الفصل 113: لعبة ملتوية [1]
حدث كل شيء بسرعة لدرجة أن أحدًا لم يُتح له الوقت ليرد الفعل. في لحظة، كان كايل يتحدث مع سيث في منتصف جملة.
وفي اللحظة التالية—
تموج بلا صوت تكوَّن في الهواء، كما لو أن حرارة شديدة كانت تشوّه صورة الواقع ذاته.
ثم… ظهر.
هيئة طويلة نحيلة برزت خلف سيث، كان حضورها مشؤومًا لدرجة أنه بدا وكأنه يمتص الدفء من الغرفة. كان يرتدي بذلة سوداء ممزقة، قماشها مرتخٍ قليلًا، وفوق رأسه الضيق استقرت قبعة علوية معوجّة تخفي ملامحه باستثناء ابتسامة مريضة ملتوية شوهت وجهه الشاحب.
انحبس نفس كايل. رفع الكائن ذراعه، وببطء، وبطريقة شبه حنونة، مرّر أصابعه الطويلة على جانب عنق سيث.
'متى… حدث ذلك؟'
بحلول الوقت الذي استعاد فيه ذهن كايل صفاءه وبدأ بالتحرك، كان سيث قد رفع يده بهدوء ووضع إصبعه على شفتيه.
ذلك الهدوء المريب أربك كايل لثوانٍ.
وربما كان من الجيد أنه لم يتكلم، لأن…
أليرمان، وهو مجند من الرتبة الثالثة، سبق الجميع بالكلام، إذ دوّى صوته عاليًا في الأرجاء.
لكن يبدو أن تلك كانت أسوأ غلطة له.
"اللعنة! أسرعوا! سأـ—!"
وكأن الكلمات نفسها استدعته.
فبعد لحظات وجيزة من فتحه فمه، تجسدت هيئة خلفه، وكان جسدها النحيل يُلقي بظلاله الكبيرة عليه مع انعكاس ضوء القمر من النافذة.
طقطقة—!
انثنت يد أليرمان للأعلى بزاوية غريبة، وانكسرت عظامه كما تنكسر الأغصان اليابسة. وقبل أن يسحب نَفَسًا ليصرخ، أمسكت يدٌ بفمه، وكانت أصابعها رفيعة تنحني على وجهه.
"…!"
طَق!
صراخ مكبوت مرتجف تسلّل من بين أصابعه بينما ذراعه الأخرى طويت نحو الخلف بصوت تهشُّم مقزز. بعدها انثنت ركبتاه في الاتجاه المعاكس، وانهار جسده بلا مقاومة.
ارتطام.
سقط أرضًا، وتشوّهت ملامحه بينما كان الكائن يلوح أمامه.
كل ذلك حدث بسرعة جنونية لدرجة أن الجميع ظلوا جامدين، يحدّقون بذهول.
صمت.
خيم الصمت على الغرفة بينما ظل جسد أليرمان على الأرض يتشنج.
ما الذي حدث بحق السماء؟
كيف…
"هااا—!"
صرخة تبعت الحدث فورًا.
آيريس، وهي مجندة شقراء من الرتبة الثالثة، أخرجت سلاحها الخاص، ووجّهته نحو الهيئة الملتوية. وفي اللحظة ذاتها، كان عقلها يعمل بأقصى طاقته، وعُقَد طاقتها اشتعلت، مما جعل عينيها تلمعان بلون أزرق.
كانت مستعدة للهجوم بكل ما أوتيت من قوة.
"أيها المنحرف اللعين! سأقتـ—!"
لكن…
طَق!
"ها!"
في اللحظة التي رفعت فيها السلاح، انثنى مرفقها بصوت حاد، ودار إلى الداخل كما لو أن عظامها تحولت إلى طين. بعدها، انحنت ركبتاها تحت جسدها، وانهارت على الأرض كدمية مكسورة، وعيناها مفتوحتان مذهولتان، بينما انزلق السلاح من يدها.
ارتطام!
تبع ذلك لحظة صمت عابرة.
لكن بعد ذلك…
بدأت التغيّرات.
جلدها بدأ يشحب ويترقق، مشدودًا فوق عظام جمجمتها. عروقها أظلمت، وذبلت تحت سطح جسدها. أطرافها ارتجفت مرة واحدة، ثم تصلبت… ثم بدأ هيكلها بالذبول.
تشققت شفتيها، وغارت وجنتاها، وبدأت عيناها — المفتوحتان بعد — تَغيم، تحدق في اللاشيء.
كانت… لا تزال حية.
وكان كايل يراقب كل ذلك بنفسٍ محتبس، وجسده بأكمله متيبّس.
هذه كانت المرة الأولى… المرة الأولى التي يشعر فيها بهذا القدر من الضياع.
كان ذهنه فارغًا، وفمه جافًا. هذا الشذوذ… لم يكن هناك شك في أنه من رتبة عالية. شعر كايل بالعجز. لم يكن يملك ما يكفي من المعلومات.
هو—
لا، انتظر.
فجأة، خطرت لكايل فكرة ما بينما كان يوجه وجهه ببطء نحو سيث، الذي ظل واقفًا بثبات، وتعابير وجهه هادئة على نحو غريب، وإصبعه لا يزال يضغط على شفتيه.
ما الذي كان يحاول قوله؟ أن يبقوا صامتين…؟
التقت أعينهما، وهزّ سيث رأسه ببطء.
ارتفع حاجبا كايل، لكنه في النهاية، بعدما نظر إلى البقية، وضع يده هو الآخر على فمه.
'ابقوا صامتين! لا تُصدروا صوتًا!'
