الفصل 359: التخلّص من الجرذ [5]
"إذًا…؟ ما جوابك؟"
دخل الجرذ بجرأة، وجلس كما لو أنّ المكان ملكٌ له.
وبينما كنت أُمسك بابتسامتي، وجدت نفسي عاجزًا عن الرد. بدا أنّ الجرذ أخطأ في تفسير صمتي على أنّه ضعف، فانعطفت زوايا شفتيه إلى الأعلى، وتعَمّقت الغُمازتان في وجهه، وتألّقت عيناه الصغيرتان بلمعانٍ يحمل شيئًا من الرضا.
"…أرى أنك ما زلت متردّدًا في الاستقالة. ولكن ما السيّئ في تركك للنقابة؟ ستحصل على وظيفة ممتازة وراتب جيّد. يمكنك القول إنني كنت لطيفًا جدًا معك. ليس قرارًا صعبًا حقًا."
لكنّه كان كذلك…
كلماته حملت شيئًا من الحقيقة، لكنها عن عمدٍ أغفلت تفاصيل أساسية عدّة.
كنت موضع تقديرٍ في النقابة.
كان واضحًا من طريقة تعامل رئيس القسم معي أنه كان يراني موهبةً مميّزة، شخصًا يتجاوز بكثير مستوى المجنّدين العاديين في نظره.
ولا يمكن قول الشيء نفسه عن النقابة الجديدة. لم أكن سوى غريبٍ من جزيرةٍ بعيدة، وموهبةٍ مجهولة… اسمٌ لا يحمل أيّ وزنٍ يُذكر. سيستغرق الأمر وقتًا وجهدًا قبل أن أُثبت قيمتي لديهم.
ولم يكن ذلك كلّ شيء.
لقد منحتني النقابة ميزانية ممتازة وغرفة لتطوير ألعابي.
وصنع الألعاب كان أمرًا جوهريًا بالنسبة لي. لم تكن فقط مصدر دخلي الأساسي، بل كانت أيضًا وسيلتي الرئيسية لاكتساب الـSP.
صحيح أنّني لم أعد مُلزَمًا بصنع الألعاب، لكن النظام كان مصممًا بدقّةٍ متناهية لدرجة أنّ تجاهله كان يبدو إهدارًا فادحًا.
وفوق ذلك، كنت أعلم تمامًا أنّ صناعة الألعاب لم تكن مجرّد وسيلة لكسب النقاط.
كان هناك بالتأكيد ما هو أعمق من ذلك، ولهذا السبب لم أستطع التوقّف عن صنعها.
كنت أعلم…
أعلم تمام العلم أنّ النظام كان يُهيّئني لشيءٍ ما من خلال تلك الألعاب.
’إنّ الأمر متعلّق فقط بإيجاد السبب الذي يجعلني أصنع الألعاب.‘
لكن بخلاف ذلك، والأهمّ من كلّ ذلك…
كنتُ أكره التحدّث مع الغرباء ولقاء أشخاصٍ جدد. الانضمام إلى نقابةٍ جديدة سيجعلني أكره الذهاب إليها كلّ يوم. كنت أعلم أنني سأتعذّب، غارقًا في التفكير الزائد حول كيف أبدأ حديثًا وكيف أحافظ عليه دون أن يتحوّل إلى صمتٍ مُحرِج.
’يا للهول، لا.‘
شعرتُ بقشعريرةٍ لمجرّد التفكير بالأمر.
على خلاف النقابة الجديدة، كنت أعرف الكثير من الأشخاص هنا. لم يكن الحديث معهم مُربِكًا، ورغم أنّني ما زلت أُفضّل إبقاء مسافةٍ بينهم وبيني لأنّ المحادثات تُرهقني، إلّا أنني على الأقلّ كنت أتحمّلها.
لم أرِد أن تعود الأمور إلى ما كانت عليه عندما بدأتُ أول مرة.
لقد بدأتُ مؤخرًا فقط بالانفتاح قليلًا على مَن حولي.
’نعم، لا يُمكنني ببساطة مغادرة النقابة.‘
بالطبع، لم أكن لأن أدع سيد النقابة يكتشف ذلك. فلو علم، لزاد الأمر تعقيدًا بالنسبة لي.
"هل لا تزال تملك العقد معك؟ كان يجدر بك أن توقّعه الآن. أنا لا أملك صبرًا طويلًا. فقط أعطني إيّاه وسننتهي من هذا كلّه."
