الفصل 363: تحذير وديّ [2]
[يُعمل بهذا القرار فورًا، لقد تم إنهاء عقد مايلز هولمز مع النقابة. نشكره على إسهاماته السابقة، ونتمنى له التوفيق في مساعيه المستقبلية.]
كان إعلانًا بسيطًا، لكنه كافٍ لإشعال الهمسات في أرجاء القسم بأكمله. كان المرور عبر المنطقة الرئيسية أشبه بخوض معرض في حديقة حيوانات.
كلّ زوجٍ من العيون كان مُثبّتًا عليّ، وكلّ همسةٍ تُقال بصوتٍ مرتفعٍ بالكاد لأسمعها.
‘ذلك هو، أليس كذلك…؟ إنّه من تسبّب بطرد مايلز.’
‘سمعتُ أنّ مايلز كان يغار منه.’
‘الآن بعد أن أفكّر بالأمر، لتلك الغيرة مبرّرها. ذلك الرجل… وفقًا لإحصاءاته، إنّه وحش حقيقي.’
‘كنتُ سأشعر بالأمر ذاته أيضًا.’
أجبرتُ نفسي على تجاهل تلك الهمسات وأنا أمضي بخطواتٍ ثابتة نحو مكتبي، إلى أن توقّفت أمام الباب.
ظهرت هيئةٌ عند عتبة الباب.
"أوه، لقد وصلت أخيرًا."
لوّح رئيس القسم بيده بفتور، شعره مبعثر والهالات السوداء تحت عينيه أكثر بروزًا من المعتاد. بدا أكثر إنهاكًا من أيّ وقتٍ مضى.
‘يبدو أنّه سهر طوال الليل بعد ما حدث البارحة.’
"لا تُلقِ بالًا لي، لقد سهرتُ حتى الصباح بعد الفوضى التي حصلت أمس."
كما توقّعت…
"على أيّ حال، هناك بعض الأمور أودّ مناقشتها معك. هل نُجري الحديث في مكتبك؟"
أمال رئيس القسم رأسه نحو باب مكتبي. مكتبي…؟ تردّدت للحظة، ثم أومأت برأسي.
"نعم، لِنفعل ذلك."
لم يكن لديّ ما أُخفيه على أيّ حال.
"جيّد."
كَلَنْك—!
دخل رئيس القسم وكأنّ المكان ملكٌ له، خطواته واثقة ومسترخية. كتم تثاؤبًا خافتًا وهو يشقّ طريقه نحو الكرسي المقابل لمكتبي، جلس عليه، شبك ساقيه، واتّكأ إلى الخلف.
راقبتُ المشهد بصمتٍ قبل أن أسير نحوه وأجلس في مكاني.
خيّم صمتٌ خفيف، بينما تثاءب رئيس القسم مرّتين إضافيتين.
"هوآآم."
رمش بعينيه عدّة مرّات وهو يتمتم: ‘عليّ حقًّا أن أتوقّف عن السهر. لا أظنّ أنّني نمت أكثر من ساعتين هذا الأسبوع.’
ابتسمتُ ابتسامةً مجاملة.
على الأرجح كان يُبالغ، فلا يمكن لإنسانٍ أن يعمل بقليلٍ من النوم كهذا.
‘أليس كذلك…؟’
"دعنا نبدأ إذًا. أنا واثقٌ أنّك مشغول أيضًا."
وضع يده على الطاولة، وانحنى إلى الأمام وهو يحدّق بي.
"لقد اعترف مايلز بكلّ شيء. لا داعي للقلق بشأن أيّ إجراءٍ تأديبي. لم تكن مخطئًا في شيء. وبما أنّنا جميعًا شهدنا ما حصل، لم يكن بإمكانه الإفلات على أيّ حال. خصوصًا بعد أن قدّمتَ التسجيل. كلّ شيءٍ بخير."
"…أوه."
في الواقع، لم أكن قلقًا من الأساس.
لقد رتّبتُ فخّي بعنايةٍ متناهية، بحيث لا يكون هناك أيّ احتمالٍ لأن أقع في الخطأ.
"بعيدًا عن ذلك، هناك أمران آخران أودّ أن أقولهما لك."
اتّكأ رئيس القسم على كرسيّه، ورفع وركه قليلًا، وأخرج من جيبه ورقةً مجعّدة، ثم وضعها على الطاولة.
"هاك."
"ما هذا…؟"
مددتُ يدي نحو الورقة مرتبكًا.
وما إن فتحتها حتى ارتفع حاجباي بدهشة.
"نعم، أنت وفريقك اجتزتم الاختبارات رسميًّا. لقد تمّ اختياركم للمشاركة في المؤتمر العالمي القادم. ماذا يعني هذا؟ يعني أنكم ستحصلون على موارد إضافية من النقابة، إلى جانب فرص رعايةٍ جديدة. لاحقًا، سيتّصل بكم قسم الموارد البشرية ليُطلعكم على قائمة الرعاة المحتملين."
