الفصل 370: استوديو فورج نايت مير [1]
اتّكأ رئيس القسم إلى الوراء في كرسيّه، حاجباه معقودان بينما وضع يده على فمه غارقًا في التفكير العميق.
لقد تردّد طويلًا بشأن إخبار سيّد النقابة بما اكتشفه، لكن بعد قليل من التأمل، أدرك أنّه لا خيار آخر أمامه سوى ذلك.
’من المرجّح جدًّا أنّه استنتج شيئًا بالفعل. إن تصرّفتُ وكأنّي لا أعلم شيئًا، فقد يختار ألا يذكر الأمر، لكنّ صمته… هو ما يثير القلق حقًّا.’
سيّد النقابة لم يكن ممّن يواجهون الآخرين مباشرة في أيّ شأن.
فإن لم يرضَ عن أداء أحد، لا يُظهر ذلك علنًا. بل يدوّن ملاحظته بصمت، ويكون صمته أبلغ من أيّ كلمات. وكلّما خيّب أحدهم ظنّه أكثر، انطفأت جذوة اهتمامه به سريعًا.
كان من أولئك الذين يُقيِّمون الناس بناءً على قيمتهم العملية، لا على ذواتهم. يقيسون الإنسان بما يقدّمه، لا بما هو عليه.
وكلّما خذله أحدهم أكثر، تضاءلت قيمته في عينيه، إلى أن يغدو شخصًا لا يستحقّ الالتفات إليه أصلًا.
وهذا آخر ما كان رئيس القسم يرغب فيه.
"…أنا فضوليّ. ماذا اكتشفت بشأن الدنيء – 2013؟"
"أنا…" ضمّ رئيس القسم شفتيه، مرتبًا أفكاره في ذهنه قبل أن يبوح بالحقيقة: "مع أنّي لست واثقًا تمامًا، فقد ظهرت بعض الشكوك حول سيث. بصراحة، لا أظنّه هو، لكن هناك أشياء كثيرة لا تتطابق ببساطة."
"مثل ماذا؟"
"توقيت بعض الأحداث، وبعض الظروف. ظهوره. لقد تطابق مع الوقت الذي ظهر فيه المهرّج أول مرة. كان في التوقيت ذاته تقريبًا. هناك… أشياء كثيرة."
تراكَمَت المصادفات إلى حدّ لم يعد بالإمكان تجاهلها.
ومع أنّ رئيس القسم حاول جاهدًا غضّ الطرف عن الموقف، إلا أنّه لم يعُد قادرًا على ذلك.
’آمل أن أكون مخطئًا، لكن من واجبي أن أُبلِغ بالأمر.’
"لديّ ملفّ هنا جمعت فيه كلّ ما توصّلتُ إليه." انحنى رئيس القسم إلى الأمام واضعًا مجلّدًا أنيقًا على مكتب سيّد النقابة. "ما زالت هناك أمور لا معنى لها تمامًا، لكنّي رأيت أنّ من الأفضل أن أُريك هذا على الأقل."
"همم."
مدّ سيّد النقابة يده وأخذ الملفّ.
قرأه بعناية بينما جلس رئيس القسم صامتًا أمامه. كان صوت تقلّب الصفحات الخافت يملأ الغرفة، وبعد برهة وضع سيّد النقابة الملفّ على المكتب.
"ليس سيّئًا. أستطيع أن أرى كيف نشأت مخاوفك. لو كنتُ مكانك، لفكّرتُ بالطريقة نفسها."
"إذًا…؟"
"لا داعي للقلق."
ابتسم سيّد النقابة ابتسامة مطمئنة.
"لقد تعاملتُ مع الأمر بالفعل. احتماليّة أن يكون هو المهرّج ضئيلة إلى حدّ العدم."
مدّ يده نحو هاتفه، وشغّل مقطع فيديو وأراه لرئيس القسم.
"كانت هناك مشاهدة مُبلَّغ عنها للمهرّج أثناء حادث بوّابة الساعة الرملية. أفترض أنّك على علم بذلك."
"نعم، أنا كذلك."
نقَر سيّد النقابة على الشاشة، فبدأ تشغيل مقطع جديد.
"إن نظرتَ هنا، ستلاحظ أنّ سيث كان داخل النقابة طوال مدّة حادث بوّابة الساعة الرملية. في الواقع، كان يواصل اجتياز البوابات مع فريقه باستمرار. وليس هذا فحسب، بل إنّ رتبة صعوبة تلك البوابات لم يزِد قيد أنملة. احتمال كونه المهرّج ضعيف للغاية."
"أنا على علم بذلك."
ردّ رئيس القسم.
"…وهذان الدليلان هما أيضًا سبب شكوكي في كونه المهرّج. ومع ذلك، ما زلتُ مقتنعًا بأنّ هناك رابطًا ما بينهما، نظرًا لكلّ تلك المصادفات المريبة التي تحيط به."
"من حقّك أن تفكّر كذلك."
أومأ سيّد النقابة، معترفًا بقلقه ومقدّرًا له.
"لكن، لا داعي للقلق في هذا أيضًا. لقد تحقّقتُ من الأمر، ولا توجد أيّ صلة تربطه بالمهرّج."
