبقة الدّنيا. انتظر بحذر بينما كان الظبي يتلفت حوله قبل أن يخفض رأسه أخيراً ليشرب، وعندها انقضّ مارك، مستهدفاً تهشيم رأس الظبي بعصاه. لكنّ الظبي كان سريعاً، أسرع ممّا ظنّ أنه ممكن، وانطلق هارباً فور تحرّكه دون حتى أن يرفع رأسه. وبدل أن يصيب عنقه، كشطت عصاه خاصرته وهو يقفز فوق الجدول. لم يكن مارك ليتركها تفلت، فهو يدرك قدرته على مجاراة الخنازير عدواً، أفلا يستطيع اللّحاق بظبي منفرد؟
لذا راح يطارده، محاولاً محاذاته ليتمكن من ضرب ساقيه أو عنقه. ويا للغرابة، كان مارك أسرع من الظبي، وإن بفارق ضئيل، غير أنه كان شديد الرشاقة، يدور في مكانه كلّما حاول الاقتراب. اندفع الاثنان إلى مساحة مكشوفة، وضاعف مارك سرعته، فإن عجز عن محاذاته سيقفز فوقه فحسب. وما إن صار على بعد أقدام قليلة خلف الحيوان الهارب حتى قفز، ليتأوّه إثر تلقيه ضربة في صدره جعلته يهوي متدرّجاً إلى الوراء.
تأوّه مطولاً وتفرّس في عباءته ليرى أثر حافرين، لقد ركله ذلك اللعين. نهض سريعاً ليرى إن كان بوسعه استئناف المطاردة، وأدرك أن الظبي لم يخرج من المواجهة سالماً، ويبدو أنه كان أصلب ممّا توقع إذ بدت إحدى ساقيه مصابة. ربّما بكسر. مع ذلك، وبعد تلقيه ركلة أطاحت به نحو عشرين خطوة للخلف، تقدّم مارك بحذر وانتهى به الأمر برمي عصاه رمحاً لطرح الظبي أرضاً بينما عجز عن الركض، قبل الإجهاز عليه بضربة حاسمة مؤلمة في مؤخرة رأسه.
لم يكن مارك جزّاراً، لكنه يمتلك سكيناً، سكين العذاب الشيطانيّ تحديداً. كانت مسننة ممّا جعلها صالحة لمهامّ عديدة، لكن لا لسلخ ظبي. ورغم ذلك نجح في نزع الجلد قطعة واحدة تقريباً، وعلّقه ليجفّ بينما قطع من اللحم قدر ما تستطيع يداه حمله.
* * *
العام 5، الشهر 11 تجميع الطاقـة، المرحلة 7
شدّ مارك رداءه المصنوع من جلد الأيل على كتفيه ليتقي به البرد، فقد تعلّم في الشهرين الماضيين ألا ثقة في التضاريس هنا. فكلما حاول رسم خريطة لهذه البرية وجد خرائطه تفشل. حيث كان هناك جدول أصبح الآن مساحة خالية، أو بركة ماء، أو مجرد مزيد من الأشجار. كانت الشمس تشرق فوق تلة بعيدة في يوم، ثم تغرب فوقها في اليوم التالي. حتى الأشجار لم تكن موثوقة في بقائها بأماكنها. وفي نوبة غضب، علّم أربع أشجار بسكينه بحيث تواجه كل علامة مركز المربع الصغير الذي تشكله.
كان ذلك لمجرد التأكد من أن الأشجار هي أشجار بالفعل ولا تتحرك. في الصباح التالي لم يستطع العثور على اثنتين من العلامات. وهناك تخلى عن محاولة فهم هذه المنطقة. أخبره هوروس عن البراري المتحركة، فظن أنها مجرد مناطق برية عميقة تعج بالوحوش التي نادراً ما يقصدها الناس. أما الآن فلم يعد متأكداً من ذلك. إن كانت هناك ميزة واحدة، فهي كمية الطاقة في الهواء. كان يشعر بأن ارتقائه يتسارع أكثر من ذي قبل، وبدو أن اللحم والفاكهة المشبعين بالطاقة اللذين يستهلكهما جعلا جسده أقوى وأصلب.
لم يكن ذلك الجزء مفاجئاً، فلحم وحوش الروح يُعد قيّماً لمجرد ما يحتويه من طاقة. تسمّر مارك مكانه عندما سمع صوت تقرمش الثلج بالقرب منه، تلاه زفير خشن وعميق. والتفت ليجد نفسه وجهاً لوجه مع أكبر دب رآه في حياته. كان فروه شديد السواد، وتسمّرت عيناه الصفراوان عليه، والأغرب من ذلك كله، زوج من قرون الكباش يبرز من رأسه. أدرك مارك أنه لن ينجو بالهرب من دب بهذا الحجم، واستشعر أن الطاقة بداخله تفوق طاقته.