مال الجرذ إلى الأمام، وعيناه تضيقان حتى أصبحتا شقّين حادّين يخترقانني بنظراتهما. لم أردّ مباشرة، بل قرّرت أن أقلب الطاولة وأسأله بدوري بعض الأسئلة.
كان هناك ما يثير فضولي.
"لماذا ترغب بالتخلّص مني بهذا الإصرار؟"
هل هو فقط بسبب انعدام أمانه الداخلي؟ رغم أنّني كنت على دراية بمدى غيرته وانعدام ثقته بنفسه، لم أعتقد أن هذا سيكون السبب الرئيسي وراء محاولته طردي من النقابة بهذه الطريقة اليائسة.
فبوسعه ببساطة أن يستفيد من 'المعلومات' لنفسه بدلًا من إقصائي.
ومع ذلك—
كان يبدو مهووسًا جدًا بمحاولته إبعادي.
لماذا يا تُرى…؟
لابدّ أن هناك سببًا أعمق من مجرد الغيرة.
تأكّد حدسي حين لاحظتُ الغُمازتين على وجه الجرذ تختفيان بينما ثبّت نظره عليّ.
"لماذا تُطيل الحديث؟ هل تحاول تضييع الوقت؟"
ألقى نظرةً متفحّصة حول المكان، وعيناه تمسحان الغرفة بدقّة.
ظللت جالسًا في مكاني، وعينيّ مثبتتين عليه.
وفي النهاية، فتحتُ فمي لأتكلّم.
"لستُ أحاول إضاعة الوقت. إنما أسألك بدافع الفضول. أريد أن أفهم لماذا أنت—"
"لا تجهد نفسك بالسؤال."
قاطعني الجرذ، وعيناه تزدادان برودة. ومن نظرته أدركتُ أنه لن يبوح لي بأيّ شيء. وهذا جعل فضولي يزداد أكثر. فقط ما الذي يحاول تحقيقه بطردي؟
ولماذا يبدو بهذا القدر من اليأس أيضًا…؟
"هوو."
أخذت نفسًا عميقًا، فاسترخى وجه الجرذ بعد لحظة قصيرة. عاد الابتسام إلى محيّاه بعد قليل وهو يميل إلى الخلف على كرسيه.
"آسف على ذلك." اعتذر، وعادت الغمازات إلى وجنتيه مع سكينته.
"أنا فقط متعجّل قليلًا، إن كنتَ تفهم ما أعنيه."
نظر إلى الطاولة مجددًا، وازداد ابتسامه لطفًا.
"أنا متأكد أنك لا تريد أن يتسرّب ’سِرُّك‘. إن أمكن، أودّ سماع قرارك. هل ستبقى في النقابة، أم أنك…" توقف، واتسعت عيناه الضيّقتان قليلًا بينما ركّز كامل انتباهه عليّ. فتح فمه، ثم أغلقه بعد لحظة قصيرة.
لم يكن بحاجةٍ إلى قول المزيد.
رسالته كانت واضحة.
"….."
خيّم صمت ثقيل علينا بينما ركّزت نظري كله على الجرذ.
وبينما بلغت التوتّرات ذروتها، انحنيت إلى الجانب وسحبت رزمة أوراقٍ من حقيبتي، ثم تركتها تسقط على الطاولة بصوت مكتومٍ خافت.
"ها هي."
"هاه."
اتّسعت ابتسامة الجرذ، وغارت الغمازات في وجنتيه حتى كادت تثير الغثيان، وهو يزيح شعره المقصوص كوعاءٍ عن جبينه ويمدّ يده نحو الأوراق.
"أرأيت؟ لم يكن الوصول إلى لبّ الموضوع صعبًا، أليس كذلك؟ لطالما علمت أنك شخصٌ عاقل ومتفـ—"
توقّف كلام الجرذ فجأة وهو يحدّق في الأوراق. عاد الصمت الذي خيّم على الغرفة من قبل، وارتجفت عيناه لحظةً وهو يرفع نظره نحوي.
"ما هذا…؟"
كان صوته هادئًا، لكني استطعت أن أستشعر الغضب الكامن فيه، وهو يحاول جاهدًا تهدئة نفسه، واضعًا الأوراق على الطاولة.
رفع رأسه ونظر إليّ.
