الفصل 267: اليأس في الكمال [2]
"لقد تم تقديم موعد الرحلة أكثر مما كان متوقعًا. هل تعتقدون أنكم مستعدون؟"
تكلّم رئيس القسم بجدية، وعيناه مثبتتان على أعضاء الفرقة الواقفين أمامه. كان كلٌّ منهم يرتدي زيّ النقابة المميّز، وقد ملأ حضورهم الغرفة الضيقة بتوتر ثقيل خيّم على كلّ من كان حاضرًا.
جلست كلارا عند طرف الطاولة، متكئة على كرسيها وذراعاها متشابكتان، وأصابعها تنقر بخفة على ذراعيها.
في تلك اللحظة، بدت كلّ العيون وكأنها تتجه نحوها.
ظلّت صامتة، جالسة بوجهٍ جامد حتى حوّلت انتباهها أخيرًا نحو رئيس القسم.
"تقول إن تحوّلًا طاقيًا شاذًا قد كُشف داخل البوابة، أليس كذلك؟ وإن لم نذهب الآن، فقد تكون هناك فرصة أن تفلت الشذوذات الكامنة داخلها؟"
ابتسم رئيس القسم ابتسامة متكلّفة.
"الاختيار عائد إليكم بالكامل. فريق الكشّافة الذي أرسله المكتب لا يمكننا الاتصال به الآن. إنهم عالقون داخل البوابة. ليتني أستطيع أن أخبركم بأكثر من هذا، لكن ما تعلمونه هو كل ما أعلمه."
بقيت كلارا في مقعدها وقد أغمضت عينيها.
بدأت تعالج الموقف كله في ذهنها. باختصار، كانت البوابة تُظهر تغيرات شاذة. هذه التغيرات لم تكن مبشّرة. كانت تشير إلى عدّة أمور؛ أنّ البوابة غير مستقرة، وأن هناك احتمالًا كبيرًا بأن يفلت الشذوذ منها.
مثل هذه الحوادث لم تكن نادرة.
فقد كانت تحدث بين الحين والآخر.
لكن المشكلة الوحيدة هنا أنّ هذه بوابة عالية الرتبة. ولو أُتيح لشذوذ قويّ كهذا أن يفلت، فستكون العواقب كارثية على العالم.
’لا نزال غير مستعدين تمامًا لدخول البوابة. صحيح أننا نملك كل المعلومات اللازمة، لكن المخاطرة قد لا تكون ذات جدوى. خصوصًا وأنّ الخطر مرتفع للغاية.’
اقتربت أفكار كلارا من حدّ رفض العرض صراحة، لكن قبل أن تتاح لها الفرصة لذلك، وكأن أحد رفاقها قد استشعر خواطرها، تكلّم.
"…علينا أن نقبل العرض."
كانت فتاة يافعة ذات ضفيرتين، إيرين كيرت. تتّبع مرسومًا فريدًا يُدعى ’المتنبئ’. يمنحها القدرة على استشراف المستقبل، وإن كان ذلك بلمحات صغيرة منه.
كانت تحمل بطاقة بيدها، ثم ألقتها على الطاولة.
"آس العملات."
ساد الصمت الغرفة بينما حدّقت كلارا بإيرين.
"أَأَنْتِ واثقة؟"
"…نعم."
أخذت كلارا نفسًا عميقًا قبل أن تنظر حولها.
وأخيرًا، وضعت يدها على المكتب ونهضت واقفة.
"استعدوا. سنغادر بعد بضع ساعات."
*
آس العملات كان يرمز إلى الفرص الجديدة.
لقد صوّر يدًا تخرج من بين الغيوم تحمل قطعة نقدية متألقة، تعلو حقلًا خصبًا. كما كانت كلارا تعلم، فإن البطاقة تمثل عطية من الكون — فرصة للازدهار، للنجاح.
عادة ما كانت لإيرين نسبة دقّة عالية للغاية. واحتمال أن تخطئ نادر جدًّا.
ولهذا السبب، ما إن أخرجت بطاقتها، لم تتردّد كلارا في قبول المهمة.
إن كانت هذه فرصة، فلا يمكن لهنّ أن يفوّتنها.
وفي طريقها عبر المقر الرئيس لقسم الاحتواء، تباطأت خطوات كلارا إذ انجذب بصرها إلى باب بعينه. اللوحة الصغيرة المثبتة عليه كتب عليها: <مستشار الصدمات>. توقفت للحظة هناك، وعيناها تحدّقان في اللافتة، قبل أن تتحرك نحو الباب.
توقفت أمامه تمامًا، وما إن رفعت يدها لتطرق الباب، حتى انفتح بنفسه.
قابلتها عينان ميّتتان.
"….كيف يمكنني مساعدتك؟"
بدت العينان أكثر موتًا من المرة الأخيرة التي رأته فيها. في الواقع، بدا كل شيء فيه مختلفًا.
لقد بدا… غير بشري.
كان وجهه شاحبًا، وتعبيره يخلو كليًا من أي صفة تجعل الإنسان إنسانًا.
ضاقت عينا كلارا عند رؤيته.
’ثمة خطب عظيم في هذا الرجل.’
ظلّت تحدّق فيه لبضع ثوانٍ أخرى، حتى مزّقت نظرتها بعيدًا وأخرجت هاتفها.
"أنا على وشك المغادرة في مهمة. أرغب في تحديد موعد عندما أعود. هل تظن أنك ستكون متفرغًا؟"
"…أظن ذلك."
