الفصل 273: وضوحٌ سهل [3]
’انتظر، انتظر، انتظر…’
فركت كلارا رأسها، والعالم من حولها بدأ يميل إذ ضغط صداعٌ حادّ على جبهتها. تفاقم الألم حتى غشى بصرها، وللحظة خانها توازنها، فتعثرت قدماها المتهاويتان.
"هيه، هيه…!"
لو لم يكن رئيس القسم ممسكًا بها، لكانت سقطت أرضًا.
"هل أنتِ بخير؟ الطـ…"
"لا، أنا بخير. لا تستدعِهم. سيجعلون الوضع أسوأ. سأكون بخير بعد دقائق."
عادت كلارا لتفرك رأسها من جديد، دافعةً الألم بعيدًا بقوة، محاولةً جمع شتات نفسها.
رغم مساعيها، كان الألم شديدًا. استلزم الأمر عشر دقائق كاملة حتى تستعيد عافيتها تمامًا، وهي جالسة على الأرض، تبتلع جرعات من زجاجة الماء التي ناولها لها رئيس القسم.
"هل تشعرين بتحسّن؟"
عند سماعها كلماته، أومأت كلارا.
"…نعم، قليلًا."
لم يعد الصداع يؤلمها كما قبل.
لكنّه ظلّ هناك. متربصًا في مؤخرة ذهنها.
"حسنًا، ارتاحي قليلًا. على الرغم من أنني أرغب في سؤالك أكثر عن الموقف، فسأدع ذلك لاحقًا. سأذهب الآن لأتحدث إلى العملاء. إن احتجتِ شيئًا، أرسلي لي رسالة أو ناديني."
وإذ رآها تتحسن، قرر رئيس القسم أن يترك لها مساحة، فنهض واتجه ليتفقد المجندين الآخرين وهو يتبادل الحديث مع عملاء المكتب.
تتبعت كلارا هيئته بنظرها لحظة، قبل أن تغمض عينيها وتعود إلى التفكير في ما جرى.
’عدد الأشخاص الذين كان علينا إنقاذهم هو 11. أنا واثقة من ذلك.’
لقد زُوّدوا مسبقًا بملفّات أولئك الذين وجب إنقاذهم. كانت متيقنة من هذه الحقيقة.
’…في اللحظات الأخيرة، عددتُ 16 شخصًا. كان ينبغي أن نكون 15 فقط.’
هل أخطأت بعدّ المهرّج؟
’لا، هذا غير مرجّح. المهرّج دخل قبل ذلك.’
في هذه الحال…
’هل دخل شخص إضافي؟’
ابتلعت كلارا بصمت، وشعرت بشعر جسدها يقف منتصبًا، إذ انسابت قشعريرة باردة على ظهرها.
من…؟
من عساه يكون قد دخل؟
ابتلعت ريقها ثانية. رغم الفوضى العارمة، كانت على يقين بأنّها وفريقها كانوا سيدركون على الفور إن كان هناك شخص إضافي قد ظهر. بل إنها لم تكن ممن ينسون أمرًا بسيطًا كهذا، أن العدد كان 16.
في الظروف الطبيعية، كانت ستنتبه إلى ذلك.
أنها لم تلاحظ الأمر بدا بلا معنى.
أكان خطأً ناتجًا عن الإرهاق؟
أم… أنّ للأمر بُعدًا آخر؟
’مهما حاولت التفكير، لا يسعني أن أسترجع وجهًا لا أعرفه من بين الموجودين داخل تلك الغرفة.’
كانت كلارا تفتخر بذاكرتها. كانت قادرة على تمييز جميع الوجوه بوضوح.
ومع ذلك—
لم يكن هناك وجه واحد لم تتعرف إليه.
’كيف يعقل ذلك؟’
كلما أوغلت كلارا في التفكير، عاد الصداع الذي كان يخبو في مؤخرة ذهنها إلى البروز. وبينما كانت شاردة، خفضت رأسها وحدّقت في الكاميرا الصغيرة المثبّتة على زيّها.
’من حسن الحظ أنّ لديّ هذه هنا.’
حوّلت كلارا انتباهها نحو رئيس القسم. كان لا يزال منشغلًا بالحديث مع رجال المكتب. عضّت على شفتيها بصمت، ثم أخرجت هاتفها وفتحت تطبيق النقابة.
بعد ذلك، وصلت الهاتف بالكاميرا.
بدأ الفيديو بالعرض بعد برهة.
كان طويلًا للغاية. ولحسن الحظ، كل ما احتاجت إليه كلارا هو الجزء الأخير، فقامت بتخطيه إلى تلك اللحظة بالذات.
’هاهنا.’
توقفت عند الجزء الذي تذكرته.
قبل أن تبدأ بالركض نحو الباب مباشرةً. في تلك اللحظة، رأته بوضوح.
الستة عشر هيئةً التي كانت قد عددتها.
’كنت أعلم. لم يكن هذا خطأ.’
خفق قلبها لبرهة.
ثم ضغطت زر التشغيل.
استمر الفيديو.
—اركضوا! بسرعة!
—لا تتخلفوا! اسرعوا في الركض!
سمعت صوتها المكتوم يتردّد من الفيديو.
وأصداء الخطوات خلفها كذلك.
لقد سمعت كلّ شيء. غير أنّ ذلك لم يكن ما شغل بملكا. ما كان يهمّها هو أمرُ الستة عشر شخصًا.