لو كان بشراً لقال إنه متقدم عنه بثلاث مراحل على الأقل، إن لم يكن في مرحلة تكرير الطاقة بالفعل. أسقط حقيبته ببطء، وسحب عصاه واستعد للقتال. اندفع الدب وقفز مارك تفادياً له، مستنداً بقدمه إلى شجرة ليدفع نفسه محلقاً فوق ظهر الدب، حيث هوى بعصاه طاعناً عمودَه الفقري. لقد التقط هذه الحيلة بعد محاصرته من قِبل قطيع من الذئاب غير الروحية قبل بضعة أسابيع. لكن طعناته لم تبدُ كافية لإزعاج الدب وحسب.
مع ذلك، لم يكن هدف مارك قتل الدب، بل إقناعه بمجرد تركه وشأنه. لسوء الحظ، كان الدب أذكى من الذئاب، وفي المرة الثانية التي حاول فيها مارك ذلك، استدار الدب ووجه له لطمة بمخلب هائل، فأطاح به محلقاً عبر الغابة، مرتدطاً بعدة أشجار. كبح مارك أنّة ألم ووثب واقفاً فور هبوطه، فأي علامة ضعف ستكفل له الموت. بدا الدب مستمتعاً بهذا، فأطلق صوتاً خشناً وهو ينتصب على ساقيه الخلفيتين، ليفوق ارتفاعه عشرة أقدام بسهولة، إن لم يكن أكثر، متطاولاً فوق مارك.
أخذ نفساً عميقاً كأنه يستعد للزئير، ليتحاشى ذلك فجأة. بدت هيبة تهبط على الغابة، هالة خانقة استشعرها كل من مارك والدب. ورمقه بنظرة أخيرة، كأنه يخبره بأنه محظوظ، ثم هبط الدب على قوائمه الأربع، مستديراً ومهرولاً نحو الغابة. عاد مارك سريعاً إلى حيث أسقط حقيبته، إذ لم يكن يثق ببقائها هناك لو تركها هكذا لفترة طويلة، ليتوقف ويستمع مرة أخرى. كان الصوت أرقى هذه المرة، لكنه سمع تقرمش الثلج، فهرول سريعاً للاختباء تحت شجيرة بينما اقتربت الخطوات.
كان هناك ضوء خفيف يسطع بين الأشجار لا علاقة له بالشمس في الأعلى، ضوء أصفر دافئ، وكان يقترب. حبس مارك أنفاسه بينما تقدم المخلوق بحذر إلى المساحة الخالية الصغيرة، وكان أَيْلاً هائل الحجم. كان كتفاه أعلى بكثير من رأس مارك، ومع ذلك تحرك برشاقة مهيبة كأنه مالك الغابة. ومع كل الطاقة المنبعثة منه، لكان كذلك بالفعل، فلم يشعر مارك بهذا القدر من الطاقة من قبل. لكن ما جذب نظره كان كرة الضوء الطافية فوق رأسه مباشرة، والمعلقة وسط عشه المتشعب من القرون.
لم يسبق لمارك أن ذهب لصيد الأيائل من قبل، لكنه سمع أن الأيائل والغزلان تحظى بالتقدير بناءً على عدد رؤوس قرونها، وتوقف مارك عن محاولة عدّ رؤوس قرون هذا الأيل بعد تجاوز العشرات، وعادت عيناه لتنجذب إلى كرة الطاقة. كانت تشبه لهباً ذهبياً ناعماً، لكنها بحجم جذع مارك على الأقل. كانت تحمل طاقة تفوق كل ما شعر به مارك من قبل، حتى أن حفنة شيوخ الطائفة الذين التقى بهم بدا وكأن لا شأن لهم مقارنة بهذا الوحش.
لقد كان ملكاً حقيقياً للوحش في نظر مارك. بأناقة هادئة، مشى عبر الفسحة حيث تقاتل مارك والدب، والتفت رأسه متطلعاً حوله، كأنه يتبين ما حدث هنا. ثم استدار لثانية وكان مارك واثقاً من أن إحدى عينيه تثبتتا على مخباه. شعر ببرودة مفاجئة لا علاقة لها بالثلج، وبدا له كأن قلبه توقف عن الخفقان بينما تراءى ملك الغابة فوقه. ثم اختفى، وكأنه فقد اهتمامه، وتابع الأيل مسيره عائدًا بين الأشجار.