"…أرى."
رغم ردّي الفاتر، كنت في الحقيقة متحمّسًا.
الرعايات تعني المال، وأنا بحاجةٍ إلى المال.
"حسنًا، بخلاف ذلك، هناك أمرٌ آخر أودّ أن أخبرك به."
تبدّل تعبير رئيس القسم إلى الجديّة، وبصورةٍ تلقائيةٍ فعلت المثل، إذ تلاشت الحماسة التي شعرتُ بها قبل لحظات.
"الوضع مع مايلز معقّد بعض الشيء، لكنه على الأرجح سيُفصل من النقابة. ربّما تستقبله نقابةٌ أخرى… وربّما لا. سنراجع أيّ عروضٍ قد تصلنا."
"حسنًا…؟"
لم يكن هذا الخبر مفاجئًا بالضبط.
ما الذي يريد قوله إذًا—
"لقد طلب أن يتحدّث معك لبضع كلمات."
تجمّدتُ مكاني وأنا أحدّق في رئيس القسم مذهولًا.
هو…؟ هل سمعتُ خطأً؟ فتحتُ فمي لأتكلّم، لكنّي أغلقتُه بعد لحظة، محدّقًا في رئيس القسم مجدّدًا.
"يريد أن يتحدّث معي…؟"
"نعم."
أومأ رئيس القسم برأسه.
"لا داعي للقلق من أن يُهاجمك مجدّدًا، إن كان هذا ما يدور في بالك. سيُراقَب عن كثب داخل الغرفة. كلّ ما يريده محادثة قصيرة فقط. قال إنّه بعد انتهائها، سيتقيّد بكلّ شيء."
"….."
شعرتُ وكأنّ الكلمات علقت في حلقي.
هل أريد التحدّث معه؟ لا، في الحقيقة لا. أردتُ أن أنهي كلّ شيءٍ وأمضي.
ومع ذلك—
‘ما زلتُ لا أعرف السبب الحقيقي وراء أفعاله.’
كنتُ أتوق لمعرفة ذلك.
لماذا كان يائسًا إلى هذا الحدّ للتخلّص منّي؟
بالتأكيد لم يكن السبب مجرّد الغيرة. لا بدّ من وجود ما هو أعمق من ذلك، وأنا واثقٌ أنّ هناك شيئًا آخر.
لذلك…
"حسنًا."
قرّرتُ أن أوافق.
شعرتُ أنّ معرفة السبب أمرٌ ضروريّ.
"رائع."
ابتسم رئيس القسم، وصفّق بيديه معًا. ثمّ وقف واتّجه نحو الباب، قبل أن يلتفت نحوي. "ألستَ قادمًا؟"
"هاه؟" رمشتُ بعينيّ متحيّرًا، ثم أدركت.
"الآن!؟"
"طبعًا! لماذا؟ هل تودّ تأجيلها للأسبوع القادم؟"
"آه، لا."
نهضتُ من مكاني بسرعةٍ ولحقتُ برئيس القسم.
"هذا يناسبني في الواقع، أفضل أن أنهي الأمر الآن بدلًا من المماطلة."
"جيّد."
ابتسم رئيس القسم وهو يمسك بمقبض الباب ويسحبه ليفتحه.
"لنذهب إذًا."
***
كانت غرفة الاستجواب تقع في الطابق [-1]. وما إن خرجنا من المصعد حتى انزلقت الأبواب لتكشف عن ممرٍّ طويلٍ يمتدّ إلى ما لا نهاية، كطوابق الفرق في الأسفل. كان بساطٌ رماديٌّ ناعمٌ يُخمّد وقع خطواتنا، بينما أضواء LED في السقف تومض على نحوٍ متقطّع.
توقّف رئيس القسم أمام بابٍ محدّد، ووضع يده على الجدار، فانفتح الباب بعد لحظاتٍ قصيرة، كاشفًا عن غرفةٍ واسعةٍ أمام ناظريّ.
كان في الداخل عدّة أشخاص، لكنّ أول ما جذب بصري كان النافذة الكبيرة في الطرف الآخر.
ومن خلفها، لمحتُ غرفةً أخرى.
وفيها، جلس شخصٌ وحيدٌ مطأطئ الرأس، شعره ينسدل فوق وجهه حاجبًا ملامحه.
لكن بنظرةٍ واحدة، أدركتُ مدى إرهاقه.
بل أكثر من رئيس القسم نفسه.
خفق قلبي بقوّة عند رؤيته، وما إن تقدّمتُ خطوةً إلى الأمام، وكأنّه أحسّ بوجودي، رفع رأسه ببطءٍ نحو المرآة.
تلاقت أعيننا في تلك اللحظة، وتوقّف قلبي عن الخفقان.
ثمّ—
ظهرت غمّازتاه أمام ناظريّ.
انقلب جوفي.
‘…ربّما بدأتُ أندم على هذا القرار.’