أجاب سيث ببطء، من دون أن تتغير عيناه أو ملامحه لحظة.
لاحظت كلارا ذلك مجددًا قبل أن تهز رأسها وتعطيه رقم هاتفها.
"تأكد من أن تتصل بي حين تكون متفرغًا. أنا مهتمة حقًا بأخذ جلسة."
"…نعم."
أومأ سيث، فتحركت كلارا مبتعدة.
سمعت صوت الباب وهو يُغلق بعد وقت قصير، بينما لعقت الشفة السفلية من فمها.
’كلما تفاعلت معه أكثر، بدا لي أغرب فأغرب. إنه لأمر مؤسف أنني لن أراه لبعض الوقت. عليّ أن أوليَهُ مزيدًا من الاهتمام حين أعود.’
غادرت كلارا القسم بعد ذلك مباشرة، متوجهة نحو البهو حيث كان الآخرون بانتظارها. ومن هناك استقلّوا الطائرة الخاصة بالنقابة وحلّقوا نحو الجزيرة المقصودة قبل أن يصلوا إلى البوابة المنشودة.
بما في ذلك كلارا، كان عدد الأعضاء خمسة.
هذا هو التشكيل الذي قررت كلارا أن تصطحبه معها.
سَرَدت الوضع سريعًا لفريقها.
"ينبغي أن تكون لديكم المعلومات بشأن البوابة. لا أظن أنني بحاجة إلى إعادة ما قلته بخصوص العملية. لقد مررنا على ذلك من قبل. كما أنني مررت على الأمور التي يجب أن تفعلوها في حال ساءت الأحوال أو ارتفعت رتبة البوابة."
عقب الحادثة السابقة منذ وقت ليس ببعيد، تعلمت كلارا أن تكون أكثر حذرًا، وبدأت تخطط لأي احتمال قد يطرأ.
تأكدت من مراجعة كل ذلك مع الفريق خمس مرات على متن الطائرة.
وفي النهاية، إذ رأت الجميع ينظرون إليها بنفس الإيماءات والملامح المرهقة، حوّلت انتباهها نحو البوابة. كانت تقع داخل مستودع مهجور، خفية وراء باب معدني أبيض لا يثير الريبة.
وقف عملاء المكتب إلى الجوانب، إلى جانب عدد من أفراد النقابة.
"مستعدون…؟"
راجعت كلارا فريقها للمرة الأخيرة قبل أن تهز رأسها وتُخرج ساعة رملية. فعل الآخرون الشيء ذاته.
تفعّل عقدها، فقلبت الساعة الرملية.
على الفور، انحدرت حبيبات الرمل داخل الساعة نحو الجانب الآخر. لم يستغرق الأمر أكثر من دقيقة حتى انقلبت كلها.
حلّ السواد على بصرها بعد لحظات قليلة.
وبينما استعادت توازنها، كان عبق الحديد الصدئ الحاد يملأ أنفها. ومع أن بصرها بدأ يعتاد، أدركت أنها محاطة بآلات عتيقة، هياكلها المتهالكة وتروسها المتآكلة تنتصب حولها كظلال ملتوية وموحشة.
أخذت كلارا المشهد بصمت.
ثم—
بدأت تخطو إلى الأمام.
الفريق الأول لنقابة النجم المبتور—
بدأت الرحلة.
***
توقفت عما كنت أفعله، ساحبًا يدي عن لوحة المفاتيح. أحدّق بالباب، مترددًا للحظة.
’لم أسمع الطَّقَّة، أليس كذلك؟ الطَّقَّة التي تأتي عادة كلما أعيد تشغيل الحلقة(التكرار)…’
الباب…
كان مفتوحًا.
"ولكن لماذا؟"
لماذا انفتح فجأة الآن بالذات؟
ثمة أمر لم يكن منطقيًا. مُكفهرًّا، تقدّمت نحو الباب، شاعراً بانقباض يثقل صدري، وجسدي كله يتشنج. وكلما اقتربت أكثر من الباب، ازداد التوتر في داخلي.
وكأن الذي كان يغلق الباب طوال ذلك الوقت قد سئم الانتظار.
وها هو الآن واقف أمام الباب مباشرة، ينتظر بصبر خروجي.
عضضت شفتَيّ، وأحسست بخفقان قلبي يتسارع.
لكن في النهاية—
طَنين!
انتهى بي الأمر إلى فتح الباب، قابضًا على السكين مستعدًا للطعن.
ومع ذلك…
لا شيء.
كان ما أمامي مظلمًا حالكًا، يخلو من كل شيء.
خطوت إلى الخارج، ملتفتًا يمينًا ويسارًا.
لا شيء أيضًا.
حككت مؤخرة رأسي.
ما الذي كان يحدث بحق السماء؟ هل نسي فقط أن يقفل الباب؟ ترددت قليلًا قبل أن أطرح كل الأفكار جانبًا.
’لا وقت للهدر. ما دام الباب مفتوحًا، فلا بأس أن أبدأ.’
راجعت الغرفة، وحملت لوحة المفاتيح ووضعتها بالخارج. جالبًا معي مقعدًا صغيرًا، جلست عليه بينما عدّلت القناع على وجهي.
ثم—
في حضرة الصمت، وضعت يديّ كلتيهما على لوحة المفاتيح.
دانغ!
تردّد الصدى لأول نغمة.