الفصل 290: استعادة الذاكرة [1]
أُسدلت الستائر.
في اللحظة التي أُسدلَت فيها، غرق مكان الجمهور في سكون رهيب. تردّد صوت أنفاس متثاقلة في غمرة الصمت، فيما ثبتت كلّ الأعين على الخشبة.
"كيف… حال الجميع؟"
وبين أنفاسه العميقة الرتيبة، أخذ رئيس القسم يتفحّص المكان بعينيه.
تجهّم وجهه حين أبصر عدداً من أفراده وقد فقدوا وعيهم. فبرغم الحاجز الذي أقاموه بشقّ الأنفس، وبرغم الأجهزة الكثيرة التي سخّروها لتوهين الصوت، إلّا أنّ ذلك الصوت تسرّب في النهاية واندسّ إلى عقولهم.
"المُرمّمون، تداركوا الموقف."
ومع كل ذلك، لم يكن الوضع قد بلغ حدّ الخطر الداهم بعد.
فلم يسقط قتيل واحد من جانبهم. كان هذا حسناً. غير أنّ الحقيقة المرّة أنّ كثيراً من الأفراد كانوا يكابدون لمجرد الحفاظ على وعيهم، وهذا لم يكن حسناً أبداً.
لقد أنهوا بالكاد الجزء الأول.
ولا يزال هناك جزء ثانٍ يلوح في الأفق.
وما إن تذكّر الجزء الثاني حتى ازداد وجه رئيس القسم قتامة.
'على هذه الوتيرة التي نستهلك بها قوانا، فلن يمضي وقت طويل حتى يتفكك الفريق بأسره.'
أدار رئيس القسم نظره إلى قائدة الفريق ساندرز. وكان بادياً من شحوب وجهها وارتجاف جسدها أنها لن تقدر على تثبيت الحاجز لوقت أطول، حتى بمعونته.
كان عليه أن يجد وسيلة أخرى قبل أن يُستأنف المشهد من جديد.
"…رئـ… رئيس القسم."
"نعم؟"
استدار رئيس القسم نحو كايل. كان لونه شاحباً ونَفَسه مضطرباً، غير أنّه لا يزال صامداً بينما يقف خلفه مُرمّم يرفد جسده بالعافية شيئاً فشيئاً.
أخذ كايل بضعة أنفاس عميقة، ثم تمتم ببضع كلمات.
"هذا… ها…"
"ماذا؟ لا أسمعك؟"
"أنا…"
توقّف لبرهة، ثم رمق قائدة الفريق، وضغط على شفتيه، قبل أن يعاود النظر إلى رئيس القسم بعزم لا يتزحزح.
"…أنا."
"هم؟"
"بإمكانك أن تُضخّمني. أستطيع… أن أتولّى دورها."
انفرجت شفتا رئيس القسم لحظةً، لكن الكلمات التي كانت توشك أن تفلت توقّفت تماماً.
ذلك…
نظر ثانيةً إلى كايل. كان يريد رفضه مباشرة، لكنه تذكّر مرسومه وأدرك أنّه إن عجزت قائدة الفريق عن المواصلة، فلن يكون هناك بديل أنسب منه.
ارتسم على وجهه تعبير معقّد عند هذا الإدراك.
فبينما كانت رغبته تميل إلى الموافقة، كان فكره يقلب في حالة كايل الراهنة فيتردّد. كايل، وإن كان قويّاً، إلا أنّه لا يزال في الدرجة الرابعة فحسب. كان قريباً من ولوج الدرجة الخامسة، لكنّه لم يبلغها بعد.
لم يكن واثقاً إن كان قادراً على حماية الجميع.
غير أنّ رئيس القسم لم يكد يُتمّ خواطره حتى اهتزّ شيء في جيبه.
"…؟"
رفع يده لكايل إشارةً أن ينتظر قليلاً، ثم أخرج جهاز اتصال صغير. وما إن وقعت عيناه عليه، حتى تبدّلت ملامحه وهو يوجّه بصره نحو الفرق الأخرى.
—جميع… الوكلاء الذين أرسلناهم للتدخّل المباشر في العرض قد قُتلوا. لا سبيل للنفاذ إلى الداخل. الجزء الثاني أوشك أن يبدأ، وأنا واثق أنّه سيكون أشدّ عسراً.
رنّ صوت كئيب عبر جهاز الاتصال، فيما اشتدّ قبض رئيس القسم عليه.
وخيم الصمت لثوانٍ معدودة.
