الفصل 204: الجرذ [3]
لم يكن الأمر كما لو أنني لم أتوقع حدوث شيء كهذا.
لقد رأيته قادمًا من أميال بعيدة. لهذا السبب دعوتُه جرذًا. كان ذلك تذكيرًا لنفسي بطبيعته المحتملة. تلك التي كنت معتادًا عليها جيدًا في اللعبة. ظللتُ متيقظًا تجاهه طوال الوقت، لكن في النهاية، استغل الفرصة رغم ذلك.
’…وها أنا قد منحتُه حسن الظن. وفي النهاية، ستظل الجرذان جرذانًا أبدا.’
"سيث…؟"
عند سماعي صوت كايل، رفعت بصري ببطء.
"هل كل شيء بخير؟ تبدو شاردًا بعض الشيء. إن لم تكن بخير بعد، يمكنني أن أستدعي الممرضة و—"
"لا، لا بأس."
أوقفتُ كايل قبل أن يستدعي الممرضات.
"…إنني فقط أشعر ببعض التعب. هذا كل ما في الأمر."
"أوه، هذا حسنًا."
بدا الارتياح قليلًا على ملامح كايل.
"في هذه الحالة—"
"لا، ابقَ قليلًا."
كان على وشك أن يأذن لنفسه بالمغادرة حين أوقفته.
"همم؟"
كان هناك ما هو أشد إلحاحًا في تلك اللحظة. أمر كنت أموت شوقًا لمعرفة جوابه.
"بشأن الأم—"
"آه."
اغتمّ وجه كايل في اللحظة التي ذكرتُ فيها الأم، وغاص قلبي. وكأنّه قد شعر بمشاعري، عضّ شفته وهزّ رأسه.
"إنها ليست ميتة، لكن حالتها، شأنها شأن الجميع في الميتم، ليست على ما يرام. عقولهم قد وُضعت تحت التنويم لفترة طويلة، والآن…" توقّف كايل لبرهة قبل أن يزفر تنهيدة. "الآن، جميعهم عالقون بضحكاتٍ مرسومة على وجوههم."
"….!؟"
وقبل أن أنطق بكلمة أخرى، رفع كايل يده ليوقفني.
"رغم أن الوضع كذلك، إلا أنه ليس سيئًا تمامًا. وعيهم ما زال موجودًا. غير أنهم، في الوقت الراهن، سيُرسلون جميعًا إلى المكتب لتلقي العلاج."
"المكتب؟ لكن هذا…"
"أعلم، لكنه أفضل رهان لمساعدة الأطفال والأم. لقد أُرسلوا بالفعل إلى هناك لتلقي الرعاية. سأبقيك على اطلاع بأوضاعهم حالما تنتهي الأمور. و…"
توقف كايل ثانية، وقد غدا تعبيره أكثر تعقيدًا.
"…الفتاة الصغيرة والصبي الصغير المدعو كريس. كلاهما في حالة حرجة. إن كانا سيعودان إلى طبيعتهما يومًا ما، فلست واثقًا."
ارتجفت يدي في تلك اللحظة.
"مـ… ماذا قلتَ للتو؟"
رغم محاولاتي المستميتة للحفاظ على ثبات صوتي، إلا أنه ارتجف دون وعي مني وأنا أحدّق في كايل.
"تلك الفتاة الصغيرة… ماذا قلتَ عن حالتها؟"
"إنها حرجة."
أجاب كايل، ووجهه قاتم للغاية.
"لست واثقًا تمامًا، لكن وُجد أنها تعاني من إصابة دماغية بالغة. وكأنّ أحدهم قد صعق عقلها بجهدٍ كهربائي بالغ القوة. جميعنا نعتقد أن ذلك سببه الشذوذ، لكن… نعم، وضعها ليس جيد. سيبذل المكتب قصارى جهده لمساعدتها على التعافي. والأمر ذاته ينطبق على الصبي الصغير."
"….."
وكأن فمي قد جُرّد من كل رطوبته.
جاف. جاف بشكل لا يُحتمل.
كاد حلقي ينعقد وأنا أكافح لاستيعاب كلمات كايل.
هذا…
’ألم يكن ذلك بسببي أنا؟’
لم يكن الأمر يحتاج إلى عبقرية لفهمه. لقد كنت بالفعل السبب في الحالة التي آلت إليها الفتاة.
في تلك اللحظة غلى شعور ما في داخلي.
لم يكن حزنًا، ولم يكن شعورًا بالذنب.
…وهذا ما كان المشكلة.
حين سمعتُ بشأن الفتاة الصغيرة، لم أشعر بالكثير إطلاقًا.
وهذا ما أرعبني حقًا. كنت أعلم أنني فعلت كل ذلك لأجل البقاء، لكنني كنت متيقنًا أن أي إنسان طبيعي سيشعر بشيء من الذنب تجاه ما جرى.
كنت متأكدًا أنني سأشعر أنا أيضًا بتلك الوخزة من الذنب.
ومع ذلك…
لا شيء.
لم أشعر بأي شيء على الإطلاق.
وذلك بالضبط ما كان مخيفًا.
