الفصل 351: "أنت المهرج" [3]
"فكّر جيدًا في حديثنا. أظن أنّ الأفضل لك ولِي أن تنتقل إلى نقابةٍ أخرى. وأنا أقول هذا لأنني لطيف معك. أنا متأكد أنك تفهم مدى الإزعاج الذي قد يحدث عندما يبدأون فعليًا بالاشتباه في هويتك بوصفك الـ ’المهرج‘. بطريقة ما، يمكنك القول إنني أساعدك."
أشار الجرذ إلى الأوراق الموضوعة أمامي قبل أن ينهض.
"على أيّ حال، آمل أن تأخذ بعض الوقت للتفكير مليًّا في الموقف. أنا… لا أريد حقًا أن أفعل هذا، كما تعلم؟ فأنا في الواقع أُعجب بك."
هكذا قال…
غير أنّه كان واضحًا لي أنه يمقتني.
فهو لم يكن ليفعل شيئًا كهذا مع شخصٍ يُعجَب به. كنت أعلم هذا أكثر من معظم الناس.
"سأنتظر حوالي ثلاثة أيام لأسمع جوابك. آمل أن يكون إيجابيًا."
تابع الجرذ طريقه خارج الغرفة بعد ذلك مباشرة.
كلانك—!
حتى بعد أن أُغلِق الباب وساد الصمت في الغرفة، بقيتُ جالسًا على مقعدي، أحدّق تارة في الباب وتارة في الورقة أمامي.
وفي النهاية—
"كيك…"
انفلتت ضحكة من بين شفتيّ، وأصابعي بالكاد تمنع ابتسامتي من الظهور بينما غطّيت وجهي بيدي.
"…كيك!"
كتمتُ ضحكتي بصعوبة وأنا أُعيد الحوار في ذهني. كلّما فكّرتُ فيه أكثر، ازداد الأمر طرافة، حتى كدتُ أُطلق ضحكةً عالية.
’لكي يصل إلى هذا الحد… كم من انعدام الأمان سبّبتُ له يا تُرى؟‘
شخصية الجرذ في اللعبة كانت واضحة تمامًا.
شديدة الكفاءة، لكن شديدة انعدام الأمان، حسابية، قاسية. كان من النوع الذي يفعل أيّ شيءٍ ليبلغ هدفه، حتى لو اضطرّ إلى خيانة أقرب الناس إليه.
’من الواضح أنّ أفعالي بدأت تجعله يشعر بانعدام الأمان بشدّة.‘
لكن ذلك لم يكن ما أضحكني.
ما أضحكني حقًا هو أنه أصبح متوتّرًا رغم أنني حاولتُ جاهدًا أن أبقى بعيدًا وأتصرّف كمن لا شأن له بشيء.
حينها أدركتُ شيئًا…
"كم سيشعر بانعدام الأمان لو أنّني حاولتُ حقًا؟"
كيك!
راودتني رغبةٌ جديدة في الضحك، واهتزّ صدري وكتفاَي من الكتمان. لسوء حظّه، كنت قد بدأتُ فعلاً في وضع خططٍ للظهور أكثر. كان هذا أمرًا رضيتُ به حين كشفتُ لجوانا والآخرين أنني أملك عُقدةً.
"…وحتى لو كشف الجرذ ما وجده، فلن يكون قادرًا على إثباته."
ومع ذلك، كان مُحقًا في كون الأمر سيُسبّب لي مزيدًا من المتاعب. كنتُ أعلم أن الجميع في النقابة أذكياء للغاية، ولن يحتاج الأمر إلى عبقريٍّ ليربط الخيوط معًا.
كان عليّ أن أفكر بسرعة في طريقةٍ لتفادي هذه المعضلة.
لكن كيف…؟
كيف سأفعل ذلك؟
"همم."
ضيّقتُ عينيّ، أُجهد ذهني في التفكير، لكن مهما حاولتُ، لم أصل إلى حل.
وبينما كنتُ أنقر بأصابعي على الطاولة، أخرجتُ بوصلةً معينة.
"ربما يمكن لهذه أن تساعد."
كان الوصف يقول إنها ستقودني إلى الشيء الذي أرغبه أكثر. وبما أن أكثر ما أرغبه الآن هو إيجاد طريقةٍ للتعامل مع الوضع الحالي، فقد جرّبتها.
"آمل أن أجد شيئًا…"
لكن الأمل خاب. في اللحظة التي فعّلت فيها عُقدتي وحاولتُ تشغيل البوصلة، بدأت تدور بعنفٍ في جميع الاتجاهات. حتى بعد مرور عدّة دقائق، لم تتوقف. ظلّت تدور، وهناك أدركتُ أنّها لم تجد حلًا.
"مُزعج."
وأنا أُخفي خيبتي، وجّهتُ نظري إلى العرض الموضوع على الطاولة أمامي.
"آه، فهمت. إذًا لقد ذهب خلف ظهري وتحدّث مع ذلك الرجل…"
كان العرض من النقابة نفسها التي جاء منها هيرميس. يبدو أنهما أبرما صفقة خلف الكواليس.
’من خلال الشروط المطروحة، يبدو أيضًا أنه راضٍ عن أدائي في الاختبارات.‘
لكن للأسف، كان العرض منخفضًا جدًا بالنسبة لي.
راتب سنوي قدره 500,000 دولار، مع سيارةٍ تابعةٍ للشركة وبعض المزايا الأخرى. لم يكن العرض سيئًا بحدّ ذاته، لكنه كان أدنى بكثير من قيمتي الحالية، كما لم يتضمّن أيّ بندٍ عن رعايتي في الألعاب.