حدّقت كلارا في ظهورهم جميعًا، ولم تستطع أن تحدّد من هو الشخص الإضافي. جميعهم بدوا مألوفين لها.
لماذا…؟
سرّعت كلارا عرض الفيديو.
كان ذلك في اللحظة التالية لدخولها الغرفة.
رأت الظلّ الضخم المنبثق خلفها، واليد ترتفع ببطء لتطعنها. سمعت صوت أنفاسها وهي تفارقها، وجسدها يتشنّج توترًا.
لكنها في اللحظة نفسها أبصرت وجوه جميع الحاضرين.
عدّت كلارا من جديد.
’واحد، اثنان، ثلاثة… سبعة، ثمانية… اثنا عشر، ثلاثة عشر… ستة عشر.’
الجميع كان حاضرًا.
أوقفت كلارا الفيديو عند هذا الموضع ورفعت رأسها لتنظر نحو البعيد، حيث تجمّع الأشخاص الخمسة عشر الآخرون. بدأت ببطء بمطابقة وجوههم مع من ظهروا في الفيديو.
’هو هنا. وهي هنا. وهو هنا. وهو…’
توقّف صوتها.
فَتى شاب، وجهه منقّط بالنمش، شعره أسود، وعيناه بنيّتان عميقتان… لم يكن بين المجموعة في البعيد. شدّت كلارا على حلقها وهي تحدّق فيه. لم يكن بين المجموعة في البعيد. ليس كما في الفيديو.
عادت كلارا لتنظر إليه من جديد.
شعرت باليقين أنّها تعرفه، ومع ذلك…
كلما أطالت النظر، خفّ يقينها شيئًا فشيئًا. اقشعر جلدها، وانقبض صدرها، وأخذ الهواء من حولها يزداد خنقًا.
تسارعت أنفاسها.
دون أن تشعر، ضغطت بإصبعها على ’تشغيل’.
استدار رأس الفتى.
التقت عيناه بعدسة الكاميرا.
ثمّ، ببطء، ارتسمت ابتسامة على محيّاه.
***
"أوورغ!"
ما إن استعَدتُ وعيي بنفسي، حتى كان أول ما فعلته أن تقيّأت في أقرب سلّة مهملات.
"أوورغغغ—!"
رغم محاولاتي المستميتة لكبح نفسي، لم أستطع التوقف. معدتي تحرّكت من تلقاء نفسها، وكأنني أتقيّأ روحي برمّتها. كلّ الصدمات وما عشته داخل البوابة انهال عليّ دفعةً واحدة وأنا أتقيّأ.
ظننت أنني قد اعتدت على ذلك بعد كل ما مررت به.
لكنني كنت مخطئًا.
لقد كان أسوأ هذه المرّة.
لم أتقيّأ من الخوف، بل من الصدمة.
عقلي كان يحاول جاهدًا فقط أن يعيد لي إحساسي بذاتي.
"هاه… هاه…"
لا أدري كم من الوقت قضيت في التقيؤ. وحين توقفت أخيرًا، شعرت بضعف شديد وأنا أتهاوى جالسًا على الأرض.
حدّقت بفراغ في السقف من فوقي.
الأضواء تومض بخفوت.
…لقد سئمت من هذا المشهد. لقد رأيته مرّات كثيرة أكثر مما ينبغي.
"هـ… هاه."
التقيؤ لم يكن أسوأ ما في الأمر. الأسوأ كلّه كان محاولتي أن أفصل عقلي عن كل ما حدث. كل شيء بدا مخدّرًا بالنسبة لي في تلك اللحظة، أصابعي ترتجف، ومشاعري متناثرة.
كنت أعلم أن عودتي إلى طبيعتي ستتطلب وقتًا.
دفعت نفسي بصعوبة ونهضت، ثم أخرجت هاتفي وتفقدت التاريخ. داخل البوابة، لم أكن أستطيع تمييز الأيام. لكن بما أنني خرجت الآن، لم يعد هذا عائقًا.
’آمل ألّا يكون مضى وقت طويل. آمل أن…’
هبط قلبي حين فتحت التقويم.
عشرون يومًا.
مضت عشرون يومًا كاملة منذ أن انقلبت الساعة الرملية.
انقبض قلبي عند هذا الإدراك وأنا أجرّ نفسي لأوصل هاتفي بالواي فاي.
"اللعنة…"
كلما أوغلت في التفكير بالموقف، ازداد قلقي. لقد غبت عشرين يومًا كاملًا. كنت شبه متأكد أن النقابة بدأت بالبحث عني. كايل على الأغلب في الوضع ذاته.
وربما أُطلقت حملة مطاردة.
’قد يكون وجهي منتشرًا في الصحف.’
عضضت أظافري بينما أصل هاتفي بالشبكة. وبينما بدأ الفزع يتملّكني، توقفت فجأة.
"آه…؟"
لم يكن هناك سيل الرسائل المتوقع.
بل كان الصمت غريبًا.
فتحت المتصفح وبحثت عن اسمي. باستثناء بعض الأخبار عن لعبي، لم يكن هناك شيء يُذكر.
"انتظر، ماذا؟"
حككت جانب وجهي.
"إذًا لم يلحظ أحد؟"
مُقطبًا، أعدت النظر إلى هاتفي. تأكدت مرارًا، لكن بدا فعلًا وكأن أحدًا لم ينتبه لاختفائي لعشرين يومًا.
هذا…
"أنا لستُ منطويًا إلى هذه الدرجة، أليس كذلك؟"