ما الذي كان يحدث في العالم؟
لماذا… لم أستطع…
"على أي حال، هذه القضية بأكملها تبدو غريبة. ما زلنا نحقق في أصلها، لكن مما جمعناه حتى الآن، يبدو أن والد كريس كان مسؤولًا عن سرقة عمل لم يكن من إنجازه. المبدع الحقيقي، وقد تُرك بلا شيء، انتهى به الأمر إلى إنهاء حياته فقط لتغطية الفواتير الطبية لابنته. أظن أن من هنا بدأ الحقد، وكيف قد تكون الشذوذ. لكننا ما زلنا غير متأكدين تمامًا."
استمعتُ إلى كلمات كايل، وأومأت برأسي ببطء. معظم هذه المعلومات كنت أعرفها بشكل أو بآخر.
…لم تكن الصورة كاملة، لكن كان بإمكاني أن أُكوِّن تخمينًا.
ما كنت أشعر بالفضول حياله أكثر من غيره هو فهم كيف تكوّن هذا الشذوذ.
هل كان فقط من خلال حقد الموقف؟ أم أن هناك ما هو أكثر؟ هل للطائفة يد في الأمر؟
وماذا عن الحبوب في القبو؟ والصور التي لم أستطع حتى أن أرى نفسي فيها؟
كانت هناك الكثير من الأسئلة، ومع ذلك لم يكن لدي سوى القليل من الإجابات أو لا شيء.
مرة أخرى، خفق رأسي بالألم، لكنني لم أدع ذلك يظهر بينما نظرت إلى كايل. لم أرد منه أن يستدعي الممرضين ليفحصوا رأسي. حقيقة أنهم لم يكتشفوا الكسور أثارت فضولي. هل كان ذلك لأن المستشفى غير مجهّز للتعامل مع أمور كهذه، أم أن هناك سببًا آخر؟ شيء مثل… تدخل النظام؟
لم أكن متأكدًا، لكن شعورًا غارقًا أخبرني أنه الاحتمال الأخير.
جلست صامتًا، أستمع إلى حديث كايل. كان يتحدث عن أشياء كثيرة، أغلبها دخل من أذن وخرج من الأخرى.
لم أستطع أن أركز حقًا.
لكن في النهاية، كان صوت طرق غير متوقع هو ما أوقفه عن الكلام.
تووك—
"أوه؟"
ظهر ضيف غير متوقع عند الباب.
وهو يُفتح ببطء، التقت عيناي غمازتين بينما دخل الجرذ بخجل إلى الغرفة.
"مرحبًا؟ هل هذا وقت غير مناسب…؟"
مجرد النظر إليه جعلني أشعر بالغثيان.
"آه؟ سيث بخير. أظن أن هذا ليس وقتًا سيئًا."
ضاحكًا، تقدم كايل نحو الجرذ وربت على كتفه.
"أظن أن عليّ أن أذهب. على أي حال، لقد أديت عملًا رائعًا هناك. يبدو أنه لن يمر وقت طويل حتى تُرَقّى."
"…لا أدري بشأن ذلك، لكنني سأبذل قصارى جهدي بالتأكيد."
"جيد، جيد."
بدا كايل سعيدًا للغاية بتلك الإجابة.
شعرتُ بالغثيان وأنا أراقب الاثنين؛ ومع ذلك كتمت لساني. ماذا كنت سأقول أصلًا؟ إنه أفعى كاذبة؟ أو أنني أنا من هزمت الشذوذ حقًا؟
لم يكن هناك أي سبيل أن أقول ذلك.
في النهاية، لم يكن أمامي سوى البقاء حيث أنا، أنتظر بصمت بينما تحدث كايل مع الجرذ قبل أن يودعنا أخيرًا.
كلانك—
ساد الصمت في الغرفة بعد لحظة.
لا أنا ولا الجرذ تكلمنا.
لكن ذلك لم يدم طويلًا، إذ اقترب الجرذ مني وجلس على السرير، وكانت غمازتاه أوضح من ذي قبل.
"كيف حالك؟ هل تشعر بتحسن؟"
كان التعبير على وجهه مفعمًا بالقلق الحقيقي.
لو لم أكن أعلم أفضل، لكنت ربما صدقت ذلك.
لكن…
"أنت تعرف ما الذي فعلته."
"هم؟"
ارتفع حاجبا الجرذ، مختبئين تحت حافة قصة شعره. بدا مرتبكًا بصدق.
"ماذا فعلت؟ ماذا تعني بذلك؟ آه، هل تتحدث عن—"
"عن كيف استوليت على الفضل في شيء لم تفعله."
"….."
لبرهة، توقف الجرذ.
لكن ذلك التوقف لم يدم طويلًا، إذ سرعان ما ارتسمت على شفتيه ابتسامة ساخرة، كاشفة أخيرًا عن طبيعته الحقيقية بكل وضوحها.
"استوليت على الفضل؟"
أمال رأسه قليلًا، وحدق في وجهي مباشرة.
"هـل تـلـمّـح إلـى أن شـخـصًـا آخـر كـان قـادرًا عـلـى تـطـهـيـر الـشـذوذ؟ مــن؟ أنــت…؟"
لم تفتني نبرة سخرية صوته. ضاق بصري وهو يقترب أكثر.
"لا يمكن أن تكون أنت، أليس كذلك؟ مجرد شخص عادي. إلا إذا…" توقف قليلًا، ثم ضاقت عيناه وازدادت ابتسامته اتساعًا.
"…أنــت تــخــفــي شــيــئًــا؟"