إلى أن—
—…يبدو أنّنا سنضطر إلى التعاون.
***
"هاه… هاه…"
صدري يعلو ويهبط مع انحدار الستائر إلى الإغلاق. كان جسدي غارقاً بالعرق، ورؤيتي تهتز مضطربة. بالكاد استطعت أن أُثبّت تركيزي على المفاتيح المضرّجة بالدماء أمامي.
"هـ-هذا…"
كان كثير من المفاتيح ملوّثاً بدمائي أنا. لم أدرك أنّ الوضع بلغ هذا السوء إلا حين انغرس الألم أخيراً في جسدي، فخنقت أنيني بين أضلعي.
'لا أعلم كم تبقّى في داخلي من قوّة.'
لقد زال التنويم كلياً، ولم يعد أمامي إلا أن أعتمد على نفسي وحدي. كان المايسترو قد دفع بجسدي إلى أقصى حدوده.
"هـ-هاه…"
أخذت شهيقاً عميقاً آخر، محاولاً أن أهدّئ نفسي قدر المستطاع.
كنت أعلم أنّ دوري قد حان، وأنّه لزام عليّ أن أكون صافيا الذهن من أجله.
'دفعة أخرى فقط… أخرى—'
"ليس سيئاً."
"…!؟"
صوت أجشّ متكسّر همس من خلفي، فأشعل قشعريرة في جسدي وجمّد ظهري.
"لقد استطعت بطريقة ما أن تواكب. لقد… فُقت توقّعاتي."
لكن، رغم الثناء، لم أشعر بخير أبداً. بل شعرت كأنّ جسدي كلّه غُمس في بحيرة من ماء جليديّ، يهبط بي عميقاً عميقاً.
'لا، تماسَك… تماسَك.'
لم ألتفت إلى الوراء، ولم أكن مضطراً لذلك. فقد كنت أراه بوضوح في انعكاس البيانو.
في ذلك الانعكاس، أبصرته واقفاً هناك… خلفي.
وجهه منعطف بزاوية غير طبيعية، شفتاه تتمدّدان أوسع مما يجب، عيناه تلمعان ببريق يُزحف القشعريرة على جلدي. هيئة المايسترو في الانعكاس كانت تهتز وتتشوّه ببطء، كأنّ البيانو ذاته يرفض الشيء الذي أُجبر على إظهاره.
لكن في النهاية، وضعت يد طويلة وهزيلة على كتفي.
انقبض جسدي بأسره.
"…هل أنت مستعد؟"
صوت المايسترو الرقيق همس في أذني.
لم أُجب. لم أستطع أن أُجيب. بل ابتلعت ريقي بعصبية محاولاً أن أتماسك.
"لقد اجتزت المرحلة الأولى. المرحلة التالية ستكون الأهم. أتوق لرؤية شيء مدهش منك. أنا… لا."
هزّ المايسترو رأسه، وصوته يخفت.
"أنا أنتظر الكمال." همس، فارتعشت فقار ظهري مع وصول صوته إلى أذني. ظلّ العرق يتصبّب من وجهي، وأنا أبتلع ريقي مرّة أخرى، محاولاً أن أُسكت خفقان قلبي المتسارع.
تبع ذلك لحظة وجيزة من الصمت.
لحظة بدت كأنها دهر كامل.
لكن بعدها—
"انتهى الوقت. أتطلّع إلى مشاهدة أدائك."
سحب يده بعيداً عن كتفي، وأنّت الأرض تحت خطاه تأوّهت وهو يعود أدراجه إلى المنصّة، قبالة الستائر الحمراء. وما إن فعل، رفع يده كاشفاً العصا بكلّ مهابتها.
با… خفق! با… خفق!
تسارع قلبي بجنون. صار صوته مرتفعاً لدرجة أنّه كان كلّ ما أسمعه.
وأخيراً، انفتحت الستائر، وعادت وطأة النظرات تجثم عليّ من جديد.
ازداد خفقان قلبي أكثر.
في تلك اللحظة، شعرت كأنّ عيون العالم بأسره مصوّبة نحوي.
لا، بل لعلّه كان الواقع حقاً.
ضغط هائل جثم عليّ عند تلك الفكرة. لكن لم تتح لي فرصة كافية للتفكير، إذ لمحت حركة خفيفة من المايسترو.
ارتفعت يداي فوق المفاتيح.
ومع انحدار يد المايسترو، غلّت عقدتي.
[العقدة المتوسطة: استعادة الذاكرة]
أظلم بصري.