ظل مارك مختبئًا حتى لم يعد يرى ضوء كرة الطاقة أو يشعر بحضورها. \-\-\-\-\- السنة 5، الشهر 12 تجميع الطاقة، المرحلة 8
اندفع مارك في جوف الغابة مطارداً فريسته. لمح طائراً كبيراً عاجماً عن الطيران، يشبه مزيجاً بين الديك الرومي والإيمو. كانت هذه المرة الثالثة التي يرى فيها هذا الوحش، وأيقن تماماً أنه المخلوق ذاته نظراً لهيئته والطاقة الداخلية التي شعر بها تنبعث منه. التف حول شجرة ضخمة، واندفع مارك في إثره، ليتسمر في مكانه فجأة؛ فقد اختفى، مرة أخرى. تفقد الأرجاء باحثاً في كل مكان، دار حول الشجرة مجدداً، وتطلع نحو أغصان المظلة الخضراء العالية، بل وبحث عن أثار الأقدام.
لا شيء. شتم بصوت عالٍ، ثم استدار وشرع في السير من جديد. كان موقناً بأن التضاريس هنا لا طائل من ورائها، فصار مارك يهيم عشوائياً في الغالب، يلمح أحياناً من فوق قمم الأشجار معلماً غريباً يظن أنه قادر على بلوغه ذلك اليوم، عارفاً أنه لن يكون في مكانه غداً. في نصف المرات لم يعثر عليها أبداً، وفي النصف الآخر لم تكن سوى تفاصيل عادية كفراغات الأشجار أو الجداول. لكنها دلت على الأقل على أنه لا يدور في حلقات مفرغة، إذ لم يصادف المعلم عينه مرتين.
في ذلك الصباح، لمح تلّاً ضخماً يرتفع بشموخ من قلب الغابة، وقرر التوجه نحو ذلك الاتجاه. ومما يدعو للدهشة أنه عثر على التل بعد ساعات قليلة من ضياع ذلك الطير اللعين. وبدا هذا التل مثيراً للاهتمام حقاً، فقد وجد شواهد على سور حجري قديم عند قاعدته. ومغتبطاً، شق طريقه صعوداً بحذر وسرعة. كان يمني نفسه بالعثور على بلدة قديمة مهجورة أو طائفة منسية، فلربما عثر عندئذ على طريق يقوده عودة إلى الحضارة.
هذا إن افترضنا أن الطرقات ما زالت تؤتمن على عدم التحرك من مكانها. ما ألفاه فوق التل الانحدار كان شبيهاً للغاية بطائفة ظهوره الأول؛ أبنية خشبية غطتها الكثبان والأعشاب، وآثار لممرات مشاة قديمة وباحات فسيحة ربما كانت ساحات للتدريب ذات يوم. نقب مارك في الأبنية فلم يظفر بالكثير، وكان أفضل ما وجده مسنّاً حجريّاً استعمله لشحذ سكين العذاب الشيطاني التي اعتاد استخدامها في تقطيع صيد وتجريد الجذوع لحباً للحطب.
ووجد في بعض المنازل قدوراً قديمة صدئة، وراوده شعور جارف بتنظيفها، لكنه عدل عن ذلك حين تفككت وانهارت فور محاولته رفعها. وفي الرفوف المتهرئة استقرت أسطوانات لفائف جلدية، اكتشف بخيبة أمل أنها ممتلئة بالغبار ولا شيء غيره. مع ذلك، بقيت جلودها متينة فالتقط كل ما بدا سليماً وأضافه إلى حزامه. ووجد بقايا ما احتمح أن يكون حديقة، وتلمس طاقة خافتة تنبعث من بعض نباتاتها. وثمة شواهد على نباتات أخرى أكلت أو حفرت جذورها، على الأرجح بفعل وحش روحي اجتذبته الطاقة التي فيها.
عثر في النهاية على ما ظن أنه منزل رئيس الطائفة، في أعلى نقطة من التل، بيد أنه سوي بالأرض تماماً. واستناداً إلى خليط عشوائي من الأغصان والفروع المتآكلة، بدا أن كائناً ما اتخذ من هذا المكان وكراً له. وبما أن اتساع الوكر بلغ ثلاثين قدماً على الأقل، فلم يرغب مارك في لقاء المخلوق الذي بناه. ولحسن الحظ كان الخشب يبدو قديماً ومتحللاً، مما يعني أن الوكر مهجور على الأرجح.