لم أفكر طويلًا قبل أن أُكوّر العرض وأرميه جانبًا.
"مغري، لكنه بعيدٌ عن أن يكون كافيًا."
لم تكن لدي أيّ نيةٍ للمغادرة.
"ثلاثة أيام…"
نقرتُ بأصابعي على المكتب، وعيناي تضيقان بينما أتأمل المهلة التي منحني إياها الجرذ. تناولتُ الشراب بجانبي، أخذتُ رشفةً هادئة، وعدتُ أُركّز على البوصلة.
’صحيح، أمامي حوالي ثلاثة أيام. هذا يجب أن يكون كافيًا لكي—‘
توقفت أفكاري فجأة حين وجّهتُ نظري نحو الشراب. كان هذا هو الشراب الذي أعطتني إياه زوي. أدرته في يدي ونظرت إلى العلامة التجارية.
’أوه.‘
حلّ الإدراك بسرعةٍ في ذهني.
إنه…
النسخة الخاصة من كايل.
أغمضتُ عينيّ، وشعرتُ بذهني يخلو تمامًا.
"بفتتتت—!"
تلك اللعينة!
***
رغم مرور عدّة أيام منذ نهاية الاختبارات، ظلّت الأخبار والبرامج تتحدث عنها في الجزيرة. كان هذا كلّ ما يشغل الناس.
فنادراً ما تقع حوادث ضخمة كهذه في الجزيرة.
وفي الوقت ذاته، راودتني بعض المخاوف. من هي الجهة التي تقف وراء هذه الفوضى؟ وما هدفها النهائي؟
"لا يوجد بيان رسمي بعد، لكن المصادر تُرجّح أن الأمر من فعل مجموعةٍ صغيرةٍ مستقلة. لا يمكننا التأكيد حاليًا، لكننا ننصح سكان الجزيرة بالحذر بينما يواصل المكتب تحقيقاته حول الوضـ—"
كليك!
"باه."
رجلٌ في منتصف العمر ببطنٍ بارز وشعرٍ آخذٍ في الانحسار ألقى بجهاز التحكّم جانبًا وهو ينقر بلسانه.
"سئمت من سماع هذه الأخبار. لا يتحدثون إلا عن هذا الهراء اللعين."
كان الغضب واضحًا في صوته.
مع ساعات عملٍ تمتد إلى اثنتي عشرة ساعة في اليوم، كانت لحظات فراغه القليلة مقدّسة بالنسبة له. لكن مع تكرار نشرات الأخبار لنفس التقارير مرارًا وتكرارًا، بدأ الضيق يتسلل إلى صدره.
—أتمنى أن يتوقفوا عن هذا الهراء. لقد أصبح مزعجًا بحق.
كتب تعليقًا ساخرًا على الإنترنت، ثم توجّه نحو حاسوبه وشغّله، ومدّ يده تحت قميصه ليحكّ بطنه.
"لنرَ."
ما إن اشتغل الحاسوب المحمول حتى فتح تطبيق دوك وبدأ يتصفّح الألعاب.
"لقد لعبتُ هذه. متوسّطة."
"وهذه أيضًا متوسّطة."
"متوسّطة."
تصفّح جميع التوصيات بنظراتٍ متثائبة، وقبل أن يملّ تمامًا، توقّف فجأة.
إحدى الألعاب لفتت انتباهه.
"أوه، اللعنة."
كانت اللعبة رائجة أيضًا.
"…لحظة."
توقّف حين رأى اسم الاستوديو.
استوديوهات فورج نايت مير
"آه، إنهم هؤلاء."
شعر بخيبة أملٍ فورية. في الماضي، كانت شركةً ممتازة، لكن منذ أن استحوذت عليها شركةٌ أخرى، انحدرت جودة ألعابها بشدّة، وأصبحت تُصدر فشلًا تلو الآخر.
لقد جرّب الرجل جميع ألعابهم، وكان يعرف تمامًا نوع الرداءة التي يُنتجونها.
ثم إنها كانت لعبة رعب.
ولم يكن يحبّ الرعب.
"أظن أنني سأتجاوز هذه—"
لكن حين همّ بتجاوزها، وقعت عيناه على قسم التقييمات.
[إيجابية بشكلٍ ساحق]
"هم؟"
ارتفع حاجباه حين رأى التقييم، وازداد ذهوله حين لاحظ أن عدد التقييمات تجاوز الألف.
"هل هذه اللعبة… جيدة؟" للحظةٍ وجيزة، اعتقد الرجل ذلك.
لكن سرعان ما—
"لا، أستبعد ذلك."
هزّ رأسه سريعًا.
"أراهن أنها مجرد حساباتٍ آلية."
فقد كانت تلك حيلة شائعة تلجأ إليها الشركات الكبرى.
"نعم، لا بد أنها كذلك."
ورغم وصوله إلى هذا الاستنتاج، وجد نفسه يُحمّل اللعبة على أيّ حال. غلبه الفضول، وما إن شغّل اللعبة وحدّق في الشاشة حتى فرقع أصابعه.
"يجب أن تكون سهلة."
ابتسم، وشغّل الكاميرا ليلتقط ردّة فعله.
"…سأتجاوزها بسرعة وأُفضح تلك الحسابات."
قهقه وهو يبدأ اللعب.
لكن—
لم تمضِ سوى بضع دقائق حتى اختفت الابتسامة تمامًا من وجهه.
بعد خمس دقائق…
"هـااااااااا!"
انطلقت صرخةٌ من أعماق حلقه.
تلك اللحظة كانت بداية سلسلةٍ من التفاعلات.
في ذلك اليوم، بدأت لعبة رعبٍ جديدةٍ تتصدّر الترند.