"…ما هذا؟"
كرّرها بنبرةٍ أكثر برودة من ذي قبل. زالت الغمازات عن وجهه، وبدأت التشققات تظهر على ملامحه.
"أوه."
نظرت إلى الأوراق، مشوَّش الفكر.
مددت يدي لأتفحّصها حتى انقدحت الفكرة في ذهني فجأة.
"آه!"
صفعت جبهتي.
"يا لي من أحمق! نسيت تمامًا أن أوقّعها!"
تلفّتُّ حولي، ثم مددت يدي نحو الدرج وسحبت قلمًا. قرّبت رأس القلم إلى الورقة وهممت بالتوقيع، لكن—
"اللعنة! الحبر نفد!"
وضعت رأس القلم قرب فمي وبدأت أنفخ عليه. كانت تلك طريقة ممتازة لجعل الحبر يعود للعمل.
أو كان من المفترض أن تكون كذلك…
"تبًّا… لا يعمل إطلاقًا."
نظرت إلى الجرذ، وكانت عيناه من البرودة بحيث كادتا تجعلاني أرتجف. تجاهلت نظرته ومددت يدي مجددًا إلى الدرج أحاول إيجاد قلمٍ آخر، لكن…
"لا يوجد قلم آخر. يبدو أن عليّ أن أذهب لأطلُب—"
"حسنًا."
وضع الجرذ كفّيه كلتيهما على الطاولة، ونهض من مقعده.
"يبدو لي أنك أوضحت موقفك جيدًا."
تردّدت، وأعدت نظري إلى الجرذ. زالت التشققات التي شوّهت وجهه المتقن، لتحلّ محلّها ملامح باردة متجرّدة أرسلت فيّ قشعريرة للحظة.
رؤية تعابيره تلك جعلتني أفتح فمي وأنا أفكر في أعذارٍ جديدة، لكن…
"هاه."
في النهاية، لم أتمكّن من كبح ابتسامتي الساخرة.
"أنت محق. لم أفكر في الأمر أصلًا. كنت فقط أريد مجاراة اللعبة لوقت أطول قليلًا."
"….."
"ماذا؟ أكنتَ تظن حقًا أنني سأجلس هنا وأنتظر هراءك؟"
ضحكت، وأنا أحدّق في ملامحه المتجمّدة.
"اسمع أيها الجرذ الحقير."
لم أعد أقيّد نفسي وأنا أحدّق في الجرذ.
"بإمكانك أن تهدّدني قدر ما تشاء، لكن في النهاية، لن يخرج من ذلك شيء. لستُ المهرّج، أو أيا يكن هذا الهراء الذي تتفوّه به، وحتى إن صارت الأمور مزعجةً لي قليلًا، فسأُبرّأ في النهاية من كلّ الشبهات. فأنا لست المهرّج."
"لست…؟"
تحطّم قناع الجرذ تمامًا، وانقلبت شفتاه إلى ابتسامة مقزّزة وهو يضع يديه على الطاولة وينحني نحوي.
"أظن أنك تستخفّ بي قليلًا. أو بالأحرى… لقد استهنتَ بنفوذي داخل النقابة. بينما كنتَ تتسكع وتخترع ألعابك الصغيرة، أنا صنعتُ كل أنواع العلاقات. سواء أكان الخبر قابلًا للتصديق أم لا، أستطيع أن أجعل الجميع يصدقونني."
قرّب يده أكثر، والتوت ملامحه.
"تلك هي الفوارق بيننا. لديّ من النفوذ ما يكفي لأجعل الأمور تسير وفق مشيئتي، بينما أنت لا تملك ذلك."
ارتسمت على شفتيه ابتسامة، وومضت عيناه، وظهرت الغمازات مجددًا.
"بدلًا من إضاعة وقتك بارتداء النظارات الشمسية وصنع ألعابك الصغيرة، كان عليك أن—"
توقّف كلام الجرذ فجأة عندما أخرجتُ غرضًا صغيرًا أسود ووضعته على الطاولة. وما إن وقعت عيناه عليه، تغيّرت ملامحه، ووجّه نظره نحوي.
لم أفعل سوى أن ابتسمتُ بخفة.
"إذن؟ ما الـ—"
بَانغ!
لم أتمكن من إنهاء جملتي.
ففي اللحظة التي فتحت فيها فمي، ارتطمت قبضةٌ ضخمة بجانب وجهي، وطرحتني أرضًا.
"….!؟"