ولأنه لم يستشعر شيئاً يستحق العناء في التنقيب بين الخشب المتهالك، تنهد مارك وانحدر من الجانب الآخر للتل بعكس ما صعد منه، فلربما حالفه الحظ أكثر على تلك الوجه. ومما يأسف له أن هذا الجانب بدا بكراً تماماً، بلا أثر لأبنية أو ممرات، وكأنهم تركوا بقعة من الغابة العذراء داخل أسوار الطائفة. غير أن مارك عثر على كهف، وكان نظيفاً بشكل ملحوظ. وبعد تفقد المحيط الخارجي للتأكد من أنه لا يقتحم عرين دب، تسلل بحذر إلى الداخل متوقفاً عند ما رأته عيناه.
وفي الضوء الخافت المتسلل عبر مدخل الكهف، أبصر حصيرًا منسوجًا ببساطة على الأرض، باتساع يكفي للجلوس وما بالكثير سواه. وأمامه حوض حجري بسيط منحوت في صخر الكهف ذاته، ومملوء بماء نقي صافٍ. ومع اقتراب مارك، تراءى له شيء منقوش على لوحة معدنية مثبّتة في الصخر أمام الحوض، واستغرق منه قراءة الخط في العتمة بعض الوقت لكنه أدركه في النهاية. حين تستنفد كل الأشياء خطواتها، وتنسى السماء ذاتها كيف تدور، سيظل هناك موضع لم تعرف الحركة إليه سيبيلاً قط.
اجلس تحت الظل الساكن. دع القلب يكف عن التماس، ودع الروح ترتجف عن التيه، وليغوص الفكر تحت سطح البحر الصامت. إن استوعبت ما لا يتحرك، فستفتح بوابات ميراثي. وإن ابتغيت الاستحواذ عليها، فقد حدت عن الدرب منذ البداية. قضى مارك دقائق معدودة يحاول فك رموز النص. هكذا... أجلس هنا وأنتظر؟ أما كان بمكانك قول ذلك فحسب؟ تمتم مارك بضجر، جالساً على الحصير بعد أن وضع حقيبته جانباً. وادرك أن الحوض ممتلئ بماء عذب نقي لدرجة تكاد تخفيه عن الأعين.
ومع جلوسه، سقطة قطرة ماء محدثة تموجات مثالية سرعان ما هدأت لتعود ساكنة. تطلع مارك لأعلى فرأى صواعد كلسية طويلة تعلو الحوض، إذ كان سقف الكهف مرتفعاً والصواعد بطول خمسة أقدام بسهولة. وأثناء رمقه لها، تشكلت قطرة ماء ببطء على طرفها، لتسقط في الحوض في قطرة مثالية أخرى. سيستغرق هذا وقتاً طويلاً، أليس كذلك؟ أدرك مارك بصوت عالٍ، واقفاً لالتقاط قربة الماء ليرتشف منها قبل أن يضعها قرب الحصير، فلا داعي للعطش أثناء الانتظار.
وجلس مجدداً ليراقب قطرة أخرى تتشكل، وكأنها كانت تنتظر جلوسه لتسقط في الحوض. تتبع سقوط ثلاث قطرات أخريات قبل أن ينهض مجدداً. وإذا كان سيقضي ساعات في مراقبة الماء وهو يقطر في إناء حجري، فمن الأجدر به إنجاز أمر ما. جمع خشباً في فم الكهف وأشعل ناراً، وعلق بعض اللحم الطازج الذي اصطاده بالأمس فوقها لتدخينه وتجفيفه، قبل أن يعود للجلوس على الحصير مرة أخرى. استشعر وجود شيء ما هنا، أعمق مما يمكنه إدراكه، في تأمل قطرات الماء الساقطة في الحوض.
لكن بعد جلوسه لساعة كاملة مراقباً، وقف ليرمي بالمزيد من الجذوع في النار ويتفقد اللحم للتأكد من تدخينه بالطريقة السليم. وعند جلوسه للمرة الرابعة أو الخامسة سمع صوتاً. أنت لا تلائم مساري، قال الصوت. أه... على الأرجح، كأني أعلم بوجود شيء ما، لكنه... ليس ملائماً لي فحسب، تنهد مارك متكئاً على يديه للخلف. والتفت فرأى طيفاً شفافاً لرجل طاعن في السن يقف بمحاذاة جدار الكهف: انتظر، أأنت شبح؟