الفصل 319: اختبارات القسم [3]
"….."
حدّقتُ في الرسالة التي ظهرت على هاتفي.
’آه، اللعنة… كيف أتعامل مع هذا؟’
كانت الرسالة من جوانا. كُتبت بعناية، وبدا فيها القلق على صحّتي، ولكن لو لخّصتها بكلمات بسيطة، فمضمونها كان: ’لا أظنّ أن الفريق جيد بما يكفي في الوقت الحالي. أرجو أن تسمح لي بتولّي القيادة حتى نتمكّن من الاستعداد للاختبارات القادمة. أرغب في أن أتولّى المسؤولية أثناء غيابك.’
عصرتُ ما بين حاجبيّ بإصبعيّ.
"كان عليّ أن أتوقّع هذا."
صحيح أنّني لم أكن أحبّ الاختلاط ببقية أعضاء النقابة، لكن ذلك لا يعني أنّني كنت غافلًا عمّا يجري.
كنتُ على دراية تامة بالشائعات وبالعزلة التي يعانيها أعضاء فريقي. ظننتُ أنّ الشائعات ستخمد مع الوقت، لكنها ازدادت صخبًا يومًا بعد يوم.
لقد فتحت تلك التجربة عينيّ على مدى تفاهة وتنافس كثير من أعضاء النقابة.
"…لقد شُفيت تمامًا أيضًا. أستطيع الرحيل متى شئت."
جلستُ على السرير وأنا أتنهّد بضجر. لقد أفسدت هذه الرسالة خططي. كنتُ قد قررت العودة إلى الفريق ليختبروا نظام الواقع الافتراضي مجددًا، لكن يبدو أنّ ذلك لم يعد ممكنًا الآن.
’من الجيد أنهم يريدون التطوّر، ولكن… أظنّ أنهم يُقلّلون من شأن أنفسهم كثيرًا.’
صحيح أنّني كنتُ من يقودهم في الماضي، لكن من الصحيح أيضًا أنّهم تعلّموا الكثير من الشبيه. تلك التجربة(المحاكمة) لم تكن عديمة الفائدة كما يظنون، إنما لم يُدرِكوا قيمتها بعد.
وفوق ذلك، ومع استمرارهم في لعب ألعابي، أصبح تطوّرهم الفردي مذهلًا.
كان هذا واضحًا بشكل خاص حين نأخذ في الاعتبار أنّ الألعاب يمكن إعادة لعبها مرارًا بخلاف البوابات. فإذا فشلوا، يمكنهم المحاولة مجددًا، ومع تعديلي البسيط لبعض التفاصيل، لم تكن التجرِبة يومًا مملّة.
ربما لم يُدرِكوا ذلك بعد، لكنهم جميعًا صاروا وحوشًا بحقّ.
’لقد حصلوا أيضًا على الكثير من الشظايا خلال الغوص.’
ربما لأنهم عاشوا في فقاعتهم الخاصة، إلا أنّ فريقي الآن مكوَّن من نخبةٍ حقيقية.
نخبةٍ تفوقت عليّ أنا نفسي…
"اللعنة."
حين فكرت في الأمر، أدركت أنني ربما أصبحت الأضعف في المجموعة.
كما أنني لستُ الشبيه. لا أستطيع حلّ البوابات بالمنهجية والكفاءة التي كان يمتلكها. ومع عجزي عن استخدام أيّ قوى، واقتراب الاختبارات(المحاكمات) أكثر فأكثر، بدأ جسدي يرتجف.
اللعنة…
هبط قلبي بثقل.
"كيف بحق الجحيم يمكنني التملّص من هذا؟"
*
في النهاية، لم يكن للتفكير أي فائدة. فكلّما أمعنتُ التفكير في الوضع، ازددتُ شعورًا بالعجز.
ولذلك، وبما أنّي لم أستطع الذهاب إلى مكتبي الآخر، قررتُ التوجّه إلى مكتبي الرئيسي.
لكن—
’…أهو حقًا ذلك الرجل؟’
’هل تعرّض لهجوم من شذوذ؟ كيف ما زال بخير؟’
’أتظنّ أنه هو من استفزّه؟’
في اللحظة التي وطئتُ فيها القاعة الكبرى، أحسستُ بنظرات الجميع تتثبّت عليّ. كان الأمر موجودًا من قبل، خصوصًا بسبب نتائج الشبيه، لكن لم يبلغ هذا الحدّ أبدًا.
كنتُ أرى نظراتهم تخترق جانب وجهي وأنا أسير نحو مكتبي.
لكن، وقبل أن أصل إليه، ظهر شخص أمامي.
"أصحيح هذا…؟"
بدت عليه بعض علامات القلق، غير أنّي حين حدّقت فيه، لم أستطع إلا أن ألاحظ التغييرات التي طرأت عليه مقارنةً بما كان عليه في الماضي. شعره البني، الذي كان دائمًا أشعث، أصبح الآن مرتبًا بعناية، والهالات السوداء التي كانت تظلل عينيه الزرقاوين اختفت تمامًا.