"حقًّا؟"
حدّق رئيس القسم في سيّد النقابية بدهشة. كان من الصعب تصديق ذلك، لكن حين التقت عيناهما، ورأى ذلك الثبات العميق في نظرته، خمدت دهشته تدريجيًّا لتحلّ محلّها قناعة هادئة.
"أفهم."
"…سعيد لأنّك تفهم."
شبك سيّد النقابة أصابعه أمامه وانحنى قليلًا إلى الأمام، ضاغطًا بأطرافها أسفل عينيه في إيماءة ذات معنى.
"أنت أكثر من يعرف عينيّ. ليس هناك الكثير مما يمكن أن يفلت من بصري."
تلألأت عيناه لحظة وجيزة، تحوّل بياضهما لبرهة قصيرة. ارتجف جسد رئيس القسم على الفور، متجمّدًا تحت وهج النظرة الكاشفة، شعر بأنّه عارٍ تمامًا أمامها في تلك اللحظة العابرة.
ولحسن الحظ، لم تدم طويلًا. إذ استرخى سيّد النقابة في كرسيّه، وارتسمت ابتسامة خافتة على وجهه، مبدّدة التوتّر في الغرفة.
"إنّه بريء. يمكنك القول إنّ حظه سيّئ مع التوقيتات."
"أهكذا هو الأمر…؟"
بلع رئيس القسم ريقه، وقد جفّ حلقه على غير العادة. وبعد أن التقت نظراتهما الأخيرة، أومأ برأسه ونهض من مقعده.
"حسنًا إذًا."
عدّل ملابسه.
"إن كان الأمر كذلك، فلا داعي للقلق بعد الآن. أنا حقًّا أُعجَب بسيث، لذا كنتُ آمل أن أكون مخطئًا. هذا يريحني."
"يسرّني أن أسمع ذلك. اعتنِ به جيّدًا. إنّه موهبة عظيمة."
"أعلم، أعلم."
لوّح رئيس القسم بيده بتكاسل متّجهًا نحو الباب.
"…سأعتني به. ربما يفاجئنا خلال المؤتمر العالمي القادم."
"أوه؟ أتطلّع إلى ذلك."
"يرجى أن تفعل."
ومع تلك الكلمات، أمسك رئيس القسم بمقبض الباب وخرج، مغلقًا إياه خلفه، تاركًا سيّد النقابة وحده في الغرفة الهادئة. لبث الصمت لبضع ثوانٍ قبل أن تنقر أصابعه على الطاولة بخفّة.
"…أنا حقًّا أتطلّع إلى ذلك."
***
ترررررر—!
أيقظني المنبّه في الصباح.
"آه…"
كان عطلة نهاية الأسبوع، ولا واجبات عمل لديّ. ومع ذلك، كان هناك موعد عليّ حضوره.
’لا أصدّق أنّني أستيقظ مبكّرًا في يوم راحتي الوحيد.’
تنهّدت وأنا أمدّ ساقيّ خارج السرير، ثم أخذتُ حمامًا سريعًا. وبعد أن بدّلت ملابسي، غادرت وسرتُ في الشارع أستعدّ لركوب سيارة أجرة إلى الاستوديو.
’…آمل أن تسير الأمور معهم على ما يرام. لديّ بالفعل الكثير من الأمور المزعجة التي يجب أن أتعامل معها. لا أريد إضافة واحدة أخرى.’
وأنا أتصفّح هاتفي، فتحتُ تطبيق 'رانوبي'.
"صحيح، مضى وقت منذ آخر مرة راقبتُ فيها ملفّي. أتساءل كم عدد متابعيني الآن."
─────
[سيث ثورن]
المنشورات: 1 المتابعون: 104.3 ألف يتابع: 0
─────
"….!"
اتّسعت عيناي دهشة.
كان الرقم أعلى بكثير ممّا توقّعت، وكنت أرى أنّه ما زال في ازدياد. عدد الإشعارات التي وصلتني كان كبيرًا للغاية. لحسن الحظ، كنتُ قد ألغيتُ تنبيهاتها مسبقًا.
’يبدو أنّ الاختبارات ساعدت حقًّا في رفع شعبيّتي.’
ومع ذلك، كان هذا لا يُقارن بمدى شهرة كايل وزوي.
’صحيح، إن لم تخنّي الذاكرة، أليست زوي تملك عددًا هائلًا من المتابعين؟’
انتقلتُ للبحث عن ملفّها الشخصي.
─────
[زوي تيرلين] المنشورات: 76 المتابعون: 23.2 مليون يتابع: 2
─────
"واو."
كان الأمر أكثر جنونًا ممّا أتذكّر. بالفعل، تملك عددًا هائلًا من المتابعين.
وبينما كنتُ أتصفّح منشوراتها، لاحظتُ فجأة ظلًّا يُخيّم فوق هاتفي، وحين رفعتُ نظري، لمحتُ زوجًا من العينين الخضراوين تحدّقان في شاشتي.
"هذا ملفّي الشخصي، أليس كذلك…؟"
تجمّدت مكاني.