ورغم أنه لم ينطق بالكلمات، إلا أنه حاول إيصال الرسالة من خلال نظراته.
ولحسن الحظ، استمع الآخرون، فأغلقوا أفواههم وضبطوا أنفاسهم. وفي تلك اللحظة تحديدًا، توقف الشذوذ عن الحركة، وتركز نظره على سيث، الذي أغلق عينيه.
كان سيث مدركًا تمامًا لوضعه. الرجل الملتوي… كان يتسلى لا أكثر في هذه اللحظة.
لقد وجده بالفعل، لذا صار يقتل كل من يُصدر صوتًا ببطء.
هذا الوضع…
أصبح الآن لعبة بالنسبة له.
ألعاب يحبها، وألعاب يلعبها.
وباستحضار بيت معين من القصيدة، كان سيث متأكدًا من ذلك.
كل هذا…
كان لعبة مريضة من ألعاب الرجل الملتوي.
اقترب الرجل الملتوي ببطء من خلف سيث، وأصابعه الطويلة الهزيلة حكّت عنقه من جديد، وبدأ الدم يتسرب، مشكّلًا خطوطًا حمراء طويلة تسيل على عنقه.
ثم وجه نظره نحو الباقين، وكأنه يتحداهم ليفعلوا شيئًا.
ليُصدروا صوتًا.
لكن الآن، لم يجرؤ أحد على إصدار أي صوت. كان الجميع مدركًا لحجم الخطر بينما كانت عقول كايل والبقية تعمل بأقصى طاقتها لمحاولة إيجاد مخرج.
ولكن بعد ذلك…
"سـ-اعدوني."
ترددت صرخة مفاجئة طلبًا للمساعدة.
استدارت كل الرؤوس نحو أحد الأعضاء الممددين على الأرض، واتسعت أعينهم.
ذلك الصوت…
الجميع كان يعرفه.
إنه صوت آيريس.
"أ… أرجوكم، ساعدوني. أنا… ما زلت على قيد الحياة. لم يفت الأوان بعد."
وبينما كانت كلماتها تتردد، لعق كايل شفتيه، وفتح فمه. لكن، في اللحظة التي فعل فيها ذلك، لمح من زاوية عينه سيث، إصبعه لا يزال على شفتيه، ورأسه يتحرك ببطء ليركز نظراته على الرجل النحيل خلفه.
زوي وريموند أيضًا بديا وكأنهما تلقيا الرسالة، ولكن…
"لا أرى شيئًا… أين أنتم…؟ أنا…"
"آيريس، فقط تماسكي—!"
ريتشارد!!
طَق!
لم يستوعب الجميع الرسالة، وفورًا، ظهرت هيئة خلفهم، وبدأت أذرعهم وأرجلهم تنكسر بزوايا غير طبيعية، قبل أن يسقطوا على الأرض بلا حراك.
توتر وجه كايل من المنظر، وارتجف جسده بينما أراد أن يهب للمساعدة، لكنه أدرك أنه لا يستطيع.
'اللعنة! اللعنة! اللعنة!'
عض كايل على أسنانه، وتشنجت عضلاته بينما حاول الحفاظ على هدوئه.
كان يعرف أن هذا كله فخ.
لا يمكنه الحديث. عليه أن يبقى صامتًا.
ارتطام!
عاد الصمت يخيم على المكان، وجميع الأنظار اتجهت نحو الرجل الملتوي الواقف خلف سيث، وابتسامته تمتد حتى تصل إلى قبعته العلوية.
بلغ التوتر ذروته وهم يحدقون في الرجل الملتوي.
لكن، وكأن ذلك لم يكن كافيًا، تحرك الرجل الملتوي مبتعدًا عن سيث وتوجه نحو أحد الجدران، وأصابعه الطويلة الرفيعة ضغطت على الجدار المتعفن، وبدأ ينقش شيئًا عليه.
وسط الصمت، دوّى صوت خدش عالٍ في الغرفة، كأنه يطحن آذانهم، ويخدش عقولهم.
سكراااا سكراااا
كان ذلك الصوت كل ما يمكنهم سماعه، يسحب الهواء من صدورهم ويلوي أمعاءهم مع كل خدشة.
شعروا وكأن الأمر استمر إلى الأبد، ثم—
توقف الصوت، وظهرت قصيدة.
*"تيك-توك، أنصت، لا تُصدر صوتًا، وإلا جاء الرجل الملتوي يدور في المكان. يمشي في الصدى، ويزحف مع الضجيج، يتغذى على الأنين، ويشرب صوتك الهزيل.
يبدأ كظل، ثم يصبح خلف ظهرك، أصابعه تهمس حيث تتحطم موجات الصوت. تحدث بكلمة، فيقترب، اصرخ مرة، فيظهر أمامك.
ألعاب يحبها، وألعاب يلعبها، قد يتغير صوته، لكن مظهره لا يتبدل. احذر من الصوت، فقد يكون صوته. إلزم لسانك واكتم صرخاتك، لئلا تكون آخر أنفاسك همس أكاذيبه.
لن يغادرك الرجل الملتوي، ستدرك ذلك… ما لم تترك صوتك خلفك."*
استدار الرجل الملتوي برأسه ببطء، ناظرًا إليهم، وابتسامته الواسعة القبيحة تزداد التواءً.
ورغم أنه لم يُنطق بكلمة واحدة، أدرك الجميع حينها الحقيقة.
هذه القصيدة…
كانت رسالة.
رسالة تخبرهم أن ما يحدث… لعبة.
لعبة بينه وبينهم.
كان الرجل الملتوي يرحّب بهم.
يرحب بهم في لعبته الملتوية.