’يبدو كأنه شخص مختلف تمامًا.’
شبيهٌ بذلك اللقاء الأول الذي جمعني به.
"سيث؟"
"هم، آه."
تنحنحت قليلًا وأجبتُه بإيماءة.
"نعم، لقد هوجمت من قِبَل شذوذ."
"ماذا…!؟ أأنت جاد؟" خفَضَ روان صوته وهو يسأل، فأومأتُ مجددًا.
"نعم، كلّه صحيح. لا شيء خطير، فقط حادث غريب نوعًا ما."
"أهكذا إذًا؟"
لم يبدُ روان مقتنعًا تمامًا، لكنه في النهاية ربّت على كتفي.
"ما دمتَ تقول ذلك. آمل حقًّا أن تبقى بصحةٍ جيدة. رغم أنّي لم أعد أحتاج إلى جلساتنا كما في السابق، فإن حدث أيّ شيء، أتمنى أن تكون هنا."
بدا أنه يعني ما يقول بصدق.
رؤيته بهذا الشكل جعلتني أُدرِك كم تغيّر بالفعل عن ذي قبل.
’يبدو هذا جميلًا بحقّ.’
كنتُ على وشك توديع روان، لكن كلماته التالية أوقفتني.
"أوه، وهل سمعت عن كايل وزوي؟"
"هم؟"
تحولتُ نحوه مباشرة. صحيح، ماذا عنهما؟ لم أرهما منذ مدة، ولم يُجب أيٌّ منهما على رسائلي. وخصوصًا كايل، فقد راسلتُه مرارًا وتكرارًا، لكنه تجاهلني تمامًا.
أما زوي، فيُمكن تفهّمها، فهي تميل عادة إلى تجاهلي، لكن كايل…؟
’عادةً ما يجيب بسرعة، لكنه لم يفعل هذه المرة منذ فترة. ما الذي يفعله بحق السماء؟’
كلّ ما قاله لي أنّه سيكون مشغولًا.
مهمّة سرّية ربما؟ أم أنّ هناك شيئًا آخر…؟
"سمعتُ أنهما تَرَقّيا إلى الرتبة الخامسة."
"….!؟"
جعلني الخبر أتجمّد في مكاني.
"الـ… رتبة الخامسة؟"
وجدتُ صعوبة في استيعاب الموقف. لم يكن الأمر أنّي لم أتوقّع وصولهما إلى تلك الرتبة يومًا، لكن، ووفق علمي، كانا عالقين عند الرتبة الرابعة منذ مدة طويلة، يحاولان بلوغ الخامسة دون جدوى.
من كان ليتوقّع أنهما سيبلغانها بهذه السرعة؟
’لابد أنه بسبب العرض المفاجئ من أولئك القادمين من الجزيرة الرئيسية(المركزية). يبدو أن النقابة قررت الاستثمار فيهما بقوة للإبقاء عليهما.’
لابد أن هذا هو التفسير الوحيد.
"مثير للإعجاب، أليس كذلك؟"
"هاه؟ أوه…!" أفاق ذهني من شروده، فأومأت. "نعم، مثير للإعجاب حقًّا."
ابتسم روان بعد أن رأى ردة فعلي.
"سأُخبرك سرًّا."
مال نحوي قليلًا.
"أنا أيضًا على وشك بلوغ الرتبة الرابعة. أستعد لذلك الآن."
"…!"
أصابتني المزيد من الدهشة حين سمعت أن روان هو الآخر على وشك الترقي. أربكني هذا قليلًا، لكن وكأنه قرأ أفكاري، أعاد رأسه للخلف مبتسمًا.
"وهذا كله بفضلك، في الواقع."
"بفضلي…؟"
"نعم."
أومأ روان بثبات.
"لو لم تكن أنت، لكنتُ على الأرجح ما زلتُ عالقًا في الكوابيس، وربما كنتُ متُّ داخل إحدى البوابات. أنت منقذي بحقّ."
"…أوه."
شعرتُ بالحرج يتملّكني.
المديح… أُخ. فقط توقف.
"على أيّ حال، كنتُ مارًّا لأتأكد من أنك بخير. وآمل أيضًا أن تكون مستعدًّا."
"….؟"
ابتسم روان ابتسامة غامضة وهو يتراجع إلى الوراء دون أن يُدير ظهره لي.
"الاختبارات هذا العام مختلفة قليلًا عن المعتاد. سمعتُ أنها ستكون ضخمة للغاية. إن تمكنتَ بطريقةٍ ما من التأهّل، فستكون في مواجهة تجربة مميّزة. على أية حال، استرح جيدًا. أنا منصرف الآن."
ومع تلك الكلمات، لوّح روان بيده مودّعًا.
لم أستطع سوى التحديق في ظهره وهو يبتعد، قبل أن أعود لأنظر إلى باب مكتبي.
’ستكون ضخمة للغاية؟’
زممتُ شفتيّ.
لماذا ساورني هذا الشعور السيّئ حيال الأمر؟